|
الصفحة الأولى Main Page |
دروس من سورة
الحجرات
من تفسير ظلال
القرآن لسيد قطب
الدرس الأول: 1 - 5 توجيه المسلمين إلى الأدب مع الرسول عليه
السلام: غض الصوت وعدم التقدم عليه وعدم مناداته بجلافة
(يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله
ورسوله , واتقوا الله إن الله سميع عليم . يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق
صوت النبي , ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض , أن تحبط أعمالكم وأنتم
لا تشعرون . إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله
قلوبهم للتقوى , لهم مغفرة وأجر عظيم .إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا
يعقلون . ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم , والله غفور رحيم). .
تبدأ السورة بأول نداء حبيب , وأول استجاشة للقلوب
. (يا أيها الذين آمنوا). . نداء من الله للذين آمنوا به بالغيب . واستجاشة
لقلوبهم بالصفة التي تربطهم به , وتشعرهم بأنهم له , وأنهم يحملون شارته , وأنهم في
هذا الكوكب عبيده وجنوده , وأنهم هنا لأمر يقدره ويريده , وأنه حبب إليهم الإيمان
وزينه في قلوبهم اختيارا لهم ومنة عليهم , فأولى لهم أن يقفوا حيث أراد لهم أن
يكونوا , وأن يقفوا بين يدي الله موقف المنتظر لقضائه وتوجيهه في نفسه وفي غيره , يفعل
ما يؤمر ويرضى بما يقسم , ويسلم ويستسلم:
(يا أيها
الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله , واتقوا الله إن الله سميع عليم). .
يا أيها الذين آمنوا , لا تقترحوا على الله ورسوله
اقتراحا , لا في خاصة أنفسكم , ولا في أمور الحياة من حولكم . ولا تقولوا في أمر
قبل قول الله فيه على لسان رسوله , ولا تقضوا في أمر لا ترجعون فيه إلى قول
الله وقول رسوله .
قال قتادة:
ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو
أنزل في كذا وكذا . لو صح كذا . فكره الله تعالى ذلك . وقال العوفي: نهوا أن يتكلموا بين يديه . وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله [ ص ] بشيء حتى يقضي الله تعالى على
لسانه . وقال الضحاك: لا تقضوا أمرا دون
الله ورسوله من شرائع دينكم . وقال علي بن طلحة عن ابن عباس - رضي الله عنهما
-: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة .
فهو أدب نفسي مع الله ورسوله . وهو منهج في التلقي
والتنفيذ . وهو أصل من أصول التشريع والعمل في الوقت ذاته . . وهو منبثق من
تقوى الله , وراجع إليها . هذه التقوى النابعة من الشعور بأن الله سميع عليم . .
وكل ذلك في آية واحدة قصيرة , تلمس وتصور كل هذه الحقائق الأصلية الكبيرة .
وكذلك تأدب المؤمنون مع ربهم ومع رسولهم ; فما عاد
مقترح منهم يقترح على الله ورسوله ; وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه
رسول الله [ ص ] أن يدلي به ; وما عاد أحد منهم يقضي برأيه في أمر أو حكم , إلا
أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول الرسول . .
روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه - باسناده
- عن معاذ - رضي الله عنه - حيث قال له النبي [ ص ] حين بعثه إلى اليمن: " بم تحكم ? " قال: بكتاب الله تعالى . قال [ ص ]:
" فإن لم تجد ? " قال: بسنة رسول الله [ ص ] قال [ ص ]: "
فإن لم تجد ? "
قال - رضي الله عنه -: أجتهد رأيي . فضرب في صدره
وقال " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله [ ص ] لما يرضي رسول الله " .
وحتى لكأن رسول الله [ ص ] يسألهم عن اليوم الذي
هم فيه , والمكان الذي هم فيه , وهم يعلمونه حق العلم , فيتحرجون أن يجيبوا إلا
بقولهم: الله ورسوله أعلم . خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله !
جاء في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي - رضي
الله عنه - أن النبي [ ص ] سأل في حجة الوداع: أي شهر هذا ? " . . قلنا:
الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . فقال: " أليس ذا الحجة ? " قلنا
بلى ! قال: " أي بلد هذا ? " قلنا: الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميهبغير اسمه . فقال:
" أليس البلدة الحرام ? " قلنا: بلى ! قال: " فأي يوم
هذا ? " قلنا: الله ورسوله أعلم . فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه . فقال: أليس يوم النحر
? قلنا بلى ! . . الخ .
فهذه صورة من الأدب , ومن التحرج , ومن التقوى ,
التي انتهى إليها المسلمون بعد سماعهم ذلك النداء , وذلك التوجيه , وتلك الإشارة
إلى التقوى , تقوى الله السميع العليم .
والأدب الثاني هو أدبهم مع نبيهم في الحديث
والخطاب ; وتوقيرهم له في قلوبهم , توقيرا ينعكس على نبراتهم وأصواتهم ; ويميز شخص
رسول الله بينهم , ويميز مجلسه فيهم ; والله يدعوهم إليه بذلك النداء الحبيب ; ويحذرهم
من مخالفة ذلك التحذير الرهيب:
(يا أيها
الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي , ولا تجهروا له بالقول كجهر
بعضكم لبعض , أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون). .
يا أيها الذين آمنوا . . ليوقروا النبي الذي دعاهم
إلى الإيمان . . أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون . . ليحذروا هذا المزلق
الذي قد ينتهي بهم إلى حبوط أعمالهم , وهم غير شاعرين ولا عالمين , ليتقوه !
