Site hosted by Angelfire.com: Build your free website today!

 

 

 

 

     

 

  المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار   

 

   

 

 

 

 

 

    الموضوعات 

 

 

 

  

 

  الجزء الثالث

 

  واقعة العبيد

 

  من غرائب الاتّفاقات

 

  تابع

 

  سنة ثلاث وستّين وستّمائة

 

  حارة العطوفية

 

  حارة المنتجبية

 

  خط بين السورين

 

  خط سقيفة العدّاس

 

  خط المناخ

 

  درب البنادين

 

  خوخة الحلبي

 

  رحبة التبن

 

  تابع

 

  من شعر البدر محمد بن فضل الله

 

  دار ابن قرقه

 

  دار البقر

 

  دار أرغون الكاملي

 

  ربع الزيتي

 

  حمّام كتبغا الأسدي

 

  تابع

 

  قيسارية بيبرس

 

  وكالة باب الجوّانية

 

  سوق الشرابشيين

 

  سوق البخانقيين

 

  تابع

 

  ذكر ميدان القبق

 

  حكر الحلبيّ

 

  حكر المساح

 

  حشيشة الفقراء

 

  ما بين بولاق ومنشأة المهراني

 

  الخندق

 

  تابع

 

  قناطر الخليج الكبير

 

  قنطرة الأميرية

 

  تابع

 

  بركة الشعيبية

 

  بركة قرموط

 

  جسر شيبين

 

  جسرا مصر والجيزة

 

  الجزائر

 

  قلعة الروضة

 

  خزانة البنود

 

  تابع

 

  صناعة المقس

 

  صناعة مصر

 

  الميدان الناصريّ

 

  النظر في المظالم

 

  الدار الجديدة

 

  الطبلخاناه الخاصكية

 

  نظر الدولة

 

  المياه التي بقلعة الجبل

 

  تابع

 

  السلطان الملك العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان

 

  السلطان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل

 

 

 

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

قال ابن سيدة‏:‏ والحارة كلّ محلّة دنت منازلها قال‏:‏ والحملّة منزل القو

 

 

وبالقاهرة وظواهرها عدّة حارات وهي‏:‏ حارة بهاء الدين هذه الحارة كانت قديمًا خارج باب الفتوح الذي وضعه القائد جوهر عندما اختطّ أساس القاهرة من الطوب النيء وقد بقي من هذا الباب عقدة برأس حارة بهاء الدين وصارت هذه الحارة اليوم من داخل باب الفتوح الذي وضعه أر الجيوش بدر الجمالي وهو الموجود الآن‏.‏

 

 

وحدُّ هذه الحارة عرضًا من خطّ باب الفتوح الآن إلى خطّ حارة الورّاقة بسوق المرحلين وحدّها طولًا فيما وراء ذلك لى خطّ باب القنطرة‏.‏

 

 

وكانت هذه الحارة تعرف بحارة الريحانية والوزيرية وهما طائفتان من طوائف عسكر الخلفاء الفاطميين فإنّ بها كانت مساكنهم وكان فيها لهاتين الطائفتين دور عظيمة وحوانيت عديدة وقيل لها أيضًا بين الحارتَيْن واتصلت العمارة إلى السور ولم تزل الريحانية والوزيرية بهذه الحارة إلى أن كانت واقعة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب بالعبيد‏.‏

 

 

 واقعة العبيد

 

 

 

وسببها أنّ مؤتمن الخلافة جوهرًا أحد الأستاذين المحنكين بالقصر تحدّث في إزالة صلاح الدين يوسف بن أيوب من وزارة الخليفة العاضد لدين الله عندم ضايق أهل القصر وشدّد عليهم واستبدّ بأمور الدولة وأضعف جانب الخلافة وقبض على أكابر أهل الدولة فصار مع جوهر عدّة من الأمراء المصريين والجند‏.‏

 

 

واتفق رأيهم أن يبعثوا إلى الفرنج ببلاد الساحل يستدعونهم إلى القاهرة حتّى إذا خرج صلاح الدين لقتالهم بعسكر ثاروا وهم بالقاهرة واجتمعوا مع الفرنج ببلاد الساحل يستدعونهم إلى القاهرة حتّى إذا خرج صلاح الدين لقتالهم بعسكر ثاروا وهم بالقاهرة واجتمعوا مع الفرنج على إخراجه من مصر‏.‏

 

 

فسيروا رجلًا إلى الفرنج وجعلوا كتبهم التي معه في نعل وحفظت بالجلد مخافة أن يفطن بها فسار الرجل إلى البئر البيضاء قريبًا من بلبيس فإذا بعض أصحاب صلاح الدين هناك فأنكروا أمر الرجل من أجل أنّه جعل النعلين في يده ورآهما وليس فيهما أثر المشي والرجل رثّ الهيئة فارتاب وأخذ النعلين وشقّهما فوجد الكتب ببطنهما فحمل الرجلَ والكتب إلى صلاح الدين فتتّبع خطوط الكتب حتّى عرفت فإذا الذي كتبها من اليهود الكتّاب فأمر بقتله فاعتصم بالإسلام وأسلم وحدّثه الخبر‏.‏

 

 

فبلغ ذلك مؤتمنّ الخلافة فاستشعر الشرَّ وخاف على نفسه ولزم القصر وامتنع من الخروج منه فأعرض صلاح الدين عن ذلك جملة وطال الأمد فظنّ الخصيّ أنه قد أُهمل أمره وشرع يخرج من القصر‏.‏

 

 

وكانت له منظرة بناها بناحية الخرقانية في بستان فخرج إليها في جماعة‏.‏

 

 

وبلغ ذلك صلاح الدين فأنهض إليه عدّة هجموا عليه وقتلوه في يوم الأربعاء لخميس بقين من ذي القعدة سنة أربع وستّين وخمسمائة واحتزوا رأسه وأتوا بها إلى صلاح الدين فاشتهر ذلك بالقاهرة وأشيع فغضب العسكر المصريّ وثاروا بأجمعهم في سادس عشريّة وقد أنضمّ إليهم عالم عظيم من الأمراء والعامّة حتّى صاروا ما ينيف عن خمسين ألفًا وساروا إلى دار الوزارة - وفيها يومئذٍ ساكنًا بها صلاح الدين - وقد استعدّوا بالأسلحة فبادر شمس الدولة فخر الدين توران شاه أخو صلاح الدين وصرخ في عساكر الغزّ وركب صلاح الدين وقد اجتمع إلهي طوائف من أهله وأقاربه وجميع الغزّ ورتبهم ووقفت الطائفة الريحانية والطائفة الجيوشية والطائفة الفرحية وغيرهم من الطوائف السودانية ومن انظمّ إليهم بين القصرين فثارت الحروب بينهم وبين صلاح الدين واشتدّ الأمر وعظم الخطب حتىّ لم يبق إلى هزيمة صلاح الدين وأصحابه‏.‏

 

 

فعند ذلك أمر توران شاه بالحملة على السودان فقُتل فيها أحد مُقدَّميهم فانكفّ بأسهم قليلًا وعظمت حملة الغزّ عليهم فانكسروا إلى باب الذهب ثمّ إلى باب الزُهومة وقتل حينئذٍ عدّة من الأمراء المصريين وكثير ممّن عداهم‏.‏

 

 

وكان العاضد في هذه الواقعة يشرف من المنظرة فلمّا رأى أهلُ القصر كسرة السودان وعساكر مصر راموا على الغزّ من أعلى القصر بالنشّاب والحجارة حتّى أنكوا فيهم وكفّوهم عن القتال وكادوا ينهزمون فأمر حينئذٍ صلاح الدين النفّطين بإحراق المنظرة فاحضر شمس الدين النفّاطين وأخذوا في تطييب قارورة النفط وصوَّبوا بها على المنظرة التي فيها العاضد فخاف العاضد على نفسه وفتح بابَ المنظرة زعيم الخلافة أحدُ الأستاذين وقال بصوت عالٍ‏:‏ أمير المؤمنين يسلّم على شمس الدولة ويقول‏:‏ دونكم والعبيد الكلاب أخرجوهم من بلادك

 

 

فلمّا سمع السودان ذلك ضعفت قلوبهم وتخاذلوا فحمل عليهم الغزُّ فانكسروا وركب القوم أقفيتهم إلى أن وصولا إلى السيوفيين فقتل منهم كثير وأسر منهم كثير وامتنعوا هناك على الغزّ بمكان فأحرق عليهم‏.‏

 

 

وكان في دار الأرمن التي كانت قريبًا من بين القصرين خلق عظيم من الأرمن كلّهم رماة لهم جار في الدولة يجري عليهم فعندما قرب منهم الغزّ رموهم عن يد واحة حتّى امتنعوا عن أن يسيروا إلى العبيد فأحرق شمس الدولة دارهم حتّى هلكوا حرقًا وقتلًا ومرّوا إلى العبيد فصاروا كلّما دخلوا مكانًا أحرق عليهم وقتلوا فيه إلى أن وصلوا إلى باب زُوَيْلة فإذا هو مغلوق فحصروا هناك واستمرّ فيهم القتل مدّة يومين‏.‏

 

 

ثمّ بلغهم أنّ صلاح الدين أحرق المنصورة التي كانت أعظم حاراتهم وأخذت عليهم أفواه السكك فأيقنوا أنّهم قد أُخذوا لا محالة فصاحوا الأمان فأمنوا - وذلك يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة - وفتح لهم باب زويلة فخرجوا إلى الجيزة فعدا عليهم شمس الدولة في العسكر وقد قووا بأموال المهزومين وأسلحتهم وحكّموا فيهم السيف حتى لم يبقَ منهم إلا الشريد وتلاشى من هذه الواقعة أمر العاضد‏.‏

 

 

وكان

 

 

 

 

 

 من غرائب الاتّفاقات

 

 

 

أن الدولة الفاطمية كان الذي افتتح لها بلاد مصر وبنى القاهرة جوهر القائد والذي كان سببًا في إزالة الدولة وخراب القاهرة جوهر المنعوت بمؤتمن الخِلافة هذا‏.‏

 

 

ثمّ لم استبدّ صلاح الدين يوسف بسلطنة الديار المصرّية بعد موت الخليفة العاضد لدين الله سكن هذه الحارة الأمير الطواشيّ الخصيّ بهاء الدين قراقوش بن عبد الله الأسدي فعرفت به‏.‏

 

 

حارة بَرَجَوَان منسوبة إلى الأستاذ أبي الفتوح برجوان الخادم وكان خصيًّا أبيض تامّ الخلقة رُبّي في دار الخليفة العزيز بالله وولاه أمر القصور‏.‏

 

 

فلمّا حضرته الوفاة وصّاه على ابنه الأمير أبي عليّ منصور فلمّا مات العزيز بالله أقيم ابنه منصور في الخلافة من بعده وقام بتدبير الدولة أبو محمد الحسن بن عمّار الكتامي فدبّر الأمور وبرجوان يناكده فيما يصدر عنه ويختصّ بطوائف من العسكر دونه إلى أن أفسد أمر ابن عمّار فنظر برجوان في تدبير الأمور يوم الجمعة لثلاث بقين من رمضان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وصار الواسطة بين الحاكم وبين الناس فأمر بجمع الغلمان ونهاهم عن التعرّض لأحد من الكتاميين والمغاربة ووجّه إلى جار ابن عمّار فمنع الناس عنها بعد أن كانوا قد أحاطوا بها وانتبهوا منها وأمر أن يُجري لأصحاب الرسوم الرواتب جميع ما كان ابن عمّار قطعه وأجرى لابن عمّار ما كان يُجري له في أيام العزيز بالله من الجرايات لنفسه ولأهله وحرمه ومبلغ ذلك من اللحم والتوابل خمسمائة دنيار في كلّ شهر يزيد عن ذلك أو ينقص عنه على قدر الأسعار مع ما كان له من الفاكهة وهو في كلّ يوم سلّة بدينار وعشرة أرطال شمع بدينار ونصف وحمل بلح‏.‏

 

 

وجعل كاتبه أبا العلاء فهد بن إبراهيم النصراني يوقّع عنه وينظر في قصص الرافعين وظلاماتهم فجلس لذلك في القصر وصار يطالعه بجميع ما يحتاج إليه ورتّب الغلمان في القصر وأمرهم بملازمة الخدمة وتفقّد أحوالهم وأزال علل أولياء الدولة وتفقّد أمور الناس وأزال ضروراتهم ومنع الناس كافة من الترجّل له فكان الناس يلقونه في داره فإذا تكامل لقاؤهم ركبوا بين يديه إلى القصر ما عدا الحسين بن جوهر والقاضي ابن النعمان فقط فإنهما كانا يتقدّمانه من دورهما إلى القصر حتّى أنّه لقّب كاتبه فهدًا بالرئيس فصار يخاطب بذلك ويكاتب به‏.‏

 

 

وكان برجوان يجلس في دهاليز القصر ويجلس الرئيس فهد بالدهليز الأول يوقّع وينظر ويطالع برجوان ما يحتاج إليه ممّا يطالع به الحاكم فيخرج الأمر بما يكون العمل به‏.‏

 

 

وترقّت أحوال برجوان إلى أن بلغ النهاية فقصر عن الخدمة وتشاغل بلذّاته وأقبل على سماع الغناء وأكثر من الطرب وكان شديد المحبّة في الغناء فكان المغنّون من الرجال والنساء يحضرون داره فيكون معهم كأحدهم ثمّ يجلس في داره حتّى يمضي صدر النهار ويتكامل جميع أهل الدولة وأرباب الأشغال على بابه فيخرج راكبًا ويمضي إلى القصر فيمشي من الأمور ما يختار بغير مشاورة‏.‏

 

 

فلما تزايد المر وكثر استبداده تحرّد له الحاكم ونقم عليه أشياء من تجرّئه عليه ومعاملته له بالإذلال وعمد الامتثال ومنها أنّه استدعاه يومًا وهو راكب معه فصار إلهي وقد ثنى رجله على عنق فرسهوصار باطن قدمه وفيه الخفّ قبالة وجه الحاكم ونحو ذلك من سوء الأدب‏.‏

 

 

فلما كان يوم الخميس سادس عشري شهر ربيع الآخر سنة تسعين وثلاثمائة أنفذ إليه الحاكم عشيّة للركوب معه إلى المقياس فجاء بعدما تباطأ وقد ضاق الوقت فلم يكن بأسرع من خروج عقيق الخادم باكيًا يصيح‏:‏ قتل مولاي‏

 

 

وكان هذا الخادم عينًا لبرجوان في القصر فاضطرب الناس وأشرف عليهم الحاكم وقام زيدان صاحب المظّلة فصاح بهم‏:‏ من كان في الطاعة فلينصرف ويتكامل جميع أهل الدولة وأرباب الأشغال على بابه فيخرج راكبًا ويمضي إلى القصر فيمشي من الأمور ما يختار بغير مشاورة‏

 

 

فلما تزايد المر وكثر استبداده تحرّد له الحاكم ونقم عليه أشياء من تجرّئه عليه ومعاملته له بالإذلال وعمد الامتثال ومنها أنّه استدعاه يومًا وهو راكب معه فصار إلهي وقد ثنى رجله على عنق فرسه وصار باطن قدمه وفيه الخفّ قبالة وجه الحاكم ونحو ذلك من سوء الأدب‏.‏

 

 

فلما كان يوم الخميس سادس عشري شهر ربيع الآخر سنة تسعين وثلاثمائة أنفذ إليه الحاكم عشيّة للركوب معه إلى المقياس فجاء بعدما تباطأ وقد ضاق الوقت فلم يكن بأسرع من خروج عقيق الخادم باكيًا يصيح‏:‏ قتل مولاي‏

 

 

وكان هذا الخادم عينًا لبرجوان في القصر فاضطرب الناس وأشرف عليهم الحاكم وقام زيدان صاحب المظّلة فصاح بهم‏:‏ من كان في الطاعة فلينصرف إلى منزله ويكبر إلى القصر المعمور‏

 

 

فانصرف الجميع‏.‏

 

 

فكان من خبر قتل برجوان أنّه لما دخل إلى القصر كان الحاكم في بستان يعرف بدّويرة التين والعنّاب ومعه زيدان فوافاه برجوان بها وهو قائم فسلّم ووقف فسار الحاكم إلى أنخرج من باب الدويرة فوثب زيدان على برجوان وضربه بسكّين كانت معه في عنقه وابتدره قوم كانوا قد أعدّوا للفتك به فأثخنوه جراحة بالخناجر واحتزّوا رأسه ودفنوه هناك‏.‏

 

 

ثمّ إنَّ الحاكم أحضر إليه الرئيس فهدأ بعد العشاء الأخيرة وقال له‏:‏ أنت كابني وأمّنه وطمّنه فكانت مدّة نظر برجوان في الوساطة سنتين وثمانية أشهر تنقص يومًا واحدًا ووجد الحاكم في تركته مائة منديل يعني عمامة كلّها شروب ملوّنة معمّمة على مائة شاشية وألف سراو دبيقية بألف تكّة حرير أرمنيّ ومن الثياب المخيطة والصحاح والحليّ والمصاغ والطيب والفرش والصياغات الذهب والفضّة ما لا يحصى كثرة ومن العين ثلاثة وثلاثين ألف دينار ومن الخيل الركابيّة مائة وخمسين فرسًا وخمسين بغلة ومن بغال النقل ودواب الغلمان نحو ثلثمائة راس ومائة وخمسين سرجًا منها عشرون ذهبًا ومن الكتب شيء كثير‏.‏

 

 

وحمل لجاريته من مصر إلى القاهرة رحل على ثمانين حمارًا‏.‏

 

 

قال ابن خلكان‏:‏ وبَرْجُوان بفتح الباب الموحدة وسكون الراء وفتح الجيم والواو وبعد الألف نون هكذا وجدته مقيّدًا بخطّ بعض الفضلاء‏

 

 

وقال ابن عبد الظاهر‏:‏ ويسّمى الوزغ سماه به حارة زَوِيلة قال ابن عبد الظاهر‏:‏ لما نظل القائد جوهر بالقاهرة اختطت كلّ قبيلة خطة عرفت بها فزويلة بنتِ الحارةَ المعروفةض بها والبئر التي تعرف ببئر زويلة في المكان الذي يعمل فيه الأن الروايا والبابان المعروفِبابَيْ زويلة‏.‏

 

 

وقال ياقوت‏:‏ زَوِيلة بفتح الزي وكسر الوار وياء ساكنة وفتح اللام‏:‏ أربعة مواضع‏:‏ الأوّل زويلة السودان وهي قصبة أعمال فزّان في جنوب إفريقية مدينة كثيرة النخل وال

 

 

الثاني زويلة المهديّة بلد كالربض للمهديّة اختطّه عبد الله الملقّب بالمهدي وأسكنه الرعيّة وسكن هو بالمهديّة التي استجدّها فكانت دكاكين الرعية وامتعتهم بالمهديّة ومنازلهم وحرمهم بزويلة فكانوا يظلّون بالنهار في المهدية ويبيتون ليلًا وبينهم وبين نسائهم نهارًا.‏  

 

الثالث باب زويلة بالقاهرة من جهة الفسطاط الرابع حارة زويلة محلّة كبيرة بالقاهرة بينها وبين باب زويلة عدّة محال سمّيت بذلك لأنّ جوهرًا غلام المعزّ لما اختطّ محلّه بالقاهرة أنزل أهل زويلة بهذا المكان فتسمّة بهم‏.‏

 

 

الحارة المحمودية الصواب في هذه الحارة أن يقال حارة المحمودية على الإضافة فإنّها عرفت بطائفة من طوائف عسكر الدولة الفاطمية كان يقال لها الطائفة المحمودية وقد ذكرها المسبِّحي في تاريخه مرارًا قال‏:‏ في سنة أربع وتسعين وخمسمائة وفيها اقتتلت الطائفة المحموديواليانسية‏.‏

 

 

واشتبه أمر هذه الحارة على ابن عبد الظاهر فلم يعرف نسبتها لمن وقال‏:‏ لا أعلم في الدولة المصريّة من اسمه محمود غلا ركن الإسلام محمود بن أخت الصالح بن رزّيك صاحب التربة بالقرافة اللهم إلا أن يكون محمود بن مصال الملكيّ الوزير‏

 

 

فقد ذكر ابن القفطيّ أنّ اسمه محمود ومحمد صاحب المسجد بالقرافة وكان في زمان السرّي ابن الحكم قبل ذلك‏.‏

 

 

وهذا وهم آخر فإنّ ابن مصال الوزير اسمه سليمان وينعت بنجم الدين‏.‏

 

 

ووقعت في هذه الحارة نكتة قال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة أربع وتسعين وخمسمائة والسلطان يومئذٍ بمصر الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين وكان في شعبان قد تتابع أهل مصر والقاهرة في إظهار المنكرات وترك الإنكار لها وإباحة أهل الأمر والنهي فعلها وتفاحش الأمر فيها إلى أن غلا سعر العنب لكثرة من يعصره وأقيمت طاحون بالمحموديّة لطحن حشيشة للبزر وأفردت برسمه وحميت بيوت المِزْر وأقيمت عليها الضرائب الثقيلة فمنها ما انتهاى أمره في كلّ يوم إلى ستّة عشر دينارًا ومنع المِزْر البيوتي ليتوفر الشراء من مواضع الحَمي وحُملت أواني الخمر على رؤوس الأشهاد وفي الأسواق من غير منكر وظهر من عاجل عقوبة حارة الجودرية هذه الحارة عرفت أيضًا بالطائفة الجودرية إحدى طوائف العسكر في أيام الحاكم بأمر الله على ما ذكره المسبّحي وقال ابن عبد الظاهر‏:‏ الجودريّة منسوبة إلى جماعة تعرف بالجودريّة اختوها وكانوا أربعمائة منهم أبو علي منصور الجودريّ الذي كان في أيام العزيز بالله وزادت مكانته في الأيام الحاكمية فأضيفت إليه مع الأحباس الحِسْبة وسوق الرقيق والسواحل وغير ذلك ولها حكاية سمعت جماعة يحكونها وهي أنّها كانت سكن اليهود والمعروفة بهم فبلغ الخليفة الحاكم أنّهم يجتمعون بها في أوقات خلواتها ويغنّون‏:‏ وأمّة قد ضلّوا ودينهم معتلّ قال لهم نبيّهم‏:‏ نِعْمَ الأدامُ الخلُّ ويسخرون من هذا القول ويتعرّضون إلى ما لا ينبغي سماعه فأتى إلى أبوابها وسدّها عليهم ليلًا وأحرقها فإلى هذا الوقت لايبيت بها يهوديّ ولكنها أبدًا‏.‏

 

 

وقد كان في الأيام العزيزية جودر الصقلبيّ أيضًا ضرب عنقه ونهب ما له في سنة ستّ وثمانين وثلثمائة‏.‏

 

 

حارة الوزيرية هي أيضًا تنسب إلى طائفة يقال لها الوزيرية من جملة طوائف العسكر وكانت أوّلًا تعرف بحارة بستان المصمودي وعرفت وعرفت أيضًا بحارة الأكراد‏.‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ الوزيرية منسوبة إلى الوزير يعقوب بن يوسف بن كِلِّس وقال ابن الصيرفيّ والطائفة المنعوتة بالوزيرية إلى الآن منسوبة إليه يعني الوزير يعقوب بن يوسف بن كلِّس أبو الفرج‏

 

 

كان يهوديًا من أهل بغداد فخرج منها إلى بلاد الشام ونزل بمدينة الرملة وأقام بها فصار فيها وكيلًا للتجّار بها واجتمع في قبله مال عجز عن أدائه ففرّ إلى مصر في أيّام كافور الإخشيديّ فتعلّق بخدمته‏.‏

 

 

ووثب إليه بالمتجر فباع إليه أمتعة أُحيل بثمنها على ضياع مصر فكثر لذلك تردّده على الريف وعرفت أخبار القرى وكان صاحب حيل ودهاء ومكر ومعرفة مع ذكاء مفرط وفطنة فمهر في معرفة الضياع حتّى كان إذا سئل عن أمر غِلالها ومبلغ ارتفاعها وسائر أحوالها الظاهرة والباطنة أتى من ذلك بالغرض فكثرت أمواله واتسعت أحواله وأعجب به كافور لما خبر فيه من الفطنة وحسن السياسة فقال‏:‏ لو كان هذا مسلمًا لصالح أن يكون وزيرًا‏

 

 

فلمّا بلغه هذا عن كافور تاقت نفسه إلى الولاية وأحضر مَنْ عَلَّمه شرائح الإسلام سرًا لمّا كان في شعبان سنة ستّ وخمسين وثلثمائة دخل إلى الجامع بمصر وصلّى وصلاة الصبح وركب إلى كافور ومعه محمد بن عبد الله بن الخازن في خلق كثير فخلع عليه كافور ونزل إلى داره ومعه جمع كثير وركب إليه أهل الدولة يهنئونه ولم يتأخّر عن الحضور إليه أحد فغصّ بمكانه الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات وقلق بسببه وأخذ في التدبير عليه ونصب الحبائل له حتّى خافه يعقوب فخرج من مصر فارًّا منه يريد بلاد المغرب في شوّال سنة سبع وخمسين وثلاثمائة‏.‏

 

 

 

 

وقد مات كاوفر فلحق بالمعزّ لدين الله أبي تميم معدّ فوقع منه موقعًا حسنًا وشاهد منه معرفة وتدبيرًا فلم يزل في خدمته حتّى قدم من انلمغرب إلى القاهرة في شهر رمضان سنة اثنين وستّين وثلثمائة فقلّده في رابع عشر المحرّم سنة ثلاث وستين وثلاثمائة الخراجّ وجميع وجوه الأموال والحِسبة والسواحل والأعشار والجوالي والأحباس والمواريث والشرطتين وجميع ما يضاف إل ذلك وما يطرأ في مصر وسائر الأعمال‏.‏

 

 

وأشرك معه في ذلك كله عسلوج في جار الإمارة في جامع أحمد بن طولون فقبضت أيدي سائر العمّال والمتضمّنين وجلس يعقوب وعسلوج في دار الإمارة في جامع أحمد بن طولون للنداء على الضياع وسائر وجوه الأموال وحضر الناس للقبالات وطالبا بالبقايا من الأموال ممّا على الناس من المالكين والمتقبّلين والعمّال واستقصيا في الطلب ونظرا في المظالم فتوفّرت الأموال وزيدي في الضياع وتزايد الناس وتكاشفوا أو امتنعا أن يأخذا إلا دينارًا مُعِّزيًا فاتضّع الدينار الراضي وانحطّ ونقص من صرفه أكثر من ربع دينار فخسر الناس كثيرًا من أموالهم في الدينار الأبيض والدينار الراضي وكان صرف المعّزيّ خمسة عشر درهمًا ونصفًا واشتدّ الاستخراج فكان يُستخرد في اليوم نيّف وخمسين ألف دينار معزّية واستخرج في يوم واحد مائة وعشرون ألف دينار معزّية وحصل في يوم واحد من مال تنَيسٍ ودمياط الأشمونين أكثر من مائتين ألف دينار وعشرين ألف دينار وهذا شيء لم يسمعْ قطّ بمثله في بلد‏.‏

 

 

فاستمرّ الأمر على ذلك إلى المحرّم سنة خمس وستّين وثلثمائة‏.‏

 

 

فتشاغل يعقوب عن حضور ديوان الخراج وانفرد بالنظر في أمور المعزّ لدين الله في قصره وفي الدور الموافق حضور ديوان الخراج وانفرج بالنظر في أمور المعزّ لدين الله في قصره وفي الدور الموافق عليها وبعد ذلك بقليل مات المعزّ لدين الله في شهر ربيع الآخر منها وقام من بعده في الخلافة ابنه العزيز بالله أبو منصور نزار ففوّض ليعقوب النظر في سائر أموره وجعله وزيرًا له في أوّل المحرّم سنة سبع وستّين وثلثمائة‏.‏

 

 

وفي شهر رمضان سنة ثمان وستّين لقبه بالوزير الأجلّ وأمر أن لا يخاطبه أحد ولا يكاتبه إلاّ به وخلع عليه وحمل ورسم له في محرّم سنة ثلاث وسبعين وثلثمائة أن يبدأ له في مكاتباته باسمه على عنوانات الكتب النافذة عنه وخرج توقيع العزيز بذلك‏.‏

 

 

وفي هذه السنة اعتقل في القصر وردّ الأمر إلى خير بن القاسم فأقام معتقلًا عدّة شهور ثم أطلق في سنة أربع وسبعين وحمل على عدّة خيول وقرىء سجلّ بردّه إلى تدبير الدولة‏.‏

 

 

ووهبه خمسمائة غلام من الناشئة وألف غلام من المغاربة ملّكه العزيز رقابهم فكان يعقوب أوّل وزراء الخلفاء الفاطميين بديار مصر‏.‏

 

 

فدبّر أمور مصر والشام والحرمّيْن وبلاد المغرب وأعمال هذه الأقاليم كلّها من الرجال والأموال والقضاء والتدبر وعمل له إقطاعًا في كلّ سنة بمصر والشام مبلغها ثلثمائة ألف دينار واتسعت دائرته وعظمت مكانته حتّى كتب اسمه على الطُرُز في الكتب وكان يجلس كلّ يوم ي داره يأمرن وينهي ولا تُرفع إليه رقعة إلا وقَع فيها ولا يُسأل في حاجة إلا قضاها ورتب في داره الحجّاب نوبًا وأجلسهم على مراتب وألبسهم الديباج وقلّدهم السيوف وجعل لهم المناطق ورتب فرسَيْن في داره للنوبة لا تبرح واقفة بسروجها ولجمها لهم بُرْد ونصب في داره الدواوين فجعل ديوانًا للعزيزية فيه عدّة كتّاب وديوانًا للجيش فيه عدّة كتاب وديوانًا للأموال فيه عدّة كتّاب وعدّة جهابذة وديوانًا للخراج وديوانًا للسجلات والإنشاء وديوانًا للمستغلات وأقام على هذه الدواوين زمانًا وجعل في داره خزانة للكسوة وخزانة للمال وخزانة للدفاتر وخزانة للأشربة وعمل على كلّ خزانة ناظرًا وكان يجلس عنده في كلّ يوم الأطبّاء لينظروا في حال الغلمان ومن يحتاج منهم إلى علاج أو إعطاء دواء ورتّب في دار الكتّاب والأطبّاء يقفون بين يديه وجعل فيها العلماء والأدباء والشعراء والفقهاء والمتكلّمين وأرباب والأطبّاء يقفون بين يديه وجعل فيها العلماء والأدباء والشعراء والفقهاء والمتكلّمين وأرباب الصنائع لكلّ طائفة مكان مفرد وأجرى على كلّ واحد منهم الأرزاق والّف كتبًا في الفقه والقراءات ونصب له مجلسًا في داره يحضره في كلّ يوم ثلاثاء ويحضر إليه الفقهاء والمتكلّمون وأهل الجدل يتناظرون بين يديه‏.‏

 

 

من تأليفه‏:‏ كتاب في القراءات وكتاب في الأديان - وهو كتاب الفِقه واختصره - وكتاب في آداب رسول الله ‏)‏وكتاب في علم الأبدان وصلاحها في ألف ورقة وكتاب في الفقه ممّا سمعه من الإمام المعزّ لدين الله والإمام العزيز بالل

 

 

وكان يجلس في يوم الجمعة أيضًا ويقرأ مصنّفاته على الناس بنفسه وفي حضرته القضاة والفقهاء والقرّاء وأصحاب الحديث والنّجاة والشهود فإذا فرغ من قراءة ما يقرأ من مصنّفاته قام الشعراء ينشدون مدائحهم فيه‏.‏

 

 

وكان في داره عدّة كتّاب ينسخون القرآن الكريم والفقه والطبّ وتب الأدب وغيرها من العلوم فإذا فرغوا من نسخها قُوبِلت وضَبطت وجعل في داره قرّاء وأئمة يصلّون في مسجد داره وأقام بداره عدّة مطابخ لنفسه ولجلسائه ولغلمانه وحواشيه وكان ينصب مائدة لخاصّته يأكل هو وخواصّه من أهل العلم ووجوه كتّابه وخواصّ غلمانه ومن يستدعيه عليها وينصب عدّة موائد لبقيّة الحجّاب والكتّاب والحواشي‏.‏

 

 

وكان إذا جلس يقرأ كتابه في الفقه الذي سمعه من المعزّ والعزيز لا يُمنع أحد من مجلسه فيجتمع عنده الخاص والعامّ ورتّب عند العزيز بالله جماعة لا يخاطبون إلا بالقائد وأنشأ عدّة مساجد ومساكن بمصر والقاهرة وكان يقيم في شهر رمضان الأطعمة للفقهاء ووجوه الناس وأهل الستر والتعفّف ولجماعة كثيرة من الفقراء وكان إذا فرغ الفقهاء والوجوه من الأكل معه يُطاف عليهم بالطِّيب‏.‏

 

 

ومرض مرّة من علّة أصابت يده فقال فيه عبد الله بن محمد بن أبي الجرع‏:‏ يد الوزير هي الدنيا فإن ألمت رأيت في كلّ شيء ذلك الألما تأمّل الملك وانظرْ فرط علّته من أجله واسأل القرطاسَ والقلما وشاهدِ البِيضَ في الأغماد حائمة إلى العدا وكثيرًا ما روينَ دما وأنفسلناس بالشكوى قد اتّصلت كأنّما أشعرت من أجله سقما هل ينهض المجد إلا أن يؤيّده ساق يقدِّم في إنهاضه قَدَما لولا العزيز آراء الوزير معًا تحيّفتنا خطوبٌ تشعِبُ الأُمَما فقل لهذا وهذا أنتما شرف لا أوهَنَ اللهُ ركنَيْه ولا أنهدما كِلاكُما لم يزلْ في الصالحات يدًا مبسوطة ولسانًا ناطقًا وفما ولا أصابكما أحداثُ دهرِكما ولا طوى لكما ما عشتما عَلَما ولا انمحتْ عنك يا مولاي عافيةٌ فقد محوتَ بما أوليتني العدما وكان الناس يفتون بكتابه في الفقه ودرّس فيه الفقهاء بجامع مصر وأجرى العزيز بالله لجماعة في رقاع المرافق عين والمتظلّمين ويوقع بيده في الرقاع ويخاطب الخصومَ بنفسه‏.‏

 

 

وأراد العزيز بالله أن يسافر إلى الشام في زمن ابتداء الفاكهة فأمر الوزير أن يأخذ الأهبة لذلك فقال‏:‏ يا مولاي لكلّ سفر أهبة على مقداره فما الغرض من السفر فقال‏:‏ إنّي أريد التفرّج بدمشق لأكل القَراصِي

 

 

فقال‏:‏ السمع والطاعة‏

 

 

