العودة إلى الصفحة الأولى | جامعة الملك عبد العزيز |  كلية الآداب والعلوم الإنسانية |   قسم اللغة العربية

 

 

نظريات ثنائية الجذور العربية

 

(أولاً) أحمد فارس الشدياق (ت 1878م)

يرى عدد من علماء اللغة المحدثين أن أصل الكلم (الجذور العربية) كانت في أول أمرها ثنائية، أي مؤلفة من حرفين فقط. أول من قال بهذا الرأي هو أحمد فارس الشدياق (ت 1878 م) وبنى عليه كتابه المعجمي (سر الليال في الإعلال والإبدال). والشدياق لم يفصح بشكل صريح اعتناقه للنظرية الثنائية، غير أن طريقته في معالجة تقليبات الأفعال العربية -كما أشار فؤاد ترزي- هي التي تشعرنا بذلك[1] لأننا نراه يجعل مقلوب بخّ خب، ومقلوب عبّ بع. ويبيّن أن غرضه من هذا الأسلوب الذي اعتمده في (سر الليال) هو: 

* تقديم مفردات المعجم العربي منسقة حسب التلفظ بها وإيضاح تجانسها ومعانيها.

* إيراد الألفاظ المقلوبة والمبدلة.

* استدراك ما فات الفيروزآبادي من لفظ أو إيضاح أو شاهد أو ترتيب.

مسوغات اعتبار الثنائي المضعف أصلا للكلام:

(1) معظم اللغة مأخوذ من حكاية صوت أو حكاية صفة، وهذا لا يأتي إلا من المضاعف نحو: دبّ ، ودفّ ودقّ وهزّ وسفّ وقرّ ودنّ حنّ. وعند الزيادة في المعنى يأتون بهزْهَز وما هو إلا هزْ هزْ. والواضع عندما وضع هذه الأفعال في الأصل لم يقصد أن تكون فعلا أو اسما وإنما حكاية صوت، ولما وصله بفاعله نطقه دقّ وقرّ.

 (2) اللغة كغيرها من الصنائع تتدرج نحو الكمال، لذا فالأولى أن يكون السالم قد جاء آخر الأفعال، وقبله جاء المضاعف كطبّ وضرّ وصرّ وجبّ وصبّ وبعده غالبا يجيء الأجوف كطاب وضار وصار وجاب وصاب، وأما النقص فإنه صدى غيره من من الأفعال، فكأن فيه قطع نحو: همر > همى ، محق > محا ، أسفٌ > أسى.

 (3) ترتُّب المزيد على المضاعف لا يكاد يتخلف، فليس هناك معنى في المضاعف إلا ونرى في مزيده  (الثلاثي) مثلَه أو ما يقاربه، نحو سلّ > سلب > سلت ، غمّ  > غمر، غمس، غمض ، رجّ  > رجف.

 (4) إن زيادة حرف على المضاعف أليق بحكمة الواضع من نقص حرف من الثلاثي، لأن النقص ليس من مذهب العرب لأن نراهم يزيدون على الفعل بصيغ كثيرة.

 (5) إنا نجد أفعالا مجهولة الأصل وأصلها في الثنائي معلوم نحو امتخر "استخرج المخ" فهو لا بد أنه من الثنائي المضعف المزيد "امتخّ" لأنه لم يأت من مخر هذا المعنى.


(ثانيا) أنستاس الكرملي

نشوء اللغة العربية

يرى الكرملي أنّ الكلمات العربية في الأصل كانت هجاء واحدا (متحرك فساكن) محاكيا لأحد أصوات الطبيعة، مثل صرْ، ثم تلاه المضاعف، مثل صرَ، صرصر، فالأجوف، صار "صوّت عامّة" والناقص بسب إطالة الحركة، صرى , وخصوا معناه بالقطع، ثم المهموز، صرأ، فالمثال وصر، وفي آخر الأمر ظهر الثلاثي الصحيح، مثل صرخ. ويرى أن نشوء الثلاثي الصحيح جاء إما بزيادة حرف أول الثنائي أو في وسطه أو في آخره. ورأيه هذا يعكس رأي جورجي زيدان، لكن الجديد فيه وضع مصطلحات جديدة لأنواع الزيادة التي ذكرها:

التصدير: زيادة حرف في أول الثنائي ليصبح ثلاثيا، في مثل: ثرم ، جرم ، حرم ، خرم ، صرم ، شرم . الأصل هو (رم) ويعني الأكل، القطع.