ولقد عمل في نفوسهم ذلك النداء الحبيب , وهذا
التحذير المرهوب , عمله العميق الشديد:
قال البخاري: حدثنا بسرة بن صفوان اللخمي , حدثنا
نافع بن عمر , عن ابن أبي مليكة . قال: كاد الخيران أن يهلكا . . أبو بكر وعمر رضي
الله عنهما . . رفعا أصواتهما عند النبي [ ص ] حين قدم عليه ركب بني تميم "في
السنة التاسعة من الهجرة " فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس - رضي الله عنه - أخي بني مجاشع
"أي ليؤمره عليهم" وأشار الآخر برجل آخر . قال نافع: لا أحفظ اسمه "في رواية
أخرى أن اسمه القعقاع بن معبد" فقال: أبو بكر لعمر - رضي الله عنهما - ما أردت
إلا خلافي . فقال: ما أردت خلافك . فارتفعت أصواتهما في ذلك . فأنزل الله تعالى: (يا
أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي , ولا تجهروا له بالقول
كجهر بعضكم لبعض , أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون). قال ابن الزبير - رضي الله عنه
-: فما كان عمر - رضي الله عنه - يسمع رسول الله [ ص ] بعد هذه الآية حتى يستفهمه !
وروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال لما نزلت هذه الآية: قلت: يا رسول الله ,
والله لا أكلمك إلا كأخي السرار "يعني كالهمس ! "
.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم , حدثنا سليمان بن
المغيرة , عن ثابت , عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: لما نزلت هذه
الآية: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم
فوق صوت النبي - إلى قوله: وأنتم لا تشعرون وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت .
فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله [ ص ] أنا من أهل النار . حبط عملي .
وجلس في أهله حزينا . ففقده رسول الله [ ص ] فانطلق بعض القوم إليه , فقالوا له: تفقدك
رسول الله [ ص ] مالك ? قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي [ ص ] وأجهر له بالقول
. حبط عملي . أنا من أهل النار . فأتوا النبي [ ص ] فأخبروه بما قال . فقال
النبي [ ص ]: " لا . بل هو من أهل الجنة " . قال أنس - رضي الله عنه -:
فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة .
فهكذا ارتعشت قلوبهم وارتجفت تحت وقع ذلك النداء
الحبيب , وذلك التحذير الرعيب ; وهكذا تأدبوا في حضرة رسول الله [ ص ] خشية أن
تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون . ولو كانوا يشعرون لتداركوا أمرهم ! ولكن هذا المنزلق
الخافي عليهم كان أخوف عليهم , فخافوه واتقوه !
ونوه الله بتقواهم , وغضهم أصواتهم عند رسول الله
[ ص ] في تعبير عجيب:
(إن الذين
يغضون أصواتهم عند رسول الله , أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى . لهم مغفرة
وأجر عظيم).
فالتقوى هبة عظيمة , يختار الله لها القلوب , بعد
امتحان واختبار , وبعد تخليص وتمحيص , فلا يضعها في قلب إلا وقد تهيأ لها , وقد
ثبت أنه يستحقها . والذين يغضون أصواتهم عند رسول الله قد اختبر الله قلوبهم
وهيأها لتلقي تلك الهبة . هبة التقوى . وقد كتب لهم معها وبها المغفرة والأجر العظيم .
إنه الترغيب العميق , بعد التحذير المخيف . بها
يربي الله قلوب عباده المختارين , ويعدها للأمر العظيم . الذي نهض به الصدر الأول
على هدى من هذه التربية ونور .
وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي
الله عنه - أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي [ ص ] قد ارتفعت أصواتهما , فجاء فقال:
أتدريان أين أنتما ? ثم قال: من أين أنتما ? قالا: من أهل الطائف . فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا !
وعرف علماء هذه الأمة وقالوا: إنه يكره رفع الصوت
عند قبره [ ص ] كما كان يكره في حياته [ ص ] احتراما له في كل حال .
ثم أشار إلى حادث وقع من وفد بني تميم حين قدموا
على رسول الله [ ص ] في العام التاسع . الذي سمي "عام الوفود" . .
لمجيء وفود العرب من كل مكان بعد فتح مكة , ودخولهم في الإسلام , وكانوا أعرابا جفاة , فنادوا
من وراء حجرات أزواج النبي [ ص ] المطلة على المسجد النبوي الشريف: يا محمد . اخرج
لنا . فكره النبي [ ص ] هذه الجفوة وهذا الإزعاج . فنزل قوله تعالى:
(إن الذين
ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون , ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم
لكان خيرا لهم , والله غفور رحيم). .
فوصفهم الله بأن أكثرهم لا يعقلون . وكره إليهم
النداء على هذه الصفة المنافية للأدب والتوقير اللائق بشخص النبي [ ص ] وحرمة
رسول الله القائد والمربي . وبين لهم الأولى والأفضل وهو الصبر والانتظار حتى يخرج
إليهم . وحبب إليهم التوبة والإنابة , ورغبهم في المغفرة والرحمة .
وقد وعى المسلمون هذا الأدب الرفيع , وتجاوزوا به
شخص رسول الله [ ص ] إلى كل أستاذ وعالم . لا يزعجونه حتى يخرج إليهم ; ولا
يقتحمون عليه حتى يدعوهم . . يحكى عن أبي عبيد - العالم الزاهد الراوية الثقة - أنه
قال: "ما دققت بابا على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه" .