وخرج فاستدعى جميع أرباب الحَمام وسألهم عمّا بدمشق من طيور مصر وأسماء من من هي عنده وكانت مائة ونيّفًا وعشرين طائرًا ثمّ التمس من طيور دمشق التي هي في مصر عدّة فأحضرها وكتب إلى نائبه بدمشق يقول‏:‏ إن بمشق كذا وكذا طائرًا وعرّفه أسماء مَن هي عنده وأمره بإحرها إليه جميعها وأن يصيب من القراصيا في كلّ كاغِدة ويشدّها على كلّ طائر منها ويسرْحها في يوم واحد فلم يمضِ إلا ثلاثة أيّام أو أربعة حتّى وصلت الحمائم كلّها ولم يتأخر منها إلا نحو عشر وعلى جناحها القَراصِيا فاستخرجها من الكواغد وعلمها في طبق من ذهب وغطّاها وبعض بها إلى العزيز بالله مع خادم وركب إليه وقدّم ذلك وقال‏:‏ يا أمير المؤمنين قد حضّرنا قبالك القراصيا ههنا فإنْ أغناك هذا القدر وإلا استدعينا شيئًا آخر فعجب العزيز بالوزير وقال‏:‏ مثلك يخدم الملوك يا وزير واتفق أنه سابق العزيز بين الطوير فسبق طائر ال يعقوب طائرَ العزيز فشقّ ذلك على العزيز ووجد أعداء الوزير سبيلًا إلى الطعن فيه فكتبوا إلى العزيز أنه قد أختار من كلّ قل لأمير المؤمنين الذي له العلي والمثل الثاقب طائرك السابق لكنّه لم يأتِ إلاّ وله حاجب فأعجب العزيز ذلك وأعرض عما وشي به ولم يزل على حال رفيعة وكلمة نافذة إلى أن ابتدأت به علّته يوم الأحد الحادي والعشرين من شوّال سنة ثمانين وثلثمائة ونزل إليه العزيز بالله يعوده وقال له‏:‏ وددت أنّك تُباع فابتاعك بمالي أو تفدي فأفديك بولدي فهل من حاجة توصي بها يا يعقوب فبكى وقبّل يده وقال‏:‏ أمّا فيما يخصّأنت أرعى بحقّي من أن أسترعيك إياه وأرأفُ على من أن أوصيك به ولكنّي أنصح لك فيما يتعلّق بك وبدولتك سالِمِ الروم ما سالموك واقنع من الحمدانية بالدعوة والشكر ولا تُبقِ على مفرج بن دعقل إنْ عرضت لك فيه فرصة‏.‏

 

 

وانصرف العزيز فأخذته السكتة وان في سياق الموت يقول‏:‏ لا يغلب اللهَ غالبٌ ثمّ قضى نحبه ليلة الأحد لخمس خلون من ذي الحجّة فأرسل العزيز بالله إلى داره الكفن والحوط وتولّى غسله القاضي محمد بن النعمان وقال‏:‏ كنت واللهِ اغسلُ لحيته وأنا أرفق به خوفًا أن يفينه في وجهي‏.‏

 

 

وكفّن في خمسين ثوبًا ثلاثين مثقلًا يعني‏:‏ منسوجًا بالذهب ووشي مذهبًا وشرب ديبقي مذهبًا وحقّة كافورًا وقاروري مسكِ وخمسين مِنًا ماء ورد وبلغت قيمة الكفن والحنوط عشرة آلاف دينار‏

 

 

 

 

       

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 وخرج مختار الصقلبيّ وعليّ بن عمر العدّاس والرجال بين أيديهم ينادون لا يتكلّم أحد ولا ينطق وقد اجتمع الناس فيما بين القصر ودار الوزير التي عرفت بدار الديباج ثمّ خرج العزيز من القصر على بغلة والناس يمشون بين يديه وخلفه بغير مظلّة والحزن ظاهر عليه حتّى وصل إلى داره فنزل وصلّة عليه وقد طرح على تابوته ثوب مثقل ووقف حتّى دفن بالقبّة التي كان بناها وهو يبكي ثمّ أنصرف‏.‏

 

 

وسُمع العزيز وهو يقول‏:‏ واطول أسفي عليك يا وزير والله قو قدرت أفديك بجميع ما أملك لفعلت‏

 

 

وأمر بإجراء غلمانه على عادتهم وعتق جميع مماليكه وأقام ثلاثًا لا يأكل على مائدته ولا يحضرها من عادته الحضور وعمل على قبره ثوبان مثقلان وأقام الناس عند قبره شهرًا وغدا الشعراء إلى قبر فرثاه مائة شاعر أجيزوا كلّهم وبلغ العزيزَ أنّ عليه ستّة عشر ألف دينار دَيْنًا فأرسل بها إلى قبره فوضت عليه وفرّقت على أرباب الديون وألزم القرّاء بالمقام على قبره وأجرى عليهم الطعام وكانت الموائد تُحضَر إلى قبره كلّ يوم مدّة شهر يحضر نساء الخاصّة كلّ يوم ومعهنّ نساء العامّة فتقوم الجواري بأقداح الفضّة والبلّور وملاعق الفضّة فيسقين النساء الأشربة والسَوابق بالسكّر ولم تتأخّر نائحة ولا لاعبة عن حضور القبر مدّة الشهر وخلّف أملاكًا وضياعًا قياسير ورباعًا عينًا وورقًا وأواني ذهبًا وفضّة وجوهرًا وعنبرًا وطِيبًا وثيابًا وفرشًا ومصاحف وكتبًا وجواري وعبيدًا وخيلًا وبغالًا ونوقًا وحُمُرًا وإبلًا وغِلالًا وخزائن ما بين أشربة وأطعمة قُوِّمت بأربعة آلاف ألف دينار سوى ما جهّز به ابنته وهو ما قيمته مائتا ألف دينار وخلّف ثمانمائة حظيّة سوى جواري الخدمة فلم يتعرّض العزيز لشيء ممّا يملكه أهله وجواريه وغلمانه وأمر بحفظ جهاز ابنته إلى أن زّوجها وأجرى لمن في داره كلّ شهر ستمائة دينار للنفقة سوى الكسوة والجِرايات وما يحمل إليهم من الأطعمة من القصر وأمر بنقل ما خلّفه إلى القصر فلمّا تمّ له من يوم وفاته شهر قطع الأمير منصور بن العزيز جميع مستغلاّته وأقرّ العزيزُ جميعَ ما فعل الوزير وما ولاّه من العمّال على حاله وأجرى الرسوم التي كان يُجريها وأقرّ غلمانه على حالهم وقال‏:‏ هؤلاء صنائعي‏

 

 

وكانت عدّة غلمان الوزير أربعة آلاف غلام عُرفوا بالطائفة الوزيريّة وزاد العزيز أرزاقهم عمّا كانت عليه وأدناهم وإليهم تُنسب الوزيريّة فإنّها كانت مساكنهم‏.‏

 

 

واتّفق أنّ الوزير عمَر قبّة أنفق عليها خمسة عشر ألف دينار وآخر ما قال‏:‏ لقد طال أمر هذه القبّة ما هذه قبّة هذه تربة‏

 

 

فكانت كذلك ودفن تحتها وموضع قبره اليوم المدرسة الصاحبيّة واتّفق أنّه وجد في داره رقعة مكتوب فيها‏:‏ احذروا من حوادث الأزمانِ وتوقّوا طوارقَ الحِدثان قد أمنتمْ رِيب الزمان ونمتمُ رُبَّ خوفٍ مكمن في الأمان فلمّا قرأها قال‏:‏ لا حول ولا قوّة إلا بالله العالعظيم ولم يلبث بعدها إلا أيامًا يسيرة ومرض فمات‏.‏

 

 

حارة الباطلية عرفت بطائفة يقال لهم الباطلية قال ابن عبد الظاهر‏:‏ وكان المعزّ لما قسم العطاء في الناس جاءت طائفة فسألت عطاء فقيل لها‏:‏ أفرغ ما كان حاضرًا ولم يبق شيء فقالوا‏:‏ رحنا نحن في الباطل فسمّوا الباطليّة وعرفت هذه الحارة

 

 

وفي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سنة ثلاث وستّين وستّمائة

 

 

 

احترقت حرة الباطليّة عندما كثر الحريق في القاهرة ومصر واتّهم النصارى بفعل ذلك فجمعهم الملك الظاهر بيبرس وحملت لهم الأحطاب الكثيرة والحّلْفاء وقُدِّموا ليحرقوا بالنار فتشفّع لهم الأمير فارس الدين أقطاي أتابك العساكر على أن يلتزموا بالأموال التي احترقت وأن يحملوا إلى بيت الماء خمسين ألف دينار فتُرِكوا‏.‏

 

 

وجرى في ذلك ما تستحسن حكايته وهو أنّه قد جمع مع النصارى سائر اليهود وركب السلطان ليحرقهم بظاهر القاهرة وقد اجتمع الناس من كلّ مكان للتشفّي بحريقهم لما نالهم من البلاء فيما دُهوا به من حريق الأماكن لاسيّما الباطليّة فإنّها أتت النار عليها حتّى حُرقت بأسرها.‏  

 

فلمّا حضر السلطان وقدم اليهود والنصارى ليُحرَقوا برز ابنُ الكازروني اليهوديّ - وكان صيرفيًا - وقال للسلطان‏:‏ سألتك بالله لا تحرقنا مع هؤلاء الكلاب الملاعين أعدائنا وأعدائكم احرقنا ناحية وحدنا فضحك السلطان والأمراء وحينئذٍ تقرّر الأمر على ما ذكر فندب لاسراج المال منهم الأمير سيف الدين بلبان المهراني فاستخلص بعض ذلك في عدّة سنين وتطاول الحال فدخل كتّاب الأمراء مع مخادعيهم وتحيّلوا في إبطال ما بقي فبطل في أيام السعيد بن الظاهر‏.‏

 

 

وكان سبب فعل النصارى لهذا الحريق حقنهم لمّا أخذ الظاهر من الفرنج أرسوف وقيسارية وطرابلس ويافا وأنطاكية‏.‏

 

 

وما زالت الباطلية خرابًا والناس تضرب بحريقها المثل لمن يشرب الماء كثيرًا فيقولون‏:‏ كأنّ في باطنه حريق الباطليّة‏

 

 

ولما عمر الطواشي بهادر المقدّم داره بالباطليّة عمر فيها مواضع بعد سنة خمس وثمانين وسبعمائة‏.‏

 

 

حارة الروم قال ابن عبد الظاهر‏:‏ واختطّت الروم حارتّيْن‏:‏ حارة الروم الآن وحارة الروم الجوّانية فلمّا ثقل ذلك عليهم قالوا‏:‏ الجوّانية لا

 

 

والورّاقون إلى هذا الوقت يكتبون حارة الروم السفلي وحارة الروم العليا المعروفة اليوم بالجوّانية‏.‏

 

 

وفي سابع عشر ذي الحجّة سنة تسع وتسعين وثلثمائة أمر الخليفة الحاكم بأمر الله بهدم حارة الروم فهدمت ونهبت‏.‏

 

 

حارة الديلم عرفت بذلك لنزول الديلم الواصلين مع هفتكين الشرابي حين قدم ومعه أولاد مولاه معزّ الدولة البويهي وجماعة من الدَّيْلَم والأتراك في سنة ثمان وستّين وثلثمائة فمكنوا بها فعرفت بهم‏.‏

 

 

وهفتكين هذا يقال له الفتكين أبو منصور التركيّ الشرابيّ غلام معزّ الدولة وكان فيه شجاعة وثبات في الحراب‏.‏

 

 

فلمّا سارت الأتراك من بغداد لحرب الديلم جرى بينهم قتال عظيم اشتهر فيه هفتكين إلاّ أن أصحابه انهزموا عنه وصار في ظائفة قليلة فولّى بمن معه من الأتراك وهم نحو الأربعمائة فسار إلى الرحبة وأخذ منها على البرّ إلى أن قرب من حوشبة إحدى قرى الشام وقد وقع في قلوب العربان منه مهابة فخرج إليه ظالم بن مرهوب العقيلي من بعلبك وبعث إلى أبي محمود إبراهيم بن جعفر أمير دمشق من قبل الخليفة المعزّ لدين الله يُعلمه بقدومه هفتكين من بغداد الإقامة الخطبة العباسيّة وخوّفه منه فأنفذ إليه عسكرًا وسار إلى ناحية حوشبة يريد هفتكين وسار بشارة الخادم من قبل أبي المعالي بن حمدان عونًا لهفتكين فَرُدَّ ظالم إلى بعلبك من غير حرب وسار بشارة بهفتكين إلى حمص فحمل إليه أبو المعالي وتلقّاه وأكرمه‏.‏

 

 

وكان قد ثار بدمشق جماعة من أهل الدّعارة والفساد وحاربوا عمّال السلطان واشتدّ أمرهم وكان كبيرهم يُعرف بابن الماورد فلمّا بلغهم خبب هفتكين بعثوا إليه من دمشق إلى حمص يستدعونه ووعدوه بالقيام معه على عساكر المعزّ وإخراجهم من دمشق لِيليَ عليهم فوقع ذلكمنه بالموافقة وسار حتّى نزل بثنية العقاب لأيام بقيت من شعبان سنة أربع وستّين وثلثمائة فبلغ عسكر المعزّ خبر الفرنج وأنّهم قد قصدوا طرابلس فساروا بأجمعهمإلى لقاء العدوّ ونظل هفتكين على دمشق من غير حرب فأقام أيامًا ثم سار يريد محاربة ظالم ففرّ منه ودخل هفتكين بعلبكّ فطرقه العدوّ من الروم والفرنج وانتهبوا بعلبك وأحرقوا وذلك في شهر رمضان وانتشروا في أعمال بعلبك والبقاع يقتلون ويأْسرون ويحرقون وقصدوا دمشق وقد التحق بها هفتكين فخرج إليهم أهل دمشق وسألوهم الكفّ عن البلد والتزموا بمال فخرج إليهم هفتكين وأهدى إليهم وتكلّم معهم في أنه لا يستطيع جباية المال لقوّة ابن الماورد وأصحابه وأمر ملك الروم به فقبض عليه وقيّده وعاد فجبى المال من دمشق بالعنف وحمل إلى ملك الروم ثلاثين ألف دينار ورحل إلى بيروت ثمّ إلى طرابلس فتمكن هفتكين من دمشق وأقام بها الدعوة لأبي بكر عبد الكريم الطائع بن المطيع العباسيّ وسيّر إلى العرب السرايا فظفرت وعادت إليه بعده بمن أسَرته من رجال العرب فقتلهم صبرًا‏.‏

 

 

وكان قد تخوّف من المعزّ فكاتب القرامطة يستدعيهم من الأحْسَاء للقدوم عليه لمحاربة عساكر المعزّ وما زال بهم حتّة وافوا دمشق في سنة خمس وستّين ونزلوا على ظاهرها ومعهم كثير من أصحاب هفتكين الذين كانوا قد تشتتوا في البلاد فقوي بهم ولقي القرمطة وحمل إليهم وسرّ بهم فأقاموا على دمشق إيامًا ثمّ رحلوا نحو الرّمْلة وبها أبو محمود فلحق بيافا ونزل القرامطة الرملة ونصبوا القتال على يافا حتّة كّلّ الفريقان وسئموا جميعًا من طول الحرب وسار هفتكين على الساحل ونزل صيدا وبها ظالم بن مروب العقيليّ وابن الشيخ من قبل المعزّ وفقاتلهم قتالًا شديدًا انهزم منه ظالم إلى صور وقتل بين الفريقين نحو أربعة آلاف رجل فقطع أيدي القتلى من عسكر المعزّ وسيّرها إلى دمشق فطيف بها ثمّ سار عن صيدا يريد عكّا وبها عسكر المعزّ وكان قد مات المعزّ في ربيع الآخر سنة 365 ه وقام من بعده ابنه العزيز بالله وسيّر جوهرًا القائد في عسكر عظيم إلى قتال هفتكين والقرامطة فبلغ ذلك القرامطة وهم على الرملة ووصل الخبر بمسيره إلى هفتكين وهو على عكّا فخاف القرامطة وفرّوا عنها فنزلها جوهر وسار من القرامطة إلى الأحساء التي هي بلادهم جماعة وتأخّر عدّة وسار هفتكين من عكّا إلى طبريّة وقد علم بمسير القرامطة وتأخّر بعضهم فاجتمع بهم في طبرية واستعدّ للقاء جوهر وجمع الأقوات من بلاد حوران والثنية وأدخلها إلى دمشق وسار إليها فتحصن بها ونزل جوهر على ظاهر دمشق لثمان بقين من ذي القعدة فبنى على معسكره سورًا وحفر خندقًا عظيمًا وجعل له أبوابًا وجمع هفتكين الناس للقتال‏.‏

 

 

وكان قد بقي عبد ابن الماورد ردل يعرف بقسّام التراب وصار في عدّة وافرة من الدعّار فأعانه هفتكين وقوّاه وامدّه بالسلاح وغيره ووقعت بينهم وبين جوهر حروب عظيمة طويلة إلى يوم الحادي عشر من ربيع الأوّل سنة ستّ وستين وثلاثمائة فاختلّ أمر هفتكين وهمّ بالفرار ثمّ إنه استظهر ووردت الأخبار بقدوم الحسن بن أحمد القرمطيّ إلى دمشق فطلب جوهر الصلح على أن يرحل عن دمشق من غير أن يتبعه أحد وذلك أنه رأى أواله قد قلّت وهلك كثير ممّا كان في عسكره حتّى صار أكثر عسكره رجّالة وأعوزهم العلف وخشي قدوم القرامطة فأجابه هفتكين وقد عظم فرحه واشتدّ سروره فرحل في ثالث جمادي الأول وجدّ في المسير وقد قرب القرامطة فأناخ بطبريّة فبلغ ذلك القرمطي فقصده وقد سار عنها إلى الرملة فبعض غليه بسرية كانت لها مع جوهر وقعة قتل فيها جماعة من العرب وأدركه القرمطي وسار في أثره هفتكين فمات الحسن بن أحمد القرمطي بالرملة وقام من بعده بأمر القرامطة ابن عمّه جعفر ففسد ما بينه وبين هفتكين ورجع عن الرملة إلى الأحساء وناصب هفتكين القتال وألح فيه على جوهر حتّى انهزم عنه وسار إلى عسقلان وقد غنم هتفكين ممّا كان معه شيئًا يجلذ عن الوصف ونزل على البلد محاصرًا لها‏.‏

 

 

وبلغ ذلك العزيز فاستعدّ للمسير إلى بلاد الشام فلما طال الأمر على جهور راسل هفتكين حتّى يقرّر الصلح على مال يحمله إليه وأن يخرج من تحت سيف هفتكين فعلق سيفه على باب عسقلان وخرج جوهر ومن معه من تحته وساروا إلى القاهرة فوجد العزيز قد برز يريد المسير فسار معه وكان مدّة قتال هفتكين لجوهر على ظاهر الرملة وفي عسقلان سبعة عشر شهرًا‏.‏

 

 

وسار العزيز بالله حتّى نزل الرملة وكان هفتكين بطبرّية فسار إلى لقاء العزيز ومعه أبو إسحاق وأبو ظاهر أخو عز الدولة ابن بختيار بن أحمد بن نويه وأبو اللحاد مرزبان عز الدولة ابن بختيار بن عز الدولة ابن بويه فحاربوه فلم يكن غير ساعة حتّى هزمتْ عساكرُ العزيز عساكر هفتكين وملكوه في يوم الخميس لسبع بقين من المحرّم سنة ثمان وستّين وثلثمائة واستأمن أبو إسحاق ومرزبان بن بختيار وقُتل أبو طاهر أخو عز الدولة ابن بختيار وأخذ أكثر أصحابه أسرى وطُلب هفتكين في وكان قد فرّ وقت الهزيمة على فرس بمفرده فأخذه بعض العرب أسيرًا فقد به على مفرّج بن دعقل بن الجراح الطائيّ وعمامته في عنقه فبعض به إلى العزيز فأمر به فشهر في العسكر وطيف به على جمل فأخذ الناس يلطمونه ويهزَّون لحيته حتى رأى في نفسه العبر ثم سار العزيز بهفتكين والأسرى إلى القاهرة فاصطنعه ومن معه وأحسن إليه غاية الإحسان وأنزله في دار وواصله بالعطاء والخلع حتّى قال‏:‏ لقد احتشمت من ركوبي مع مولانا العزيز بالله وتطوّفي إليه بما غموني من فضله وإحسانه‏

 

 

فلما بلغ ذلك العزيز قال لعمه حيدرة‏:‏ يا عمّ والله إني أحبّ أن أرى النعم عند الناس ظاهرة وارى عليهم الذهب والفضة والجهور ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار وأن يكون ذلك كلّه من عندي‏

 

 

وبلغ العزيز أنّ الناسَ من العامّة يقولون‏:‏ ما هذا التركيّ فأمر به فشهّر في أجمل حال ولمّا رجع من تطوّفه وهب له مالًا جزيلًا وخلع عليه وأمر سائر الأولياء بأن يدعوه إلى دورهم فما منهم إلا من عمل له دعوة وقدم غليه وقاد بين يديه الخيول‏:‏ ثمّ إن العزيز قا بعد ذلك‏:‏ كيف رأيت دعوات أصحابنا فقال‏:‏ يما مولانا حسنة في الغاية وما فيهم إلا من أنعم وأكر

 

 

فصار يركب للصيد والتفرّج وجمع إليه العزيز بالله أصحابه من الأتراك والديلم واستحبجه واختصّ به ومازال على ذلك إلى أن توفّي في سنة اثنين وسبعين وثلثمائة فاتّهم العزيزُ وزيرَه يعقوبض بن حارة الأتراك هذه الحارة تجاه الجامع الأزهر وترعف اليوم بدرب الأتراك وكان نافذًا إلى حارة الديلم والورّاقون القدماء تارة يفردونها من حالة الديلم وتارة يضيفونها إليها ويجعلونها من حقوقها فيقولون تارة‏:‏ حارة الديلم والأتراك وتراة يقولون‏:‏ حارتي الديلم والأتراك وقيل لها حارة الأتراك لأنّ هفتكين لما غلب ببغداد سار معه من جنسه أائة من الأتراك وتلاحق به عند ورود القرامطة عليه بدشمق عدة من أصحابه فلما دمع لحرب العزيز بالله كان أصحابه ما بين ترك وديلم فلما قبض عليه العزيز ودخل به إلى القاهرة في الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثمان وستّين وثلثمائة كما تقدّم نزل الديلم مع أصحابهم في موضع حارة الديلم ونزل هفتكين بأتراكه في هذا المكان فصار يعرف بحارة الأتراك‏.‏

 

 

وكانت مختلطة بحارة الديلم لأنهما أهل دعوة واحدة إلا أنّ كلّ جنس على حدة لتخالفهما في الجنسيّة ثم قيل بعد ذلك درب الأتراك‏.‏

 

 

حارة كتامة هذه الحارة مجاورة لحارة الباطليّة وقد صارت الآن من جملتها‏.‏

 

 

كانت منازل كاتمة بها عندما قدموا من المغرب مع القائد جوهر ثمّ مع العزيز وموضع هذه الحارة اليوم حمام كواي وما جاورها مما وراء مدرسة ابن الغنام حيث الموضع المعروف بدرب ابن الأعسر إلى رأس الباطلية وكانت كتامة هي أصل دولة الخلفاء الفاطميين‏.‏

 

 

أبي عبد الله الشيعي هو الحسن بن أحمد بن محمد بن زكريا الشيعي من أهل صنعاء اليمن ولي الحِسبة في بعض أعمال بغداد ثمّ سار إلى ابن حوشب باليمن وصار من كبار أصحابه وكان له علم وفهم وعنده دهاء ومكر فورد على ابن حوشب موت الحلوانيّ داعي المغرب ورفيقه فقال لأبي عبد الله الشيعي‏:‏ إنّ أرض كُتامة من بلاد المغلاب قد خَربها الحلوانيّ وأبو سفيان وقد ماتا وليس لها غيرك فبادر فإنّها موطّأة ممهّدة لك‏

 

 

فخرج من اليمن إلى مكّة وقد زوّده ابن حوشب بمال فسأل عن حجّاج كُتامة فأُرشد إليهم واجتمع بم وأخفى عنهم قصد وذلك أنه جلس قريباص منهم فسمعهم يتحدّثون بفضائل آل البيت فحدّثهم في ذلك وأطال ثمّ نهض ليقوم فسألوه أن يأذن لهم في زيارته فأذن لهم فصاروا يتردّدون إليه لما رأوا من علمه وعقله ثمّ إنهم سألوه أينّ يقصد فقال‏:‏ أُريد مصر فسرّوا بصحبته ورحلوا من مكّة وهو لا يخبرهم شيئًا من خبره وما هو عليه من القصد‏

 

 

وشاهدوامنه عبادة وورعًا وتحرّجًا وزهادة فقويت رغبتهم فيه واشتملوا على محبّته واجتمعوا على اعتقاده وساروا بأسرهم خدمًا له‏.‏

 

 

وهو في أثناء ذلك يستخبرهم عن بلادهم ويَعلم أحوالهم ويفحص عن قبائلم وكيف طاعتهم للسلطان بإفريقية فقالوا له‏:‏ ليس له علينا طاعة وبيننا وبينه عشرة أيان قال‏:‏ أفتحملون السلاح قالوا‏:‏ هو شغ

 

 

وما برح حتّى عرف جميع ما هم عليه‏.‏

 

 

فلمّا وصلوا إلى مصر أخذ يودّعهم فشقّ عليهم فراقه وسألوه عن حاجته بمصر فقال‏:‏ ما لي بها من حاجة إلا أنّي أطلب التعليم بها‏

 

 

قالوا‏:‏ فأمّا إذا كنتَ تقصد هذا فإنّ بلادنا أنفع لك وأطوع لأمرك ونحن أعرف بحقّك ومازالوا به حتّى أجابهم إلى المسير معهم فساروا به إلى أن قاربوا بلادهم وخرج لى لقائهم أصحابهم وكان عندهم حسّ كبير من التشيّع واعتقاد عظيم في محبّة أهل البيت كما قرّره الحلواّ فعرّفهم القوم خبر أبي عبد الله فقاموا بحقّ تعظيمه وإجلاله ورغبوا في نزوله عندهم واقترعوا فيمن يضيفه ثمّ ارتحلوا إلى أرض كُتامة فوصلوا إليها منتصف الربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين ومائتين فما منهم إلا منْ سأله أن يكون منزله عنده فلم يوافق أحدًا منهم وقال‏ أين يكون فجّ الأخيار فعجبوا من ذلك ولم يكونوا قطّ ذكروه له منذ صحبوه فدلّوه عليه فقصده وقال‏:‏ إذا حللنا به صرنا نأتي كلّ قوم منكم في ديارهم ونزورهم في بيوتهم فرضوا جميعًا بذلك‏

 

 

وسار إلى جيل يلحان وفيه فج الأخيار فقال هذا فج الأخيار وما سمّي إلا بكم ولقد جاء في الآثار للمهديّ هجرة ينبو بها عن الأوطان ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان قوم اسمهم مشتقّ من الكتمان ولخروجكم في هذا الفجّ سمّي فجّ الأخير فتسامعت به القبائل وأتته البربر من كلّ مكان وعظم أمره حتى أنّ كتامة اقتتلت عليه مع قبائل البربر وهو لا يذكر اسم المهدي ولا يعرّج عليه فبلغ خبره إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية فقال أبو عبد الله لكتامة‏:‏ أنا صاحب النذر الذي قال لكم أبو سفيان والحلوانيّ فازداد محبّتهم له وعظم أمره فيهمأتته القبائل من كلّ مكان وسار إلى مدينة تاصروق ومع الخيل وصيّر أمرها للحسن بن هارون كبير كتامة وخرج للحرب فظفر وغنم وعمل على تاصروق خندقًا فرجعت إليه قبائل من البربر وحاربوه فظفر بهم وصارت إليه أموالهم ووالى الغزو فيهم حتّى استقام له أمرهم فسار وأخذ مدائن عدّة فبعض إليه ابن الأغلب بعساكر كانت له معهم حروب عظيمة وخطوب عديدة وأنباء كثيرة آلت إلى غلب أبي عبد الله وانتشار أصحابه من كتامة في البلاد فصارو يقول‏:‏ المهديّ يخرج في هذا الأيام ويملك الأرض فيا طوبى لمن هاجر إليَّ وأطاعني‏

 

 

وأخذ يغري الناس بابن الأغلب ويذكر كرامات المهدي وما يفتح الله له ويعدهم بأنّهم يملكون الأرض كلّها‏.‏

 

 

وسير إلى عبيد الله بن محمد رجالًا من كتامة ليخبروه بما فتح الله له وأنه ينتظره فوافوا عبيد الله بسليمة من أرض حمص وكان قد اشتهر بها وطلبه الخليفة المكتفي ففرّ منه بابنه أبي القاسم وسار إلى مصر وكان لهما قصص مع النوشزي عامل مصر حتّى خلصا منه ولحاق ببلاد المغرب‏.‏

 

 

وبلغ ابنَ الأغلب زيادة الله خبرُه مسير عبيد الله فأزكى له العيون وأقام له الأعوان حتّى قبض عليه بسلجماسة وكان عليها اليسع بن مدرار وحبس بها هو وابنه أبو القاسم‏.‏

 

 

وبلغ ذلك أبا عبد الله وقد عظم أمره فسار وضايق زيادة الله بن الأغلب وأخذ مدائنه شيئًا بعد شيء وصار فيما ينيف على مائتي ألف وألحّ على القيروان حتّى فرّ زيادة الله إلى مصر وملكها أبو عبد الله ثم سار إلى رفادة فدخلها أوّل رجب سنة ست وتسعين ومائتين وفرّق الدُور على كتامة وبعث العمال إلى البلاد وجمع الموال ولم يخطب باسم أحد‏.‏

 

 

فملا دخل شهر رمضان سار من رفّادة فاهتزّ لرحيله المغرب بأسره وخافته زَناتة وغيرها وبعثوا إليه بطاعتهم وسار إلى سَلجماسة ففرّ منه اليسع بن مدرار واليها ودخل البلد فأخرج عبيد الله وابنه من السجن وقال‏:‏ هذا المهديّ الذي كنت أدعوكم إليه‏

 

 

وأركبه هو وابنه ومشى بسائر رؤساء القبائل بين أيديهما وهو يقول‏:‏ هذا مولاكم ويبكي من شدّة الفرح حتة وصل إلى فسطاط ضُرب له فأنزل فيه وبعض في طلب اليسع فأدركه وحمل إليه فضربه بالسياط وقتله ثمّ سار المهدي إلى رفادة فصار بها في آخر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ائتين‏.‏

 

 

ولما تمكّن قتل أبا عبد الله وأخاه في يوم الاثنين للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين فكان هذا ابتداء أمر الخلفاء الفاطميين وما زالت كتامة هي أهل الدولة مدّة خلافة المهدي عبيد الله وخلافة ابنه القاسم القائم بأمر الله وخلافة المنصور بنصر الله إسماعيل بن القاسم وخلافة معدّ المعز لدين الله ابن المنصور وبهم أخذ ديار مصر لما سيّرهم إليها مع القائد جوهر في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة وهم أيضًا كانوا أكابر من قدم معه من الغرب في سنة اثنين وستّين وثلثمائة‏.‏

 

 

فلما كان في أيّام ولده العزيز بالله نزار اصطنع الدّيلم والأتراك وقدّمهم وجعلهم خاصّته فتناسوا وصار بينهم وبين كتامة تحاسد إلى أن مات العزيز بالله وقام من بعده أبو عليّ المنصور الملقّب بالحاكم بأمر الله فقدّم ابن عمار الكتامي وولاّه الوساطة وهي في معنى رتبة الوزارة فاستبدّ بأمور الدولة وقدّم كتامة وأعطاهم وحطّ من الغلمان الأتراك والديلم الذين اصطنعهم العزيز فاجتمعوا إلى برجوان وكان صقلبيًا وقد تاقت نفسه إلى الولاية فأغرى المصطنعة بابن عمّار حتّى وضعوا منه واعتزل عن الأمر وتقلّد برجوان الوساطة فاستخدم الغلمان المصطنعين في القصر وزاد في عطاياهم وقوّاهم ثمّ قتل الحاكم ابن عمّار وكثيرًا من رجال دولة أبيه وجدّه فضعفت كتامة وقويت الغلمان‏.‏

 

 

فلما مات الحاكم وقام من بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين الله علي أكثر من اللهو ومال إلى الأتراك والمشارقة فانحطّ جانب كتامة ومازال ينقص قدرهم ويتلاشى أمرهم حتّى ملك المستنصر بعد أبيه فاستكثرت أمّه من العبيد حتّى يقال إنهم بلغوا نحوًا من خمسين ألف أسود واستكثر هو من الأتراك وتنافس كلّ منهما مع الآخر فكانت الحرب التي آلت إلى خراب مصر وزوال بهجتها إلى أن قدم أمير الجيوش بدر الجمالي من عكّا وقتل رجال الدولة وأقام له جندًا وعسكرًا من الأرمن فصار من حينئذٍ معظم الجيش الأرمن وذهبت كتامة وصاروا من جملة الرعيّة بعدما كانوا وجوه الدولة وأكابر أهلها‏.‏

 

 

حارة الصالحية عرفت بغلمان الصالح طلائع بن رزبك وهي موضعان‏:‏ الصالحيّة الكبرى والصالحيّة الصغرى وموضعهما فيما بين المشهد الحسيني ورحبة الأيدمري وبين البرقيّة وكانت من الحارات العظيمة وقد خربت الآن وباقيها متداعٍٍ إلى الخراب‏

 

 

قال ابن الظاهر‏:‏ الحارة الصالحية منسوبة إلى الصالح طلائع بن رزيك لأنّ غلمانه كانوا يسكنونها وهي مكانان وللصالح دار بحارة الديلم كانت سكنه قبل الوزارة وهي باقية إلى الآن وبها بعض ذرّيته والمكان المعروف بخوخة الصالح نسبة إليه‏

 

 

حارة البرقية هذه الحارة عرفت بطائفة من طوائف العسكر في الدولة الفاطمية يقاللها الطائفة البرقية ذكرها المسبّحي‏.‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ ولما نزل بالقاهرة - يعني المعزّ لدين الله - اختطّت كلّ خطة عرفت بها قال‏:‏ واختطت جماعة من أهل برقة الحارة المعروفة بالبرقية انته

 

 

وإلى هذه الحارة تنسب الأمراء البرقية‏.‏

 

 

الأمراء البرقيّة ووزارة ضرغام وذلك أنّ طلائع بن رزيك كان قد أنشأ في وزارته أمراء يقال لهم البرقيّة وجعل ضرغامًا مقدّمهم فترقّى حتّى صار صاحب الباب وطمع في شاور السعدي لما ولي الوزارة بعد رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك فجمع رفقته وتخوّف شارو منه وصار العسكر فرقتين‏:‏ فرقة مع ضرغام وفرقة مع شارو‏

 

 

فلمّا كان بعد تسعة أشهر من وزارة شارو ثار ضرغام في رمضان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وصار على شارو فأخرجه من القاهرة وقتل ولده الأكبر المسمّى بطيءّ وبقي شجاع المنعوت بالكامل وخرج شارو من القاهرة يريد الشام كما فعل الوزير رضوان بن ولخشي فإنه كان رفيقًا له في تلك الكرّة واستقرّ ضرغام في وزارة الخليفة العاضد لدين الله بعد شارو وتلقّب بالملك المنصور فشكر الناسسيرته فإنه كان فارس عصره وكان كاتبًا جميل الصورة فَكِه المحاضرة عاقلًا كريمًا لا يضع في سمعة ترفعه أو مداراة تنفعه إلا أنه كان أذنًا مستحيلًا على أصحابه وإذا ظنّ في أحد شرًّا جهل الشكّ يقينًا وعجّل له العقوبة‏.‏

