Site hosted by Angelfire.com: Build your free website today!

العودة إلى الصفحة الأولى | جامعة الملك عبد العزيز |  كلية الآداب والعلوم الإنسانية |   قسم اللغة العربية

 

القلب اللغوي والاشتقاق التقليبي

القلب اللغوي: تقديم حرف على آخر في الكلمة، وهو ظاهرة شائعة في حياة بعض الكلمات، ومن أمثلته:

جذب و جبذ: قطع

صاعِقة وصَاقِعة.

أنْبَض القَوْس وأنْضب: جبذ وترها لتصوّت.

اضمحلّ وامضحلّ الشيء: ذهب.

طريق طَامِس وطَاسِم.

قوس عُلط وعطل: لا وَتَر عليها.

عاث يَعِيث وعَثا يعثِي‏:‏ أفْسد.

فَثَأْت القدر وثفأتها إذا سكنت غليانها.

مِزرَاب ومِرْزاب: ميزاب الماء.

رجل شَاكي السلاح وشائك: كامله.

في لسانه حُكْلة وحُلْكَة: عقدة.

رجل خُنافِر وفُناخِر‏:‏ عظيم الأنف.

ويبدو أن السبب الرئيسي في القلب هو خطأ يرتكبه الصغار عند نطق الكلمات في بداية تعلمهم للغة ، ومن ثم يشيع ويبقى في لغة الكبار حتى يصبح جزءا من اللغة.

واللغويون مختلفون حول ما يُعد قلبا، ويبدو لنا من قول النحاس[1] أن القلب عند البصريين لا يكون إلا مع اتحاد اللغة، مثل شَاكي السلاح وشائك، وجرف هارٍ وهائِر؛ وعند الكوفيين يمكن أن يكون في لغتين نحو جَبَذ وجَذَب.

وذهب ابنُ دستوريه إلى إِنكار القلب فقال في شرح الفصيح‏:‏ في البِطِّيخ لغة أخرى طِّبيخ بتقديم الطاء وليست عندنا على القَلْب كما يزعُم اّللغويون وقد بيَّنا الحجة في ذلك في كتاب إِبطال القلب.

ويبدو لنا أن هناك ثلاث حالات للقلب:

الأولى: ما نسمعه في كلام الصغار، مثل قولهم أعطيناك > أطعيناك.

الثانية: ما يكون في لغتين مختلفتين: مثل: صاعقة وصاقعة، وجذب وجبذ.

الثالثة ما يكون في لغة واحدة وهو قليل نادر، مثل شائك وشاكي.

الاشتقاق التقليبي

يرى ابن جني أن التقليبات الستة للجذر الثلاثي هي نوع من الاشتقاق الذي سماها الاشتقاق الكبير، (ونحن هنا نسميه الاشتقاق التقليبي) ووصفه بقوله: هو أن تأخذ أصلا من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه.

ويمكن أن نبسط تعريفه على النحو التالي: رد التقليبات الستة للأصل الثلاثي إلى مدلول عام يضمها جميعا. وقد ضرب ابن جني أمثلة قليلة على هذا الاشتقاق في كتابه الخصائص، منها:

 (ك ل م) يزعم أن معاني تقليباتها تدور حول: الدلالة على القوة والشدة. والمستعمل منها أصول خمسة، وهي: (ك ل م) (ك م ل) (ل ك م) (م ك ل) (م ل ك) وأهملت منه (ل م ك)، فلم تأت في ثبت، فمن ذلك الأصل أُخذ:

الأول (ك ل م)، منه الكلم للجرح. وذلك للشدة التي فيه، وقالوا في قول الله سبحانه: "دابة من الأرض تكلمهم" قولين: أحدهما من الكَلام، والآخر من الكِلام أي تجرحهم وتأكلهم، وقالوا: الكُلام: ما غلظ من الأرض، وذلك لشدته وقوته، وقالوا: رجل كليم أي مجروح وجريح، ومنه الكلام، وذلك أنه سبب لكل شر وشدة في أكثر الأمر ، وجرح اللسان كجرح اليد.

الثاني (ك م ل)، من ذلك كمَل الشيء وكمُل وكمِل فهو كامل. والتقاؤهما أن الشيء إذا تم وكمل كان حينئذ أقوى وأشد منه إذا كان ناقصاً غير كامل.

الثالث (ل ك م)، منه اللكم إذا وجأت الرجل ونحوه، ولا شك في شدة ما هذه سبيله. [لأنه أشد من الصفع واللطم].