.
الدرس الثاني: 6 - 8 توجيه المسلمين للتثبت من خبر الفاسق
وبيان آثار الإيمان
(يا أيها الذين
آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما
فعلتم نادمين . واعلموا أن فيكم رسول الله , لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ;
ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم , وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان
, أولئك هم الراشدون , فضلا من الله ونعمة , والله عليم حكيم). .
كان النداء الأول لتقرير جهة القيادة ومصدر التلقي
. وكان النداء الثاني لتقرير ما ينبغي من أدب للقيادة وتوقير . وكان هذا وذلك
هو الأساس لكافة التوجيهات والتشريعات في السورة . فلا بد من وضوح المصدر
الذي يتلقى عنه المؤمنون , ومن تقرير مكان القيادة وتوقيرها , لتصبح للتوجيهات بعد ذلك
قيمتها ووزنهاوطاعتها . ومن ثم جاء هذا النداء الثالث
يبين للمؤمنين كيف يتلقون الأنباء وكيف يتصرفون بها , ويقرر ضرورة
التثبت من مصدرها:
(يا أيها
الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا , أن تصيبوا قوما بجهالة , فتصبحوا
على ما فعلتم نادمين). .
ويخصص الفاسق لأنه مظنة الكذب . وحتى لا يشيع الشك
بين الجماعة المسلمة في كل ما ينقله أفرادها من أنباء , فيقع ما يشبه الشلل في
معلوماتها . فالأصل في الجماعة المؤمنة أن يكون أفرادها موضع ثقتها , وأن تكون
أنباؤهم مصدقة مأخوذا بها . فأما الفاسق فهو موضع الشك حتى يثبت خبره . وبذلك
يستقيم أمر الجماعة وسطا بين الأخذ والرفض لما يصل إليها من أنباء . ولا تعجل الجماعة
في تصرف بناء على خبر فاسق . فتصيب قوما بظلم عن جهالة وتسرع . فتندم على
ارتكابها ما يغضب الله , ويجانب الحق والعدل في اندفاع .
وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في
الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله [ ص ] على صدقات بني المصطلق .
وقال ابن كثير . قال مجاهد وقتادة: أرسل رسول الله [ ص ] الوليد بن عقبة إلى
بني المصطلق يتصدقهم فتلقوه بالصدقة , فرجع فقال: إن بني المصطلق قد جمعت لك
لتقاتلك - زاد قتادة وأنهم قد ارتدوا عن الإسلام - فبعث رسول الله [ ص ] خالد بن
الوليد - رضي الله عنه - إليهم , وأمره أن يتثبت ولا يعجل , فانطلق حتى أتاهم ليلا
, فبعث عيونه , فلما جاءوا أخبروا خالدا - رضي الله عنه - أنهم مستمسكون بالإسلام ,
وسمعوا أذانهم وصلاتهم , فلما أصبحوا أتاهم خالد - رضي الله عنه - فرأى الذي
يعجبه ; فرجع إلى رسول الله [ ص ] فأخبره الخبر , فأنزل الله تعالى هذه الآية
الكريمة . قال قتادة: فكان رسول الله [ ص ] يقول: " التثبت من الله والعجلة من الشيطان "
. . وكذا ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى , ويزيد بن رومان , والضحاك , ومقاتل
بن حبان . وغيرهم في هذه الآية أنها نزلت في الوليد بن عقبة . والله أعلم . . [
انتهى كلام ابن كثير في التفسير " .
.
ومدلول الآية عام , وهو يتضمن مبدأ التمحيص
والتثبت من خبر الفاسق ; فأما الصالح فيؤخذ بخبره , لأن هذا هو الأصل في الجماعة
المؤمنة , وخبر الفاسق استثناء . والأخذ بخبر الصالح جزء من منهج التثبت لأنه أحد مصادره .
أما الشك المطلق في جميع المصادر وفي جميع الأخبار , فهو مخالف لأصل الثقة المفروض
بين الجماعة المؤمنة , ومعطل لسير الحياة وتنظيمها في الجماعة . والإسلام يدع الحياة
تسير في مجراها الطبيعي , ويضع الضمانات والحواجز فقط لصيانتها لا لتعطيلها
ابتداء . وهذا نموذج من الإطلاق والاستثناء في مصادر الأخبار .
ويبدو أنه كان من بعض المسلمين اندفاع عند الخبر
الأول الذي نقله الوليد بن عقبة , وإشارة على النبي [ص] أن يعجل بعقابهم . وذلك حمية
من هذا الفريق لدين الله وغضبا لمنع الزكاة . فجاءت الآية التالية تذكرهم
بالحقيقة الضخمة والنعمة الكبيرة التي تعيش بينهم ليدركوا قيمتها وينتبهوا دائما
لوجودها:
(واعلموا
أن فيكم رسول الله). .