 

 

وغلب عليه مع ذلك في وزارته أخواه ناصر الدين همام وفخر الدين حسام وأخذ يتنكّر لرفقته البرقيّة الذين قاموا بنصرته وأعانوه على إخراج شارو وتقليده للوزارة من أجل أنه بلغه عنهم أنّهم يحسدونه ويضعون منه وأنّ منهم من كاتب شارو وحثّه على القدوم إلى القاهرة ووعده بالمعاونة له فأظلم الجوّ بينه وبينهم وتجرّد للإيقاع بهم على عادته في أسرع العقوبة وأحضرهم إليه في دار الوزارة ليلًا وقتلهم بالسيف صبرًا وهم‏:‏ صبح بن شاهنشاه والطهر مرتفع المعروف بالجلواص وعين الزمان وعلي بن الزبد وأسد الفازي وأقاربهم وهم نحو من سبعين أميّ سوى اتباعهم فذهب لذلك رجال الدولة واختّلت أحوالها وضعفت بذهاب أكابرها وفقد أصحاب الرأي والتدبير وقصد الفرنج ديار مصر فخرج إليهم همام أخو ضرغام وانهزم منهم وقتل منهم عدّة ونزلوا على حصن بلبيس وملكوا بعض السور ثمّ ساروا وعاد همام عودًا رديئًا فبعث به ضرغام إلى الإسكندرية وبها الأمير مرتفع الجلواص فأخذه العرب وقاده همام إلى أخيه فضرب عنقه وصلبه على باب زويلة فما هو إلا أن قدم رسل الفرنج على ضرغام في طلب مال الهدنة المقرّر في كلّ سنة - وهو ثلاثة وثلاثون ألف دينار - وإذا بالخبر قد ورد بقدوم شارو من الشام ومعه أسد الدين شيركوه في كثير من الغزّ فأزعجه ذلك وأصبح الناس يوم التاسع والعشرين من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين خائفين على أنفسهم وأموالهم فجمعوا الأقوات والماء وتحوّلوا من مساكنهم وخرج همام بالعسكر أوّل يوم جمادى الآخرة فسار إلى بلبيس وكانت له وقعة مع شارو انهزم فيها وصار إلى شارو وأصحابه جميع ما كان منع عسكر همام وأسروا عدّة ونزل شارو بمن معه إلى التاج ظاهر القاهرة في يوم الخميس سادس جمادى الآخرة فجمع ضرغام الناس وضمّ إليه الطائفة الريحانية والجيوشية بداخل القاهرة وشارو مقيم بالتاج مدّة أيام - وطوالعه من العربان - فطارد عسكر ضرغام بأرض الطبّالة خارج القاهرة ثمّ سار شارو ونزل بالمقس فخرج إليه عسكر ضرغام وحاربوه فانهزم هزيمة قبيحة وسار إلى بركة الحبش ونزل بالشرف الذي يعرف اليوم بالرصد وملك مدينة مصر وأقام بها أيامًا فأخذ ضرغام مال الأيتام الذي بمودع الحكم فكرهه الناس واستعجزوه ومالوا مع شارو فتنكّر منهم ضرغام وتحدّث بإيقاع العقوبة بهم فزاد بغضهم له ونزل شارو في أرض اللوق خارج باب زويلة وطارد رجال ضرغام وقد خلت المنصورة والهلالية وثبت أهل اليانسية بها وزحف إلى باب سعادة وباب القنطرة وطرح النار في اللؤلؤة وما حولها من الدور وعظمت الحروب بينه وبين أصحاب ضرغام وفني كثير من الطائفة الريحانية فبعثوا إلى شاور ووعدوه بأنّهم عون له فانحلّ أمر ضرغام فأرسل العاضد إلى الرماة يأمرهم بالكفّ عن الرمي فخرج الرجال إلى شاور وصاروا من جملته وفترت همة أهل القاهرة وأخذ كلّ منهم يعمل الحيلة في الخروج إلى شاور فأمر ضرغام بضرب الأبواق لتجتمع الناس فضربت الأبواق والطبول ما شاء الله من فوق الأسوار فلما يخرج إليه أحد وانفكّ عنه الناس فسار إلى باب الذهب من أبواب القصر ومعه خمسمائة فارس فوقف وطل بمن الخليفة أني شرف عليه من الطاق وتضرّع إليه وأقسم عليه بآبائه فلم يجبه أحد واستمرّ واقفًا إلى القصر والناس تنحلّ عنه حتّى بقي في نحو ثلاثين فارسًا فورت عليه رقعة فيها خذ نفسك وانجُ بها وإذا بالأبواق والطبول قد دخلت من باب القنطرة ومعها عساكر شاور فمرّ ضرغام إلى باب زويلة فصاح الناس عليه ولعنوه وتخطّفوا من معه وأدركه القوم فأردوه عن فرسه قريبً من الجسر الأعظم فيما بين القاهرة ومصر وأحتزوا رأسه في سلخ جمادى الآخرة وفرّ منهم أخوه إلى جهة المطرّية فادركه الطلب وقتل عند مسجد تبر خارج القاهرة وقتل أخوه الآخر عند بكرة الفيل فصار حينئذٍ ضرغام ملقى يومين ثمّ حمل إلى القرافة ودفن به وكانت وزارته تسعة أشهر وكان من أجلّ أعيان الأمراء وأشجع فرسانهم وأجودهم لعبًا بالكرة وأشدّم رمياّ بالسهام ويكتب مع ذلك كتابة ابن مقلة وينظم الموشحات الجيدة ولمّا جيء برأسه إلى شاوّر رُفع إلى قفاه وطيف به فقال الفقيه عمارة‏:‏ أرى جنكلوزارة صار سيفًا يحزّ بحدّه جيد الرقاب كأنّك رائد البلوى وإلا بشير بالمنيّة والمصاب فكان كما قال عمارة فإن البلايا والمنايا من حينئذٍ تتابعت على دولة الخلفاء الفاطميين حتّة لم يبقّ منهم عين تطرف ولله عاقبة الأمور‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 حارة العطوفية

 

 

 

هذه الحارة تنسب إلى طائفة من طوائف العسكر يقال لها العطوفية وقال ابن عبد الظاهر‏:‏ العطوفية منسوبة لعطوف أحد خدّام القصر وهو عطوف غلام الطويلة وكان قد خدم ستّ الملك أخت الحاكم قال‏:‏ وسكنت - يعني الطائفة الجيوشية - بحارة العطوفية بالقاهرة ولله درّ الأدبراهيم المعمار إذ يقول مواليًا يشتمل على ذكر حارات بالقاهرة وفيها تورية‏:‏ في الجودرية رأيت صورة هلالية للباطليّة تميل لا للعطوفية لها من اللؤلؤة ثغرين منشيّة إن حرّكوا وجهها بنت الحسينيّة وكانت العطوفية من أجلّ مساكن القاهرة وفيها من الدور العظيمة والحمات والأسواق والمساجد ما لايدخل تحت حصر وقد خربت كلّها وبيعت أنقاضها وبيوتها ومنازلها وأضحت أوحش ن وتد عير في قاع‏.‏

 

 

وعطوف هذا كان خادمًا أسود قتله الحاكم بجماعة من الأتراك وقفوا له في دهليز القصر واحتزّوا رأسه في يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من صفر سنة إحدى وأربعمائة قاله المسبِّحي‏.‏

 

 

حارة الجّوّانية كان يقال لهذه الحارة أولًا حارة الروم الجوّانية ثمّ ثقل على الألسنة ذلك فقال الناس الجوانية وكان أيضًا يقال لها حارة الروم العليا المعروفة بالجوّانية‏.‏

 

 

وقال المسبِّحي‏:‏ وقد ذكرما كتبه أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من الأمانات في سنة خمس وتعسين وثلثمائة فذكر أنه كتب أمانًا للعرافة الجوّانية فدلّ أنّه كان من جملة الطوائف قوم يعرفون بالجوّانية قال ابن عبد الظاهر‏:‏ قال لي مؤلّف القاضي زيد الدين وفقه ا‏ إن الجوّانية منسوبة للأشراف الجوّانيين منهم الشريف النسابة الجوّاني‏.

 

 

قال مؤلفه رحمه الله‏:‏ فعلى هذا يكون بفتح الجيم فإن الجوّاني بفتح الجيم وتشديد الواو وفتحها وبعد الواو ألف ساكنة ثمّ نون نسبة إلى جوّان - على وزن حَرّان - وهي قرية من عمل مدينة طيبة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام‏

 

 

وعلى القول الأوّل تكون الجوّانية بفتح الجيم أيضًا مع فتح الواو وتشديدها فإن أهل مصر يقولون‏:‏ لما خرج من المدينة أو الدار بَرّا ولمّا دخل جُوّا بضم الجيم - وهو خطأ - ولهذا كان الورّاقون يكتبون حارة الروم البرّانية لأنها من خارج القصر يكتبون حارة الروم الّانية لأنّها من داخل القاهرة ولا يصار إليها إلا بعد المرور على القصر‏.‏

 

 

وكان موضعها إذ ذاك من وراء القصر خلف دار الوزارة والحُجَر فكأنها في داخل البلد ولذلك أصل‏.‏

 

 

قال ابن سيده في مادة ‏)‏ج و‏(‏ من كتاب المحكم‏:‏ وجَوّا البيت داخله لفظة شاميّة فتعيّن فتح الجيم من الجوّنية ولا عبرة بما تقوله العامّة من ضم

 

 

وقال الشريف محمد بن أسعد الجوّاني ابن الحسن بن محمد الجواني ابن عبيد الله الجواني بن حسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وقيل لمحمد بن عبد الله الجوّانيّ بسبب ضيعة من ضياع المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام يقال لها الجوّانية وكانت تسمّى البصرة الصغرى لخيراتها وغِلالها لا يطلب شيء إلا وجد بها وهي قريبة من صرار ضيعة الإمام أبي جعفر محمد بن علي الرضى‏.‏

 

 

وكانت الجوّانية ضيعة لعبيد الله فتوفي عنها فورثها بعده ولده وأزواجه فاشترى محمد الجوّاني ولده بما حصل له بالميراث الباقي من الورثة فحصلت له كاملة فعرف بها فقيل‏:‏ الجوّاني‏

 

 

قال‏:‏ ولم تزل أجداد مؤلّفه ببغداد إلى حين قدوم ولده أسعد النحويّ مع أبيه من بغداد إلى مصر ومولده بالموصل في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة‏

 

 

حارة البستان ويقال لها حارة بستان المصموديّ وحارة الأكراد أيضًا وهي الأن من جملة الوزيرية التي تقدّم ذكرها‏.‏

 

 

هذه الحارة عرفت بالطائفة المرتاحية إحدى طوائف العسكر‏.‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ حطّ باب القنطرة يعرف في كتب الأملاك القديمة بالمرتاحية‏

 

 

حارة الفرحية بالحاء المهملة كانت سكن الطائفة الفرحية وهي بجوار حارة المرتاحية فإلى يومنا هذا فيما بين سُويَقة أمير الجيوش وباب القنطرة زقاق يعرف بدرب الفرحية والفرحية كانت طائفة من جملة عبيد الشراء وكانت عبيد الشراء عدّة طوائف وهم‏:‏ الفرحية والحسينية وايمونية ينسبون إلى ميمون وهو أحد الخدّام‏.‏

 

 

حارة فرج بالجيم‏:‏ كانت تعرف قديمًا بدرب النميري ثمّ عرفت بالأمير جمال الدين فرج من أمراء بني أيوب‏

 

 

وهي الآن داخلة في درب الطفل من خط قصر الشوك‏.‏

 

 

حارة قائد القوّاد هذه الحارة تعرف الآن بدرب ملوخيا وكانت أوّلًا تعرف بحارة قائد القوّاد لأن حسين بن جوهر الملقّب قائد القوّاد كان يسكن بها فعرفت به‏.‏

 

 

وهو حسين بن القائد جوهر أبو عبد الله الملقّب بقائد القوّاد‏.‏

 

 

لما مات أبوه جوهر القائد خلع العزيز بالله عليه وجعله في رتبة أبيه ولقّبه بالقائد بن القائد ولم يتعرّض لشيء مما تركه جوهر فلمّا مات العزيز وقام من بعده ابنه الحاكم استدناه ثم إنه قلّده البريد والإنشاء في شوّال سنة ستّ وثمانين وثلثمائة وخلع عليه وحمله على فرس بموكب وقاد بين يديه عدّة أفراس وحمل معه ثيابًا كثيرة‏.‏

 

 

فاستخلف أبا منصور بشر بن عبيد الله بن سورين الكاتب النصرانيّ على كتابة الإنشاء واستخلف على أخذ رقاع الناس وتوقيعاتهم أمير الدولة الموصلي‏.‏

 

 

ولما تقلّد برجوان النظر في تدبير الأمور وجلس للوساطة بعد ابن عمّار‏.‏

 

 

كان الكافة يلقونه في داره ويركبون جميعًا بين يديه مندارهإلى القصر ا خلا القائد الحسين ومحمدبن النعمان القاضي فإنهما كانا يسلّمان عليه بالقصر فقط‏.‏

 

 

فلما قتلَ الحاكمُ الأستاذَ برجوان كما تقدم خلع على القائد حسين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الولى سنة تسعين وثلثمائة ثوبًا أ مر وعمامة زرقاء مذهّبة وقلّده سيفًا محلّى بذهب وحمله على فرس بسرج ولجام من ذهب وقاد بين يديه ثلاثة أفراس بمراكبها وحمل معه خمسين ثوبًا صحاحًا من كلّ نوع وردّ إليه التوقيعات والنظر في أمرو النار وتدبير المملكة كما كان برجوان ولم يطلق عليه اسم وزير فكان يبكّر إلى القصر ومعه خليفته الرئيس أبو العلاء فهد بن إبراهيم النصراني - كاتب برجوان - فينظران في الأمور ثمّ يدخلان وينهيان الحال إلى الخليفة فيكون القائد جالسًا وفهد في خلفه قائمًا‏.‏

 

 

ومنع القائد الناس أن يلقوه في الطريف أويركبوا إليه في داره وأنّ من كان له حاجة فليبلغه إياها بالقصر ومنع الناسمن مخاطبته في الرقاع بسيدنا وأمر أن لا يخاطب ولا يكاتب إلا بالقائد فقط وتشدّد في ذلك لخوفه من غيرة الحاكم حتّى أنّه رأى جماعة من القوّاد الأتراك قيامًا على الطريق ينتظرونه فأمسك عنان فرسه ووقف وقال لهم‏:‏ كلّنا عبيد مولانا صلوات الله عليه ومماليكه ولست والله أبرح من موضعي أو تنصرفوا عنّي ولا يلقاني أحد إلا في القصر فانصرفوا وأقام بعد ذلك خادمًا من الصقالبة الطرّادين على الطريق بالنوبة لمنع الناس اجيء إلى داره ومن لقائه إلا في القصر وأمر أبا الفتوح مسعود الصقلبي صاحب الستر أن يوصل الناس بأسرهم إلى الحاكم وأن لا يمنع أحدًا عنه‏.‏

 

 

فلما كان في سابع عشر جمادى الآخرة قرىء سجل على سائر المنابر بتلقيب القائد حسين بقائد القوّاد وخلع عليه ومازال إلى يوم الجمعة سابع شعبان سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة فاجتمع سائر أهل الدولة في القصر بعدما طلبوا وخرج الأمر إليه أن لا يقام لأحد وخرج خادم من عند الخليفة فأسرّ إلى صاحب الستر كلامًا فصاح‏:‏ صالح بن عليّ فقام صالح بن عليّ الرودباذي متقلّد ديوان الشام فأخذ صاحب الستر بيده وهو لا يعلم هو ولا أحد ما يراد به فأدخل إلى بيت المال وأخرج وعليه درّعة مصمتة وعمامة مذهّبةً ومعه مسعود فأجلسه بحضرة قائد القوّاد خرج سجلًا قرأه ابن عبد السميع الخطيب فإذا فيه ردّ سائر الأمور التي نظر فيها قائد القواد حسين بن جوهر إلي‏.‏

 

 

فعندما سمع من السجل ذكره قام وقبّل الأرض‏.‏

 

 

فلما انتهت قراءة السجلّ قام قائدج القوّاد وقبّل خدّ صالح وهنأه‏.‏

 

 

وانصرف فكان يركب إلى القصر ويحضر الأسمِطة إلى اليوم الثالث من شوّال أمره الحاكم أن يلزم داره هو وصهره قاضي القضاة عبد العزيز بن النعمان وأن لا يركباهما وسائر أولادهما فلبسا الصوف ومُنع الناس من الاجتماع بهما وصاروا يجلسون على حُصْر‏.‏

 

 

فلمّا كان في تاسع عشر ذي القعدة عفا عنهما الحاكم وأذن لهما في الركوب فركبا إلى القصر بزيّهما من غير حلق شعر ولا تغيير حال الحزن فلمّا كان في حادي عشر جمادة الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة قبض على عبد العزيز بن النعمان وطلب القاهرة وأسواقها فأفرج عنه ونودي أن لا يغلق أحد فرّدَّ حسين بعد ثلاثة أيام بابنيه وتمثلوا بحضرة الحاكم فعفا عنهم وأمرهم بالمسير إلى دورهم بعد أن خلع على حسين وعلى صهره عبد العزيز وعلى أولادهما وكُتب لهما أمانان ثمّ أعيد عبد العزيز في شهر رمضان إلى ما كان يتقلّده من النظر في المظالم ثم رَدّ الحاكم في شهر ربيع الأوّل سنة أربعمائة على حسين بن جوهر وأولاده وصهره عبد العديز ما كان لهم من الإقطاعات وقرىء لهم سجل بذلك‏.‏

 

 

فلما كان ليلة التاسع من ذي القعدة فرّ حسين بأولاده وصهره وميع أموالهم وسلاحهم فسير الحاكم الخيل في طلبهم نحو دجوة فلم يدركهم وأوقع الحوطة على سائر دورهم وجعلت للديوان المفرد وهو ديوان أحدثه الحاكم يتعلّق بما يقبض من أموال من يسخط عليه وحمل سائر ما وجد لهم بعدما ضبط وخرجت العساكر في طلب حسين ومن معه وأشيع أنّه قد صار إلى بني قرّة بالبحيرة فأنفدت إليه الكتب بتأمينه واستدعائه إلى الحضور فأعاد الجواب بأنه لا يخل ما دام أبو نصر ابن عبدون النصرانيّ الملقّب بالكافي ينظر في الوساطة ويوقّع عن الخليفة فإنّي أحسنت إليه أيام نظري فسعى بين إلى المحرّم سنة إحدى وأربعمائة وقدم حسين بن جوهر ومعه عبد العزيز بن النعمان وسائر من خرج معهما فخرج جميع أهل الدولة إلى لقائ وتلقّته الخلع فأُفيضت عليه وعلى أولاده وصهره وقيّد بين أيديهم الدواب فلمّا وصلوا إلى باب القاهرة ترجّلوا ومشرواومشى الناس بأسرهم إلى القصر فصاروا بحضرة الحاكم ثمّ خرجوا وقد عفا عنهم وأذن لحسين أن يكاتّب بقائد القوّاد ويكون اسمه تاليًا للقبه وأني خاطب بذلك‏.‏

 

 

وانصرف إلى داره فكان يوما عظيمًا وحمل إليه جميع ما قبض له من مال وعقار وغيره وأنعم عليه وواصل الركوب هو وعبد العزيز بن النعمان إلى القصر ثم قبض عليه وعلى عبد العزيز واعتقلا ثلاثة أيام ثمّ حلفا أنّهما لا يغيبان عن الحضرة وأشهدا على أنفسهما بذلك وأفرج عنهما وحلف لهما الحاكم في أمان كتبه لهما‏.‏

 

 

فلما كان في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة ركب حسين وعبد العزيز على رسمهما إلى القصر فلمّا خر للسلام على الناس قيل للحسين وعبد العزيز وأبي علي أخي الفضل‏:‏ أجلسوا لأمر تريده الحضرة منكم فجلس الثلاثة وأنصرف الناس فقبض عليهم وقتلوا في وقت واحد وأد بأموالهم وضياعهم ودورهم وأخذت الأمانات والسجلات التي كتبت لهم‏.‏

 

 

واستدعي أولاد عبد العزيز بن النعمان وأولاد حسين بن جوهر ووُعدوا بالجميل وخلع عليهم وجملوا والله يفعل ما يشاء‏.‏

 

 

حارة الأمراء ويقال لها أيضًا حارة الأمراء الأشراف الأقارب وموضعها يعرف بدرب شمس الدولة وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

حارة الطوارق ويقال لها أيضًا حارة صبيان الطوارق وهم من جملة طوائف العسكر كانوا معدّين لحمل الطوارق‏.‏

 

 

وموضع هذه الحارة في طريق من سلك من الرقيق سوق الخلعيين داخل باب زويلة طالبًا الباطلية بالزقاق الطويل الضيّيق الذي يقال له اليوم حلق الجمل السالك إلى درب حارة الشرابية عرفت بذلك لأنّها كانت موضع سكن الغلمان الشرابية أحدى طوائف العسكر وكانت فيما بين الباطلية وحارة الطوارق‏.‏

 

 

حارة الدميري وحارة الشاميين هما من جملة العطوفية‏.‏

 

 

حارة المهاجرين وموضعها الان من جملة المكان الذي يعرف بالرقيق المعدّ لسوق الخلعيين بجوار باب زويلة وكان بعد ذلك سوق الخشّابين ثمّ هو الان سوق الخلعيين‏.‏

 

 

وموضع هذه الحارة بجوار الخوخة التي كانت تعرف بالشيخ السعيد بن فشيرة النصرانيّ الكاتب‏.‏

 

 

وهي الخوخة التي يسلك إليها من الزقاق المقابل لحمام الفاضل المعدّ لدخول النساء ويتوصل منها إلى درب كوز الزير بحارة الروم وقد صارت هذه الحارة تعرف بدرب ابن المجندار وسيتي ذكره إن شاء الله‏.‏

 

 

حارة العدوية قال ابن عبد الظاهر‏:‏ العدوية هي من باب الخشيبة إلى أوّل حارة زويلة عند حمّام الحسام الجلدكي الآن منسوبة لجماعة عدويين نزلوا هناك وهذا المكان اليوم هو عبارة عن الموضع الذي تلقاه عند خروجك من زقاق حمّام خشيبة الذي يتوصّل إليه من سوق باب الزُهة فإذا انتهيت إلى أخر هذا الزقاق وأخذت على يمينك صرتّ في حارة العدويّة‏.‏

 

 

وموضعها الآن من فندق بلال المغيثي إلى باب سر المارستان وتدخل في العدوية رحبة بيبرس التي فيها الآن فند الرخام عن يمينك إذا خرجت في الرحبة المذكورة التي صارت الآن دربًا إلى باب سرّ المارستان وما عن يسارك إلى حمّام الكريك وحمام الجوينيّ الذي تقول له العامّة الجهينيّ وإلى سوق الزجاجيين‏.‏

 

 

وكلّ هذه المواضع هي من حقوق العدويّة وكانت العدية قديمًا وقاعة فيما بين الميدان الذي يعرف اليوم بالخرشتف وحارة زويلة وبين سقيفة العداس والصاغة القديمة التي صار موضعها الآن سوق الحريريين الشرابشيين برأس الوراقين وسوق الزجاجيين‏.‏

 

 

حارة العيدانية كانت تعرف أوّلًا بحارة البديعيين ثم قيل لها بعد ذلك الحبّانية من أجل البستان الذي يعرف بالحبانية الجاري في وقف الخانقاه الصلاية سعيد السعداء ويتوصّل إلى هذه الحارة من تاه قنطرة آق سنقر وبعض دورها الآن يشرف على بستان الحبانية وبعضها يطل على بركة الفيل‏.‏

 

 

حارة الحمزيين كانت أوّلًا تعرف بالحبانية ثمّ قيل لها حارة الحمزيين من أجل أن جماعة من الحمزيين نزلوا بها منهم الحاج يوسف بن فاتن الحمزي والحمزيون أيضًا ينسبون إلى حمزة بن أدركة الساري خرج بخراسان في أيام هارون بن محمد الرشيد فعاث وأفسد وفضّ جموع عيسى بن عليّ عامل خراسان وقتل منهم خلقًا وانهزم عيسى إلى بابل ثمّ غرق حمزة بوادٍ في كرمان فعرفت طائفته بالحمزية‏.‏

 

 

وأخوه ضرغام بن فاتن بن ساعد الحمزي والحاج عوني الطحان ابن يونس بن فاتن الحمزي ورضوان بن يوسف بن فاتن الحمزيّ الحمامي وأخوه سالم بن يوسف بن فاتن الحمزيّ وكان هؤلاء بعد سنة ستّمائة وهذه الحارة خارج باب زويلة‏.‏

 

 

ومن بلاد أفريقية قرية يقال لها حمزي ينسب إليها محمد بن حمد بن خلف القيسيّ الحمزيّ من أهل القرية وقاضيها توفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ولا يبعد أن تكون هذه الحارة نسبت إلى أهل قرية حمزة هذه لنزولهم بها كنزول بني سوس وكتامة وغيرهم من المواضع التي نُبست إليهم‏.‏

 

حارة بني سوس عرفت بطائفة من المصامدة يقال لهم بنو سوس كانوا يسكنون بها‏.‏

 

 

حارة اليانسية تعرف بطائفة من طوائف العسكر يقال لها اليانسية منسوبة لخادم خصيّ من خدّام العزيز بالله يقال له أبو الحسن يأنس الصقليّ خلفه على القاهرة فلما مات العزيز أقرّه ابنه الحاكم بأمر الله على خلافة القصور وخلع عليه وحمله على فرسين فلمّا كان في المحرم سنة ثمان وثمانين وثلثمائة سار لولاية برقة بعدما خلع عليه وأُعطي خمسة آلاف دينار وعدّة من الخيل والثياب‏.‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ اليانسية خارج باب زويلة أظنها منسوبة ليأنس وزير الحافظ لدين الله الملقب بأمير الجيوش سيف الإسلام ويعرف بيانس الفاصد وكان أرمنّي الجنس وسمّي القاصد لأنه فصد الأمير حسن بن الحافظ وتركه محلولًا فصاده حتّى مات‏

 

 

وله خبر غريب في وفاته كان الحافظ قد نقم عليه أشياء طلب قتله بها باطنًا فقال لطبيبه‏:‏ اكفني أمره بمأكل أو مشرب فأبى الطبيب ذلك خوفًا أني صير عند الحافظ بهذه العين وربما قتله بها والحافظ يحثّه على ذلك فاتّفق ليانس الوزير المذكور أنه مرض بزّحير وإن الحافظ طب الطبيب بذلك فقال‏:‏ يا مولاي قد أمكنتك الفرصة وبلغتَ مقصودك ولو أنّ مولانا عادة في هذه المرضة اكتسب حسن أحدوثة وهذه المرضة ليس دواؤه منها إلاّ الدعة والسكون ولا شيء أضرّ عليه من الانزعاج والحركة فبمجرّد ما سمع بقصد مولانا له تحرّك واهتمّ بلقاء مولانا نزعج وفي ذلك تلاف نفسه‏.‏

 

 

ففعل الخليفة ذلك وأطال الجلوس عنده فمات‏.‏

 

 

وهذا الخبر فيه أوهاممنها أنه جعل اليانسية منسوبة ليانس الوزير وقد كانت اليانسية قبل يانس هذا بمدّة طويلة ومنها أنه ادّعة أن حسن بن الحافظ مات من فصادة وليس كذلك وإنما مات مسمومًا ومنها أنه زعم أن يأنس تولّى فصده وليس كذلك بل الذي توّلى قتله بالسم أبو سعدي ابن فرقة ومنها أن الذي نقم عليه الحافظ من الأمراء فخانه في ابنه حسن إنما هو الأمير المعظّم جلال الدين محمد المعروف بجلب راغب وهذا نص الخبر فنزه بالك والله تعالى أعلم‏.‏

 

 

وزارة أبي الفتح ناصر الجيوش يأنس الأرمني وكان من خبر ذلك أن الخليفة الآمر بأحكام الله أبا عليّ منصورًا لما قتله النزارية في ذي القعدة سنة أربعوعشرين وخمسمائة أقام هِزّبْرُ الملوكِ جوامردُ العادلَ برغشَ الأمير أبا الميمون عبد المجيد في الخلافة كفيلًا للحمل الذي تركه الآمر ولقّب بالحافظ لدين الله ولبس هزبرُ الملوكِ خلعَ الوزارة فثار الجند وأقاموا أبا عليذ أحمد الملقب بكتيفات ولدًا لأفضل ابن أمير الجيوش في الوزارة وقُتل هزبر الملوك واستولى كتيفات على الآمر وقبض على الحافظ وسجنه بالقصر مقيّدًا إلى أن قُتل كتيفات في المحرّم سنة ستّ وعشرين وخمسمائة‏.‏

 

 

وبادر صبيان الخاص الذين تولّوا قتله إلى القصر ودخلوا ومعهم الأمير يأنس متولّي الباب إلى الخزانة التي فيها الحافظ وأخرجوه إلى الشبّاك وأجلسوه في منصب الخلافة وقالوا له‏:‏ والله ما حَرّكَنا على هذا إلا الأمير يأنس فجازاه الحافظ بأن فوّض إليه الوزارة في الح وخلع عليه فباشرها مباشرة جيّدة‏.‏

 

 

وكان عاقلًا مهابًا متمسّكًا متحفّظًا لقوانين الدولة فلم يُحدث شيئًا ولا خرج عمّا يعيّنه الخليفة له إلا أنه بلغه عن أستاذ من خواصّ الخليفة شيء يكرهه فقبض عليه من القصر من غير مشاورة الخليفة وضرب عنقه بخزانة البنود فاستوحش منه الخليفة وخشي من زيادة معناه‏.

 

 

 

وكانت هذه الفعلة غلطة منه ثمّ إنه خاف من صبيان الخاصّ أن يفتكوا به كما فتكوا بكتيفات فتنكّر لهم وتخوّفوه أيضًا فركب في خاصّته وأركب العسكر وركب صبيان الخاص فكانت بينهما وقعة قبالة باب التبّانين بين القصرّين قوي فيها يأنس وقتل من صبيان الخاصً ما يزيد على ثلثمائة رجل من أعيانهم فيهم قَتَلَة أبي علي كتيفات وكانوا نحو الخمسمائة فارس فانسكرت شوكتهم وضعف جانبهم واشتد بأس يأنس وعظم شأنه فثقل على الخليفة‏.‏

 

 

وتحيّل منه فأحسّ بذلك فأخذ كلّ منهما في التدبير على الآخر فأعجل يأنس وقبض على حاشية الخليفة ومنهم قاضي القضاة وداعي الدعاة أبو الفخر وأبو الفتح بن قادوس وقتلهما فاشتدّ ذلك على الحافظ ودعا طبيبه وقال‏:‏ اكفني امرَ يأنس‏!‏ فيقال أنّه سمّة في ماء المستراحفتح دُبُره واتّسع حتّى ما بقي يقدر على الجلوس فقال الطبيب‏:‏ يا أمير المؤمنين قد أمكنتكّ الفرصة وبلغتَ مقصودك فلو أنّ مولانا عاده في هذه المرضة اضر من الحركة والانزعاج وهو إذا سمع بقصد مولانا له تحرك واهتمّ للقاء وانزعج وفي ذلك تلاف نفسه‏

 

 

فنهض لعيادته وعندما بلغ ذلك يأنس قام ليلقاه ونزل عن الفراش وجلس بين يدي الخليفة فأطال الخليفة جلوسه عنده وهو يحادثه فلم يقم حتّى سقطت أمعاء يأنس ومات من ليلته في سادس عشري ذي الحجة سنة ستّ وعشرين وخمسمائة وكانت وزارته تسعة أشهر وأيامًا وترك ولدّيْن كفلهما الحافظ وأحسن إليهما‏.‏

 

 

وكان يأنس هذا مولى أرمنيًّا لباديس جدّ عبّاس الوزير فأهداه إلى الأفضل بن أمير الجيوش وترقّى في خدمته إلى أن تأمّر ثمّ ولي الباب وهي أعظم رتب الأمراء وكُنّي بأبي الفتح ولقّب بالأمير السعيد ثم لمّا ولي الوزارة نعت بناصر الجيوش سيف الإسلام وكان عظيم الهمّة بعيد الغور كثير الشّر شديد الهيبة‏.‏

 

 

الأمير حسن بالخليفة الحافظ ولمّا مات الوزير يأنس تولّى الخليفة الحافظ الأمور بنفسه ولم يستوزر أحدًا وأحسن السيرة‏.‏

 

 

فلمّا كان في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة عهد إلى ولده سليمان وكان أسنّ أولاده وأحبّهم إليه وأقامه مقام الوزير فمات بعد شهرين من ولاية العهد فجعل مكانه أخاه حيدرة في ولاية العهد ونصّبه للنظر في المظالم فشق ذلك على أخيه الأمير حسن - وكان كثير المال متّسع الحال له عدّة بلاد ومواشي وحاشية وديوان مفرد - فسعى في نقض ذلك بأنْ أوقع الفتنة بين الطائفة الجيوشية والطائفة الريحانية وكانت الريحانية قويّة الشوكة مُهابة مخوفة الجانب فاشتعلت نيران الحرب بين الفريقين وصاح الجند‏:‏ يا حسن يا منصور ياللحسينية والتقى الفريقان فل بينهما ما يزيد على خمسة آلاف نفس فكانت هذه الوقعة أوّل مصائب الدولة الفاطمية من فقد رجالها ونقص عساكرها فلم يبقَ من الطائفة الريحانية إلا مَن نجا بنفسه من ناحية المقس وألقى نفسه في بحر النيل‏.‏

 

 

واستظهر الأمير حسن وقام بالإمر وانضمّ إليه أوباش الناس ودعَارهم ففرق فيهم الزَرَد وسمّاهم صبيان الزَرَد وجعلهم خاصّته فاحتفوا به وصاروا لا يفارقونه فإن ركب أحاطوا به وإن نزل لازموا داره فقامت قيامة الناس منهم‏.‏

 

 

وشرع فيه تتبّع الأكابر فقبض على ابن العسّاف وقتله وقصد أباه الخليفة الحافظ وأخاه حيدرة بالضرر حتّى خافا منه وتغيّبا فجد في طلب أخيه حيدرة وهتك بأوباشه الذين أختارهم حرمة القصر وخرق ناموسه وسلّطهم يفتّشون القصر في طلب الخليفة الحافظ وابنه حيدرة واشتدّ بأسهم وحسّنوا له كلّ رذيلة وجرّوه على الأذى فلم يجد الحافظ بُدًّا من مداراة حسن وتلافي أمره عساه ينصلح وكتب سجلًا بولايته العهد وأرسله إليه فقرىء على الناس فما زاده ذلك إلا جرأة عليه وإفسادًا له وشدّد في التضييق على أبيه وأخذ بأنفاسه‏.‏

 

 