الرابع (م ك ل)، منه بئر مكول، إذا قل ماؤها، والتقاؤهما أن البئر موضوعة إذا قل ماؤها كره موردها، وتلك شدة ظاهرة.

الخامس (م ل ك)، من ذلك ملكت العجين، إذا أنعمت عجنه فاشتد وقوي. ومنه ملك الإنسان، ألا تراهم يقولون: قد اشتملت عليه يدي، وذلك قوة وقدرة من المالك على ملكه، ومنه الملك، لما يعطى صاحبه من القوة والغلبة، وأملكت الجارية، لأن يد بعلها تقتدر عليها. فكذلك بقية الباب كله.

ومن ذلك تقليب(ج ب ر) فهي كما زعم تفيد معنى "القوة والشدة‏":

(1) منها (ج ب ر): جبرت العظم والفقير إذا قويتهما وشددت منهما والجبر‏:‏ الملك لقوته وتقويته لغيره‏.‏

(2) ومنها (ج ر ب): رجل مجرب إذا جرسته الأمور ونجذته فقويت منته واشتدت شكيمته‏.‏ ومنه الجراب لأنه يحفظ ما فيه وإذا حفظ الشيء وروعى اشتد وقوى وإذا أغفل وأهمل تساقط ورذى‏.‏

(3) ومنها (ب ج ر): الأبجر والبجرة وهو القوي السرة‏.‏

(4) ومنه (ب ر ج): البُرج لقوته في نفسه وقوة ما يليه به وكذلك البَرج لنقاء بياض العين وصفاء سوادها هو قوة أمرها وأنه ليس بلون مستضعف

(5) ومنها (ر ج ب): رجبت الرجل إذا عظمته وقويت أمره‏.‏ ومنه شهر رجب لتعظيمهم إياه عن القتال فيه وإذا كرمت النخلة على أهلها فمالت دعموها بالرجبة وهو شيء تسند إليه لتقوى به‏.‏ والراجبة‏:‏ أحد فصوص الأصابع وهي مقوية لها‏.‏

(6) ومنها (ر ب ج) الرباجي وهو الرجل يفخر بأكثر من فعله قال‏:‏ وتلقاه رباجيا فخورا تأويله أنه يعظم نفسه ويقوي أمره‏.‏

ووقد شعر ابن جني بصعوبة تطبيق فكرته فقال: اعلم أنا لا ندعى أن هذا مستمر في جميع اللغة كما لا ندعي للاشتقاق الأصغر أنه في جميع اللغة‏.‏ بل إذا كان ذلك الذي هو في القسمة سدس هذا أو خمسه متعذرا صعبا كان تطبيق هذا وإحاطته أصعب مذهبا وأعز ملتمسا‏. ‏بل لو صح من هذا النحو وهذه الصنعة المادة الواحدة تتقلب على ضروب التقلب كان غريباً معجباً‏.‏ فكيف به وهو يكاد يساوق الاشتقاق الأصغر ويجاريه إلى المدى الأبعد.

نقد القول بالاشتقاق التقليبي

وقد انتقد ابن جني كثير من اللغويين الأقدمين والمحدثين، فمن الأولين، السيوطي الذي قال في شأن هذا الاشتقاق: "وهذا مما ابتدعه الإمامُ أبو الفتح ابن جنّي وكان شيخه أبو علي الفارسي يأنس به يسيراً وليس معتَمداً في اللغة ولا يصحّ أن يُستنبط به اشتقاق في لغة العرب وإنما جعله أبو الفتح بياناً لقوة ساعده وردّه المختلفات إلى قَدْرٍ مشترك مع اعترافه وعِلْمِه بأنه ليس هو موضوع تلك الصّيغ وأن تراكيبها تفيد أجناساً من المعاني مغايرةً للقَدْر المشترك وسببُ إهمال العرب وعدمِ التفات المتقدمين إلى معانيه أن الحروف قليلةٌ وأنواع المعاني المتفاهمة لا تكادُ تتناهى فخصُّوا كلّ تركيب بنوعٍ منها ليفيدوا بالتراكيب والهيئات أنواعاً كثيرة ولو اقتصروا على تغاير الموادّ حتى لا يدلّوا على معنى الإكرام والتعظيم إلا بما ليس فيه من حروف الإيلام والضّرب لمنافاتهما لهما لضاق الأمرُ جداً ولاحْتاجوا إلى ألوف حروفٍ لا يجدونها."

 

 



[1]  السيوطي، المزهر