وهي حقيقة تتصور بسهولة لأنها وقعت ووجدت . ولكنها
عند التدبر تبدوا هائلة لا تكاد تتصور ! وهل من اليسير أن يتصور الإنسان أن
تتصل السماء بالأرض صلة دائمة حية مشهودة ; فتقول السماء للأرض ;وتخبر أهلها عن حالهم وجهرهم وسرهم , وتقوم خطاهم أولا بأول , وتشير عليهم في
خاصة أنفسهم وشؤونهم . ويفعل أحدهم الفعلة ويقول أحدهم القولة , ويسر أحدهم الخالجة ;
فإذا السماء تطلع , وإذا الله - جل جلاله - ينبئ رسوله بما وقع , ويوجهه لما يفعل
وما يقول في هذا الذي وقع . . إنه لأمر . وإنه لنبأ عظيم . وإنها لحقيقة هائلة . قد
لا يحس بضخامتها من يجدها بين يديه . ومن ثم كان هذا التنبيه لوجودها بهذا
الأسلوب: (واعلموا أن فيكم رسول الله). . اعلموا
هذا وقدروه حق قدره , فهو أمر عظيم. ومن مقتضيات العلم بهذا الأمر العظيم أن لا يقدموا
بين يدي الله ورسوله . ولكنه يزيد هذا التوجيه إيضاحا وقوة , وهو يخبرهم أن
تدبير رسول الله [ ص ] لهم بوحي الله أو إلهامه فيه الخير لهم والرحمة واليسر . وأنه لو
أطاعهم فيما يعن لهم أنه خير لعنتوا وشق عليهم الأمر . فالله أعرف منهم بما هو
خير لهم , ورسوله رحمة لهم فيما يدبر لهم ويختار:
(لو
يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم). .
وفي هذا إيحاء لهم بأن يتركوا أمرهم لله ورسوله ,
وأن يدخلوا في السلم كافة , ويستسلموا لقدر الله وتدبيره , ويتلقوا عنه ولا
يقترحوا عليه .
ثم يوجههم إلى نعمة الإيمان الذي هداهم إليه ,
وحرك قلوبهم لحبه , وكشف لهم عن جماله وفضله , وعلق أرواحهم به ; وكره إليهم الكفر
والفسوق والمعصية , وكان هذا كله من رحمته وفيضه:
(ولكن
الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ; وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان
. أولئك هم الراشدون . فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم). .
واختيار الله لفريق من عباده , ليشرح صدورهم للإيمان
, ويحرك قلوبهم إليه , ويزينه لهم فتهفو إليه أرواحهم , وتدرك ما فيه من
جمال وخير . . هذا الاختيار فضل من الله ونعمة , دونها كل فضل وكل نعمة . حتى نعمة
الوجود والحياة أصلا , تبدو في حقيقتها أقل من نعمة الإيمان وأدنى ! وسيأتي قوله
تعالى: (بل الله يمن عليكم أن هداكم
للإيمان)فنفصل القول إن شاء الله في هذه المنة .
والذي يستوقف النظر هنا هو تذكيرهم بأن الله هو
الذي أراد بهم هذا الخير , وهو الذي خلص قلوبهم من ذلك الشر: الكفر والفسوق
والعصيان . وهو الذي جعلهم بهذا راشدين فضلا منه ونعمة . وأن ذلك كله كان عن علم منه
وحكمة . . وفي تقرير هذه الحقيقة إيحاء لهم كذلك بالاستسلام لتوجيه الله وتدبيره ,
والاطمئنان إلى ما وراءه من خير عليهم وبركة , وترك الاقتراح والاستعجال والاندفاع
فيما قد يظنونه خيرا لهم ; قبل أن يختار لهم الله . فالله يختار لهم الخير , ورسول
الله [ ص ] فيهم , يأخذ بيدهم إلى هذا الخير . وهذا هو التوجيه المقصود في
التعقيب .
وإن الإنسان ليعجل , وهو لا يدري ما وراء خطوته .
وإن الإنسان ليقترح لنفسه ولغيره , وهو لا يعرف ما الخير وما الشر فيما
يقترح. (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا). ولو استسلم لله ,
ودخل في السلم كافة , ورضي اختيار الله له , واطمأن إلى أن اختيار الله أفضل من
اختياره , وأرحم له وأعود عليه بالخير . لاستراح وسكن . ولأمضى هذه الرحلة القصيرة على هذا
الكوكب في طمأنينة ورضى . . ولكن هذا كذلك منة من الله وفضل يعطيه من يشاء .
الدرس الثالث: 9 - 10 الإصلاح بين المؤمنين والتذكير بأخوتهم
(وإن
طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما . فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا
التي تبغي حتىتفيء إلى أمر الله . فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا . إن الله يحب
المقسطين . إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم , واتقوا الله لعلكم ترحمون). .
وهذه قاعدة تشريعية عملية لصيانة المجتمع المؤمن
من الخصام والتفكك , تحت النزوات والاندفاعات . تأتي تعقيبا على تبين خبر
الفاسق , وعدم العجلة والاندفاع وراء الحمية والحماسة , قبل التثبت والاستيقان .
وسواء كان نزول هذه الآية بسبب حادث معين كما ذكرت
الروايات , أم كان تشريعا لتلافي مثل هذه الحالة , فهو يمثل قاعدة عامة
محكمة لصيانة الجماعة الإسلامية من التفكك والتفرق . ثم لإقرار الحق والعدل والصلاح .
والارتكان في هذا كله إلى تقوى الله ورجاء رحمته بإقرار العدل والصلاح .
والقرآن قد واجه - أو هو يفترض - إمكان وقوع
القتال بين طائفتين من المؤمنين . ويستبقي لكلتا الطائفتين وصف الإيمان مع اقتتالهما
, ومع احتمال أن إحداهما قد تكون باغية على الأخرى , بل مع احتمال أن تكون كلتاهما
باغية في جانب من الجوانب .