فبعض حينئذٍ الخليفة بالأستاذ ابن إسعاف إلى بلاد الصعيد ليجمع من يقدر عليه من الريحانيّة فمضى واستصرخ الناس لنصرة الخليفة على ولده حسن وجمع أممًا لايحصيها إلا الله وسار بهم فبلغ ذلك حسنًا فزجّ عسكر اللقاء إسعافُ فالتقيا وكانت بينهما وقعة هبّت فيها ريح سوداء على عسكر إسعاف حتّى هزمتهم وركبهم عسكر حسن فلم ينجُ منهم إلا القليل وغرق أكثرهم في البحر وأُخذ إسعاف أسيرًا فحمل إلى القاهرة على جمل وفي رأسه طُرطور لَبَد أحمر‏.‏

 

 

فلمّا وصل بين القصرين رُشق بالنشّاب حتّى هلك ورُمي من القصر الغربي بأستاذ آخر فقتل وقتل الأمير شرف الدين‏.‏

 

 

فاشتدّ ذلك على الحافظ وخاف على نفسه فكتب ورقة - وكادّ ابنه بأن ألقى إليه تلك الورقة - وفيها‏:‏ ياولدي أنت على كلّ حال ولدي ولو عمل كلّ منّا لصاحبه ما يكره الآخر ما أراد أن يصيبه مكروه ولا يحملني قلبي وقد انتهى الأمر إلى أمراء الدولة وهم فلان وفلان وقد شدت وطْأتك عليهم وخافوكَ وهم معوّلون على قتلك فخذ حذرك ياولدي‏.‏

 

 

فعندما وقف حسن على الورقة غضب ولم يتأنّ وبعث إلى أولئك فلمّا صاروا إليه أمر صبيان الزرد بقتلهم فقتلوا عن آخرهم وكانوا عدّة من أعيان الأمراء وأحاط بدورهم وأخذ سائر ما فيها فاشتدّت المصيبة وعظمت الرزيّة وتخوّف من بقي من الجند ونفروا منه فإنّه كان جريئًا مفسدًا شديد الفحص عن أحوال الناس والاستقصاء لأخبارهم يريد إقلاب الدولة وتغييرها ليقدّم أوباشه وأكثر من مصادرة الناس وقتل قاضي القضاة أبا الثريّا نجم لأنه كان من خواصّ أبيه وقتل جماعة من الأعيان وردّ القضاء لابن ميسّر وتفاقم أمره وعظم خطبه واشتدّت الوحشة بينه وبين الأمراء والأجناد وهمّوا بخلع الحافظ ومحاربة ابنه حسن وصاروا يدًا واحدة واجتمعوا بين القصرين وهم عشرة آلاف ما بين فارس وراجل وسيرّوا إلى الحافظ يشكون ما هم فيه من البلاء مع ابنه حسن ويطلبون منه أن يزيله من ولاية العهد فعجز حسن عن مقاومتهم فإنه لم يبق معه سوى الراجل من الطائفة الجيوشة ومن يقول بقولهم من الغزّ الغرباء فتحيّر وخاف على نفسه فالتجأ إلى القصر وصار إلى أبيه الحافظ فما هو إلا أن تمكّن منه أبوه فقبض عليه وقيّده وبعث إلى الأمراء يخبرهم بذلك فأجمعوا على قتله فردّ عليهم أنه قد صرفه عنهم ولا يمكّنه أبدًا من التصرّف ووعدهم بالزيادة في الأرزاق والإقطاعات وأن يكفّوا عن طلب قتله فألحّوا في قتله وقالوا‏:‏ إمّا نحن وإمّا هو‏

 

 

اشتدّ طلبهم إياه حتّى أحضروا الأحطاب والنيران ليحرقوا القصر وبالغوا في التجرّؤ على الخليفة فلم يجد بدًّا من إجابتهم إلى قتله وسألهم أن يمهلوه ثلاثًا فأناخوا بين القصرين وأقاموا على حالهم حتّى تنقضي الثلاث فما وسع الحافظ إلا أن استدعى طبيبيه وهما أبو منصور اليهوديّ وابن قرقة النصرانيّ وبدأ بأبي منصور وفاوضه في عمله سقية قاتله فامتنع من ذلك وحلف بالتوراة أنه لا يعرف عمل شيء من ذلك فتركه وأحضر ابن قرقة وكلّمه في هذا فقال‏:‏ الساعة ول يتقطّع منها جسده بل تفيض النفس لا غير‏

 

 

فأحضر السقية من يومه فبعثها إلى حسن مع عدّة من الصقالبة وما زالوا يكرهونه على شربها حتّى فعل ومات في العشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة فبعث الحافظ إلى القوم سرًّا يقول‏:‏ قد كان ما أردتم فامضوا إلى دوركم فقالوا‏:‏ لا بدّ أن يشاهده منّا من به وندبوا منهم أميرًا معروفًا بالجرأة والشرّ يقال له المعظّم جلال الدين محمد ويعرف بجلب راغب الآمري فدخل إلى القصر وصار من جنب حسن فإذا به قد سجّي بثوب فكشف عن وجهه وأخرج من وسطه آلة من حديد وغرزه بها في عدّة مواضع من بدنه إلى أن تيقّن أنه قد مات وعاد إلى القوم وأخبرهم فتفرّقوا‏.‏

 

 

وعندما سكنت الدهماء حقد الحافظ لابن قرفة وقتله بخزانة البنود وأنعم بجميع ما كان له على أبي منصور اليهودي وجعله رئيس الأطباء فهذا ما كان من خبر يأنس وكيفيّة موته وخبر حسن والخبر عن قتله‏.‏

 

 

 

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 حارة المنتجبية

 

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ بلغني أنّ رجلًا كان يتحجّب لشمس الدين قاضي زادة كان يقول‏:‏ إنّ هذه الخطّة منسوبة لجدّه منجب الدول

 

 

الحارة المنصورية هذه الحارة كانت كبيرة متسعة جدًا فيها عدّة مساكن السودان فلمّا كانت واقعتهم في ذي القعدة سنة أربع وستّين وخمسمائة كما تقدّم في ذكر حارة بهاء الدين أمر صلاح الدين يوسف بن أيوّب بتخريب المنصورة هذه وتعفية أثرها فخرّبها خطلبا بن موسى الملقّب صارم الدين وعملها بستانًا‏.‏

 

 

وكان للسودان بديار مصر شوكة وقوّة فتبعهم صلاح الدين ببلاد الصعيد حتّى أفناهم بعد أن كان لهم بديار مصر في كلّ قرية ومحلّة وضعية مكان مفرد لا يدخله والٍ ولا غيره احترامًا لهم‏.‏

 

 

وقد كانوا يزيدون على خمسين ألفًا وإذا ثاروا على وزير قتلوه وكان الضرر بهم عظيمًا لامتداد أيديهم إلى أموال الناس وأهاليهم فلمّا كثر بغيهم وزاد تعدّيهم أهلكهم الله بذنوبهم وفي واقعة السودان وتخريب المنصورة وقتل مؤتمن الخلافة الذي تقدّم ذكره العماد الأصفهاني الكاتب يخاطب بهاء الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب‏:‏ يوسف مصر الذي إليه تشدّ آمالنا الرواحل رأيك في الدهر عن رزايا جلى مهماته الجلائل أجريت نيلين في ثراها نيل نجيع ونيل نائل كم كرم من نداك جارٍ وكم دم من عداك سائل وكم معادٍ بلا معاد ومستطيل بغير طا وحاسد كاسد المساعي وسائد نافق الوسائل أقررت عين الإسلام بملك مصر حتّى لم يبق فيها قذى لباطل وكيف يزهى بملك مصر من يستقلّ ذنبًا لنائل وما نفيت السودان حتّى حكمت البيض في المقاتل صيّرت رحب الفضا مضيقًا عليهم كفّة لجائل وكلّ رأي منهم كرا وأرض مصر كلام واصل وقد خلت منهم المغاني وأقفرت منهم المنازل وقد خلت منهم المغاني وأقفرت منهم المنازل وما أصيبوا إلا بطلّ فكيف لو أمطروا بوابل وقد تجلّى بالحقّ ما بال - باطل في مصر كان عاجل مؤتمن القوم خان حتّى غالته من شرّه الغوائل عاملكم بالخنا فأضحى ورأسه فوق رأس عامل وحالف الذلّ بعد عزّ والدهر أحواله حوائل يا مخجل البحر بالأيادي قدآن أن تفتح السواحل نقدّس القدس من خباث أرجاس كفر غُتم أراذل وكان موضع المنصور على يمنة من سلك في الشارع خارج باب زويلة‏.‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ كانت للسودان حارة تعرف بهم تسمّى المنصورة خرّبها صلاح الدين وأخذها خلطبا فعمرها بستانًا وحوضًا وهي إلى جانب الباب الحديد يعني الذي يعرف اليوم بالقوس عند رأس المنجبية فيما بينها وبين الهلالية وقد حكر هذا بستان في الأيام الظاهرية وبعض يعني المنصورة من جهة بركة الفيل إلى جانب بستان سيف الإسلام ويسمّى الآن بحكر الغتمي لأن الغتمي هذا كان شرع بستان سيف الإسلام فحكر في هذه الجهة وهي الآن أحكار الديوان السلطاني وحكر الغتمي الذي كان بستان سيف الإسلام يعرف اليوم بدرب ابن البابا تجاه البندقدارية بجوار حمّام الفارقاني قريب من صليبة جامع ابن طولون‏.‏

 

 

حارة المصامدة هذه الحارة عرفت بطائفة المصامدة أحد طوائف عساكر الخلفاء الفاطميين واختطّت في وزارة المأمون البطايحي وخلافة الآمر بأحكام الله بعد سنة خمس عشرة وخمسمائة‏.‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ حارة المصامدة مقدّمهم عبد الله المصمودي‏

 

 

وكان المأمون البطائحي وزير الخليفة الآمر بأحكام الله قدّمه ونوّه بذكره وسلّم له أبوابه للمبيت عليها وأضاف إليه جماعة من أصحابه فلما استخلص المصامدة وقرّبهم سيّر أبا بكر المصمودي ليختار لهم حارة فتوجه بالجماعة إلى اليانسية بالشارع فلم يجد بها مكانًا ووجدها تضيق عنهم فسيّر المهندسين لاختيار حارة لهم فاتفقوا على بناء حارة ظاهر باب الحيد على يمنة الخارج على شاطىء بركة الفيل فقال‏:‏ بل تكون على يسرة الخارج والفسح قدّامها إلى بركة الفيل‏

 

 

فبنيت الحارة على يسرة الخارج من الباب المذكور وبني بجانبها مسجد على زلاقة الباب المذكور وبنى أبو بكر المصمودي مسجدًا أيضًا وهذه فيما أعتقد هي الهلالية وحذّر من بناء شيء قبالتها في الفضاء الذي بينا وبين بركة الفيل لانتفاع الناس بها وصار ساحل بركة الفيل من المسجد قبالة هذه الحارة إلى آخر حصن دويرة مسعود إلى الباب الحديد ولم يزل ذلك إلى بعض أيام الخليفة الحافظ لدين الله‏.‏

 

 

قال‏:‏ وبنى في صفّ هذه الحارة من قبليّها عدّة دور بحوانيت تحتها إلى أن اتّصل البناء بالمساجد الثلاثة الحاكميّة المعلّقة والقنطرة المعروفة بدار طولون وبعدها بستان ذكر أنه كان في جملة قاعات الدار المذكورة‏

 

 

قال‏:‏ وأظنّ المساجد هي التي قبالة حوض الجاولي قال‏:‏ وبنى المأمون ظاهره حوضًا وأجرى الماء له وذلك قبالة مشهد محمد الأصغر ومشهد السيّدة سكين

 

 

قال‏:‏ وأظنّ هذا البستان هو الذي بنته شجر الدّر بستانًا ودارًا وحمّامات قريب من مشهد السيّدة نفيسة قال‏:‏ وأمر المأمون بالنداء في القهرة مع مصر ثلاثة أيام بأنّ من كانت له دار في الخراب أو مكان يعمر ومن عجز عن أن يعمره فليؤجّره من غير نقل شيء من أنقاضه تأخّر بعد ذلك فلا حقّ له في شيء منه ولا حكر يلزمه‏.‏

 

 

وأباح تعمير ذلك جميعه بغير طلب بحقّ فيه فطلب الناس كافة ما هو جارٍ في الديوان السلطانيّ وغيره وعمروه حتّى صار البلدان لا يتخلّلهما داثر ولا دارس وبنى في الشارع يعني خارج باب زويلة من الباب الجديد إلى الجبل عرضًا وهو القلعة الآن‏.‏

 

 

قال‏:‏ وكان الخراب استولى على تلك الأماكن في زمن المستنصر في أيام وزارة البازوري حتّى أنه كان بنى حائطًا يستر الخراب عن نظر الخليفة إذا توجّه من القاهرة إلى مصر وبنى حائطًا آخر عند جامع ابن طولون‏

 

 

قال‏:‏ وعمر ذلك حتّى صار المتعيّشون بالقاهرة والمستخدمون يصلّون العشاء الأخيرة بالقاهرة ويتوجّهون إلى مساكنهم في مصر لا يزالون في ضوء وسرج وسوق موقود إلى باب الصفا وهو المعاصر الآن وذلك أنه يخرج من الباب الحديد الحاكمي على يمنة بركة الفيل إلى بستان سيف اسلام وعدّة بساتين وقبالة جميع حوانيت مسكونة عامرة بالمتعيّشين إلى مصر والمعاش مستمر الليل والنهار‏.‏

 

 

حارة الهلالية ذكر ابن عبد الظاهر أنّها على يسرة الخارج من الباب الحديد الحاكمي‏.‏

 

 

حارة البيازرة هذه الحارة خارج باب القنطرة على شاطىء الخليج من شرقيه فيما بين زقاق الكحل وباب القنطرة حيث المواضع التي تعرف اليوم ببركة جنادق والكدّاشين وإلى قريب من حارة بهاء الدين واختطت هذه الحارة في الأيام الآمرية وذلك أن زمام البيازرة شكا ضيق دار الطيور بمصر وسأل أن يفسح للبيازرة في عمارة حارة على شاطىء الخليج بظاهر القاهرة لحاجة الطوير والوحوش إلى الماء فأذن له في ذلك فاختطّوا هذه الحارة وجعلوا منازلهم مناظر على الخليج وفي كلّ دار باب سرّ يُنزل منه إلى الخليج واتّصل بنا هذه الحارة بزقاق الكحل فعرفت بهم وسميت بحارة البيازرة واحدهم بازيار ثم إنّ المختار الصقلبي زمام القصر أنشأ بجوارها بستانًا بنى فيه منظرة عظيمة وهذا البستان يعرف اليوم موضعه ببستان ابن صيرم خارج باب الفتوح فلما كثرت العمائر في حارة البيازرة أمر الوزير المأمون بعمل الأقنة لشي الطوب على شاطىء الخليج الكبير إلى حيث كان البستان الكبير الجيوشيّ الذي تقدّم ذكره في ذكر مناظر الخلفاء ومنتزهاتهم‏.‏

 

 

‏.‏

 

حارة الحسينية عرفت بطائفة من عبيد الشراء يقال لهم الحسينية‏:‏ قال المسبِّحي في حوادث سنة خمس وتسعين وثلثمائة‏:‏ وأمر بعمل شُونة ممّا يلي الجبال ملئت بالسنط والبوص والحلفاء فابتدىء بعملها في ذي الحجة سنة اربع وتسعين وثلثمائة إلى شهر ربيع الأول سنة خمس ون فخامر قلوب الناس من ذلك جزع شديد وظن كلّ من يتعلق بخدمة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أنّ هذه الشونة عُملت لهم‏.‏

 

 

ثمّ قويت الإشاعات وتحدّث العوام في الطرقات أنها للكتّاب وأصحاب الدواوين وأسبابهم فاجتمع سائر الكتّاب وخرجوا بأجمعهم في خامس ربيع الول ومعهم سائر المتصرفين في الدواوين من المسلمين والنصارى إلى الرماحين بالقاهرة ولميزالوا يقبّلون الأرض حتّى وصلوا إلى القصر فوقفوا على بابه يدعون ويتضرّعون ويضجّون ويسألون العفو عنهم ومعهم رقعة قد كتبت عن جميعهم إلى أن دخلوا باب القصر الكبير وسألوا أن يُعفى عنهم ولا يُسمع فيهم قول ساعٍ يسعى بهم وسلّموا رقعتهم إلى قائد القوّاد الحسين بن جوهر فأوصلها إلى أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله فأجيبوا إلى ما سألوا وخرج إليهم قائد القوّاد فأمرهم بالانصراف والبكور لقراءة سجل بالعفو عنهم فانصرفوا بعد العصر وقرىء من الغد سجل كتب منه نسخة للمسلمين ونسخة للنصارى ونسخة لليهود بأمان لهم والعفو عنهم‏.‏

 

 

وقال‏:‏ في ربيع الآخر واشتدّ خوف الناس من أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله فكتب ما شاء الله من الأمانات للغلمان الأتراك الخاصّة وزمامهم وأمرائهم من الحمدانية والكجورية والغلمان العرفان والمماليك وصبيان الدار وأصحاب الإقطاعات والمرتزقة والغلمان الحاكميّة الم على اختلاف اصنافهم وكُتب أمان الجماعة من خدم القصر الموسومين بخدمة الحضرة بعدما تجمّعوا وصاروا إلى تربة للعزيز بالله وضجوا بالبكاء وكشفوا رؤوسهم وكتبت سجلاّت عدّة بأمانات للديلم والجبل والغلمان الشرابية والعلمان الريحانية والغلمان البشارية والغلمان المفرّقة العجم وغيرهم والنقباء والروم المرتزقة وكتبت عدّة أمانات للزويليين والبنادين والطبّالين والبرقيين والعطوفيين وللعرافة الجوانية والجودرية وللمظفرّية وللصنهاجيين ولعبيد الشراء الحسينية وللميمونية وللفرحية وأمان لمؤذني أبواب القصر وأمانات لسائر البيارزة والفهّدين والحجّالين وأمانات أخر لعدّة أقوام كلّ ذلك بعد سؤالهم وتضرّعهم‏.‏

 

 

وقال‏:‏ في جمادي الآخرة وخرج أهل الأسواق على طبقاتهم كلّ يلتمس كتب أمان يكون لهم فكتب فوق المائة سجل بأمان لأهل الأسواق على طبقاتهم نسخة واحدة وكان يقرأ جميعها في القصر أبو عليّ أحمد بن عبد السميع العباسيّ وتسلم أهل كل سوق ما كتب لهم وهذه نسخة إحداها‏

 

 

بعد البسملة‏:‏ هذا كتاب من عبد الله ووليه المنصور أبي عليّ الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين لأهل مسجد عبد الله أنكم من الآمنين بأمان الله الملك الحق المبين وأمان جدّنا محمد خاتم النبيين وأبينا علي خير الوصيين وآبائنا الذريّة النبويّة المهديين صلى ال على الرسول ووصيه وعليهم أجمعين وأمان أمير المؤمنين على النفس والحال والدم والمال لاخوف عليكم ولا تمتدّ يد بسوء إليكم إلاّ في حدّ يقام بواجبه وحق يُؤخذ بمستوجبه فليوثق بذلك وليعول عليه إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

وكتب في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة والحمد لله وصلى الله على محمد سيد المرسلين وعلى خير الوصيين وعلى الأئمة المهديين ذرية النبوّة وسلم تسليمًا كثيرًا‏.‏

 

 

وقال ابن عبد الظاهر‏:‏ فأمّا الحارات التي من باب الفتوح ميمنة وميسرة للخارج منه فالميمنة إلى الهليلجة والميسرة إلى بركة الأرمن برسم الريحانية وهي الحسينية الآن وكانت برسم الريحانية الغزاوية والمولجة والعجمان وعبيد الشراء وكانت ثمان حارات وهي‏:‏ حارة حاين الحارتين المنشية الكبيرة الحارة الكبيرة الحارة الوسطى سوق الكبير الوزيرية وللأجناد بظاهر القاهرة حارات وهي‏:‏ حارة البيازرة والحسينية جميع ذلك سكن الريحانية وسكن الجيوشة والعطوفية بالقاهرة وبظاهرها الهلالية والشوبك وحلب والحبانية والمأمونية وحارة الرووحارة المصامدة والحارة الكبيرة والمنصورة الصغيرة واليانسية وحارة أبي بكر والمقس ورأس التبان والشارع‏.‏

 

 

ولم يكن للأجناد في هذا الوجه غير حارة عنتر للمؤمنين المرتجلة وكانت كل حارة من هذه بلدة كبيرة بالبزازين والعطارين والجزارين وغيرهم والولاة لا يحكمون عليها ولا يحكم فيها إلاّ الأزمة ونوّابهم وأعظم الجميع الحارة الحسينية التي هي آخر صف الميمنة إلى الهليلجة وهي الحسينية الآن لأنها كانت سكن الأرمن فارسهم وراجلهم وكان يجتمع بها قريب من سبعة آلاف نفس وأكثر من ذلك وبها أسواق عدّة‏.‏

 

 

وقال في موضع آخر‏:‏ الحسينية منسوبة لجماعة من الأشراف الحسينيين وكانوا في الأيام الكاملية قدموا من الحجاز فنزلوا خارج باب النصر بهذه الأمكنة واستوطنوها وبنوا بها مدابغ صنعوا بها الأديم المشبه بالطائفي فسمِّيت بالحسينية ثم سكنها الأجناد بعد ذلك وابتنوا بههذه الأبنية العظيمة وهذا وهم فإنه تقدم أن جملة الطوائف في الأيام الحاكمية الطائفة الحسينية وتقدم فيما نقله ابن عبد الظاهر أيضًا أن الحسينية كانت عدة حارات والأيام الكاملية إنما كانت بعد الستمائة وقد كانت الحسينية قبل ذلك بما ينيف عن مائتين سنة فتدبره‏.‏

 

 

واعلم أن الحسينية شقتان إحداهما ما خرج عن باب الفتوح وطولها من خارج باب الفتوح إلى الخندق وهذه الشقة هي التي كانت مساكن الجند في أيام الخلفاء الفاطميين وبها كانت الحارات المذكورة‏.‏

 

 

والشقة الأخرى ما خرج عن باب النصر وامتدّ في الطول إلى الريدانية وهذه الشقة لم يكن بها في أيام الخلفاء الفاطميين سوى مصلى العيد تجاه باب النصر وما بين المصلى إلى الريدانية فضاء لا بناء فيه وكانت القوافل إذا برزت تريد الحج تنزل هناك فلما كان بعد الخمسين واربعمائة وقدم بدر الجمالي أمير الجيوش وقام بتدبير أمر الدولة الخليفة المنتصر بالله أنشأ بحري مصلى العيد خارج باب النصر تربة عظيمة وفيها قبره هو وولده الأفضل ابن أمير الجيوش وأبو علي كتيفات بن الأفضل وغيره وهي باقية لى يومنا هذا‏.‏

 

 

ثم تتابع الناس في إنشاء الترب هناك حتى كثرت ولم تزل هذه الشقة مواضع للترب ومقابر أهل الحسينية والقاهرة إلى بعد السبعمائة ولقد حُدّثت عن المشيخة ممن أدرك بأنّ ما بين مصلى الأموات التي خارج باب النصر وبين دار كهرداش التي تعرف اليوم بدار الحاجب مكانًا يعرف بالمراغة معدّ لتمريغ الدّواب به وأنّ ما في صف المصلى من بحريها الترب فقط ولم تعمر هذه الشقة إلى في الدولة التركية ولاسيما لما تغلب التتر على ممالك الشرق والعراق وجفل الناس إلى مصر فنزلوا بهذه الشقة وبالشقة الأخرى وعمروا بها المساكن ونزل بها أيضًا أمراء الدولة فصارت من أعظم عمائر مصر والقاهرة واتخذ الأمراء بها من بحريها فيما بين الريدانية إلى الخندق مناخات الجمال واصطبلات الخيل ومن ورائها الأسواق والمساكن العظيمة في الكثرة وصار أهلها يوصفون بالحسن خصوصًا لما قدمت الأويراتية‏.‏

 

 

قدوم الأويراتية وكان من خبر هذه الطائفة‏:‏ أنّ بيدو بن طرغاي بن هولاكو لما قتل في ذي الحجة سنة أربع وتسعين وسبعمائة وقام في الملك من بعده على المغل الملك غازان محمود بن خر بنده بن إيغاني تخوّف منه عدة من المغل يعرفون بالأويرتية وفرّوا عن بلاده إلى نواحي داد فنزلوا هناك مع كبيرهم طرغاي وجرت لهم خطوب آلت بهم إلى الحاق بالفرات فقاموا بها هنالك وبعثوا إلى نائب حلب يستأذنوه في قطع الفرات ليعبروا لى ممالك الشام فأذن لهم وعدّوا الفرات إلى مدينة بهنسا فأكرمهم نائبها وقام لم بما ينبغي من العلوفات والضيافات وطولع الملك العادل زين الدين كتيفا وهو يومئذ سلطان مصر والشام بأمرهم فاستشار الأمراء فيما يعلم بهم فاتفق الرأي على استدعاء أكابرهم إلى الديار المصرية وتفريق باقيهم في البلاد الساحلية وغيرها من بلاد الشام وخرج إليهم الأمير علم الدين سنجر الدواداري والأمير شمس الدين سنقر الأعسر إلى دمشق فجهزا أكابر الأويراتية نحو الثلثمائة للقدوم على السلطان وفرّقا من بقي منهم بالبقاع العزيزة وبلاد الساحل ولما قرب الجماعة من القاهرة وخرج الأمراء بالعسكر إلى لقائهم واجتمع الناس من كل مكان حتى امتلأ الفضاء للنظر إليهم فكان لدخولهم يوم عظيم وصاروا إلى قلعة الجبل فأنعم السلطان على طرغاي مقدّمهم بأمرة طبلخانة وعلى اللصوص بأمرة عشرة وأعطى البقية تقادمًا في الحلقة واقطاعات وأجرى عليهم الرواتب وأُنزلوا بالحسينية وكانوا على غير الملة الإسلامية فشق ذلك على الناس وبلوامع ذلك منهم بأنواع من البلاء لسوء أخلاقهم ونفرة نفوسهم وشدّة جبروتهم وكان إذا ذاك بالقاهرة ومصر غلاء كبير وفناء عظيم فتضاعفت المضرّة واشتدّ الأمر على الناس وقال في ذلك الأديب شمس الدين محمد بن دينار‏:‏ ربنا اكشف عنا العذاب فإنّا قد تلفنا في الدولة المغلية جاءنا المغل والغلا فانصلا وانطبخنا في الدولة المغلية‏.‏

 

 

ولما دخل شهر رمضن من سنة خمس وتسعين وستمائة لم يصم أحد من الأويراتية وقيل للسلطان ذلك فأبى أن يُكرههم على الإسلام ومنع من معارضتهم ونهى أن يشوّش عليهم أحد وأظهر العناية بهم وكان مراده أن يجلهم عونًا له يتقوّى بهم فبالغ في إكرامهم حتى أثر في قلوب إمراء الدولى منه أحنا وخشوا إيقاعه بهم فإن الأويراتية كانوا أهل جنس كتيفا وكانوا مع ذلك صورًا جميلة فافتتن بهم الأمراء وتنافسوا في أولادهم من الذكور والإناث واتخذوا منهم عدّة صيروهم من جملة جندهم وتعشَّقوهم فكان بعضهم يستنشد من صاحبه من اختص ب وجعله محل شهوته ثم ما قنع الأمراء ما كان منهم بمصر حتى أرسلوا إلى البلاد الشامية واستدعوا منهم طائفة كبيرى فتكاثر نسلهم في القاهرة واشتدّت الرغبة من الكافة في أولادهم على اختلاف الآراء في الإناث والذكور فوقع التحاسد والتشاجر بين أهل الدولة إلى أن آل الأمر بسببهم وباسباب أُخَر إلى خلع السلطان الملك العادل كتيفًا من الملك في صفر سنة ست وتسعين وستمائة‏.‏

 

 

فلما قام في السلطنة من بعده الملك المنصور حاسم الدين لاجين قبض على طرغاي مقدّم الأويراتية وعلى جماعة من أكابرهم وبعث بهم إلى الإسكندري فسجنهم بها وقتلهم وفرّق جميع الأويراتية على الأمراء فاستخدموهم وجعلوهم من جندهم فصار أهل الحسينية لذلك يوصفون بالحسن والجمال البارع وأدركنا من ذلك طرفًا جيدًا وكان للناس في نكاح نسائهم رغبة ولأخرين شغف بأولادهم ولله در الشيخ تقيّ الدين السروجيّ إذ يقول من أبيات‏:‏ يا ساعيّ الشوقِ مذ جرى جرت دموعي فهي أعوانهُ خذ لي جوابًا عن كتابي الذي إلى الحسينية عنوانَهُ فهي كما قد قيل وي الحمى وأهلها في الحسن غزلانَهُ أمشي قليلًا وانعطف يسرة يلقاك درب طال بنيانَهُ سلم وقل يخشى مسنٌ أيُ مُسنٍ اشت حديثًا طال كتمانَهُ وسل لي الوصل فإن قال بق فقل أوت قد طال هجرانَهُ وما برحوا يوصفون بالزعارة والشجاعة وكان يُقال لهم البدورة فيقال البدر فلان والبدر فلان ويعانون لباس الفتوّة وحمل السلاح ويؤثر منهم حكايات كثيرة وأخبار جمة وكانت الحسينية قد أربت في عمارتها على سائر اخطاط مصر والقاهرة حتى لقد قال لي ثقة ممن أدركت من الشيخة‏:‏ أنّه يعرف الحسينية عامرة بالأسواق والدور وسائر شوارعها كافة بازدحم الناومن الباعة والمارة وأرباب المعايش وأصحاب اللهو والملعوب فيما بين الريدانية محطة المحمل يوم خروج الحاج من القاهرة ولى باب الفتوح لا يستطيع الإنسان أن يمرّ في هذا الشارع الطويل العريض طول هذه المسافة الكبيرة إلا بمشقة من الزحام كما كنا نعرف شاعر بين القصرين فيما أدركنا‏.‏

 

 

ومازال أمر الحسينية متماسكًا إلى أن كانت الحوادث والمحن منذ سنة ستة وثمانمائة وما بعدها فخربت حاراتها ونقضت مبنيها وبيع ما فيها من الأخشاب وغيرها وباد أهلها ثم حدث بها بعد سنة عشرين وثمانمائة آية من آيات الله تعالى وذلك أنَّ في أعوام بضع وستين وسبعمائة بدا بناحية برج الزيات فيما بين المطرية وسر ياقوس فساد الأرضة التي من شأنها العبث في الكتب والثياب فأكلت لشخص نحو ألف وخمسمائة قتة دريس فكنّا لا نزال نتعجب من ذلك ثم فشت هناك وشنع عبثها في سقوف الدور وسرت حتى عاثت في أخشاب سقوف الحسينية وغلات أهلها وسائر أمتعتهم حتى أتلفت شيئًا كثيرًا وقويت حتى صارت تأكل الجدران فبادر أهل تلك الجهة إلى هدم ما قد بقي من الدور خوفًا عليها من الأرضة شيئًا بعد شيء حتى قاربوا باب الفتوح وباب النصر وقد بقي منها اليوم قليل من كثير يخاف إن استمرّت أحوال الأقليم على ما هي عليه من الفساد أن تُدثر وتمحى آثارها كما دثر سواها ولله در القائل‏:‏ والله إن لم يُدركها وقد رحلتْ بلمحةٍ أو بلطفٍ من لديه خفي ولم يجدْ بتلافيها على عجلٍ ما أمرها صائرٌ إلاّ إلى تلفِ حارة حلب هذه الحالة خارج باب زويلة تعرف اليوم بزقاق حلب وكانت قديمًا من جملة مساكن الناد‏.‏

 

 

قال ياقوت في باب حلب‏:‏ الأوّل حلب المدينة المشهورة بالشام وهي قصبة نواحي قنسرين والعواصم اليوم الثاني حلب الساجود من نواحي حلب أيضًا الثالث كفر حلب من قراها أيضًا الرابع محلة بظاهر القاهرة بالشارع من جهة الفسطاط‏

 

 

والله تعالى أعلم‏.‏

 

 

أخطاط القاهرة وظواهرها قد تقدم ذكر ما يُطلق عليه حارة من الأخطاط ونريد أن نذكر من الخطط ما لا يطلق عليه اسم حارة ولا درب وهي كثيرة وكل قليل تتغير أسماؤها ولا بدّ من إيراد ما تيسر منها‏.‏

 

 

خط خان الوراقة‏:‏ هذا الخط فيما بين حارة بهاء الدين وسويقة أمير الجيوش وفي شرقيّة سوق المرجلين وهو يشتمل على عدّة مساكن وبه طاحون وكان موضعه قديمًا اصطبل الصبيان الحجرية لموقف خيولهم كما تقدّم فلما زالت الدولة الفاطمية اختط مواضع للسكنى وقد شمله الخراب

 

 

 

خط باب القنطرة هذا الخط كان يعرف قديمًا بحارة المرتاحية وحارة الفرحية والرماحين وكان ما بين الرماحين الذي يُعرف اليوم بباب القوس داخل باب القنطرة وبين الخليج فضاء لا عمارة فيه بطول ما بين باب الرمحين إلى باب الخوخة وإلى باب سعادة وإلى باب الفرج ولم يكن إذ ذاك على حافة الخليج عمائر البتة وإنما العمائر من جانب الكافوري وهو مناظر اللؤلؤة ما جاورها من قبليها إلى باب الفرج وتخرج العامّة عصريات كل يوم إلى شاطىء الخليج الشرقي تحت المناظر للتفرّج فإن بر الخليج الغربيّ كان فضاء ما بين بساتين وبرك كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

قال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة سبع وثمانين وخمسمائة‏:‏ في شوّال قطع النيل الجسور واقتلع الشجر وغرّق النواحي وهدم المساكن وأتلف كثيرًا من النساء والأطفال وكثر الرخاء بمصر فالقمح كل مائة أردب بثلاثين دينارًا والخبز البايت ستة أرطال بربع درهم والرطب الأمت ستة أرطال بردهم والموز ستة أرطال بدرهم والرمان الجيد مائة حبة بدرهم والحمل الخيار بدرهمين والتين ثمانية أرطال بدرهم والعنب ستة أرطال بدرهم في شهر بابه بعد انقضاء موسمه المعهود بشهرين والياسمين خمسة أرطال بدرهم وآل أمر أصحاب البساتين إلى أن لا يجمعوا الزهر لنقص ثمنه عن أجرة جمعه وثمر الحناء عشرة أرطال بدرهم والبسرة عشرة أرطال بدرهم من جيده والمتوسط خمسة عشر رطلًا بدرهم وما في مصر إلاّ متسخط بهذه النعمة‏.‏

 

 

قال‏:‏ ولقد كنت في خليج القاهرة من جهة المقس لانقطاع الطرق بالمياه فرأيت الماء مملوء سمكًا والزيادة قد طبقت الدنيا والنخل مملوء تمرًا والمكشوف من الأرض مملوء ريحانًا وبقولًا ثم نزلت فوصلت إلى المقس فوجدت من القلعة التي بالمقس إلى منية السيرج غلالًا قد مل صبرها الأرض لا يدري الماشي أين يضع رجله متصلًا عرض ذلك إلى باب القنطرة وعلى الخليج عند باب القنطرة من مراكب الغلة ما قد ستر سواحله وأرضه‏.‏