الحشو: زيادة حرف في وسط الثنائي ليصبح ثلاثيا، في مثل: رتم ، رثم ، رجم ، ردم ، رسم ، رضم ، رطم ، ركم ، رغم. وأصل هذه كلها هو (رم) ويعني هنا الكسر أو الضرب.

الكسع: زيادة حرف في آخر الثنائي ليصبح ثلاثيا، في مثل: نبت ، نبث ، نبش ، نبع ، نبط ، نبغ ، نبل. الأصل الثنائي نب (نب التيس: صوّت). ويبدو لنا أنه من الصعب افتراض معنى الصوت في نبت ونبع ونبل، غير أنه يمكننا افتراض أن المعنى العام الذي ينطبق على هذه الجذور هو الانبعاث والظهور.

 

(ثالثا) موسكاتي Moscati

نحو اللغات السامية المقارن

تعرض عالم الساميات موسكاتي Moscati وزملاؤه مؤلفو كتاب (نحو اللغات السامية المقارن) لمسألة الأصل الثنائي للجذور السامية. ونراهم لا يميلون إلى تعميم نظرية الجذر الثنائي كما فعل الكرملي وزيدان، وإنما يميلان إلى أن الجذور الثنائية كانت موجودة منذ البداية بجانب الجذور الثلاثية والرباعية. ويذهبان إلى أن بعض الجذور الثلاثية ربما تطورت عن جذور ثنائية، ويقدمان لهذا الرأي المسوغات التالية:

(1) وجود مجموعات من الأفعال الثلاثية التي يتكرر فيه حرفان وتفيد معنى عام، مثل: فرد، فرم، فرق، فرس، فرض، فرج التي تفيد معنى "التفريق والانفصال" والحرفان (فر) اللذان يتكرران يمثلان أيضا جذرا ثنائيا من مشتقاته )فرّ( التي تفيد أيضا معنى الابتعاد وهو مشابه للانفصال.

(2) احتواء اللغات السامية على كلمكات ثنائية قديمة مما يدل على قدم الظاهرة الثنائية:

أعضاء للبدن: يد، شفـ(ـة)، رئـ(ـة)، دم، كف، سن، فم.

أسماء للقرابة: أب، أم، أخ، أخـ(ت)، حم، عم، جد.

(3) وجود عدد كبير من الأفعال المشتملة على حرف علة، مما يوحي بزيادته في مرحلة متأخرة على الجذور الثنائية، مثل: قام < قَم، وصل < صل، طما < طَم. وهذه الجذور الثلاثية تفقد حرف العلة في بعض تصريفاتها: قام > قُمْتُ، وصل > يصِل، طما > طمَتْ.

(4) مقارنة بعض الجذور السامية ببعض مقابلاتها في اللغات الحامية -التي يثعتقد أنها تعود معها إلى أصل سامي حامي قديم- يُظهر وجود الأصل الثنائي في الحامية:

 

سامي

حامي

قتل

قل

فعل

فل

 

وللرد على من يؤيد النظرية الثلاثية بإشارته إلى أن بعض الجذور الثنائية تَظهر ثلاثية في بعض تصريفاتها في مثل: أب > أبوان، دم ، أم > أمهات > أخ > أخوان، يقول المؤلفون إن هذه الزيادة لم تكن من البداية وإنما حدثت متأخرة لتجعل الجذور الثنائية تنسجم مع الجذور الثلاثية التي أصبحت تمثل الطابع العام للتركيب بعد شيوعها.

 



[1]  فؤاد ترزي، الاشتقاق