وهو يكلف الذين آمنوا - من غير الطائفتين
المتقاتلتين طبعا - أن يقوموا بالإصلاح بين المتقاتلين . فإن بغت إحداهما فلم تقبل الرجوع
إلى الحق - ومثله أن تبغيا معا برفض الصلح أو رفض قبول حكم الله في المسائل
المتنازع عليها - فعلى المؤمنين أن يقاتلوا البغاة إذن , وأن يظلوا يقاتلونهم حتى
يرجعوا إلى أمر الله . وأمر الله هو وضع الخصومة بين المؤمنين , وقبول حكم الله فيما
اختلفوا فيه , وأدى إلى الخصام والقتال . فإذا تم قبول البغاة لحكم الله , قام
المؤمنون بالإصلاح القائم على العدل الدقيق طاعة لله وطلبا لرضاه . . (إن الله يحب
المقسطين). .
ويعقب على هذه الدعوة وهذا الحكم باستجاشة قلوب
الذين آمنوا واستحياء الرابطة الوثيقة بينهم , والتي جمعتهم بعد تفرق, وألفت
بينهم بعد خصام ; وتذكيرهم بتقوى الله , والتلويح لهم برحمته التي تنال بتقواه:
(إنما
المؤمنون إخوة , فأصلحوا بين أخويكم , واتقوا الله لعلكم ترحمون). .
ومما يترتب على هذه الأخوة أن يكون الحب والسلام
والتعاون والوحدة هي الأصل في الجماعة المسلمة , وأن يكون الخلاف أو القتال هو
الاستثناء الذي يجب أن يرد إلى الأصل فور وقوعه ; وأن يستباح في سبيل تقريره قتال
المؤمنين الآخرين للبغاة من إخوانهم ليردوهم إلى الصف , وليزيلوا هذا الخروج
على الأصل والقاعدة . وهو إجراء صارم وحازم كذلك .
ومن مقتضيات هذه القاعدة كذلك ألا يجهز على جريح
في معارك التحكيم هذه , وألا يقتل أسير , وألا يتعقب مدبر ترك المعركة , وألقى
السلاح , ولا تؤخذ أموال البغاة غنيمة . لأن الغرض من قتالهم ليس هو القضاء عليهم
, وإنما هو ردهم إلى الصف , وضمهم إلى لواء الأخوة الإسلامية .
والأصل في نظام الأمة المسلمة أن يكون للمسلمين في
أنحاء الأرض إمامة واحدة , وأنه إذا بويع لإمام , وجب قتل الثاني , واعتباره ومن
معه فئة باغية يقاتلها المؤمنون مع الإمام . وعلى هذا الأصل قام الإمام
علي - رضي الله عنه - بقتال البغاة في وقعة الجمل وفي وقعة صفين ; وقام معه بقتالهم
أجلاء الصحابة رضوان الله عليهم . وقد تخلف بعضهم عن المعركة منهم سعد ومحمد بن
مسلمة وأسامة بن زيد وابن عمر - رضي الله عنهم - إما لأنهم لم يتبينوا وجه الحق في
الموقف في حينه فاعتبروها فتنة . وإما لأنهم كما يقول الإمام الجصاص: "ربما
رأو الإمام مكتفيا بمن معه مستغنيا عنهم بأصحابه فاستجازوا القعود عنه لذلك" . .
والاحتمال الأول أرجح , تدل عليه بعض أقوالهم المروية . كما يدل عليه ما روي عن ابن عمر
- رضي الله عنه - في ندمه فيما بعد على أنه لم يقاتل مع الإمام .
ومع قيام هذا الأصل فإن النص القرآني يمكن إعماله
في جميع الحالات - بما في ذلك الحالات الاستثنائية التي
يقوم فيها إمامان أو أكثر في أقطار متفرقة متباعدة من بلاد المسلمين , وهي حالة ضرورة
واستثناء من القاعدة - فواجب المسلمين أن يحاربوا البغاة مع الإمام الواحد ,
إذا خرج هؤلاء البغاة عليه . أو إذا بغت طائفة على طائفة في إمامته دون خروج عليه .
وواجب المسلمين كذلك أن يقاتلوا البغاة إذا تمثلوا في إحدى الإمامات المتعددة في
حالات التعدد الاستثنائية، بتجمعهم ضد الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله .
وهكذا يعمل النص القرآني في جميع الظروف والأحوال .
وواضح أن هذا النظام , نظام التحكيم وقتال الفئة
الباغية حتى تفيء إلى أمر الله , نظام له السبق من حيث الزمن على كل محاولات
البشرية في هذا الطريق . وله الكمال والبراءة من العيب والنقص الواضحين في كل محاولات
البشرية البائسة القاصرة التي حاولتها في كل تجاربها الكسيحة ! وله بعد هذا وذاك
صفة النظافة والأمانة والعدل المطلق , لأن الاحتكام فيه إلى أمر الله الذي لا
يشوبه غرض ولا هوى , ولا يتعلق به نقص أو قصور . . ولكن البشرية البائسة تطلع وتعرج,
وتكبو وتتعثر . وأمامها الطريق الواضح الممهد المستقيم !
الدرس الرابع: 11
تحريم السخرية والنبز واللمز
(يا أيها
الذين آمنوا , لا يسخر قوم من قوم , عسى أن يكونوا خيرا منهم ; ولا نساء من
نساء , عسى أن يكن خيرا منهن . ولا تلمزوا أنفسكم , ولا تنابزوا بالألقاب . بئس
الاسم: الفسوق بعد الإيمان . ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون). .