 

 

قال‏:‏ ودخلت البلد فرأيت في السوق من الأخباز واللحوم والألبان والفواكه ما قد ملأها وهجمت منه العين على منظر ما رأيت قبله مثله‏

 

 

قال‏:‏ وفي البلد من البغي ومن المعاصي ومن الهر بها ومن الفسق بالزنا واللواط ومن شهادة الزور ومن مظالم الأمراء والفقهاء ومن استحلال الفطر في نهار رمضان وشرب الخمر في ليله ممن يقع عليه اسم الإسلام ومن عدم النكير على ذلك جميعه ما لم يُسمع ولم يُعهد مثله فلاول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم وظفر بجماعة مجتمعين في حارة الروم يتغدّون في قاعة في نهار رمضان فما كلموا وبقوم مسلمين ونصارى اجتمعوا على شرب خمر فيل ليل رمضان فما اقيم فيهم حدّ وخط باب القنطرة فيما بين حارة بهاء الدين وسويقة أمير الجيوش وينتهي من قبليه إلى خط بين السورين‏.‏

 

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 خط بين السورين

 

 

 

هذا الخط من حدّ باب الكافوري في الغرب إلى باب سعادة وبه الآن صفان من الأملاك أحدهما مشرف على الخليج والآخر مشرف على الشارع المسلوك فيه منا باب القنطرة إلى باب سعادة ويقال لهذا الشارع بين السورين تسمية للعامة بها فاشتهر بذلك وكان في القديم بهذا الخط البستان الكافوري يشرف عليه بحده الغربي ثمة مناظر اللؤلؤة وقد بقيت دار الذهب وموضعها الآن دار تعرف بدار بهادر الأعسر وعلى بابها بئر يستقي منها الماء في حوض منه الدواب ويجاورها قبو معقود يعرف بقبو الذهب وهو من بقية مناظر دار الذهب ويحدّ دار الذهب منظرة الغزالة وهي بجوار قنطرة الموسكي وقد بُني في مكانها ربع يعرف إلى اليوم بربع غزالة ودار ابن قرفة وقد صار موضعها جامع ابن المغربي وحمام ابن قرفة وبقي منها البئر التي يستقي منها إلى اليوم بحمام السلطان وعدّة دور كلها فيما يلي شقة القاهرة من صف باب الخوخة وكان ما بين المناظر والخليج براحا ولم يكن شيء من هذه العمائر التي بحافة الخليج اليوم البتة وكان الحاكم بأمر الله في سنة إحدى وأربعمائة منع من الركوب في المراكب بالخليج وسدّ أبواب القاهرة التي تلي الخليج وأبواب الدور التي هناك والطاقات المطلة عليها على ما حكاه المسبحيّ‏.‏

 

 

 

 

وقال ابن المأمون في حوادث سنة ستة عشرة وخمسمائة ولما وقع الاهتمام بسكن اللؤلؤة والمقام بها مدّة النيل على الحكم الأوّل يعني قبل أيام أمير الجيوش بدر وابنه الأفضل وإزالة ما لم تكن العادة جارية عليه من مضايقة اللؤلؤة بالبناء وأنها صارت حارات تعرف بالفرحية والسوادان وغيرهما أمر حسان الملك متولي بابه بإحضار عرفاء الفرحية والإنكار عليم في تجاسرهم على ما استجدّوه وأقدموا عليه فاعتذروا بكثرة الرجال وضيق الأمكنة عليهم فبنوا لهم قبابًا يسيرةً فتقدّم يعني أمر الوزير المأمون إلى متولي الباب الإنعام عليهم وعلى جميع من بنى في هذه الحارة بثلاثة آلاف درهم وأن يقسم بينهم بالسوية ويأمرهم بنقل قسمهم وأن يبنو لهم حارة قبالة بستان الوزير يعني ابن المغربيّ خارج الباب الجديد من الشارع خارج باب زويلة‏.‏

 

 

قال‏:‏ وتحوّل الخليفة إلى اللؤلؤة بحاشيته وأطلقت التوسعة في كل يوم لما يخص الخاص والجهات والأستاذين من جميع الأصناف وانضاف إليها ما يطلق كل ليلة عينًا وورقًا وأطعمة للبائتين بالنوبة برسم الحرس بالنهار والسهر في طول الليل من باب قنطرة بهادر إلى مسجد الليمة من البرين من صبيان الخاص والركاب والرهجية والسودان والحجاب كل طائفة بنقيبها والعرض من متولي الباب واقع بالعدة في طرفي كل ليلة ولا يمكن بعضهم بعضًا من المنام والرهجية تخدم على الدوام‏.‏

 

 

خط الكافوري هذا الخط كان بستانًا من قبل بناء القاهرة وتملك الدولة الفاطمية لديار مصر أنشأه الأمير أبو بكر محمد بن طفج بن جف الملقب بالإخشيد وكان بجانبه ميدان فيه الخيول وله أبواب من حديد فلما قدم جوهر القائد إلى مصر جعل هذا البستان من داخل القاهرة وعرف ببستان كافور في الدولة الفاطمية البستان الكافوري ثم اختط مساكن بعد ذلك‏.‏

 

 

قال ابن زولاق في كتاب سيرة الأخشيد‏:‏ وَلِسَتٍ خلون من شوال سنة ثلاثين وثلثمائة سار الأخشيد إلى الشام في عساكره واستخل أخاه أبا المظفر بن طفج‏

 

 

قال‏:‏ وكان يكره سفك الماء ولقد شرع في الخروج إلى الشام في آخر سفراته وسار العسكر وكان نازلًا في بستانه في موضع القاهرة اليوم فركب للمسير فساعة خرج من باب البستان اعترضه شيخ يعرف بمسعود الصابوني يتظلَّم إليه فنظر له فتطير به وقال‏:‏ خذوه ابطحوه فبُطِحَرب خمس عشرة مقرعة وهو ساكت‏.‏

 

 

فقال الأخشيد‏:‏ هوذا يتشاطر‏

 

 

فقال له كافور‏:‏ قد مات‏

 

 

فانزعج واستقال سفرته وعاد لبستانه وأحضر أهل الرجل واستحلهم وأطلق لهم ثلاثمائة دينار وحُمل الرجل إلى منزله ميتًا وكانت جنازته عظيمة وسافر الأخشيد فلم يرجع إلى مصر ومات بدمشق‏.‏

 

 

وقال في كتاب تتمة كتاب أمراء مصر للكندي‏:‏ وكان كافور الإخشيدي امير مصر يواصل الركوب إلى الميدان وإلى بستانه في يوم الجمعة ويوم الأحد ويوم الثلاثاء قال‏:‏ وفي غد هذا اليوم يعني يوم الثلاثاء مات الأستاذ كافور الإخشيدي لعشرٍ بقين من جمادى الأولى سنة سبع ين وثلثمائة ويوم مات الأستاذ كافور الإخشيدي خرج الغلمان والجند إلى المنظرة وخرّبوا بستان كافور ونهبوا دوابه وطلبوا مال البيعة‏.‏

 

 

وقال ابن عبد الظاهر‏:‏ البستان الكافوري هو الذي كان بستانًا لكافور الإخشيدي وكان كثيرًا ما يتنزه به وبنيت القاهرة عنده ولم يزل إلى سنة إحدى وخمسين وستمائة فاختطت البحرية والعزيزية به اصطبلات وأزيلت أشجاره‏

 

 

قال‏:‏ ولعمري إنّ خرابه كان بحق فإنه كان عرف بالحشيشة التي يتناولها الفقراء والتي تطلع به يضرب بها المثل في الحسن‏

 

 

قال شاعرهم نور الدين أبو الحسن علي بن عبد الله بن علي الينبعي لنفسه‏:‏ ربَّ ليلٍ قطعته ونديمي شاهدي هو مسمعي وسميري مجلسي مسجد وشربي من خض راء تزهو بحسنٍ لونٍ نضيرِ قال لي صاحبي وقد فاح منها نشرها مزريًا بنشرِ العبيرِ أمن المسك قلتُ ليست من المس كِ ولكنّا من الكافوري وقال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد بن محمود بن أحمد بن محمد الأسديّ الدمشقيّ المعروف باليغموري‏:‏ أنشدني الإمام العالم المعروف بجموع الفضائل زين الدين أبو عبد الله وخضراء كافورية بات فعلها بألبابنا فِعْل الرحيق المعتَّقِ إذ نفحتنا من شذاهانفحةٍ تدبُّ لنا في كل عضو ومنطقِ غنيتُ بها عن شربِ خمرٍ معتَّقٍ وبالدلق عن لبس الجديد المزوّقِ وأنشدني الحافظ جلال الدين أبو المعز ابن أبي الحسن بن أحمد بن الصائغ المغربيّ لنفسه‏:‏ عاطني خضراء كافورية يكتب الخمر لها من جندها أسكرتنا فوق ما تسكرنا وربحنا فسا من حدّها وأنشدني لنفسه‏:‏ قم عاطني خشراء كافورية قامت مقام سلافة الصهباءِ يغدوا الفقير إذا تناول درهمًا منها له تيه على الأمراءِ وتراهُ من أقوى الورى فإذا خلا منها عددناهُ مِنَ الضعفاءِ وأنشدني من لفظه لنفسه أيضًا‏:‏ عاطيتُ من أهوى وقد زارني كالبدرى ليلة البدرِ والبحرث قد مدَّ على متنِهِ شعاعه جسرًا من التبرِ فراح نشوانًا بها غافلًا لا يعرف الحلوَ من المرِّ قال وقد نال بها امرهُ فبات مردودًا إلى أمري قتلتني قلتُ نعم سيدي قتلينِ بالسُكْرِ وبالبَحرِ قال‏:‏ وأمر السلطان الملك الصالح يعني نجم الدين أي الأمير جمال الدين أبا الفتح موسى بن يغمور أن يمنع من يزرع في الكافوري من الحشيشة شيئًا فدخل ذات يوم فرأى فيه منها شيئًا كثيرًا فأمر بأن يُجمع فجُمع وأُحرِق‏.‏

 

 

فأنشدني في الواقعة الشيخ الأديب الفاضل شرف الدين أبو العباس أحمد بن يوسف لنفسه وذلك في ربيع الأوّل سنة ثلاث وأربعين وستمائة‏:‏ صِرف الزمان وحادث المقدور تركا نكير الخطب غير نكيرِ ما سالما حيًا ولا ميتًا ول طودًا سما بل دكدكا بالطور لهفي وهل يجدي التهلفُ  ذُرى طربِ الغنيّ وأنسِ كلِّ فقيرِ أختُ المذلةِ لارتكاب محرَّمٍ قطبُ السرور بأيسر الميسورِ جمعت محاسن ما اجتمعن لغيرها من كل شيء كان من المعمورِ منها طعامٌ والشرابُ كلاهما والبقلُ والريحانُ وقتَ حضورِ كلا ونكهة خمرة هي شاهد عدل على حدٍّ وجلد ظهورِ أسفًا لدهر غالها ولربما ظلّ الكريمُ بذلةِ الماسورِ جَمعت له الأشهادُ كرمًا أخضرًا كعروسةٍ تُجلى بخضرِ حريرِ زفوا لها نارًا فخُلنا جنةً برزت لنا قدر زوِّجتْ بالنورِ ثم اتكست منها غلالة صفرةٍ في خضرةٍ مقرونةٍ بزفيرِ فكأنها لهبُ اللظى في خضرةٍ منها وطرفِ رمادها المنثورِ جارى النضار على مذابِ زمرُّدٍ تركا فتيتَ المسكِ في الكافوري لله دركِ حية أو ميتة من منظرٍ بهج بغير نظيرِ أوذيت غير ذميمة فسقى الحيا تربًا تضمَّن منكِ ذوبِ عبيرِ عندي لذكركِ ما بقيتُ مخلدًا سحُ الدموع ونفثةِ المصدورِ كافور الإخشيدي كان عبدًا أسود خصيًا مثقوب الشفة السفلى بطينًا قبيح القدمين ثقيل البدن جُلب إلى مصر وعمره عشر سنين فما فوقها في سنة عشر وثلثمائة فلما دخل إلى مصر تمنى أن يكون أميرها فباعه الذي جلبه لمحمد بن هاشم أحد المتقبلين للضياع فباعه لابن عباس الكاتب فمرّ يومًا بمصر على مندِّم فنظر له في نجومه وقال له‏:‏ أنت تصير إلى رجل جليل القدر وتبلغ معه مبلغًا عظيمًا فدفع إليه درهمين لم يكن معه سواهما فرمى بهما إليه وقال‏:‏ أُبشِّرُك بهذه البشارة وتعطيني درهمين ثم قال له‏:‏ وأزيدك أنت تملك هذه البلد وأكثر منه فاذك

 

 

واتفق أنّ ابن عباس الكتاب أرسله بهدية يومًا إلى الأمير أبي بكر محمد بن طفج الأخشيد وهو يومئذٍ أحد قوّاد تكين أمير مصر فأخذ كافورًا وردّ الهدية فترقّى عنده في الخدم حتى صار من أخص خدمه‏.‏

 

 

ولما مات الأخشيد بدمشق ضبط كافور الأمور ودارى الناس ووعدهم إلى أن سكنت الدهماء بعد أن اضطرب الناس وجهزة أستاذه وحمله إلى بيت المقدس وسار إلى مصر فدخلها وقد انعقد الأمر بعد الإخشيد لابنه أبي القاسم أونوجور فلم يكن بأسرع من ورود الخبر مندمشق بأنّ سيف الدولة عليّ بن حمدان أخذها وسار إلى الرملة فخرج كافور بالعساكر وضرب الدباديب وهي الطبول على باب مضربه في وقت كل صلاة وسار فظفر وغنم ثم قدم إلى مصر وقد عظم أمره فقام بخلافة أونوجور فخاطبه القوّاد بالأستاذ وصار القوّاد يجتمعون عنده في دار فيخلع عليهم ويحملهم ويعطيهم حتى أنه وقع لجانك أحد القوّاد الإخشيدية في يوم بأربعة عشر ألف دينار فما زال عبدًا له حتى مات وانبسطت يده في الدولة فعزل وولى وأعطى وحرم ودعيَ له على المنابر كلها إلاّ منبر مصر والرملة وطبرية ثم دعي له بها في سنة أربعين وثلثمائة وصار يجلس للمظالم في كل سبت ويحضر مجلسه القضاة والوزراء والشهود ووجوه البلد فوقع بينه وبين الأمير أونوجور وتحرَّرَ كلٌ منهما من الآخر وقويت الوحشة بينهما وافترق الجند فصار مع كل واحد طائفة واتفق موت أونوجور في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وثلثمائة ويقال أنه سمّه‏.‏

 

 

فأقام أخاه أبو الحسن عليّ بن الإخشيد من بعده واستبدّ بالأمر دونه وأطلق له في كل سنة أربعمائة ألف دينار واستقل بسائر أحوال مصر والشام ففسد ما بينه وبين الأمير أبي الحسن عليّ فضيّق عليه كافور ومنع أن يدخل عليه أحد فاعتل بعلة أخيه ومات وقد طالت به في محرّم سنة خمس وخمسين وثلثمائة‏.‏

 

 

فبقيت مصر بغير أمير أيامًا لا يدعى فيها سوى للخليفة المطيع فقط وكافور يدبر أمر مصر والشام في الخراج والرجال فلما كان لأربع بقين من المحرّم المذكور أخرج كافور كتابًا من الخليفة المطيع بتقليده بعد عليّ بن الأخشيد فلم يغير لقبه بالأستاذ ودعي له على المنبر بعد الخليفة وكان له في أيامه قصص عظام وقدم عسكر من المعز لدين الله أبي تميم معدّ من المغرب إلى الواحات فجهَّز إليه جيشًا أخرجوا العسكر وقتلوا منهم وصارت الطبول تضرب على بابه خمس مرّات في اليوم والليلة وعدّتها مائة طبلة من نحاس‏.‏

 

 

وقمت عليه دعاة المعز لدين الله من بلاد المغرب يدعونه إلى طاعته فلاطفهم وكان أكثر الإخشيدية والكافورية وسائر الأولياء والكتّاب قد أُخذت عليهم البيعة للمعز وقصر مدّ النيل في أيامه‏.‏

 

 

فلم يبلغ تلك السنة سوى أثني عشر ذراعًا وأصابع فاشتدّ الغلاء وفحش الموت في الناس حتى عجزوا عن تكفينهم ومواراتهم وأرجف بمسير القرامطة إلى الشام وبدت غلمانه تتنكر له وكانوا ألفًا وسبعين غلامًا تركيًا سوى الروم والمولدين فمات لعشر بقين من جمادى الأوّل سنة سبع وخمسين وثلاثمائة عن ستين سنة فوجد له من العين سبعمائة ألف دينار ومن الورق والحلي والجوهر والعنبر والطيب والثياب والآلات والفرش والخيام والعبيد والجواري والدواب ما قُوّم بستمائة ألف ألف دينار وكانت مدّة تدبيره أمر مصر والشام والحرمين إحدى وعشرين سنة وشهرين وعشرين يومًا منها منفردًا بالولاية بعد أولاد أُستاذه سنتان وأربعة أشهر وتسعة أيام ومات عن غير وصية ولا صدقة ولا مأثرة يذكر بها ودعي له على المنابر بالكنية التي كناه بها الخليفة وهي ألو المسك أربع عشرة جمعة وبعده اختلت مصر وكادت تدمر حتى قدمت جيوش المعز على يد القائد جوهر فصارت مصر دار خلافة ووجد على قبره مكتوب‏:‏ يدوسُ قبركَ من أدنى الرجال وقد كانت أسُود الشرى تخشاك في الكثبِ ووجد أيضًا مكتوب‏:‏ انظر إلى غير الأيام ما صنعت أفنت أُناسًا بها كانوا ومات فنيتْ دنياهم أضحكت أيامُ دولتهم حتى إذا فنيتْ ناحت لهكتْ خط الخرشتف هذا الخط فيما بين حارة برجوان والكافوري ويُتوصل إليه من بين القصرين فيُدخل له من قبو يعرف بقبو الخرشتف وهو الذي كان يعرف قديمًا بباب التبانين ويُسلك من الخرشتف إلى خط باب سرّ المارستان وإلى حارة زويلة وكان موضع الخرشتف في أيام الخلفاء الفاطميين ميدانًا بجوار القصر الغربيّ والبستان الكافوريّ فلما زالت الدولة اختُطَّ وصار فيها عدّة مساكن وبه أيضًا سوق وإنما سُمِّيَ بالخرشتف لأنّ المعز أوّل من بنى فيه الاصطبلات بالخرشتف وهو ما يتحجر مما يوقد به على مياه الحمامات من الأزبال وغيرها‏.‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ الحارة المعروفة بالخرشتف كانت قديمًا ميدانًا للخلفاء فلما ورد المعز بنوا به اصطبلات وكذلك القصر الغربيّ وقد كان النساء اللاتي أُخرجن من القصر يسكنَّ بالقصر النافعي فامتدّت الأيدي إلى طوبه وأخشابه وبيعت وتلاشى حاله وبني به وبالميدان طبلات ودويرات بالخرشتف فسمي بذلك ثم بنى به الأدر والطواحين وغيره وذلك بعد الستمائة وأكثر أراضي الميدان حكر للأدر القطبية‏.‏

 

 

خط اصطبل القطبية هذا الخط أيضًا من جملة أراضي الميدان ولما انتقلت القاعة التي كانت سكن أخت الحاكم بأمر الله بعد زوال الدولة الفاطمية صارت إلى الملك المفضل فطب الدين أ مد بن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب فاستقرّ بها هو وذريته فصار يقال لها الدار القطبية واتخذ هذا المكان اصطبلًا لهذه القاعة فعرف باصطبل القطبية ثم لما أخذ الملك المنصور قلاوون القاعة البطبية من مونسة خاتون المعروفة بدار إقبال ابنة الملك العادل أبي بكر ابن أيوب أخت المفضل قطب الدين أحمد المعروفة بخاتون الطبية وعملها المارستان المنصوري بنى في هذا الإصطبل المساكن وصارت من جملة الخطط المشهورة ويتوصل إليه من وسط سوق الخرشتف ويسلك فيه من آخره إلى المدرسة الناصرية والمدرسة الظاهرية المستجدّة وعمل على أوّله دربًا يغلق وهو خط عامر‏.‏

 

 

خط باب سر المارستان هذا الخط يسلك إليه من الخرشتف ويصير السالك فيه إلى البندقانيين وبعض هذا الخط وهو جله ومعظمه من جملة اصطبل الجميزة الذي كان فيه خيول الدولة الفاطمية وقد تقدّم ذكره‏.‏

 

 

وموضع باب سر المارستان المنصوري هو باب الساباط فلما زالت الدولة واختطُ الكافوري والخرشتف واصطبل القطبية صار هذا الخط واقعًا بين هذه الأخطاط ونسب إلى باب سر المارستان لأنه من هنالك وأدركتُ بعض هذه الخطة وهي خراب ثم أنشأ فيه القاضي جمال الدين محمود القيصري محتسب القاهرة في أيام ولايته‏.‏

 

 

نظر المارستان في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة الطاحون العظيمة ذات الأحجار والفرن والربع علوه في المكان الخراب وجعل ذلك جاريًا في جملة أوقاف المارستان المنصوري‏.‏

 

 

خط بين القصرين هذا الخط أعمر أخطاط القاهرة وأنزهها وقد كان في الدولة الفاطمية فضاءً كبيرًا وبراحًا واسعًا يقف فيه عشرة آلاف من العسكر ما بين فارس وراجل ويكون به طرادهم ووقوفهم للخدمة كما هو الحال اليوم في الرميلة تحت قلعة الجبل فلما انقضت أيام الدولة الفاطمية وخلت القصور من أهاليها ونزل بها أمراء الدولة الأيوبية وغيروا معالمها صار هذا الموضوع سوقًا مبتذلًا بعدما كان ملاذًا مبجلًا وقعد فيه الباعة بأصناف المأكولات من اللحمان المتنوّعة والحلاوات المصنعة والفاكهة وغيرها فصار منتزهًا تمر فيه أعيان الناس وأمثالهم في الليل مشاة لرؤية ما هناك من السرج والقناديل الخارجة عن الحدّ فيالكثرة ولرؤية ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين مما فيه لذة للحواس الخمس وكانت تعقد فيه عدّة حلق لقراءة السير والأخبار وإنشاد الأشعار والتفنن في أنواع اللعب واللهو فيصير مجمعًا لا يقدر قدره ولا يمكن حكاية وصفه وسأتلو عليك من أنباء ذلك ما لا تجده مجموعًا في كتاب‏.‏

 

 

قال المسبّحي في حوادث جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلثمائة‏:‏ وفيه مُنِعض كل أحد ممن يركب مع المكاريين أن يدخل من باب القاهرة راكبًا ولا المكاريين أيضًا بحميرهم ولا يجلس أحد على باب الزهومة من التجار وغيرهم ولا يمشي أحد ملاصق القصر من باب الزهومة إلى أقصباب الزمرّد ثم عفى عن المكاريين بعد ذلك وكتب لهم أمان قرىء‏.‏

 

 

وقال ابن الطوبر‏:‏ ويبيت خارج باب القصر كل ليلة خمسون فارسًا فإذا أُذِّنَ بالعشاء الآخرة داخل القاعة وصلّى الإمام الراتب بها بالمقيمين فيها من الأستاذين وغيرهم وقف على باب القصر أمير يقال له سنان الدولة ابن الكركندي فإذا علم بفراغ الصلاة أمر بضرب النوباتن الطبل والبوق وتوابعهما من عدّة وافرة بطريق مستحسنة ساعة زمانية ثم يخرج بعد ذلك أستاذ برسم هذه الخدمة فيقول‏:‏ أمير المؤمنين يردّ علي سنان الدولة السلام فيصقع ويغرس حربة على الباب ثم يرفعها بيده فإذا رفعها أغلق الباب وسار إلى حوالي القصر سبع دورات فإذا تهى ذلك جعل على الباب البياتين والفرّاشين المقدّم ذكرهم وأفضى المؤذنون إلى خزانتهم هناك ورميت السلسلة عند المضيق آخر بين القصرين من جانب السيوفيين فينقطع المار من ذلك المكان إلى أن تضرب النوبة سحرًا قريب الفجر فتنصرف الناس من هناك بارتفاع السلسلة‏.‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

وأخبرني المشيخة أنه ما زال الرسم إلى قريب أنه لا يمرّ بشارع بين القصرين حمل تبن ولا حمل حطب ولا يستطيع أحد أن يسوق فرسًا فيه فإن ساق أحد أنكر عليه وخرق به‏.‏

 

 

وقال ابن سعيد في كتاب المغرب‏:‏ والمكان الذي كان يعرف في القاهرة بين القصرين هو من الترتيب السلطانيّ لأنّ هناك ساحة متسعة للعسكر المتفرّجين ما بين القصرين ولو كانت القاهرة كلها كذلك كانت عظيمة القدر كاملة الهمة السلطانية‏

 

 

وقال ياقوت‏:‏ وبين القصرين كان ببغداد بباب الطاق يراد به قصر أسماء بنت المنصور وقصر عبد الله بن المهدي وكان يقال لهما أيضًا بين القصرين‏

 

 

وبين القصرين بمصر والقاهرة وهما قصران متقابلان بينهما طريق العامّة والسوق عمرهما ملوك مصر المغاربة المُتَعَلْوِنة الذين ادَعوا أنهم علويَة‏.‏

 

 

وحدّثني الفاضل الرئيس تقيّ الدين عبد الوهاب ناظر الخواص الشريفة ابن الوزير الصاحب فخر الدين عبد الله بن أبي شاكر أنه كان يشتري في كل ليلة من بين القصرين بعد العشاء الآخرة برسم الوزير الصاحب فخر الدين عبد الله بن خصيب من الدجاج المطجن والقطا وفراخ الحمام والعصافير المقلاة بمبلغ مائتي درهم وخمسين درهمًا فضة يكون عنها يومئذٍ نحو من اثني عشر مثقالًا من الذهب وأنَّ هذا كان دأبه في كل ليلة ولا يكاد مثل هذا من كثرته لرخاء الأسعار يؤثر نقصه فيما كان هنالك من هذا الصنف لعظم ما كان يوضع في بين القصرين من هذا النوع وغيره ولقد أدركنا فيكل ليلة من بعد العصر يجلس الباعة بصنف لحمان الطيور التي تقلى صفًا من باب المدرسة الكاملية إلى باب المدرسة الناصرية وذلك قبل بناء المجرسة الظاهرية المستجدّة فيباع لحم الدجاج المطجن ولحم الأوز المطجن كلُّ رطل بدرهم وتارة بدرهم وربع وتباع العصافير المقوّة كل عصوفر بفلس حسابًا عن كل أربعة وعشرين بدرهم والمشيخة تقول إنّا حينئذٍ في غلاء لكثرة ما تصف من سعة الأرزاق ورخاء الأسعار في الزمن الذي أدركوه قبل الفناء الكبير ومع ذلك فلقد وقع في سنة ست وثمانين شيء لا يكاد يصدّقه اليوم من لم يدرك ذلك الزمان وهو أنّه‏:‏ كان لنا من جيراننا بحارة برجوان شخص يعاني الجندية ويركب الخيل فبلغني عن غلامه أنّه خرج في ليلة من ليالي رمضان وكان رمضان إذ ذاك في فصل الصيف ومعه رقيق له من غلمان الخيل وأنهما سَرَقا من شارع بين القصرين وما قرب منه بضعًا وعشرين بطيخة خضراء ضعًا وثلاثين شقفة جبن والشقفة أبدًا من نصف رطل إلى رطل فما منّا إلاّ مَنْ تعجب من ذلك وكيف تهيأ لاثنين فعل هذا وحَمْلُ هذا القدر يحتج إلى دابتين إلى أن قدّر الله تعالى لي بعد ذلك أن اجتمعت بأحد الغلامين المذكورين وسألته عن ذكل فاعترف لي به قلت‏:‏ صف لي ك عملتما فذكر أنهما كانا يقفان على حانوت الجبان أو مقعد البطيخيّ وكان غذ ذاك يعمل من البطيخ في بين القصرين مرصّات كثيرة جدًا في كل مرصّ ما شاءالله من البطيخ قال‏:‏ إذا وقفنا قلب أحدنا بطيخة وقلب الآخر أخرى فلشدّة ازدحام الناس يتناول أحدنا بطيخته بخفة يد واعة ويقوم فلا يُفطن به‏.‏

 

 

أو يقلب أحدنا ورفيقه قائم من ورائه والبياع مشغول البال لكثرة ما عليه من المشترين وما في ذلك الشارع من غزير الناس فيحذفها من تحته وهو جالس القرفصا فإذا أحس بها رفيقه تناولها ومرّ‏.‏

 

 

وكذلك كان فعلهم من الجبانين وكانوا كثيرًا فانظر - أعزك الله - إلى بضاعة يُسرق منها مثل هذا القدر ولا يفطن به من كثرة ما هنالك من البضائع ولعظم الخلق‏.‏

 

 

ولقد حدثني غير واحد ممن قدم مع قاضي القضاة عماد الدين أحمد الكركيّ أنذه لما قدموا من الكرك في سنة اثنين وتسعين وسبعمائة كادوا يُذهلون عند مشاهدة بين القصرين‏.‏

 

 

وقال لي ابنه محب الدين محمد‏:‏ أوّل ما شاهدّت بين القصري حسبت أنّ زفة أو جنازة كبيرة تمرّ من هنالك فلما لم ينقطع المارة سألت ما بال الناس مجتمعين للمرور من ههنا فقيل لي‏:‏ هذا دأب البلد دائمًا ولقد كنا نسمع أنّ من الناس من يقوم خلف الشاب أو المرأة عند شي بعد العشاء بين القصرين ويجامع حتى يقضي وطره وهما ماشيان من غير أن يدركهما أحد لشدّة الزحام واشتغال كل أحد بلهوه‏.‏

 

 

وما برحت أجد من الازدحام غير أني أدركهما أحد لشدّة الزحام واشتغال كل أحد بلهوه‏.‏

 

 

وما برحت أجد من الازدحام مشقة حتى أفادني بعض من أدركت أنَّ من الرأي في المشي أن يأخذ الإنسان في مشيه نحو شماله فإنه لا يجد من المشقة كما يجد غيره من الزحام فاعتبرت ذلك آلاف مرات في عدّة سنين فما أخطأ معي ولقد كنت أكثر من تأمْل المارة بين القصرين فإذا هم صفان كل صف يمرَ من صوب شماله كالسيل إذا اندفع وعلَّلَ هذا الذي أفادني أنّ القلب من يسار كل أحد والناس تميل إلى جهة قلوبهم فلذلك صار مشيهم من صوب شمائلهم وكذا صح لي مع طول الأعتيار‏.‏

 

 

ولما حدثت هذه المحن بعد سنة ست وثمانين وثمانمائة تلاشى أمر بين القصرين وذهب ما هناك ما أخوفني أن يكون أمر القاهرة كما قيل‏:‏ هذهِ بلدةٌ قضى الله يا صا - ح عليها كما ترى بالخرابِ فَقِفِ العيسِ وقفةً وابك من ك - نَ بها من شيوخِها والشبابِ واعتبر إن دخلتَ يًا إليها فهي كانت منازلُ الأحبابِ خط الخشيبة هذا الخط يتوصل إليه من وسط سوق باب الزهومة ويُسلك فيه إلى الحارة العدوية حيث فندق الرخام برحبة بيبرس وإلى درب شمس الدولة وقيل له خط الخشيبة من أجل أنْ الخليفة الظافر لما قَتَله نصر بن عباس وبنى على مكانه الذي دفنه فيه المشجد الذي يعرف اليوم بمسجد الخلعيين ويعرف أيضًا بمسجد الخلفاء نصبت هناك خشبة حتى لا يمرّ أحد من هذا الموضع راكبًا فُعرف بخُشيبة تصغير خشبة وما زالت هناك حتى زالت الدولة الفاطمية وقام السلطان صلاح الدين بسلطنة مصر فأزال الخُشيبة وعُرف هذا الخط بها إلى اليوم ويقال له خط حمام خشيبة من أجل الحمام التي هناك‏.‏

 

 

ولمقتل الظافر خبر يحسن ذكره هنا‏.‏

 

 

مقتل الخليفة الظافر وكان من خبر الظافر أ ه لما مات الخليفة الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر في ليلة الخميس لخمسٍ خلون من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة بويع ابنه أبو المنصور إسماعيل ولقب بالظافر محمد بن مصال فلم يرض الأمير المظفر عليّ بن السلار والي الإسكندرية والبحيرة يومئذٍ بوزارة ابن مصال وحشد وسار إلى القاهرة ففرّ ابن مصال واستقرّ ابن السلار في الوزارة وتلقَّب بالعادل فجهز العساكر لمحاربة ابن مصال فحاربته وقتل فقوي واستوحش منه الظافر وخاف منه ابن السلار واحترز منه على نفسه وجعل له رجالًا يمشون في ركابه بالزرد والخود وعددهم ستمائة رجل بالنوبة ونقل جلوس الظافر من القاعة إلى الإيوان في البراح والسعة حتى إذا دخل للخدمة يكون أصحاب الزرد معه ثم تأكدت النفرة بينهما فقبض على صبيان الخاص وقتل أكثرهم وفرّق باقيهم وكانوا خمسمائة رجل وما زال الأمر على ذلك إلى أن قتله ربيبه عباس بن تميم بيد ولده نصر واستقرّ بعده في وزارة الظافر وكان بين ناصر الدين نصر بن عباس الوزير وبين الظافر مودّة أكيدة ومخالطة بحيث كان الظافر يشتغل به عن كل أحد ويخرج من قصره إلى دار نصر بن عباس التي هي اليوم المدرسة السيوفية فخاف عباس من جرأة ابنه وخشي أن يحمله الظافر على قتله فيقتله كما قتل الوزير علي بن السلار زوج جدّته أمّ عباس فنهاه عن ذلك وأحلف في تأنيبه وأفرط في لومه لأنّ الأمراء كانوا مستوحشين من عباس وكارهين منه تقريبه أسامة بن منقد لما علموه من أنه هو الذي حسَّنّ لعباس قتل ابن السلار كما هو مذكور في خبره وهمّوا بقتله تحدّثوا مع الخليفة الظافر في ذلك فبلغ أسامة ما هم عليه وكان غريبًا من الدولة فأخذ يغري الوزير عباس بن تميم بابنه نصر ويبالغ في تقبيح مخالطته للظافر إلى أنْ قال لي مرة‏:‏ ك تصبر على ما يقول الناس في حق ولدك من أنّ الخليفة يفعل به ما يُفعل بالنساء فأثَر ذلك في قلب عباس واتفق أنّ الظافر أنعم بمدينة قليوب على نصر بن عباس فأثَّر ذلك في قلب عباس واتفق أنّ الظافر أنعم بمدينة قليوب على نصر بن عباس فلما حضر إلى أبيه وأعلمه بذلك وأسامة حاضر فقال له‏:‏ يا ناصر الدين ما هي بمهرك غالية يعرّض له بالفحش فأخذ عباس من ذلك ما أخذه وتحدّث مع أسامة لثقته به في كيفية الخلاص من هذا فأشار عليه بقتل الظافر إذا جاء إلى دار نصر على عادته في الليل فأمره بمفاوضة ابنه نصر في ذلك فاغتنمها أسامة ومازال صر يشنع عليه ويحرّضه على قتل الظافر حتى وعده بذلك‏.‏

 

 

فلما كان ليلة الخميس آخر المحرّم من سنة تسع وأربعين وخمسمائة خرج الظافر من قصره متنكرًا ومعه خادمان كما هي عادته ومشى إلى جار نصر بن عباس فإذا به قد أعدّ له قومًا فعندما صار في داخل داره وثبوا عليه وقبّلوه هو وأحد الخادمين وتوارى عنهم الخادم الآخر ولحق بعد ذلك بالقصر‏.‏

 

 

ثم دفنوا الظافر والخادم تحت الأرض في الموضع الذي فيه الآن المسجد كان سنَّهُ يوم قتل إحدى وعشرين سنة وتسعة أشهر ونصف منها في الخلافة بعد أبيه أربع سنين وثمانية أشهر تنقص خمسة أيام وكان محكومًا عليه في خلافته‏.‏

 

 

وفي أيامه ملك الفرنج مدينة عسقلان وظهر الوهن في الدولة وكان كثير اللهو واللعب وهو الذي أنشأ الجامع المعروف بجامع الفاكهيين‏.‏

 

 

وبلغ أهل القصر ما عمله نصر بن عباس من قتل الظافر فكاتبوا طلائع بن رزبك وكان على الأشمونين وبعثوا إليه بشعور النساء يستصرخون به على عباس وابنه فقدم بالجموع وفرّ عباس وأسامة ونصر ودخل طلائع وعليه ثياب سود وأعلامه وبنوده كلها سود وشعور النساء التي أرسلت إليه من القصر على الرماح فكان فألًا عجيبًا فإنه بعد خمس عشرة سنة دخلت أعلام بني العباس السود من بغداد إلى القاهرة لما مات العاضد واستبد صلاح الدين بملك ديار مصر وكان أوّل ما بدأ به طلائع أن مضى ماشيًا إلى دار نصر وأخرج الظافر والخادم وغسلهما وكفنهما وحمل الظافر في تابوت مغشّى ومشى طلائع حافيًا والناس كلهم حتى وصلوا إلى القصر فصلّى عليه ابنه الخليفة الفائز ودفن في تربة القصر‏.‏

 

 

 

 

      

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 خط سقيفة العدّاس

 

 

 

هذا الخط قيّمًا بين درب شمس الدولة والبندقانيين كان يقال له أولًا سقيفة العدّاس ثم عرف بالصاغة القديمة ثم عُرف بالأساكفة ثم هو الآن يعرف بالحريين الشرايين وبسوق الزجّاجين وفيه يباع الزجاج‏.‏

 

 

وهو خط عامر وهذا العدّاس هو‏:‏ علي بن عمر بن العدّاس أبو الحسن‏

 

 

ضمن في أيام المعز لدين الله كورة بوصير فخلع عليه جمله وسار خليفته بالبنود والطبول في جمادى الأولى سنة أربع وستين وثلثمائة‏.‏

 

 

فلما كان في أوّل خلافة العزيز بالله بن المعز لدين الله ولاّه الوساطة وهي رتبة الوزارة بعد موت الوزير يعقوب بن كلس ولم يلقبه بالوزير فجلس في القصر لتسع عشر خلت من ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وثلثمائة وأمر ونهى ونظر في الأموال ورتّب العمال وأمر أن لا يطلق شيء إلا بتوقيعه ولا ينفذ إلاّ ما أمر به وقرّره وأمره العزيز بالله أن لا يرتفق أي برتشي ولا يرتزق يعني أنّه لا يقبل هدية ولا يضيع دينارًا ولا درهمًا فأقام سنة وصُرِف في أوّل المحرّم من سنة ثلاث وثمانين فقرّر في ديوان الإستيفاء إلى أن كان جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة حسن لأبي طاهر محمود النحوي الكاتب وكان منقطعًا إليه أن يلقى الحاكم بأمر الله ويبلغه ما تشكوه الناس من تظافر النصارى وغلبتهم على المملكة وتوازرهم وأنّ فهد بن إبراهيم هو الذي يقوْي نفوسهم ويفوّض أمر الأموال والدواوين إليهم وأنه آفة على المسلمين وعدّة للنصارى فوقف أبو الطاهر للحاكم ليلًا في وقت طوافه في الليل وبلّغه ذلك‏.‏

 

 

ثم قال‏:‏ يا مولانا إن كنت تؤثر جمع الأموال وإعزاز الإسلام فأرني رأس فهد بن إبراهيم في طشت وإلاّ لم يتم من هذا شيء‏

 

 

فقال له الحاكم‏:‏ ويحك ومن يقوم بهذا الأمر الذي تذكره ويضمنه‏

 

 

فقال‏:‏ عبدك عليّ بن عمر بن العدّاس‏

 

 

فقال‏:‏ ويحك أو يفعل هذا قال‏:‏ نعم يا أمير المؤمني

 

 

قال‏:‏ قل له يلقاني ههنا في غد‏

 

 

ومضى الحاكم فجاء أبو طاهر إلى ابن العدّاس وأعلمه بما جرى‏.‏

 

 

فقال‏:‏ ويحك فتلتني وقتلت نفسك‏

 

 

فقال‏:‏ معاذ الله افنصبر لهذا الكلب الكافر على ما يفعل بالإسلام والمسلمين ويتحكم فيهم من اللعب بالأموال والله إن لم تسع في قتله ليسعين في قتلك فلما كان في الليلة القابلة وقف عليّ بن عمر العدّاس للحاكم ووافقه على ما يحتاج إليه فوعدوه بانجاز ما اتفقا عليه مر بالكتمان وانصرف الحاكم‏.‏

 

 

فلما أصبح ركب العداس إلى جار قائد القوّاد حسن بن جوهر القائد فلقي عنده فهد بن إبراهيم فقال له فهد‏:‏ يا هذا كم تؤذيني وتقدح فيّ عند سلطاني‏

 

 

فقال العداس‏:‏ والله ما يقدح ولا يؤذيني عند سلطاني ويسعى عليّ غيرك‏

 

 

فقال فهد‏:‏ سلط الله على من يؤذي صاحبه فينا ويسعى به سيف هذا الإمام الحاكم بأمر الله‏

 

 

فقال العدّاس‏:‏ آمين وعجِّل ذلك ولا تمهله‏

 

 

فقتل فهد في ثامن جمادى الآخرة وضربت عنقه وكان له منذ نظر في الرياسة خمس سنين وتسعة أشهر واثني عشر يومًا وقتل العداس بعده بتسعة وعشرين يومً واستجيب دعاء كل منهما في الآخرة وذهبا جميعًا ولا يظلم ربك أحدًا‏.‏

 

 

وذلك أن الحاكم خلع على العداس في رابع عشره وجعله مكان فهد وخلع على ابنه محمد بن عليّ فهناه الناس واستمرّ إلى خامس عشري رجب منها فضربت رقبة أبي طاهر محمود بن النحوي وكان ينظر في أعمال الشام لكثرة ما رفع عليه من التجبر والعسف ثم قتل العدّاس في سادس شعبان سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة وأحرق بالنار‏.‏

 

 

خط البندقانيين هذا الخط كان قديمًا إصطبل الجميزة أحد إصطبلات الخلفاء الفاطميين فلما زالت الدولة اختط وصارت فيه مساكن وسوق من جملته عدّة دكاكين لعمل قسيّ البندق فعرف الخط بالندقانيين لذلك ثم أنه احترق يوم الجمعة للنصف من صفر سنة إحدى وعمسين وسبعمائة والناس في صلاة الجمعة فما قضى الناس الصلاة إلاّ وقد عظم أمره فركب إليه وإلى القاهرة والنيران قد ارتفع لهبها واجتمع الناس فلم يعرف مناين كان ابتداء الحريق واتفق هبوب رياح عاصفة فحملت شرر النار إلى آمد بعيد ووصلت أشعتها إلى أن رؤيت من القلعة فركب الوزير منجك بمماليك الأمراء وجمعت السقاؤون لطفي النار فعجزوا عن اطفائها واشتدّ الأمر فركب الأمير شيخو والأمير طاز والأمير مغلطاي أميرأخور وترجلوا عن خيولهم ومنعوا النهابة من التعرّض إلى نهب البيوت التي احترقت وعمّ الحريق دكاكين البندقانيين ودكاكين الرسامين وحوانيت الفقاعين والفندق المجاور لها والربع علوّه وعملت إلى الجانب الذي يلي بيت بيبرس ركن الدين الملقب بالملك المظفر والربع المجاور لعالي زقاق الكنيسة فما زال الأمير شيخو واقفًا بنفسه ومماليكه ومعه الأمراء إلى أن هدم ما هنالك والنار تأكل ما تمرّ به إلى أن وصلت إلى بئر الدلاء التي كانت تعرف قديمًا ببئر زويلة ومنها كان يستقى لأصطبل الجميزة فأحرقت ما جاور البئر من الأماكن إلى حوانيت الفكاه والطباخ وما يجاورهما من الحوانيت‏.‏

 

 

والربع المجاور لدار الجوكندار وكادت أن تصل إلى دار القاضي علاء الدين عليّ بن فضل الله كاتب السرّ المجاورة لحمام الشيخ نجم الدين ابن عبود ولم يبق أحد في ذلك الخط حتى حوّل متاعه خوفًا من الحريق فكان أهل البيت بينما هم في نقل ثيابهم وإذا بالنار قد أحاطت بهم فيتركون ما في الدار وينجون بأنفسهم والأمر يعظم والهدم واقع في الدور المجاورة لأماكن الحريق خشية من تعلق النار بها فسرى إلى جميع البلد إلى أن أتى الهدم على سائر ما كان هنالك فأقام الأمر كذلك يومين وليلتين والأمراء وقوف فلما طفئه ثلاثة أيام أُخر وكان المصاب بهذا الحريق عظيمًا تلف فيه للناس من المال والثايب والمصاغ وغيره بالحريق والنهب ما لا يعلم قدره إلا الله هذا مع ما كان فيه الأمراء من منع النهَّابة وكفهم عن أموال الناس إلا أنّ الأمر كان قد تجاوز الحدّ وعطب بالنار جماعة كثيرة ووصل حريق النار إلى قيسارية طشتمر وربع بكتمر الساقي فلما كفى الله أمر هذا الحريق وأعان على طفئه بعد أن هدمت عدّة أماكن جليلة ما بين رباع وحوانيت وقع الحريق في أماكن من داخل القاهرة وخارج باب زويلة ووجد في بعض المواضع التي بها الحريق كعكات بزيت وقطران وقد ذكر في خبر السيرة الناصرية فنودي في الناس أن يحترسوا على مساكنهم فلم يبق أحد من الناس أعلاهم وأدناهم حتى أعدّ في داره أوعية ملآنة بالماء ما بين أ واض وأزيار وصاروا يتناوبون السهر في الليل ومع ذلك فلا يدري أهل البيت إلاّ والنار قد وقعت في بيتهم فيتداركون طفئها لئلا تشتعل ويصعب أمرها‏.‏

 

 

وترك جماعة من الناس الطبخ في الدور وتمادى ذلك في الناس من نصف صفر إلى عاشر ربيع الأوّل فأحضر الأمير سيف الدين تشتمرشاد الدواوين نشابة في وسطها نقط قد وجدها في سطح داره فأراها للأمراء وهي محروقة النصر فصدر أمر الوزير منجك للأمير علاْ الدين عليّ بن الكوراني والي القاهرة بالقبض على الحرافيش وتقييدهم وسجنهم خوفًا من غائلتهم ونهبهم الناس عند وقوع الحريق فتتبعهم وقبض عليهم في الليل من بيوتهم ومن الحوانيت حتى خلت السكك منهم‏.‏

 

 

ثم إن الأمراء كلموا الوزير في أمرهم فأمر بإطلاقهم ونودي في البلد أن لا يقيم فيها غريب وطلبواالخفراء وولاة المراكز وأمروا بالاحتفاظ وتتبع الناس وأخذ منن تتوهم فيه ريبة أو يذكر بشيء من أمر هذا والحريق أمره في تزايد وصاروا إلى القاهرة من ذلك في تعب كبير لا ينام هو ولا أعوانه في الليل ألبتة لكثرة الضجات في الليل ووقع حريق في شونة حلفاء بمصر مجاورة لمطابخ السكر السلطانية فركب القاضي علم الدين بن زنبور ناظر الخاص في جماعة وخرج عامّة أهل مصر وتكاثروا على الشونة حتى طفئت ووقع الحريق في عدّة أماكن بمصر واستمرّ كثر خط البندقانيين خرابًا إلىأن عمر الأمير يونس النوروزيّ دوادار الملك الظاهر برقوق الربع فوق بئر الدلاء التي كانت تعرف ببئر زويلة وأنشأ بجوار درب الأندب الحوانيت والرباع والقياسرية في سنة تسع وثمانين وسبعمائة‏.‏

 

 

ثم أنشأ الأمير شهاب الدين أحمد الحاجب ابن أخت الأمير جمال الدين يوسف الاستادار داره بجوار حمام ابن عبود فاتصل ظهرها بدكاكين البندقانيين فصار فيها ما كان من خراب الحريق هناك حيث الحوض الذي أنشأه تجاه دار بيبرس‏.‏

 

 

ولقد أدركنا في خط البندقانيين عدّة كثيرة من الحوانيت التي يباع فيها الفقاع تبلغ نحو العشرين حانوتًا وكانت من أنزه ما يرى فإنها كانت كلها مرخمة بأنواع الرخام الملوّن وبها مصانع من ماء تجري إلى فوّارات تقذف بالماء على ذلك الرخام حيث كيزان الفقاع مرصوصة فيستحسن منظرها إلى الغاية لأنها من الجانبين والناس يمرّون بينهما وكان بهذا الخط عدّة حوانيت لعمل قسيّ البندق وعدّة حوانيت لرسم إشكال ما يطرّز بالذهب والحرير وقد بقيت من هذه الحوانيت بقايا يسيرة وهو من اخطاط القاهرة الجسيمة‏.‏

 

 

خط دار الديباج هذا الخط هو فيما بين خط البندقانيين والوزيرية وكان أوّلًا يعرف بخط دار الديباج لأن دار الوزير يعقوب بن كلس التي من جملتها اليوم المدرسة الصاحبية ودرب الحريري والمدرسة السيفية عملت دارًا ينسج فيها الديباج والحرير برسم الخلفاء الفاطميين وصارت تعرف بدار الديباج فنسب إليها الخط إلى ان سكن هناك الوزير صفيّ الدين عبد الله بن عليّ بن شكر في أيام العادل أبي بكر بن أيوب فصار يعرف بخط سويقة الصاحب وهو خط جسيم به مساكن جليلة وسوق ومدرسة‏.‏

 

 

خط المحليين هذا الخط فيما بين الوزيرية والبندقانيين من وراء دار الديباج وتسميه العامة خط طواحين الملوحيين بواو بعد اللم وقبل الحاء المهملة وهو تحريف وإنما هو خط الملوحيين عرف بطائفة من طوائف العسكر في أيام الخليفة المستنصر بالله يقال لها الملحية وهم الذي قاموا بالفتنة في أيام المستنصر إلى أن كان من الغلاء ما أوجب خراب البلاد ونهب خزائن الخليفة المستنصر فلما قدم أمير الجيوش بدر الجمالي إلى القاهرة وتقلد وزارة المستنصر وتردد لإصلاح إقليم مصر وتتبع المفسدين وقتلهم وسار في سنة سبع وستين وأربعمائة إلى الوجه البحريّ وقتل لواته وقتل مقدّمهم سليمان اللواتي وولده واستصفى أموالهم ثم توجه إلى دمياط وقتل فيها عدّة من المفسدين فلما أصلح جميع البرج الشرقيّ عدّى إلى البرّ الغربيّ وقتل جماعة من الملحية وأتباعهم بثغر الإسكندرية بعدما أقام أيامًا محاصر البلد وهم يمتنعون عليه وقاتلونه إلى أن أخذها عنوة فقتل منهم عدّة كثيرة وكان بهذا الخط عدّة من الطواحين فسمي بخط طواحين الملحيين وبه إلى الآن يسير من الطواحين‏.‏

 

 

خط المسطاح هذا الخط فيما بين خط الملحيين وخط سويقة الصاحب وفيه اليوم سوق الرقيق الذي يعرف بسوق الحوار والمدرسة الحسامية وما دار به ويعرف بالمسطاح وبخارج باب القنطرة قريب من باب الشعرية أيضًا خط يعرف بالمسطاح‏.‏

 

 

خط قصر أمير سلاح هذا الخط تجاه حمام البيسري بين القصرين يسلك فيه إلى مدرسة الطواشي سابق الدين المعروفة بالسابقية وكان يخرج منه إلى رحبة باب العيد من باب القصر إلى أن هدمه الأمير مال الدين يوسف الاستادار وبنى في مكانه القيسارية المستجدّة بجوار مدرسته من رحبة باب العيد فصار هذا الخط غير نافذ وكان شارعًا مسلوكًا يمرّ فيه الناس والدواب والأحمال فركب عليه جمال الدين المذكور دروبًا لحفظ أمواله وكان هذا الخط من أخص أماكن القصر الكبير الشرقي فلما زالت الدولة الفاطمية وتفرّق أمراء صلاح الين يوسف القصر عرف هذا المكان بقصر شيخ الشيوخ بن حموية الوزير لسكنه فيه ثم عرف بعد ذلك بقصر أمير سلاح وبصر سابق الدين وهو إلى الآن يعرف بذلك وسبب شهرته بأمير سلاح أنه اتخذ به عمائر جليلة هي بيد ورثته إلى الآن وأمير سلاح هذا هو بكتاش الفخريّ الأمير بدر الدين أمير سلاح الصالحي النجمي كان أوّلًا مملوكًا لفخر الدين ابن الشيخ فصار إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب وتقدّم عنده من جملة ما قدّمه من المماليك البحرية الذين ملكوا الديار المصرية من بعد انقضاء الدولة الأيوبية وتأمّر في أيام الملك الصالح وتقدّم في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ واستمر أميرًا ما ينيف على الستين سنة لم يُنكب فيها قط وعظم في أيام الملك المنصور قلاون الألفيّ بحيث أنّ الأمير حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة بديار مصر في أيام قلاون تجارة مرّة مع السلطان في حديث الأمراء فقال له المنصور‏:‏ أما اليوم فما بقي في امراء خير أمير سلاح إذا قلت فارس خيل شجاع ما يردّ وجهه من عدوّه وإذا حلف ما يخون وإذا قال صَدَق‏.‏

 

 

فقال طرنطاي والله يا خوند له إقطاع عظيم ما كان يصلح إلاّ لي‏.‏

 

 

فأحمرّ وجه السلطان وغضب وقال له‏:‏ ويلك إيّاك أن تتلكم بهذا والله مكانٌ يصل فيه سيف أمير صح ما يصلنشابك ولا نشاب غيرك وكان كريمًا شجاعًا يسافر كل سنة مجردًّا بالعسكر فيصل إلى حلب للغارة ومحاصرة قلاع العدوّ فاشتهر بذلك في بلاد العدو وعظم صيته واشتدّت مهاب وكانت له رغبة في شراء المماليك والخيول بأغلى القيم وكان يبعث للأمراء المجرّدين منه النفقة ويقوم لهم بالشعير والأغنام وبلغت مماليكه الغاية في الحشمة وكان إقطاع كل منهم في السنة عشرين ألف درهم فضة عنها يومئذ ألف مثقال من الذهب ولكل من جنده خبز مبلغه في السنة عشرة آلاف درهم سوء كلفهم من الشعير واللحم ومع ذلك فكان خيرًا ديِّنًا له صدقات ومعروف وإحسان كثير وما بعدما ترك أمرته في مرضه الذي مات فيه للنصف من ربيع الآخر سنة ست وسبعمائة رحمه الله‏.‏

 

 

وبهذا الخط عدّة دور جليلة يأتي ذكرها عند ذكر الدور من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

أولاد شيخ الشيوخ‏:‏ جماعة أصلهم الذي ينتسبون إليه حَمَوية بن عليّ يقال أنه من ولد رزم بن يونان أحد قوّاد كسرى أنو شروان وولي قيادة جيش نصر بن نوح بن سامان ودبر دولته وهو جدّ شيخ الإسلام محمد وأخيه أبي سعد بني حَمَوية بن محمد بن حَمَوية وكان محمد وأبو سعدن ملوك خراسان فتركا الدنيا وأقبلا على طريق الآخرة ومات ركب الإسلام أبو سعد بنجران من قرى جوين في سنة سبع وعشرين وخمسمائة ومات أخوه شيخ الإسلام محمد بها في سنة ثلاثين وخمسمائة وترك أبو سعد زيد الدين أحمد وبنات وترك شيخ الإسلام محمد ولدًا واحدًا وهو أبو الحسن عليّ فتزوّد عليّ بن محمد بابنة عمه أبي سعد ورزق منها سعد الدين ومعين الدين حسنًا وعماد الدين عمر وترك زين الدين أحمد بن أبي سعد ركن الدين أبا سعد وعزيز الدين وزير الدين القاسم فقدّم عليه ابنه شيخ الشيوخ صدر الدين عليّ فلما مات عمر في رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة بدمشق أقرّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ولده صدر الدين محمدًا موضعه وصار شيخ الشيوخ بدمشق فتزوّد بابنة القاضي شهاب الدين ابن أبي عصرون ورزق منها عشرة بنين منهم عماد الدين عمر وفخر الدين يوسف وكمال الدين أحمد ومعين الدين حسن فأرضت أمّهم بنت أبي عصرون السلطان الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكب بن أيوب فصار أخًا لأولاد صدر الدين شيخ الشيوخ من الرضاعة وقدم صدر إلى القاهرة وولي تدريس الشافعيّ بالقرافة ومشيخة الخانقاه الصلاحية سعيد السعدا ثم سافر فمات بالموصل في رابع عشر جمادى الأولى سنة سبع عشر وستمائة واستبدّ الملك الكامل بمملكة مصر بعد أبيه فرقّى أولاد صدر الدين شيخ الشيوخ محمد بن جويه الأربعة وبعث عماد الدين عمر في الرسالة إلى الخليفة ببغداد وجمع له بين رياسة العلم والقلم في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ولم يجتمع ذلك لأحد في زمانه وما زال على ذلك إلى أن مات الملك الكامل وقام من بعده في سلطنة مصر ابنه الملك العادل أبو بكر بن الكامل فخرج إلى دمشق ليحضر إليه الجواد مظفر الدين يونس بن مردود بن العادل أبي بكر بن أيوب نائب السلطنة بدمشق فدسّ عليه من قتله على باب الجامع في سادس عشري جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وستمائة‏.‏

 

 

وأما فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ صدر الدين فإن الملك الكامل جعله أحد الأمراء والبسه الشربوش والقباء ونادمه وبعثه في الرسالة عنه إلى ملك الفرنج ثم إلى أخيه المعظم بدمشق ثم إلى الخليفة ببغداد وأقامه يتحدّث بمصر في تدبير المملكة وتحصيل الأموال ثم بعثه حتى تسلم حران والرها وجهزه إلى مكة على عسكر فقاتل صاحبها الأمير راجح الدين بن قتادة وأخذها بالسيف وقتل عسكر اليمن وما زال مكرّمًا محترمًا حتى مات الملك الكامل فقبض عليه العادل ابن الكامل واعتقله فلما خلع العادل بأخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب أطلقه وأمّره وبالغ في الإحسان إليه وبعثه على العساكر إلى الكرك فأوقع بالخوارزمية وبدّد شملهم وكانوا قد قدموا من المشرق إلى غزة وأقام الدعوة للصالح في بلاد الشام وعاد ثم قدّمه على العساكر فأخذ طبرية من الفرنج وهدمها وأخذ عسقلان من الفرنج وهدم حصونها ونازل حمص حتى أشرف على أخذها ثم تقدّم على العساكر بقتال الفرنج بدمياط فمات السلطان عند المنصورة وقام بتدبير الدولة بعده خمسة وسبعين يومًا إلى أن استشهد في رابع ذي القعدة سنة سبع وأربعين وستمائة فحمل من المنصورة إلى القرافة فدفن بها‏.‏

 

 

وأما كمال الدين أحمد فإن لملك الكامل استنابه بحران والجزيرة وولي تدريس المدرسة الناصرية بجوار الجامع العتيق بمصر وتدريس الشافعيّ بالقرافة ومشيخة الشيوخ بديار مصر وقدّمه الملك الصالح نجم الدين أيوب على العساكر غير مرّة ومات بغزة في صفر سنة تسع وثلاثين وستمائة‏.‏

 

وأما معين الدين حسن فنه وليَّ مشيخة الشيوخ بديار مصر وبعثه الملك الكامل في الرسالة عنه إلى بغداد ثم أقامه نائب الوزارة إلى أن مات فاستوزره الملك الصالح نجم الدين أيوب في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة وجهّره على العساكر في هيئة الملوك إلى دمشق فقاتل الصالح إسماعيل ابن العادل حتى ملكها ومات بها في ثاني عشري رمضان سنة ثلاث وأربعين وستمائة وقد ذكرت أولاد شيخ الشيوخ في كتاب تاريخ مصر الكبير واسقصيت فيه أخبارهم والله تعالى أعلم‏.‏

 

 

خط قصر بشتاك هذا الخط من جملة القصر الكبير ويتوصل إليه من تجاه المدرسة الكاملية حيث كان باب القصر المعروف بباب البحر وهدمه الملك الظاهر بيبرس كما تقدّم في ذكر أبواب القصر وصار اليوم في داخل هذا الباب حارة كبيرة فيها عدّة دور جليلة منها قصر الأمير بشتاك وبه عرف هذا الخط‏.‏

 

 

وبشتاك هذا‏:‏ هو الأمير سيف الدين بشتاك الناصري قرّبه الملك الناصر محمد بن قلاون وأعلن محله وكانيسميه بعد موت الأمير بكتمر الساقي بالأمير في غيبته وكان زائد التيه لا يكلم استاداره وكاتبه الأبتر جان ويعرف بالعربيّ ولا يتكلم به وكان إقطاعه ست عشرة طبلخانة بر من إقطاع قرصون ولما مات بكتمر الساقي ورثه في جميع أ واله واصطبله الذي على بركة الفيل وفي امرأته أمّ أحمد واشترى جاريته خوبي بستة آلاف دينار ودخل معها ما قيمته عشرة آلاف دينار وأخذ ابن بكتمر عنده وزاد أمره وعظم محله فثقل على السلطان وأراد الفتك به فما تمكن وتوجه إلى الحجاز وأنفق في الأمراء وأهل الركب والفقراء والمجاورين بمكة والمدينة شيًا كثيرًا إلى الغاية وأعطى من الألف دينار إلى المائة دينار إلى الدينار بحسب مراتب الناس وطبقاتهم فلما عاد من الحجاز لم يشعر به السلطان إلاّ وقد حضر في نفر قليل من مماليكه وقال‏:‏ إن أردت إمساكي فها أنا قد جئت إليك برقبتي فغالطه السلطان وطيب خاطره وكان يرمى بأوابد ودواهي من أمر الزنا وجرّده السلطان لإسماك تنكر نائب الشام فحضر إلى دمشق بعد إمساكه هو وعشرة من الأمراء فنزلوا القصر الأبلق وحلف الأمراء كلهم للسلطان ولذريته واستخ ودائع تنكر وعرض حواصله ومماليكه وجواريه وخيله وسائر ما يتعلق به ووسط طغاي وحفاي مملوكي تنكر في سوق الخيل ووسط دران أيضًا بحضوره يوم الموكب وأقام بدمشق خمسة عشر يومًا وعاد إلى القلعة وبقي في نفسه من دمشق وما تجاسر يفاتح السلطان في ذلك فلما مرض السلطان وأشرف على الموت ألبس الأمير قوصون مماليكه فدخل بشتاك فعرف السلطان ذلك فجمع بينهما وتصالحها قدّامه ونصر السلطان على أن الملك بعده لولده أبن بكر فلم يوافق بشتاك وقال‏:‏ لا أريد إلاَّ سيدي أحمد فلما مات السلطان قام قوصون إلى الشباك وطلب بشتاك وقال له‏:‏ يا أملمؤمنين أناما يجيء مني سلطان لأني كنت أبيع الطسما والبرغالي والكشاتوين وأنت اشتريت مني وأهل البلاد يعرفون ذلك وأنت ما يجيء منك سلطان لأنك كنت تبيع البوز وأنا اشتريت منك وأهل البلاد يعرفون ذلك وهذا أستاذنا هو الذي وصى لمن هو أخبر به من أولاده وما يسعنا إلا امتثال أمره حيًا وميتًا وأنا ما أخالفك إن أردت أحمد أو غيره ولو أردت أن تعمل كل يوم سلطانًا ما خالفتك‏.‏

 

 

فقال بشتاك‏:‏ هذا كله صحيح والأمر أمرك وأحضر المصحف وحلفا عليه وتعانقا ثم قاما إلى رجلي السلطان فقبلاهما ووضعا أبا بكر ابن السلطان على الكرسيّ وقبَّلا له الأرض وحلفا له وتلقب بالملك المنصور ثم إن بشتاكًا طلب من السلطان الملك المصور نيابة دمشق فأمر له بذ.‏  

 

وكتب تقليده وبرز إلى ظاهر القاهرة وأقام يومين ثم طلع في اليوم الثالث إلى السلطان ليودّعه فوثب عليه الأمير فطلوبغا الفخريّ وأمسك سيفه وتكاثروا عليه فأمسكوه وجهزوه إلى الإسكندرية فاعتقل بها ثم قتل في الخامس من ربيع الأول سنة اثنين وأربعين وسبعمائة لأوّل سلطنة الملك الأشرف كجك وكان شابًا أبيض اللون طريفًا مديد القامة نحيفًا خفيف اللحية كأنها عذار على حركاته رشاقة حسن العمة يتعمم الناس على مثالها وكان يشبّه بأبي سعيد ملك العراق إلاّ أنه كان غير عفيف الفرج زائد الهرج والمرج لم يعف عن مليحة ولا قبية ولم يدع أحدًا يفوته حتى يمسك نساء الفلاحين وزوجات الملاحين‏.‏

 

 

وأشتهر بذلك ورمي فيه بأوابد وكان زائد البذخ منهمكًا على ما يقتضيه عنفوان الشبيبة كثيرا الصلف والتيه ولا يظهر الرأفة ولا الرحلة في تأنيه ولما توجه بأولاد السلطان ليفرّهم في دمياط كان يذبح لسماطه في كل يوم خمسين رأسًا من الغنم وفرسًا لا بد منه خارجًا عن الأز والدجاج وكان راتبه دائمًا كل يوم من الفحم برسم المشوي مبلغ عشرين درهمًا عنها مثقال ذهب وذلك سوى الطوارىء وأطلق له السلطان كل يوم بقجة قماش من اللفافة إلى الخف إلى القميص واللباس والملوطة والغلطاق والقباء الفوقاني بوجه اسكندراني على سنجاب طريق مطرّز مزركش رقيق وكلوته وشاش ولم يزل يأخذ ذلك كل يوم إلى أن مات السلطان وأطلق له في يوم واحد عن ثمن قرية تبنى بساحل الرملة مبلغ ألف درهم فضة عنها يومئذ خمسون ألف مثقال من الذهب وهو أوّل من أمسك بعد موت الملك الناصر‏.‏

 

 

وقال الأديب المؤرخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي ومن كتابه نقلت ترجمة بشتاك‏:‏ قالَ الزمانُ وما سمعنا قولهُ والناسُ فيه رهائنُ الأشراكِ من ينصرِ المنصورَ من كيدي وقد صاد الردى بشتاك لي بشراك خط باب الزهومة هذا الخط عرف بباب الزهومة أحد أبواب القصر الكبيالشرقي الذي تقدّم ذكره فإنه كان هناك وقد صار الآن في هذا الخط سوق وفندق وعدّة آدر يأتي ذكر ذلك كله في موضعه إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

خط الزراكشة العتيق هذا الخط فيما بين خط باب الزهومة وخط السبع خوخ وبعضه من دار العلم الجديدة وبعضه من جملة القصر النافعي وبعضه من تربة الزعفران وفيه اليوم فندق المهمندار الذي يدق فيه الذهب وخان الخليلي وخان منجك ودار خواجا ودرب الحبش وغير ذلك كما ستقف عليه إن شاء الله‏.‏

 

 

خط السبع خوخ العتيق هذا الخط فيما بين خط اصطبل الطارمة وخط الزراكشة العتيق كان فيه قديمًا أيام الخلفاء الفاطميين سبع خوخ يتوصل منها إلى الجامع الأزهر فلما انقضت أيامهم اختط مساكن وسوقًا يباع فيه الإبر التي يخاط بها وغير ذلك فعرف بالأبارين‏.‏

 

 

خط اصطبل الطارمة هذا الخط كان اصطبلًا لخاص الخليفة يشرف عليه قصر الشوك والقصر النافعي وقد تقدّم الكلام عليه وكانت فيه طارمة يجلس الخليفة تحتها فعرف بذلك ثم هو الآن حارة كبيرة فيها عدّة من المساكن وبه سوق وحمّام ومساجد وهذا الخط فيما بين رحبة قصر الشوك ورحبة الجامع الأزهر كما ستقف عليه ن شاء الله تعالى في ذكر الرحاب‏.‏

 

 

خط الأكفانيين هذا الخط كان يعرف بخط الخرقيين جمع خرقة‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 خط المناخ

 

 

 

هذا الخط فيما بين البرقية والعطوفية كان مواضع طواحين القصر وقد تقدّم ذكره ثم اختط بعد ذلك وصار حارة كبيرة وهو الآن متداع للخراب‏.‏

 

 

خط سويقة أمير الجيوش كان حارة الفرحية وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في الأسواق وهذا الخط فيما بين حارة برجوان وخط خان الوراقة‏.‏

 

 

خط دكة الحسبة هذا الخط يعرف اليوم بمكسر الحطب وفيه سوق الأبازرة وهو فيما بين البندقانيين والمحمودية وفيه عدّة أسواق ودور‏.