إن المجتمع الفاضل الذي يقيمه الإسلام بهدى القرآن
مجتمع له أدب رفيع , ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمس . وهي من كرامة المجموع .
ولمز أي فرد هو لمز لذات النفس , لأن الجماعة كلها وحدة , كرامتها واحدة .
والقرآن في هذه الآية يهتف للمؤمنين بذلك النداء
الحبيب: يا أيها الذين آمنوا . وينهاهم
أن يسخر قوم بقوم , أي رجال برجال , فلعلهم خير منهم عند الله , أو أن يسخر نساء من
نساء فلعلهن خير منهن في ميزان الله .
وفي التعبير إيحاء خفي بأن القيم الظاهرة التي
يراها الرجال في أنفسهم ويراها النساء في أنفسهن ليست هي القيم الحقيقية, التي
يوزن بها الناس . فهناك قيم أخرى , قد تكون خافية عليهم , يعلمها الله , ويزن بها
العباد . وقد يسخر الرجل الغني من الرجل الفقير . والرجل القوي من الرجل الضعيف ,
والرجل السوي من الرجل المؤوف . وقد يسخر الذكي الماهر من الساذج الخام . وقد يسخر ذو
الأولاد من العقيم . وذو العصبية من اليتيم . . . وقد تسخر الجميلة من القبيحة , والشابة
من العجوز , والمعتدلة من المشوهة , والغنية من الفقيرة . . ولكن هذه
وأمثالها من قيم الأرض ليست هي المقياس , فميزان الله يرفع ويخفض بغير هذه الموازين !
ولكن القرآن لا يكتفي بهذا الإيحاء , بل يستجيش
عاطفة الأخوة الإيمانية , ويذكر الذين آمنوا بأنهم نفس واحدة من يلمزها فقد
لمزها: (ولا تلمزوا أنفسكم) . . واللمز: العيب . ولكن للفظة جرسا وظلا ; فكأنما هي وخزة حسية لا عيبة
معنوية !
ومن السخرية واللمز التنابز بالألقاب التي يكرهها
أصحابها , ويحسون فيها سخرية وعيبا . ومن حق المؤمن على المؤمن ألا يناديه بلقب
يكرهه ويزري به . ومن أدب المؤمن ألا يؤذي أخاه بمثل هذا . وقد غير رسول الله [ ص ]
أسماء وألقابا كانت في الجاهلية لأصحابها , أحس فيها بحسه المرهف , وقلبه الكريم ,
بما يزري بأصحابها , أو يصفهم بوصف ذميم .
والآية بعد الإيحاء بالقيم الحقيقية في ميزان الله
, وبعد استجاشة شعور الأخوة , بل شعور الاندماج في نفس
واحدة , تستثير معنى الإيمان , وتحذر المؤمنين من فقدان هذا الوصف الكريم ,
والفسوق عنه والانحراف بالسخرية واللمز والتنابز:
(بئس الاسم: الفسوق بعد الإيمان). فهو شيء يشبه الارتداد عن الإيمان ! وتهدد
باعتبار هذا ظلما , والظلم أحد التعبيرات عن الشرك: (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون). . وبذلك تضع قواعد الأدب النفسي لذلك
المجتمع الفاضل الكريم .
الدرس الخامس: 12 تحريم سوء الظن والغيبة والتجسس
(يا أيها
الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن , إن بعض الظن إثم , ولا تجسسوا , ولا يغتب
بعضكم بعضا . أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ? فكرهتموه . واتقوا الله , إن الله
تواب رحيم). .
فأما هذه الآية فتقيم سياجا آخر في هذا المجتمع
الفاضل الكريم , حول حرمات الأشخاص به وكراماتهم وحرياتهم , بينما هي تعلم
الناس كيف ينظفون مشاعرهم وضمائرهم , في أسلوب مؤثر عجيب . .
وتبدأ - على نسق السورة - بذلك النداء
الحبيب: يا أيها الذين آمنوا . . ثم تأمرهم
باجتناب كثير من الظن , فلا يتركوا نفوسهم نهبا لكل ما يهجس فيها حول الآخرين
من ظنون وشبهات وشكوك . وتعلل هذا الأمر:
(إن بعض الظن إثم). وما دام النهي منصبا على أكثر الظن , والقاعدة أن بعض الظن إثم ,
فإن إيحاء هذا التعبير للضمير هو اجتناب الظن السيء أصلا , لأنه لا يدري أي ظنونه
تكون إثما !
بهذا يطهر القرآن الضمير من داخله أن يتلوث بالظن
السيء , فيقع في الإثم ; ويدعه نقيا بريئا من الهواجس والشكوك , أبيض يكن لإخوانه
المودة التي لا يخدشها ظن السوء ; والبراءة التي لا تلوثها الريب والشكوك ,
والطمأنينة التي لا يعكرها القلق والتوقع . وما أروح الحياة في مجتمع بريء من
الظنون !
ولكن الأمر لا يقف في الإسلام عند هذا الأفق
الكريم الوضيء في تربية الضمائر والقلوب . بل إن هذا النص يقيم مبدأ في التعامل ,
وسياجا حول حقوق الناس الذين يعيشون في مجتمعه النظيف , فلا يؤخذون بظنة , ولا
يحاكمون بريبة ; ولا يصبح الظن أساسا لمحاكمتهم . بل لا يصح أن يكون أساسا
للتحقيق معهم , ولا للتحقيق حولهم . والرسول [ ص ] يقول: " إذا ظننت فلا تحقق
" . . ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء , مصونة حقوقهم , وحرياتهم , واعتبارهم . حتى يتبين
بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه . ولا يكفي الظن بهم لتعقبهم بغية التحقق من
هذا الظن الذي دار حولهم !