 

 

خط الفهادين هذا الخط فيما بين الجوانية والمناخ‏.‏

 

 

خط خزانة البنود هذا الخط فيما بين رحبة باب العيد ورحبة المشهد الحسيني وكان موضعه خزانة تعرف بخزانة البنود وكان أوّلًا يعمل فيها السلاح ثم صارت سجنًا لأمراء الدولة وأعيانها ثم أسكن فيها الفرنج إلى أن هدمها الأمير الحاج آل ملك وحكر مكانها فبنى فيه الطاحون والمساكن كما تقدّم‏.‏

 

 

خط السفينة هذا الخط فيما بين درب السلاحي من رحبة باب العيد وبين خزانة البنود كان يقف فيه المتظلمون للخليفة كما تقدّم ذكره ثم اختط فصار فيه مساكن وهو خط صغير‏.‏

 

 

خط خان السبيل هذا الخط خارج باب الفتوح وهو من جملة أخطاط الحسينية قال ابن عبد الظاهر‏:‏ خان السبيل بناه الأمير بهاء الدين قراقوش وأرصده لابنا السبيل والمسافرين بغير أجرة وبه بئر ساقية وحوض انتهى‏

 

 

وأدركنا هذا الخط في غاية العمارة يعمل فيه عرصة تباع بها الغلال وكان فيه سوق يباع فيه الخشب ويجتمع الناس هناك بكرة كل يوم جمعة فيباع فيه من الأوز والدجاج ما لا يقدر قدره وكانت فيه أيضًا عدة مساكن ما بين دور وحوانيت وغيره وقد اختل هذا الخط‏.‏

 

 

هذا الخط أيضًا خارج باب الفتوح مما يلي الخليج وزقاق الكحل كان من جملة حارة البيازرة فانشأه زمام القصر المختار الصقلبي بستانًا وبني فيه منظرة عظيمة فلما زالت الدولة الفاطمية استولى عليه الأمير جمال الدين سويخ بن صيرم أحد أمراء الملك الكامل فعرف به ثم اختط وصار من أجل الأخطاط عمارة تسكنه الأمراء والأعيان من الجند ثم هو الآن آيل إلى الدثور‏.‏

 

 

خط قصر ابن عمار هذا الخط من جملة حارة كتامة وهو اليوم درب يعرف بالقماحين وفيه حمام كرائي ودار خوند شقرا يُسلك إليه من خط مدرسة الوزير كريم الدين بن غنام ويُسلك منه إلى درب المنصوري وابن عمار هذا هو أبو محمد الحسن بن عمار بن عليّ بن أبي الحسن الكلبي من بني أبي الحسب أحد أمراء صقيلة وأحد شيوخ كتامة وصاه العزيز باللهنزار بن المعز لدين الله لما احتضر هو والقاضي محمد بن النعمان على ولده أبي علي منصور فلما مات العزيز بالله واستخلف من بعده ابنه الحاكم بأمر الله اشترط الكتاميون وهم يومئذ أهل الدولة أن لا ينظر في أمورهم غير أبي محمد بن عمار بعدما تجمعوا وخرج منهم طائفة نحو المصلى وسألوا صرف عيسى بن مشطروس وأن تكون الوساطة لابن عمار فندب لذلك وخلع عليه في ثالث شوّال سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وقلد بسيف من سيوف العزيز بالله وحُمل على فرس بسرج ذهب ولقّب بأمين الدولة وهو أوّل من لقب في الدولة الفاطمية من رجال الدولة وقيّد بين يديه بحدّة دواب وحُمل معه خمسون ثوبًا من سائر البز الرفيع وانصرف إلى داره في موكب عظيم وقُرىء سجله فتولى قراءته القاضي محمد بن النعمان بجلوسه للوساطة وتلقيبه بأمين الدولة والزم سائر الناس بالترجُّل إليه فترجَّل الناس بأسرهم له من أهل الدولة وصار يدخل القصر راكبًا ويشق الدواوين ويدخل من الباب الذي يجلس فيه خدم الخليفة الخاصة ثم يعدل إلى باب الحجرة التي فيها أميرالمؤمنين الحاكم فينزل على بابها ويركب من هناك وكان الناس من الشيوخ والرؤساء على طبقاتهم يبكرون إلى داره فجيلسون في الدهاليز بغير ترتيب والباب مغلق ثم يفتح فيدخل إليه جماعة من الوجوه ويجلسون في قاعة الدار على حصير وهو جالس في مجلسه ولا يدخل له أحد ساعة ثم يأذن لوجوه من حضر كالقاضي ووجوه شيوخ كتامة والقوّاد فتدخل أعيانهم ثم يأذن لسائر الناس فيزدحمون عليه بحيث لا يقدر أحد أن يصل إليه فمنهم من يومي بتقبيل الأرض ولا يردّ السلام على أحد ثم يخرج فلا يقدر أحد على تقبيل يده سوى أناس بأعيانهم إلا أنهم يومئون إلى تقبيل الأرض وشرف أكابر الناس بتقبيل ركابه وأجلّ الناس من يقبل ركبته وقرّب كتامة وأنفق فيهم الأموال وأعطاهم الخيول وباع من كان بالاصطلات من الخيل والبغال والنجب وغيرها وكانت شيًا كثيرًا وقطع أكثر الرسوم التي كانت تطلق لأولياء الدولة من الأتراك وقطع أكثر ما كان في المطابخ وقطع أرزاق جماعة وفرّق كثيرًا من جواري القصر وكان به من الجواري والخدم عشرة آلاف جارية وخادم فباع من اختار البيع وأعتق من سأل العتق طلبًا للتوفير واصطنع أحداث المغاربة فكثر عتيهم وامتدّت أيديهم إلى الحرام في الطرقات وشلحوا الناس ثيابهم فضج الناس منهم واستغاثوا إليه بشكايتهم فلم يبد منه كبير نكير فأفرط الأمر حتى تعرّض جماعة منهم للغلمان الأتراك وأرادوا أخذ ثيابهم فثار بسبب ذلك شرٌّ قُتِلَ فيه غلام من الترك وحَدَثٌ من المغاربة فتجمع شيوخ الفريقين واقتتلوا يومين آخرهما يوم الأربعاء تاسع شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة فلما كان يوم الخميس ركب ابن عمار لابسًا آلة الحرب وحوله المغاربة فاجتمع الأتراك واشتدّت الحرب وقتل جماعة وجرح كثير فعاد إلى داره وقام برجوان بنصرة الأتراك فامتدّت الأيدي إلى دار ابن عمار واصطبلاته ودار رشا غلامه فنهبوا منها ما لا يحصى كثرة فصار إلى داره بمصر في ليلة الجمعة لثلاث بقين ن شعبان واعتزل عن المر فكانت مدّة نظره أحد عشر شهرًا إلاَّ خمسة أيام فأقام بداره في مصر سبة وعشرين يومًا ثم خرج إليه الأمر بعوده إلى القاهرة فعاد إلى قصره هذا ليلة الجمعة الخامس والعشرين من رمضان فأقام به لا يركب ولا يدخل إليه أحد إلاَّ أتباعه وخدمه وأطلقت له رسومه وجراياته التي كانت في أيام العزيز بالله ومبلغها عن اللحم والتوابل والفواكه خمسمائة دينار في كل شهر وفي اليوم سلة فاكهة بدينار وعشرة أرطال شمع ونصف حمل ثلج فلم يزل بداره إلى يوم السبت الخامس من شوّال سنة تسعين وثلثمائة فأذن له الحاكم في الركوب إلى القصر وأن ينزل موضع نزول الناس فواصل الركوب إلى يوم الاثنين رابع عشرة فحضر عشية إلى القصر وجلس مع من حضر فخرج إلى الأمر بالانصراف فلما انصرف ابتدره جماعة من الأتراك وقفوا له فقتلوه واحتزوا رأسه ودفنوه مكانه وحُمل الرأس إلى الحاكم ثم نقل إلى تربته بالقرافة فدفن فيها وكانت مدّة حياته بعد عزله إلى أن قُتل ثلاث سنين وشهرًا واحدًا وثمانية وعشرين يومًا وهو من جملة وزراء الدولة المصرية وولى بعده برجوان وقد مرّ ذكره‏.‏

 

 

الدروب والأزقة قد اشتملت القاهرة وظواهرها من الدروب والأزقة على شيء كثير والغرض ذكر ما يتيسر لي من ذلك‏:‏ درب الأتراك هذا الدرب أصله من خط حارة الديلم وهو من الدروب القديمة وقد تقدّم ذكره في الحارات ويتوصل إليه من خطة الجامع الأزهر وقد كان فيما أدركناه مأعمر الأماكن‏.‏

 

 

وأخبرني خادمنا محمد بن السعودي قال‏:‏ كنت أسكن في أعوام بضع وستين وسبعمائة بدرب الأتراك وكنت أعاني صناعة الخياطة فجاءني في موسم عيد الفطر من الجيران أطباق الكعك والخشكنانج على عادة أهل مصر في ذلك فملأت زيرًا كبيرًا كان عندي مما جاءني من الخشكنانج خاصة لكة ما جاءني من ذلك إذ كان هذا الخط خاصًا بكثرة الأكابر والأعيان وقد خرب اليوم منه عدّة مواضع‏.‏

 

 

درب الأسواني ينسب إلى القاضي أبي محمد الحسن بن هبة الله الأسواني المعروف بابن عتاب‏.‏

 

 

هذا الدرب كان قديمًا يعرف بحارة الأمراء كما تقدّم فلما كان مجيء الغز إلى مصر واستيلاء صلاح الدين يوسف على مملكة مصر سكن في هذا المكان الملك المعظم شم الدولة توران شاه ابن أيوب فعرف به وسمي من حينئذٍ درب شمس الدولة وبه يعرف إلى اليوم‏:‏ توران شاه الملقب بملك المعظم شمس الدولة بن نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان قدم إلى القاهرة مع أهله من بلاد الشام في سنة أربع وستين وخمسمائة عندما تقلد صلاح الدين يوسف بن أيوب وزارة الخليفة العاضد لدين الله بعد موت عمه أسد الدين شيركوه وكانت له أعمال في واقعة السودان تولاّها بنفسه واقتحم الهول فكان أعظم الأسباب في نصرة أخيه صلاح الدين وهزيمة السودان ثم خرج إليهم بعد انهزامهم إلى الجيزة فافناهم بالسيف حتى أبادهم وأعطاه صلاح الدين قوص وأسوان وعيداب وجعلها له أقطاعًا فكانت عبرتها في تلك السنة مائتي ألف وستة وستين ألف دينار ثم خرج إلى غزو بلاد النوبة في سنة ثمان وستين وفتح قلعة أبريم وسبى وغنم ثم عاد بعدما أقطع أبريم بعض أصحابه وخرج إلى بلاد اليمن في سنة تسع وستين وكان بها عبد النبيّ أبو الحسن عليّ ابن مهدي قد ملك زبيد وخطب لنفسه وكان الفقيه عمارة قد انقطع إلى شمس الدولة وصار يصف له بلاد اليمن ويرغّبه في كثرة أموالها ويغريه بأهلها وقال فيه قصيدته المشهورة التي أولها‏:‏ فبعثه ذلك على المسير إلى بلاد اليمن فسار إليها في مستهل رجب ودخل مكة معتمرًا وسار منها فنزل على زبيد في سابع شوّال وفي نهار الاثنين ثامن شوّال فتحها بالسيف وقبض علعليّ بن مهدي وأخوته وأقاربه واستولى على ما كان في خزائنه من مال وتسلَّم الحصون التي كانت بيده وفي مستهل ذي القعدة توجه قاصدًا عدن وبذل لياسر بن بلال في كل سنة ثلاثين ألف دينار وسلمها إليه فما رغب في ذلك وكان قصده أنّ يقيم بها نائبًا عن المجلس الفخريّ فلما أبى ذلك نزل عليها في يوم الجمعة تاسع عشري ذي القعدة وملكها في ساعة بالسيف وقبض على ياسر وإخوته وولدي الداعي فاحتوى على ما فيها وقبض على عبد النبيّ واستولى أيضًا على تعز وتفكر وصنعا وظفار وغيرها من مدن اليمن وحصونها وتلقب بالملك المعظم وخطب لنفسه بعد الخليفة العباسيّ وما زال بها إلى سنة إحدى وسبعين فسار منها إلى لقاء أخيه صلاح الدين ووصل إليه وملَّكه دمشق في شهر ربيع الأوّل سنة اثنين وسبعين فأقام بها إلى أن خرج السلطان إليه وملَّكه دمشق في شهر ربيع الأوّل سنة اثنين وسبعين فأقام بها إلى أن خرج السلطان صلاح الدين مرة من القاهرة إلى بلاد الشام فجهزه في ذي القعدة سنة أربع وسبعين إلى مصر وكان قد عمله نائبًا ببعلبك فاستناب عنه فيها ودخل إلى القاهرة وأنعم عليه صلاح الدين بالإسكندرية فسار إليها وأقام بها إلى أن توفى في مستهل صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة بالإسكندرية فدفن بها وكان كريمًا واسع العطاء كثير الإنفاق مات وعليه مائتا ألف دينار مصرية دينًا فقضاها عنه أخوه صلاح الدين وكان سبب خروجه من اليمن أنه التاث بدنه بزبيد فارتجل له سيف الدولة مبارك بن منقذ‏:‏ وإذا أراد الله سوءًا بامريءٍ وأراد أن يحييهِ غيرُ سعيدِ أغراهُ لترحالِ من مصر بلا سببٍ وأسكنه بصقعِ زبيدِ فخرج من اليمن كما تقدّم‏.‏

 

 

وحكى الأديب الفاضل مهذب الدين أبو طالب محمد بن علي الحالي المعروف بابن الخيمي قال‏:‏ رأيت في النوم المعظم شمس الدولة وقد مدحته وهو في القبر ميت فلفَّ كفنه ورماه إليّ وأنشدني‏:‏ لا تستقلنّ معروفًا سمعتُ به ميتًا وأمسيتُ عنه عاريًا بدني ولا تظننّ جودي شا بخلٌ من بعد بذلي بملك الشامِ واليمنِ إني خرجت عن الدنيا وليس معي من كل ما ملكتْ كفي سوى كفني وهذا الدرب من أعمر أخطاب القاهرة به دار عباس الوزير وجماعة كما تراه إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

درب ملوخيا هذا الدرب كان يعرف بحارة قائد القوّاد كما تقدم وعرف الآن بدرب ملوخيا وملوخيا كان صاحب ركاب الخليفة الحاكم بأمر الله ويعرف بملوخيا الفرّاش وقتله الحاكم وباشر قتله وفي هذا الدرب مدرسة القاضي الفاضل وقد اتصل به الآن الخراب‏.‏

 

 

درب السلسلة هذا الدرب تجاه باب الزهومة يعرف بالسلسلة التي كانت تمدّ حل ليلة بعد العشاء الآخرة كما تقدّم وكان يعرف بدرب افتخار الدولة الأسعد وعرف بسنان الدولة بن الكركنديّ وهو الان درب عامر‏.‏

 

 

درب الشمسي هذا الدرب بسوق المهامزيين تجاه قيسارية العصفر عرف بالأمير علاء الدين كشنقدي الشميّ أحد الأمراء في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس بالندقداريّ وقتل على عكا في سنة تسعين وستمائة بيد الفرنج شهيدًا وكان هذا الدرب في القديم موضعه دار الضرب ثم صار من حقوق درب ابن طلائع بسوق الفرّايين وقد هَدَم بعض هذا الدرب الأمير جمال الدين يوسف الاستادار لما اغتصب الحوانيت التي كانت على يمنة السالك من الخراطين إلى سوق الخيميين وكانت في وقف المعظم تمرتاش الحافظي كما سيأتي ذكره عند ذكرمدرسته إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

درب ابن طلائع هذا الدرب على يسرة من سلك من سوق الفرّايين الآن الذي كان يعرف قديمًا بالخرقيين طالبًا إلى الجامع الأزهر ويسلك في هذا الدرب إلى قيسارية السروج وباب ممرّ حمّام الخرّاطين ودار الأمير الدمر وعرف هذا الدرب أوّلًا بالأمير نور الدولة أبي الحسن عليّ بن نجا بن راجح بن طلائع ثم عرف بدرب الجاولي الكبير وهو الأمير عز الدين جاولي الأسدي مملوك اسد الدين شيركوه بن شادي ثم عرف بدرب العماد سنينات ثم عرف بدرب الدمر وبه يعرف إلى الآن‏.‏

 

 

الدمر أمير جان دار سيف الدين أحد أمراء الملك الناصر محمد بن قلاون خرج إلى الحج في سنة ثلاثين وسبعمائة وكان أمير حاج الركب العراقي تلك السنة يقال له محمد الحويج من أهل توريز بعثه أبو سعيد ملك العراق إلى مصر وخفّ على قلب الملك الناصر ثم بلغه عنه ما يكرهه فأخرجه من مصر ولما بلغه أنّ حويج في هذه السنة أمير الركب العراقيّ كتب إلى الشريف عطيفة أمير مكة أن يعمل الحيلة في قتله بكل ما يمكن فأَطلع على ذلك ابنه مباركًا وخواص قوّاده فاستعدّوا لذلك فلما وقف الناس بعرفة وعادوا يوم النحر إلى مكة قصد العبيد إثارة فتنة وشرعوا في النهب لينالوا غرضهم من قتل أمير الركب العراقيّ فوقع الصارخ وليس عند المصريين خبر مما كتبه السلطان فنهض أمير الركب الأمير سيف الدين خاص ترك والأمير أحمد قريب السلطان والأمير الدمر أمير جان دار في مماليكهم وأخذ الدمر يسب الشريف رميته وأمسك بعض قوّاده وأحدق به فقام إليه الشريف عطيفة ولاطفه فلم يرجع وكان حديد النفس شجاعًا فأقدم إليهم وقد اجتمع قوّاد مكة وأشرافها وهم ملبسون يريدون الركب العراقيّ وضرب مبارك بن عطيفة بدبوس فأخطأه وضربه مبارك بحربة نفذت من صدره فسقط عن فرسه إلى الأرض فأرتج الناس ووقع القتال فخرج أمير الركب العراقيّ واحترس على نفسه فسلم وسقط في يد أمير مكة إذ فات مقصوده وحصل ما لم يكن بإرادته ثم سكنت الفتنة ودفن الدمر وكان قتله يوم الجمعة عشر ذي الحجة فكأنما نادى منادي في القاهرة والقلعة والناس في صلاة العيد بقتل الدمر ووقوع الفتنة بمكة ولم يبق أحد حتى تحدّث بذلك وبلغ السلطان فلم يكترث بالخبر‏.‏

 

 

وقال أين مكة من مصر ومن أتى بهذا الخبر واستُفيض هذا الخبر بقتل الدمر حتى انتشر في إقليم مصر كله فما هو إلاّ أن حضر مبشر الحاج في يوم الثلاثاء ثاني المحرّم سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة فاخبروا بالخبر مثل ما أشيع فكان هذا من أغرب ما سُمِعَ به ولما بلغ السلطان خبر قتل الدمر غضب غضبًا شديدًا وصار يقوم ويقعد وأبطل السماط وأمر فجرد من العسكر ألفا فارس كل منهم بخودة وجوشن ومائة فردة نشاب وفأس برأسين أحدهما للقطع والآخر للهدم ومع كل منهم جملان وفرسان وهجين ورسم لأمير هذا العسكر أنه إذا وصل إلى ينبع وعدّاه ولا يرفع رأسه لى السماء بل ينظر إلى الأرض ويقتل كل من يلقاه من العربان إلاّ من علم أنّه أمير عرب فإنه يقيده ويسجنه معه وجرّد من دمشق ستمائة فارس على هذا الحكم وطلب الأمير أيتمش أمير هذا الجيش ومن معه من الأمراء والمقدّمين وقال له‏:‏ بدار العدل يوم الخدمة‏:‏ وإذا وإلى مكة لا تدع أحدًا من الأشراف ولا من القوّاد ولا من عبيدهم يسكن مكة وناد فيها من أقام بمكة وحلّ دمه ولا تدع شيئًا من النخل حتى تحرقه جميعه ولا تترك بالحجاز دمنة عامرة وأخرب المساكن كلها وأقيم في مكة بمن معك حتى أبعث إليك بعسكر ثاني وكان القضاة حاضرين‏.

 

 

 

فقال قاضي القضاة جلال الدين القزوينيّ‏:‏ يا مولانا السلطان هذا حَرَمٌ قد أخبر الله عنه أنّ من دخله كان آمنًا وشرّفه‏

 

 

فردّ عليه جوابًا في غضب‏.‏

 

 

فقال الأمير أيتمش يا خوند فإن حضر دمنة للطاعة وسأل الأمان فقال أمِّنه‏.‏

 

 

ثم لم سكن عنه الغضب كتب باستقرار أهل مكة وتأمينهم وكتب أمانًا نسخته‏:‏ هذا أمان الله سبحانه وتعالى وأمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأماننا للمجلس العالي الأسدي دمنة بن الشريف نجم الدين محمد بن أبي نمر بأن يحضر إلى خدمة الصنجق الشريف صحبة الجناب العاليلسيفي ايتمش الناصري آمنًا على نفسه وأهله وماله وولده وما يتعلق به لايخشى حلول سطوة قاصمة ولا يخاف مؤاخذة حاسمة ولا يتوقع خديعة ولا مكرًا ولا يحدذر سوًا ولا ضررًا ولا يستشعر مخافة ولا ضررًا ولا يتوقع وجلًا ولا يرهب باسًا‏.‏

 

 

وكيف يرهب من أحسن عملًا بل يحضر إلى خدمة الصنجق آمنًا على نفسه وماله وآله مطمئنًا واثقًا بالله ورسوله‏.‏

 

 

وبهذا الأمان الشريف المؤكد الأسباب المبيض الوجه الكريم الأحساب وكلما يخطر بباله أنا نؤاخذ به فهو مغفور ولله عاقبة الأمور وله منّا الإقبال والتقديم وقد صفحنا الصفح الجميل وأنّ ربك هو الخلاّق العليم فليثق بهذا الأمان الشريف ولا يسيء به الظنون ولا يصغي إلا قول الذين الذين لا يعملون ولا يستشير في هذا الأمر إلاّ نفسه فيومه عندنا ناسخ لأمسه‏.‏

 

 

وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظنّ بي خيرًا فتمسك بعروة هذا الأمان فإنها وثقى واعمل عمل من لا يضل ولا يشقى ونحن قد أمّنَّاك فلا تخف ورعينا لك الطاعة والشرف وعفا الله عما سلف ومن أمّناه فقد فاز فطب نفسًا وقرّ عينأنت أمير الحاجز والحمد لله وحده ‏"‏‏

 

 

وكان الدمر فيه شهامة وشجاعة وله سعادة طائلة ضخمة ومتاجر وزراعات اقتنى بها أمولًا جزيلة وزوَج ابنه بابنة قاضي القضاة جلال الدين القزويني‏.‏

 

 

درب قيطون هذا الدرب بين قيسارية جهاركس وقيسارية أمير علي وهو نافذ إلى خلف مستوقد حمّام القاضي وكان من حقوق درب الأسواني‏.‏

 

 

درب السراج هذا الدرب على يسرة من سلك من الجامع الأزهر طالبًا درب الأسوانيّ وخط الأكفانيين وكان من جملة خط درب الأسواني ثم أفرد فصار من خط الجامع الأزهر وكان يعرف اوّلًا بدرب السراج ثم عرف بدرب الشامي وهو الآن يعرف بدرب ابن الصادر عمر‏.‏

 

 

درب القاضي هذا الدرب يقابل مستوقد حمّام القاضي على يمنة من سلك من درب الأسوانيّ إلى الجامع الأزهر وهو حقوق درب الأسواني كان يعرف أوّلًا بزقاق عزاز غلام أمير الجيوش شاور السعدي وزير العاضد ثم عرف بالقاضي السعيد أبي المعالي هبة الله بن فارس ثم عرف بزقاق ابن الإمام وعرف أخيرًا بدرب ابن لؤلؤ وهو شمس الدين محمد بن لؤلؤ التاجر بقيسارية جهاركس‏.‏

 

 

هو من جملة خط الأكفانيين الآن المسلوك إليه من الجامع الأزهر وسوق الفرّايين عرف بذلك لأنه كان به دار تعرف بالدار البيضاء‏.‏

 

 

درب المنقدي هذا الدرب بين سوق الخيميين وسوق الخرّاطين على يُمنة من سلك من الخرّاطين إلى الجامع الأزهر كان يعرف قديمًا بزقاق غزال وهو صنيعة الدولة أبو الظاهر إسماعيل بن مفضل بن غزال ثم عرف بدرب المنقدي وهو الآن يعرف بدرب الأمير بكتمر استدار العلاي‏.‏

 

 

درب خرابة صالح هذا الدرب على يسرة من سلك من أوّل الخرّاطين إلى الجامع الأزهر كان موضعهه في القديم مارستانًا ثم صار مساكن وعرف بخرابة صالح وفيه الآن دار الأمير طينال التي صارت بيد ناصر الدين محمد البارزي كاتب السرّ وفيه أيضًا باب سوق الصنادقيين‏.

 

 

درب الحسام هذا الدرب على يمنة من سلك من آخر سويقة الباطلية إلى الجامع الأزهر عرف بحسام الدين لاجين الصفدي استادار الأمير منجك‏.‏

 

 

هذا الدرب بأوّل الحارة الصالحية تجاه درب أمير حسين عرف أوّلًا بدرب الجوهري وهو شهاب الدين أحمد بن منصور الجوهري كان حيًا في سنة ثمانين وستمائة وعرف أخيرًا بدرب المنصوري وهو الأمير قطلوا بغا بالمنصوري حاجب الحُطَّاب في أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين‏.‏

 

 

درب أمير حسين هذا الدرب في طريق من سلك من خط خان الدميري طالبًا إلى حارة الصالحية وحارة البرقية استجدّه الأمير حسين بن الملك الناصر محمد بن قلاون ومات في ليلة السبت رابع شهر بيع الآخر سنة أربع وستين وسبعمائة وكان آخر من بقي من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون وهو والد الملك الأشرف شعبان بن حسين‏.‏

 

 

درب القماحين هذا الدرب كان يعرف بخط قصر ابن عمار من جملة حارة كتامة قريبًا من الحارة الصالحية وفيه اليوم دار خوند شقرا وحمام كراي وراء مدرسة ابن الغنام‏.‏

 

 

درب العسل هذا الدرب على يُمنة من خرج من خط السبع خوخ يريد المشهد الحسيني كان يُعرف أوّلًا بخوخة الأمير عقيل ابن الخليفة المعز لدين الله أبي تميم معدّ أوّل خلفاء الفاطميين بالقاهرة ومات في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة هو وأخوه الأمير تميم بن المعز بالقاهرة ودفنا بتربة القصر‏.‏

 

 

درب الجباسة هذا الدرب تجاه من يخرج من سوق الأبارين إلى المشهد الحسيني وهو من جملة القصر الكبير وبه دار خوخي التي تعرف اليوم بدار بهادر‏.‏

 

 

درب ابن عبد الظاهر هذا الدرب بجوار فندق الذهب بخط الزراكشة العتيق وفي صفه وهو من حقوق دار العلم التي استجدّت في خلافة الآمر ووزارة المأمون الباطيجي فلما زالت الدولة اختط مساكن وسكن هناك القاضي محي الدين ابن عبد الظاهر فعرف به‏.‏

 

 

درب الخازن هذا الدرب ملاصق لسور المدرسة الصالحية التي للحنابلة ومجاور لباب سرّ قاعة مدرسة الحنابلة والسبيل الذي على باب فندق مسرور الصغير استجدّه الأمير علم الدين سنجر الخازن الأشرفيّ والي القاهرة المنسوب إليه حكر الخازن بخط الصليبة وسنجر هذا كانت فيه حشمة وله ثروة زائدة ويحب أهل العلم تنقل في المباشرات إلى أن صار والي القاهرة فاشتهر بدقة الفهم وصدق الحدس الذي لا يكاد يُحطىء مع عقل وسياسة وإحسان إلى الناس وعزل بالأمير قديدار ومات عن تسعين سنة في ثامن جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة‏.‏

 

 

درب الحبيشي هذا الدرب على يُمنة من سلك من خط الزراكشة العتيق طالبًا سوق الأبّارين وهو بجوار دار خواجا المجاورة لخان منجك أصله من جملة القصر النافعي وكان يُعرف بخط القصر النافعي ثم عُرف بخط سوق الوراقين وهو الآن يُعرف بدرب الحبيشي وهو الأمير سيف الدين بلبان الحبيشي أحد الأمراء الظاهرية بيبرس‏.‏

 

 

درب دغمش هذا الدرب ينفذ إلى الخوخة التي تخرج قبالة حمّام الفاضل المرسوم لدخول النساء كان يُعرف قديمًا بدرب دغمش ويقال طغمش ثم عرف بدرب كوز الزير ويُقال كوز الزيت ويعرف بدرب القضاة بني غثم من حقوق حارة الروم‏.‏

 

 

درب أرقطاي هذا الدرب بحارة الروم كان يُعرف بدرب الشماع ثم عرف بدرب شمخ وهو تاج العرب شمخ الحلبي ثم عرف بدرب المعظم وهو الأمير عز الملك المعظم ابن قوام الدولة جبر بجيم وباء موحدة ثم عرف بدرب أرسل وهو الأمير عز الدين أرسل بن قرأ رسلان الكاملي والد الأمير جاولي المعظمي المعروف بجاولي الصغير ثم عرف بدرب الباسعردي وهو الأمير علم الدين سنجر الباسعردي أحد أكابر المماليك البحرية الصالحية النجمية وولي نيابة حلب ثم عرف إلى الآن بدرب ابن أرقطاي والعامّة تقول رقطاي بغير همز وهو أرقطاي الأمير سيف الدين الحاج أرقطاي أحد مماليك الملك الأشرف خليل ابن قلاون وصار إلى أخيه الملك الناصر محمد فجعله جمدارًا وكان هو والأمير أيتمش نائب الكرك بينهما أخوت ولهما معرفة بلسان الترك القيجاقي ويرجع إليهما في الياسة التي هي شريعة جنكزخان التي تقول العامّة وأهل الجهل في زماننا هذا حكم السياسة يريدون حكم الياسة ثم إن الملك الناصر أخرجه مع الأمير تنكر إلى دمشق ثم استقرّ في نيابة حمص لسبع مضين من رحب سنة عشر وسبعمائة فباشرها مدّة ثم نقله إلى نيابة صفد في سنة ثمان عشرة فأقام بها وعمر فيها أملاكًا وتربة فلما كان في سنة ست وثلاثين طلب إلى مصر وجهز الأمير أيتمش أخوه مكانه وعمر أمير ماية بمصر فلما توجه العسكر إلى اياس خرج معهم وعاد فكان يعمل نيابة الغيبة إذا خرج السلطان للصيد ثم أخرج إلى نيابة طرابلس عوضًا عن طينال فأقام بها إلى أن توجه الطنبغا إلى طشطمر نائب حلب وكان معه بعسكر طرابلس فلما جرى من هروب الطنبغا ما جرى كان أرقطاي معه فأمسك واعتقل بسكندرية ثم أفرج عن أرقطاي في أوّل سلطنة الملك الصالح إسماعيل بوساطة الأمير ملكتمر الحجازي وجعل أميرًا إلى أن مات الصالح‏.‏

 

 

وقام من بعده الملك الكامل شعبان ورسم له بنيابة حلب عوضًا عن الأمير يلبغا اليحياوي فحضر إليها في جمادى الأولى سنة ست وأربعين فأقام بها نحو خمسة أشهر ثم طُلب إلى مصر فحضر إليها فلم يكن غير قليل حتى خلع الكامل وتسلطن المظفر حاجي وولاه نيابة السلطنة بمصر فباشرها إلى أن خلع المظفر وأقيم في السلطنة الملك الناصر استعفى من النيابة وسأل نيابة حلب فأجيب ووليّ نيابة حلب وخرج إليها وما زال فيها إلى أن نقل منها إلى نيابة دمشق ففرح أهلها به وساروا إلى حلب فرحل عنها فنزل به مرض وسار وهو مريض فمات بعين مباركة ظاهر حلب يوم الأربعاء خامس جمادى الأولى سنة خمس وسبعمائة وقد أناف عن السبعين‏.‏

 

 

فعاد أهل دمشق خائبين‏.‏

 

 

وكان زكيًا فطنًا محجاجًا لَسِنًَا مع عجمة في لسانه وله تبنيت مطبوع وميل إلى الصور الجميلة ما يكاد يملك نفسه إذا شاهدها مع كرم في المأكول‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 درب البنادين

 

 

 

بحارة الروم يعرف بالبنادين من جملة طوائف العساكر في الدولة الفاطمية ثم عرف بدرب أمير جاندار وهو ينفذ إلى حمام الفاضل المرسوم بدخول الرجال وأمير جاندار هذا هو الأمير علم الدين سنجر الصالحي المعروف بأمير جندار‏.‏

 

 

درب المكرّم‏:‏ بحارة الروم يعرف بالقاضي المكرَّم جلال الدين حسين بن ياقوت البزار نسيب ابن سنا الملك‏

 

 

درب المكرّم بحارة الروم يعرف بالقاضي المكرَّم جلال الدين حسين بن ياقوت الزار نسيب ابن سنا الملك‏.‏

 

 

درب الضيف بحارة الديلم عرف بالقاضي ثقة الملك أبي منصور نصر بن القاضي الموفق أمير الملك أبي الظاهر إسماعيل بن القاضي أمين الدولة أبي محمد الحسن بن علي بن نصر بن الضيف‏.‏

 

 

كان موجودًا في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وبه أيضًا رحبة تعرف برحبة الضيف منسوبة إليه‏.‏

 

 

بحارة الديلم هذا الدرب كان يعرف بحكر الأمير سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء صهر بني رزبك من وزراء الدولة الفاطمية ثم عرب بحكر تاج الملك بدران ابن الأمير سيف الدين المذكور ثم عرف بالأمير عز الدين أيبك الرصاصي‏.‏

 

 

درب ابن المجاور هذا الدرب على يسرة من دخل من أوّل حارة الديلم كان فيه دار الوزير نجم الدين بن المجاور وزير الملك العزيز عثمان عرف به وهو يوسف بن الحسين بن محمد بن الحسين أبو الفتح نجم الدين الفارسيّ الشيرازي المعروف بابن المجاور كان والده صوفيًا من أهل فارس ثم من شيراز قدم دمشق وأقام في دويرة الصوفية بها‏.‏

 

 

وكان من الزهد والدين بمكان وأقام بمكة وبها مات في رجب سنة ست وثمانين وخمسمائة وكان أخوه أبو عبد الله قد سمع الحديث وحدّث وقدم إلى القاهرة ومات بدمشق أوّل رمضان سنة خمس وعشرين وستمائة‏.‏

 

 

درب الكهارية هذا الدرب فيه المدرسة الكهارية بجوار حارة الجودرية المسلوك إليه من القماحين ويتوصل منه إلى المدرسة الشريفية‏.‏

 

 

بتشديد الفاء هذا الدرب بجوار باب زويلة و درب من حقوق حارة المحمودية وكان نافذًا إلى المحمودية وهو الآن غير نافذ وأصله درب الصفيراء تصغير صفراء هكذا يوجد في الكتب القديمة وقد دخل ما كان فيه من الدور الجليلة بالجامع المؤيدي‏.‏

 

 

درب الأنجب هذا الدرب تجاه بئر زويلة التي من فوق فوهتها اليوم ربع يونس من خط البندقانيين يعرف بالقاضي الأنجب أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن نصر بن عليّ أحد الشهود في أيام قاضي القضاة سنان الملك أبي عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسر وكان حيًا في سنة بضع وعشرون وخمسمائة وينسب إلى الحسين بن الأنجب المقدسيّ أحد الشهود المعدّلين وكان موجودًا في سنة ستمائة ثم عرف هذا الدرب بأولاد العميد الدمشقيّ فإنه كان مسكنهم ثم عرف بالبساطيّ وهو قاضي القضاة جمال الدين يوسف‏.‏

 

 

درب كنيسة جُدة بضم الجيم هذا الدرب بالبندقانيين كان يعرف بدرب بنت جدّة ثم عرف بدرب الشيخ السديد الموفق‏.‏