فأي مدى من صيانة كرامة الناس وحرياتهم وحقوقهم
واعتبارهم ينتهي إليه هذا النص ! وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية
وحرية وصيانة لحقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا
, وقام عليه المجتمع الإسلامي فعلا , وحققه في واقع الحياة , بعد أن حققه في واقع
الضمير ?
ثم يستطرد في ضمانات المجتمع إلى مبدأ آخر يتصل
باجتناب الظنون:
(ولا
تجسسوا). .
والتجسس قد يكون هو الحركة التالية للظن ; وقد
يكون حركة ابتدائية لكشف العورات , والاطلاع على السوءات .
والقرآن يقاوم هذا العمل الدنيء من الناحية
الأخلاقية , لتطهير القلب من مثل هذا الاتجاه اللئيم لتتبع
عورات الآخرين وكشف سوآتهم . وتمشيا مع أهدافه في نظافة الأخلاق والقلوب .
ولكن الأمر أبعد من هذا أثرا . فهو مبدأ من مباديء
الإسلام الرئيسية في نظامه الاجتماعي , وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية .
إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز
أن تنتهك في صورة من الصور , ولا أن تمس بحال من الأحوال .
ففي المجتمع الإسلامي الرفيع الكريم يعيش الناس
آمنين على أنفسهم , آمنين على بيوتهم , آمنين على أسرارهم , آمنين على عوراتهم .
ولا يوجد مبرر - مهما يكن - لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات .
حتى ذريعة تتبع الجريمة وتحقيقها لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعة للتجسس على
الناس . فالناس على ظواهرهم , وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم . وليس لأحد أن يأخذهم إلا
بما يظهر منهم من مخالفات وجرائم . وليس لأحد أن يظن أو يتوقع , أو حتى يعرف أنهم
يزاولون في الخفاء مخالفة ما , فيتجسس عليهم ليضبطهم ! وكل ما له عليهم أن يأخذهم
بالجريمة عند وقوعها وانكشافها , مع الضمانات الأخرى التي ينص عليها بالنسبة لكل
جريمة .
قال أبو داود: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة , قال:
حدثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن زيد بن وهب . قال: أتى ابن مسعود , فقيل له:
هذا فلان تقطر لحيته خمرا . فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسس , ولكن إن يظهر لنا
شيء نأخذ به.
وعن مجاهد: لا تجسسوا , خذوا بما يظهر لكم , ودعوا
ما ستر الله .
وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن دجين كاتب عقبة .
قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانا يشربون الخمر , وأنا داع لهم الشرط , فيأخذونهم .
قال: لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم . قال: ففعل فلم ينتهوا . قال: فجاءه دجين فقال: إني
قد نهيتهم فلم ينتهوا . وإني داع لهم الشرط فتأخذهم . فقال له عقبة: ويحك ! لا تفعل
, فإني سمعت رسول الله [ ص ] يقول: " من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا
موءودة من قبرها " .
وقال سفيان الثوري , عن راشد بن سعد , عن معاوية
بن أبي سفيان , قال: سمعت النبي [ ص ] يقول:
" إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم " . فقال أبو الدرداء -
رضي الله عنه - كلمة سمعها معاوية - رضي الله عنه - من رسول الله [ ص ] نفعه الله تعالى بها.
فهكذا أخذ النص طريقه في النظام العملي للمجتمع
الإسلامي ! ولم يعد مجرد تهذيب للضمير وتنظيف للقلب , بل صار سياجا حول حرمات
الناس وحقوقهم وحرياتهم , فلا تمس من قريب أو بعيد , تحت أي ذريعة أو ستار .
فأين هذا المدى البعيد ? وأين هذا الأفق السامق ?
وأين ما يتعاجب به أشد الأمم ديمقراطية وحرية وحفظا لحقوق الإنسان بعد ألف
وأربع مائة عام ?
بعد ذلك يجيء النهي عن الغيبة في تعبير عجيب ,
يبدعه القرآن إبداعا:
(ولا يغتب
بعضكم بعضا . أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ? فكرهتموه). .
لا يغتب بعضكم بعضا . ثم يعرض مشهدا تتأذى له أشد
النفوس كثافة وأقل الأرواح حساسية . مشهد الأخ يأكل لحم أخيه . . ميتا . . !
ثم يبادر فيعلن عنهم أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز , وأنهم إذن كرهوا
الاغتياب !
ثم يعقب على كل ما نهاهم عنه في الآية من ظن وتجسس
وغيبة باستجاشة شعور التقوى , والتلويح لمن اقترف من هذا شيئا أن يبادر بالتوبة
تطلعا للرحمة:
(واتقوا
الله إن الله تواب رحيم). .
ويسري هذا النص في حياة الجماعة المسلمة فيتحول
إلى سياج حول كرامة الناس , وإلى أدب عميق في النفوس والقلوب . ويتشدد فيه رسول
الله [ ص ] متمشيا مع الأسلوب القرآني العجيب في إثارة الاشمئزاز والفزع من شبح
الغيبة البغيض.
في حديث رواه أبو داود: حدثنا القعنبي , حدثنا عبد
العزيز بن محمد , عن العلاء , عن أبيه , عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله ,
ما الغيبة ? قال [ ص ]: " ذكرك أخاك بما يكره
" . قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ? قال [ ص]: " إن كان فيه ما
تقول فقد اغتبته , وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته "
. . [ ورواه الترمذي وصححه] .
وقال أبو داود: حدثنا مسدد , حدثنا يحيى , عن
سفيان , حدثني علي بن الأقمر عن أبي حذيفة , عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قلت
للنبي [ ص ]: حسبك من صفية كذا وكذا "قال عن مسدد تعني قصيرة " فقال [ ص ]: "
لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته " .
قالت: وحكيت له إنسانا . فقال [
ص ]: " ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا " .. وروى أبو داود بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال
رسول الله [ ص ]: " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم
وصدورهم . قلت: من هؤلاء يا جبرائيل ? قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في
أعراضهم " . .
ولما اعترف ماعز بالزنا هو والغامدية , ورجمهما
رسول الله [ ص ] بعد إقرارهما متطوعين وإلحاحهما عليه في تطهيرهما , سمع النبي [
ص ] رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم
تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب ! ثم سار النبي [ ص ] حتى مر بجيفة حمار , فقال: "
أين فلان وفلان ? انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار " . قالا: غفر الله لك يا رسول
الله ! وهل يؤكل هذا ? قال [ ص ]: " فما نلتما من أخيكما آنفا أشد أكلا منه . والذي نفسي
بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها ".
وبمثل هذا العلاج الثابت المطرد تطهر المجتمع
الإسلامي وارتفع , وانتهى إلى ما صار إليه: حلما يمشي على الأرض , ومثلا يتحقق في
واقع التاريخ .
الدرس السادس: 13 تذكير الناس بأصلهم وأن التقوى أساس التفاضل
وبعد هذه النداءات المتكررة للذين آمنوا ; وأخذهم إلى ذلك الأفق السامي الوضيء من
الآداب النفسية والاجتماعية ; وإقامة تلك السياجات القوية من الضمانات حول
كرامتهم وحريتهم وحرماتهم , وضمان هذا كله بتلك الحساسية التي يثيرها في أرواحهم ,
بالتطلع إلى الله وتقواه . .
بعد هذه المدارج إلى ذلك الأفق السامق , يهتف
بالإنسانية جميعها على اختلاف أجناسها وألوانها, ليردها إلى أصل واحد, وإلى
ميزان واحد , هو الذي تقوم به تلك الجماعة المختارة الصاعدة إلى ذلك الأفق السامق:
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ,
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا . إن أكرمكم عند الله أتقاكم . إن الله عليم خبير). .
يا أيها الناس . يا أيها المختلفون أجناسا وألوانا
, المتفرقون شعوبا وقبائل . إنكم من أصل واحد . فلا تختلفوا ولا تتفرقوا ولا
تتخاصموا ولا تذهبوا بددا.
يا أيها الناس . والذي يناديكم هذا النداء هو الذي
خلقكم . . من ذكر وأنثى . . وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم شعوبا وقبائل .
إنها ليست التناحر والخصام . إنما هي التعارف والوئام . فأما اختلاف الألسنة
والألوان , واختلاف الطباع والأخلاق , واختلاف المواهب والاستعدادات , فتنوع لا يقتضي
النزاع والشقاق , بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات .
وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله . إنما
هنالك ميزان واحد تتحدد به القيم , ويعرف به فضل الناس: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). . والكريم حقا هو
الكريم عند الله . وهو يزنكم عن علم وعن خبرة بالقيم
والموازين: (إن الله عليم خبير). .
وهكذا تسقط جميع الفوارق , وتسقط جميع القيم ,
ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة , وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر , وإلى هذه القيمة
يرجع اختلاف البشر في الميزان .
وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في
الأرض ; وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس . ويظهر سبب ضخم واضح للألفة
والتعاون: ألوهية الله للجميع , وخلقهم من أصل واحد . كما يرتفع لواء واحد يتسابق
الجميع ليقفوا تحته: لواء التقوى في ظل الله . وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام
لينقذ البشرية من عقابيل العصبية للجنس , والعصبية للأرض , والعصبية للقبيلة ,
والعصبية للبيت . وكلها من الجاهلية وإليها , تتزيا بشتى الأزياء , وتسمى بشتى الأسماء
. وكلها جاهلية عارية من الإسلام !
وقد حارب الإسلام هذه العصبية الجاهلية في كل
صورها وأشكالها , ليقيم نظامه الإنساني العالمي في ظل راية واحدة: راية الله . .
لا راية الوطنية . ولا راية القومية . ولا راية البيت . ولا راية الجنس .
فكلها رايات زائفة لا يعرفها الإسلام .
قال رسول الله [ ص ]: " كلكم بنو آدم , وآدم
خلق من تراب . ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم , أو ليكونن أهون على الله تعالى من
الجعلان."
وقال [ ص ] عن العصبية الجاهلية: " دعوها
فإنها منتننة."
وهذه هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي
. المجتمع الإنساني العالمي , الذي تحاول البشرية في خيالها المحلق أن تحقق لونا من ألوانه فتخفق , لأنها لا تسلك إليه الطريق
الواحد الواصل المستقيم . . الطريق إلى الله . . ولأنها لا تقف تحت الراية
الواحدة المجمعة . . راية الله ..