 

 

درب ابن قطر‏:‏ هذا الدرب بجوار مستوقد حمّاد الصاحب ورباط الصاحب من خط سويقة الصاحب عرف بناصر الدين بن بلغاق بن الأمير قطز المنصوريّ ومات بعد سنة ثمان وتسعين وستمائة‏

 

 

درب الحريري هذا الدرب من جملة دار الديباج هو ودرب ابن قطز المذكور قبله ويتوصل إليه اليوم من أوّل سويقة الصاحب وفيه المدرسة القطبية عرف بالقاضي نجم الدين محمد بن القاضي فتح الدين عمر المعروف بابن الحريريّ فإنه كان ساكنًا فيه‏.‏

 

 

درب ابن عرب هذا الدرب بخط سويقة الصاحب كان يعرف بدرب بني أسامة الكتاب أهل الإنشاء في الدولة الفاطمية ثم عرف بدرب بني الزبير الأكابر الرؤساء في الدولة الفاطمية ثم سكنه القاضي علاء الدين عليّ بن عرب محتسب القاهرة في أيام الأمير بليغاق وكيل بيت المال فعرف به إلى اليوم وابن عرب هذا هو علاء الدين أبو الحسن عليّ بن عبد الوهاب بن عثمان بن عليّ بن محمد عرف بابن عرب ولي الحسبة بالقاهرة في آخر صفر سنة خمس وستين درب ابن مغش هذا الدرب تجاه المدرسة الصاحبية عرف أخيرًا بتاج الدين موسى كاتب السعديّ وناظر الخاص في الأيام الظاهرية برقوق وله به دار مليحة وكان ماجنًا متهتكًا يرمي باسوء وأما الديانة فإنه قبطيّ وهنه أخذ سعد الدين إبراهيم بن غراب وظيفة ناظر الخاص وعاقبه بين يديه ثم صار يتردّد بعد ذلك إلى مجلسه وهلك في واقعة تيمورلنك بدمشق في شعبان سنة ثلاث وثمانمائة بعدما احترق بالنار لما احترقت دمشق وأكل الكلاب بعضه‏.‏

 

 

درب مشترك هذا الدرب يقرب من درب العدّاس تجاه الخط الذي كان يعرف بالمساطح وفيه الآن سوق الجواري عرف أوّلًا بدرب الأخاني قاضي القضاة برهان الدين المالكيّ فإنه كان يسكن فيه ثم هو الآن يقال له درب مشتكر وهذه كلمة تركية أصلها بلسانهم أج ترك بضم الهمزة وأشمامها ثم جيم بين الجيم والشين ومعنى هذا السم ثلاث نخيل وعرّبته العامّة فقالت مشترك وهو مشترك السلاح دار الظاهر برقوق فإنه سكن بها ومات في سنة 801‏.‏

 

 

درب العداس هذا الدرب فيما بين دار الديباج والوزيرية عرف بعليّ بن عمر العدّاس صاحب سقيفة العدّاس‏.‏

 

 

درب كاتب سيدي‏:‏ هذا الدرب من جملة خط الملحيين كان يعرف بدرب تقيّ الدين الأطرباني أحد موقعي الحكم عند قاضي القضاة تقيّ الدين الأخناوي ثم عرف بالوزير لصاحب علم الدين عبد الوهاب القبطيّ الشهير بكاتب سيدي‏

 

 

الوزير كاتب سيدي‏:‏ تسمى لما أسلم بعبد الوهاب القسيس وتلقّب علم الدين وعُرف بين الكتاب الأقباط بكاتب سيدي وترقى في الخدم الديوانية حتى ولي ديوان المرتجع وتخصص باةزير الصاحب شمس الدين إبراهيم كاتب أرلان فلما أشرف من مرضه على الموت عين للوزارة من بعده علم دين هذا فولاه الملك الظاهر وظيفة الوزارة بعد موت الوزير شمس الدين في سادس عشري شعبان سنة تسع وثمانين وسبعمائة‏.‏

 

 

فباشر الوزارة إلى يوم السبت رابع عشري رمضان سنة تسعين وسبعمائة ثم قبض عليه وأقيم في منصب الوزارة بدله الوزير الصاحب كريم الدين بن الغنام وسلمه إليه وكان قد أراد مصادرة كريم الدين فاتفق استقراره في الوزارة وتمكنه منه فألزمه بحمل مال قرّره عليه‏.‏

 

 

فيقال أنه حمل في هذا اليوم ثلثمائة ألف درهم عنها إذ ذاك نحو العشرة آلاف مثقال ذهبًا ومات بعد ذلك من هذه السنة‏.‏

 

 

وكان كاتبًا بليغًا كتب بيده بضعًا وأربعين رزمة من الورق وكانت أيامه ساكنة والأحوال متمشية وفيه لين‏.‏

 

 

درب مخلص‏:‏ هذا الدرب بحارة زويلة عرف بمخلص الدولة أبي الحيا مطرف المستنصري ثم عرف بدرب الرايض وهو الأمير طراز الدولة الرايض باصطبل الخلافة‏

 

 

درب كوكب‏:‏ هذا الدرب هو الآن زقاق شارع يسلك فيه من حارة زويلة إلى درب الصقالبة عُرف أوّلًا بالقائد الأعز مسعود المستنصر ثم عرف بكوكب الدولة ابن الحناكي‏

 

 

درب الوشاقي‏:‏ بحارة زويلة عرف بالأمير حسام الدين سنقر الوشاقي المعروف بالأعسر السلاح دار أحد أمراء السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب‏

 

 

درب الصقالبة‏:‏ بحارة زويلة‏:‏ عرف بطائفة الصقالبة أحد طوائف العساكر في أيام الخلفاء الفاطميين وهم جماع

 

 

درب الكنجي‏:‏ بحارة زويلة كان يعرف بدرب حليلة ثم عرف بالأمير شمس الدين سنقر شاه الكنجي الحاجب الظاهريّ قتله قلاون أوّل سلطنته‏

 

 

درب رومية‏:‏ هذا الدرب كان في القديم فيما بين زقاق القابلة ودرب الزارق فزقاق القابلة فيه اليم كنيسة اليهود بحارة زويلة ويتوصل منه إلى السبع سقايات ودار بيبرس التي عرفت بدار كاتب السرّ ابن فضل الله تجاه حمام ابن عبود ودرب الزراق هو اليوم من جملة خط سويقة صاحب وبينهما الآن دور لا يوصل إليه إلاّ بعد قطع مسافة ودرب رومية كان يعرو أوّلًا بزقاق حسين بن أدريس العزيزي أحد أتباع الخليفة العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله ثم عرف بدرب رومية وهو بجوار زقاق القابلة الذي عرف بزقاق العسل ثم عرف بزقاق المعصرة وعرف اليوم بزقاق الكنيسة‏.‏

 

 

درب الخضيري‏:‏ هذا الدرب يقابل الجامع الأقمر البحري وهو من جملة حقوق القصر الصغير الغربيّ عرف بالأمير عز الدين ايدمر الخضيريّ أحد أمراء الملك المنصور قلاوون‏

 

 

درب شعلة‏:‏ هو الشارع المسلوك فيه من باب ملوخيا إلى خط الفهادين والعطوفية وقد خرب‏

 

 

درب نادر‏:‏ هذا الدرب بجوار المدرسة الجمالية فيما بين درب راشد ودرب ملوخيا عرف بسيف الدولة نادر الصقلبيّ وتوفي لاثنتي عشرة خلت من صفر سنة اثنين وثمانين وثلثمائة فبعث إليه الخليفة العزيز بالله لكفنه خمسين قطعة من ديباج مثقل وخلّف ثلثمائة ألف دينار عينًا وية من فضة وذهب وعبيدًا وخيلًا وغير ذلك مما بلغت قيمته نحو ثمانين ألف دينا وكان أحد الخدام ذكره المسبحي في تاريخه وقد ذكر ابن عبد الظاهر‏:‏ أنّ بالسويقة التي دون باب درب راشد‏:‏ هذا الدرب تجاه خزانة البنود عرف بيمين الدولة راشد العزيز

 

 

درب النميريّ‏:‏ عرف بالأمير سيف المجاهدين محمد بن النميريّ أحد أمراء الخليفة الحافظ لدين الله ووليّ عسقلان في سنة ست وثلاثين وخمسمائة وكانت ولايتها أكبر من ولاية دمشق وهذا الدرب كان ينفذ إلى درب راشد وهو الآن غير نافذ وفي داخله درب يعرف بأولاد الداية طاهوقاسم الأفضلين أحد أتباع الأفضل بن أمير الجيوش وعرف الآن بدرب الطفل وهو من جملة خطة قصر الشوك فإنه قبلة قصر الشوك وبينهما سوقة رحبة الأيدمري‏.‏

 

 

درب قراصيا‏:‏ هذا الدرب من جملة الدروب القديمة وكان تجاه باب قصر الزمرَّد الذي في مكانه اليوم المدرسة الحجازية وهذا الدرب اليوم من جملة خطة رحبة باب العيد بجوار سجن الرحبة وقد هدمه الأمير جمال الدين يوسف الأستادار وهدم كثيرًا من دوره وعملها وكالة فمات ولتكمل وهي إلى الآن بغير تكملة ثم كمله الملك المؤيد شبخ وجعله وقفًا على جامعه وهو إلى الآن خان عامر‏.‏

 

 

درب السلامي‏:‏ هذا الدرب من جملة خط رحبة باب العيد وفيه إلى اليوم أحد أبواب القصر المسمى بباب العيد والعامّة تسميه القاهرة وهذا الدرب يسلك منه إلى خط قصر الشوك وإلى المارستان العتيق الصلاحي وإلى دار الضرب وغير ذلك‏

 

 

عرف بخواجا مجد الدين السلامي‏:‏ إسماعيل بن محمد بت ياقوت الخواجا مجد الدين السلامي تاجر الخاص في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون وكان يدخل إلى بلاد الططر ويتجر ويعد بالرقيق وغيره واجتهد مع جويان إلى أن اتفق الصلح بين الملك الناصر وبين القان أبي سعيد فانم ذلك بسفارته وحسن سعيه فازدادت وجاهته عند الملكين وكان الملك الناصر يسفره ويقرّر معه أمورًا فيتوجه ويقضيها على وفق مراده بزيادات فأحبه وقرّبه ورتب له الرواتب الوافرة في كل يوم من الدراهم والحم والعليق والسكر والحلواء والكماج والرقاق مما يبلغ في اليوم مائة وخمسين درهمًا عنها يومئذ ثمانية مثاقيل من الذهب وأعطاه قرية أراك ببعلبك وأعطى مماليكه إقطاعات في الحلقة وكان يتوجه إلى الأردن ويقيم فيه الثلاث سنين والأربع والبريد لا ينقطع عنه وتُجهَّز إليه التحف والأقمشة ليفرّقها على من يراه من الخواص أبي سعيد وأعيان الأردن ثقة بمعرفته ودرايته وكان النشو ناظر الخاص لا يفارقه ولا يصبر عنه ومن أملاكه ببلاد المشرق السلامية والمأخوذة والمراوزة والناصف ولما مات الملك الناصر قلاوون تغير عليه الأمير قوصون وأخذ منه مبلغًا يسيرًا وكان ذا عقل وافر وفكر مصيب وخبرة بأخلاق الملوك وما يليق بخواطرها ودراسة بما يتحفها به من الرقيق والجواهر ونطق سعيد وخلق رضيّ وشكالة حسنة وطلعة بهية ومات في داره من درب السلاميّ هذا يوم الأربعاء سابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة ودفن بتربته خارج باب النصر ومولده في سنة إحدى وسبعين وستمائة بالسلاّمية بلدة من أعمال الموصل على يوم منها بالجانب الشرقيّ وهي بفتح السين المهملة وتشديد اللام وبعد الميم ياء مثناة من تحت مشدّدة ثم تاء التأنيث‏.‏

 

 

درب خاص ترك‏:‏ هذا الباب برحبة باب العيد عرف بالأمير الكبير ركن الدين بيبرس المعروف بخاص الترك الكبير أحد الأمراء الصالحية النجمية أو بالأمير عز الدين أيبك المعروف بخاص الترك الصغير سلاح دار الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري‏

 

 

درب شاطي‏:‏ هذا الدرب يتوصل منه إلى قصر الشوك عرف بالأمير شرف الدين شاطي السلاح دار في أيام الملك المنصور قلاوون وكان أميرًا كبيرًا مقدّمًا بالديار المصرية وأخرجه الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الشام فأقام بدمشق وكانت له حرمة وافرة وديانة وفيه خير ومات ا في الحادي والعشرين من شعبان سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة‏.‏

 

 

درب الرشيدي‏:‏ هذا الدرب مقابل باب الجوانية عرب بالأمير عز الدين أيدمر الرشيدي مملوك الأمير بلبان الرشيدي خوش داش الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري وولي الأمير أيدمر هذا استدارًا لأستاذه بلبان ثم ولي استدارا للأمير سلار ومات في تاسع عشر شوّال سنة ثن وسبعمائة وكان سكنه في هذا الدرب وكان عاقلًا ذا ثروة وجاه وكان لي القديم موضع هذا الدرب براحا قدّام الحجر‏.‏

 

 

درب الفريحية‏:‏ هذا الدرب على يمنة من خرج من الجملون الصغير طالبًا درب الرشيدي المذكور وهو من الدروب التي كانت في أيام الخلفاء‏

 

 

درب الأصفر‏:‏ هذا الدرب تجاه خانقاه الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير وموضع هذا الدرب هو المنحر الذي تقدّم ذكره‏

 

 

درب الطاوس‏:‏ هذا الدرب في الحدرة التي عند باب سرّ المارستان المنصوري على يمنة من ابتدا الخروج منه وكان موضعه بجوار باب الساباط أحد أبواب القصر الصغير وقد تقدّم ذكره ودرب الطاوس أيضًا بالقرب من درب العدّاس فيما بين باب الخوخة والوزيرية‏

 

 

درب ماينجار‏:‏ هذا الدرب بجوار جامع أمير حسين من حكر جوهر النوبي خارج القاهرة عرف بالأمير ماينجار الروميّ الواقديّ أيام الملك الظاهر بيبرس وقد خربت تلك الديار في سلطنة الملك المؤيد شيخ‏

 

 

درب كوسا‏:‏ هو الآن يسلك فيه على شاطىء الخليج الكبير من قنطرة الأمير حسين إلى قنطرة الموسكي وعرب بحسام الدين كوسا أحد مقدّمي الخلفاء في أيام الملك المنصور قلاوون مات بعد سنة ثلاث وثمانين وستمائة وهذا الموضع تجاه دار الذهب التي تعرف اليوم بدار الأمير حسينلططريّ السلاح دار الناصريّ وقد خربت أيضًا‏.‏

 

 

درب الجاكي‏:‏ هذا الدرب بالحرك عرف بالأمير شرف الدين إبراهيم بن عليّ بن الجنيد الجاكي المهمندار المنصوري وقد دُثر في أيام المؤيد على يد الأمير فخر الدين عبد الغني بن أبي الفرج الاستادار لما خرب ما هناك‏

 

 

درب الحرامي‏:‏ بالحكر عرف بسعد الدين حسين بن عمر بن محمد الحرامي وابنه محيي الدين يوسف وكانا من أجناد الحلقة‏

 

 

درب الزراق‏:‏ بالحكر عرف بالأمير عز الدين أيدمر الزراق أحد الأمراء ولاّه الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون نيابة غزة في سنة خمس وأربعين وسبعمائة فأقام بها مدّة ثم استعفى بعد موت الملك الصالح وعاد إلى القاهرة ثم توجه إلى دمشق للحوطة على موجود الخاصكييلبغا اليحياوي في الأيام المظفرية وعاد فلما ركب العسكر على المظفر لم يكن معه سوى الزراق واق سنقر وأيدمر الشمي فنقم الخاصكية عليهم ذلك وأخرجوهم إلى الشام فوصلوا إليها في أوّل شوال سنة ثمان وأربعين فأقام الزراق بدمشق ثم ورد مرسوم السلطان حسن بتوجيههم إلى حلب فتوجه إليها على إقطاع وبها مات وكان دّينًا لينًا فيه خير وكان هذا الدرب عامرًا وفيه دار الزراق الدار العظيمة وقد خرب هذا الدرب وما حوله منذ كانت الحوادث في سنة ست وثمانمائة ثم نقضت الدار في أيام المؤيد شيخ على يد ابن ابي الفرج‏.‏

 

 

زقاق طريف‏:‏ بالطاء المهملة هذا الزقاق من أزقة البرقية عرف بالأمير فخر الدين طريف بن بكتوت وكان يعرف بزقاق منار بن ميمون بن منار توفي في ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة‏

 

 

زقاق منعم‏:‏ بحارة الديلم كان يعرف بمساطب الديلم والأتراك ثم عرب بالأمير منعم الدولة باكتين بالبوسحاقي ثم عرف بزقاق جمال الدولة ثم بزقاق الجلاطي ثم بزقاق الصهرجتي وهو القاضي المنتخب ثقة الدولة أبو الفضل محمد بن الحسين بن هبة الله بن وهيب الصهرجتي وكان حيا في سنة ستين وخمسمائة‏.‏

 

 

زقاق الحمام‏:‏ بحارة الديلم عُرف قديمًا بخوخة المنقدي ثم عُرف بخوخة سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء صهر بني رزبك ثم عُرف بزقاق حمام الرصاصي ثم عرف بزقاق المزار‏

 

 

زقاق الحرون‏:‏ بحارة الديلم عُرف بالأمير الأوحد سلطان الجيوش زري الحرون رفيق العادل بن السلاروز مصر في أيام الخليفة الظافر بأمر الله ثم عرف بابن مسافر عين القضاة ثم عرف زقاق الغراب‏:‏ بالجودرية كان يُعرف بزقاق أبي العز ثم عرف بزقاق ابن أبي الحسن العقيل قيل له زقاق الغراب نسبة إلى أبي عبد الله محمد بن رضوان المقلب بغراب‏.‏

 

 

زقاق عامر‏:‏ بالوزيرية عرف بعامر القماح في حارة الاقانصة‏

 

 

زقاق فرج‏:‏ بالجيم من جملة أزقة درب ملوخيا عرف بفرج مهتار الطشتخاناه للملك المنصور قلاوون كان حيًّا في سنة ثلاث وثمانين وستمائة‏

 

 

زقاق حدرة‏:‏ الزاهدي بحارة برجوان عرفت بالأمير ركن الدين بيبرس الزاهدي الرمّاح الأحدب أحد الأمراء وممن له عدّة غزوات في الفرنج ولما تمالأ الأمراء على الملك السعيد ابن الظاهر وسبقهم إلى القلعة كان قدّامه بيبرس الزاهدي هذا فسقط عن فرسه وخرجت له حدبة في ظهرومات في سنة ثلاث وتسعين وستمائة وكان مكان هذه الحدرة إخصاصًا وهي الآن مساكن بينها زقاق يسلك فيه من رأس الحارة إلى رحبة الأفيال‏.‏

 

 

الخوخ والقصد إيراد ما هو مشهور من الخوخ أو لذكره فائدة وإلاّ فالخوخ والدروب والأزقة كثيرة جدًا‏.‏

 

 

الخوخ السبع كانت سبع خوخ فيما يقال متصلة باصطبل الطارمة يتوصل منها الخلفاء إذا أرادوا الجامع الأزهر فيخرجون من باب الديلم الذي هو اليوم باب المشهد الحسينيّ إلى الخوخ ويعبرون منها إلى الجامع الأزهر فإنه كان حينئذ فيما بين الخوخ والجامع رحبة كما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى وكان هذا الخط يعرف أوّلًا بخوخة الأمير عقيل ولم يكن فيه مساكن ثم عرف بعد انقضاء دولة الفاطميين بخط الخوخ السبع وليس لهذه الخوخ اليوم أثر البتة ويعرف اليوم بالأبارين‏.‏

 

 

باب الخوخة هو أحد أبواب القاهرة مما يلي الخليج في حدّ القاهرة البحري يُسلك إليه من سويقة الصاحب ومن سويقة المسعوديّ وكان هذا الباب يعرف أوّلًا بخوخة ميمون دبه ويخرج منه إلى الخليج خوخة ايدغمش‏:‏ هذه الخوخة في حكم أبواب القاهرة يُخرج منها إلى ظاهر القهرة د غلق الأبواب في الليل وأوقات الفتن إذا غُلقت الأبواب فينتهي الخارج منها إلى الدرب الأحمر واليابسة ويسلك من هناك إلى باب زويلة ويصار إليها من داخل القاهرة إما من سوق الرقيق أو من حارة الروم من درب أرقطاي وهذه الخوخة بجوار حمّام أيدغمش‏.‏

 

 

وهو ايدغمش الناصري الأمير علاء الدين أصله من مماليك الأمير سيف الدولة بلبان الصالحيّ ثم صار إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون فلما قدم من الكرك جعله أمير أخور عوضًا عن بيبرس الحاجب ولم يزل حتى مات الملك الناصر فقام مع قوصون ووافقه على خلع الملك المنصور أبي بكر بن الملك الناصر ثم لما هرب الطنبغا الفخري اتفق الأمراء مع أدغمش على الأمير قوصون فوافقهم على محاربته وقبض على قوصون وجماعته وجهزهم إلى الاسكندرية وجهز من أمسك الطنبغا ومن معه وأرسلهم أيضًا إلى الإسكندرية وصار ايدغمش في هذه النوبة هو المشار إليه في الحلّ والعقد فأرسل ابنه في جماعة من الأمراء والمشايخ إلى الكرك بسبب إحضار أحمد بن الملك الناصر محمد فلما حضر أحمد من الكرك وتلقب بالملك الناصر واستقرّ أمره بمصر أخرج إيدغمش نائبًا بحلب فسار إلى عين جالوت وإذا بالفخري قد صار إليه مستجيرًا به فآمنه وأنزله في خيمة فلما ألقى عنه سلاحه واطمأنّ قبض عليه وجهز إلى الملك الناصر أحمر وتوجه إلى حلب فأقام بها إلى أن استقرّ الملك الصالح إسماعيل بن محمد في السلطنة نقله عن نيابة حلب إلى نيابة دمشق فدخلها في يوم العشرين من صفر سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة ومازال بها إلى يوم الثلاثا ثالث جمادى الآخرة منها‏.‏

 

 

فعاد من مطعم طيوره وجلس بدار السعادة حتى انقضت الخدمة وأكل الطاري وتحدّث ثم دخل إلى داره فإذا جواريه يختصمن فضرب واحدة منهنّ ضربتين وشرع في الضربة الثالثة فسقط ميتًا ودفن من الغد في تربته خارج ميدان الحصى ظاهر دمشق وكان جوادًا كريمًا وله مكانة عند الملك الناصر الكبير بحيث أنّه أمّر أولاده الثلاثة وكان قد بعث الملك الصالح بالقبض عليه فبلغ القاصد موته في قطيا فعاد‏.‏

 

 

خوخة الأرقي بحارة الباطلية يخرج منها إلى سوق الغنم وغيره وهي بجوار داره‏.‏

 

 

خوخة عسيلة هذه الخوخة من الخوخ القديمة الفاطمية وهي بحارة الباطلية مما يلي حارة الديلم في ظهر الزقاق المعروف بخرابة العجيل بجوار دار الست حدق‏.‏

 

 

هذه الخوخة بجوار حبس الديلم قريبة من دار الصالح طلائع بن رزبك التي هدمها ابن قايمار وعمرها وكانت تعرف هذه الخوخة أوّلًا بخوخة بحتكين وهو الأمير جمال الدولة بحكتين الظاهريّ ثم عرفت بخوخة الصالح طلائع بن رزبك لأنّ داره كانت هناك وبها كان سكنه قبل أن يلي وزارة الظافر‏.‏

 

 

خوخة المطوع هذه الخوخة بحارة كتامة في أوّلها مما يلي الجامع الأزهر عند اصطبل الحسام الصفدي عرفت بالمطوع الشيرازي‏.‏

 

 

خوخة حسين هذه الخوخة في الزقاق الضيق المقابل لمن يخرج من درب الأسوانيّ ويسلك فيه إلى حكر الرصاصيّ بحارة الديلم ويعرف هذا الزقاق بزقاق المزار وفيه قبر تزعم العامّة ومن لا علم عنده أنه قبر يحيى بن عقب وأنه كان مؤدّبًا للحسين بن عليّ بن أبي طالب وهو كذب مختلق وأفك مفتري‏.‏

 

 

كقولهم في القبر الذي بحارة برجوان أنه قبر جعفر الصادق وفي القبر الآخر أنه قبر أبي تراب النخشبيّ وفي القبر الذي على يسرة من خرج من باب الحديد ظاهر زويلة أنه قبر زارع النوي وأنه صحابيّ وغير ذلك من أكاذيبهم التي اتخذها لهم شياطينهم أنصابًا ليكونوا لهم عزًّا وسيأتي الكلام على هذه المزارت في مواضعها من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

وحسين هذا‏:‏ هو الأمير سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء صهر بني رزبك وكان كرديًا قدّمه الصالح بن رزبك ابن الصالح لما وليّ الوزارة ونوه به فلما مات وقام من بعده ابنه رزبك بن الصالح في الوزارة كان حسين هذا هو مدبر أمره بوصية الصالح واستشار حسينًا في صرف شارو  ولاية قوص فأشار عليه بإبقائه فأبى وولى الأمير أبي الرفعة مكانه وبلغ ذلك شارو فخرج من قوص إلى طريق الواحات فلما سمع رزبك بمسيره رأى في النوم منامًا عجيبًا فأخبر حسينًا بأنه رأى منامًا فقال‏:‏ إن بمصر رجلًا يقال له أبو الحسن عليّ بن نصر الأرتاجيّ وهو حاذقي التعبير فأحضره وقال‏:‏ رأيت كأنّ القمر قد أحاط به حنش وكأنني روّاس في حانوت‏

 

 

فغالطه الأرتاجي في تعبير الرؤيا وظهر ذلك لحسين فأمسك حتى خرج‏.‏

 

 

وقال له‏:‏ ما أعجبني كلامك والله لابدّ أن تصدقني ولا بأس عليك‏

 

 

فقال‏:‏ يا مولاي القمر عندنا هو الوزير كما أن الشمس الخليف والحنش المستدير عليه حبس مصحف وكونه روّاس اقبلها تجدها شر مصحفًا وما وقع لي غير هذا‏

 

 

فقال حسين‏:‏ اكتم هذا عن الناس‏

 

 

وأخذ حسين في الهتمام بأمره ووطأ أنه يري التوجه إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان قد أحسن إلى أهلها وحمل إليها مالًا وقماشًا وأودعه عند من يثق به هذا وأمر شارو يقى ويتزايد ويصل الأرجاف به إلى أن قرب من القاهرة فصاح الصائح في بني رزبك وكانوا أكثر من ثلاثة آلاف فارس فأوّل من نجا بنفسه حسين وسار فسأل عنه رزبك فقالوا‏:‏ خرج‏

 

 

فانقطع قلبه لأن حسينًا كان مذكورًا بالشجاعة مشهورًا بها وله تقدّم في الدولة ومكانة وممارسة للحروب وخبرة بها ولم يثبت بعد خروج حسين بل انهزم إلى ظاهر اطفيح فقبض عليه ابن النيض مقدّم العرب وأحضره إلى شارو فحبسه وصدقت رؤياه ومات حسين في سنة‏.‏

 

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 خوخة الحلبي

 

 

 

هذه الخوخة في آخر اصطبل الطارمة بجوار حمّام الأمير علم الدين سنجر الحلبيّ وفي ظهر داره‏.‏

 

 

سنجر الحلبيّ‏:‏ أحد المماليك الصالحية ترقّى في الخدم إلى أن ولاّه الملك المظفر سيف الدين قطز نيابة دمشق فلما قتل قطز على عين جالوت وقالم من بعده في السلطنة بالديار المصرية الملك الظاهر بيبرس ثار سنجر بدمشق في سنة ثمان وخمسين وستمائة ودعا إلى نفسه وتلقب بملك المجاهد وبقي أشهرًا والملك الظاهر يكاتب أمراء دمشق إلى أن خامروا على سنجر وحاصروه بقلعة دمشق أيامًا فلما خشي أن يُقبض عليه فرّ من القلعة إلى بعلبك فجهز إليه الظاهر الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري وما زال يحاصره حتى أخذه أسيرًا وبعث به إلى الديار المصرية فاعتقله الظاهر ومازال في العتقال من سنة تسع وخمسين إلى سنة تسع وثمانين وسبعمائة مُدّة تنيف على ثلاثين سنة مدّة أيام الملك الظاهر وولديه وأيام الملك المصور قلاوون فلما ولي الملك الأشرف خليل بن قلاوون أخرجه من السجن وخلع عليه وجعله أحد الأمراء الأكابر على عادته فلم يزل أميرًا بمصر إلى أن مات على فراشه في سنة اثنين وتسعين خوخة الجوهرة‏:‏ هذه الخوخة بآخر حارة زويلة عرفت اليوم بخوخة الوالي لقربها من دار الأمير علاء الدين الكورانيّ والي القاهرة وكان من خير الولاة يحفظ كتاب الحاوي في الفقه على مذهب الإمام الشايّ رضي الله عنه وأقام في ولاية القاهرة من محرّم سنة تسع وأربعين وسبعمائة بعد استدمر القلنجيّ وإلى القاهرة إلى خوخة مصطفى هذه الخوخة بآخر زقاق الكنيسة من حارة زويلة يخرج منها إلى القبو الذي عند حمّام طاب الزمان المسلوك منه إلى قبو منظرة اللؤلؤة على الخليج عرفت بالأمير فارس المسكين مصطفى أحد أمراء بني أيوب الملوك وهو أيضًا صاحب هذا الحمّام‏.‏

 

 

خوخة ابن المأمون‏:‏ هذه الخوخة في حارة زويلة بالدرب الذي بقرب حمام الكوبك ويقال لهذه الخوخة اليوم باب حارة زويلة وأصلها خوخة في درب ابن المأمون البطايحي‏

 

 

خوخة كوتية أق سنقر‏:‏ هذه الخوخة في الزقاق الذي يظهر المدرسة الفهرية بآخر سويقة الصاحب كان يسلك منها إلى الخليج من جوار باب الذهب وموضعها بحذاء بيت القاضي أمين الدين ناظر الدولة ولم تزل إلى أن بنى المهتار عبد الرحمن البابا داره بجوارها في سني بضع وتسعين بعمائة فسدّها وعرفت هذه الخوخة أخيرًا بخوخة المسيري وهو قمر الدين بن السعيد المسيري‏.‏

 

 

خوخة أمير حسين‏:‏ هذه الخوخة من جملة الوزيرية يخرج منها إلى تجاه قنطرة أمير حسين فتحها الأمير شرف الدين حسين بن أبي بكر بن إسماعيل بن حيدرة بيك الرومي حين بنى القنطرة على الخليج الكبير وأنشأ الجامع بحكر جوهر التوبي‏

 

 

وجرى في فتح هذه الخوخة أمر لا بأس بإيراده‏:‏ وهو أن الأمير حسين قصد أن يفتح في السور خوخة لتمرّ الناس من أهل القاهرة فيها إلى شارع بين السورين ليعمر جامعه فمنعه الأمير علم الدين سنجر الخازن وإلي القاهرة من ذلك إلاّ بمشاورة السلطان الملك الناصر محمد بن قلون وكان للأمير حسين إقدام على السلطان وله به مؤانسة فعرّفه أنه أنشأ جامعًا وسأله أن يفسح له في فتح مكان من السور ليصير طريقًا نافذًا يمرّ فيه الناس من القاهرة ويخرجون إليه فأذن له في ذلك وسمح به فنزل إلى السور وخرق منه قدر باب كبير ودهن عليه رنكه بعد ما ركب هناك بابًا ومرّ الناس منه واتفق أنه اجتمع بالخازن والي القاهرة وقال له على سبيل المداعبة‏:‏ كم كنت تقول ما أخليك تفتح في السور بابًا حتى تشاور السلطان هاأنا قد شاورته وفتحت بابًا على رغم أنفك فحنق الخازن من هذا القول وصعد إلى القلعة ودخل على السلطان وق‏:‏ يا خوند أنت رسمت للأمير شرف الدين أن يفتح في السور بابا وهو سور حصين على البلد‏

 

فقال السلطان‏:‏ إنما شاروني أن يفتح خوخة لأجل حضور الناس للصلاة في جامعه‏

 

 

فقال الخازن‏:‏ يا خوند ما فتح إلاّ بابًا يعادل زويلة وعمل عليه رنكة وقصد يعمل سلطانًا على البارد وما جرت عادة أحد بفتح سور البلد‏

 

 

فأثر هذا الكلام من الخازن في نفس السلطان أثرًا قبيحًا وغضب غضبًا شديدًا وبعث إلى النائب وقد اشتدّ حنقه بأن يسفر حسين بن حيدر إلى دمشق بحيث لا يبيت في المدينة فخرج من يومه من البلد بسبب ما تقدّم ذكره‏.‏

 

 

الرحاب الرحبة بإسكان الحاء وفتحها‏:‏ الموضع الواسع وجمعها رحاب‏

 

 

اعلم أنّ الرحاب كثيرة لا تتغير إلاّ بأن يبني فيها فتذهب ويبقى اسمها أو يبني فيها ويذهب اسمها ويُجهل وربما انهدم بنيان وصار موضعه رحبة أو دارًا أو مسجدًا والغرض ذكر ما فيه فائدة‏.‏

 

 

رحبة باب العيد هذه الحربة كان أوّلها من باب الريح أحد أبواب القصر الذي أدركنا هدمه على يد الأمير جمال الدين الاستادار في سنة إحدى عشرة وثمانمائة وإلى خزانة البنود وكانت رحبة عظيمة في الطول والعرض غاية في الإتساع يقف فيها العساكر فارسها وراجلها في أيام مواكب الأعياد ينتظرون ركوب الخليفة وخروجه من باب العيد ويذهبون في خدمته لصلاة العيد بالمصلى خارج باب النصر ثم يعودون إلى أن يدخل من الباب المذكور إلى القصر وقد تقدّم ذكر ذلك ولم تزل هذه الرحبة خالية من البناء إلى ما بعد الستمائة من الهجرة فاختط فيها الناس وعمروا فيها الدور والمساجد وغيرها فصارت خطة كبيرة من أجل اخطاط القاهرة وبقي اسم رحبة باب العيد باقيًا عليها لا تعرف إلاّ به‏.‏

 

 

هذه الرحبة كانت قبليّ القصر الكبير الشرقيّ في غاية الأتساع كبيرة المقدار وموضعها من حيث دار الأمير الحاج أل ملك بجوار المشهد الحسينيّ والمدرسة الملكية إلى باب قصر الشوك عند خزانة البنود وبينها وبين رحبة باب العيد خزانة البنود والسفينة وكان السالك من باب الديلم الذي هو اليوم المشهد الحسيني إلى خزانة البنود يمرّ في هذه الرحبة ويصير سور القصر على يساره والمناخ ودار افتكين على يمينه ولا يتصل بالقصر بنيان ألبتة وما زالت هذه الرحبة باقية إلى أن خرب القصر بفناء أهله فاختط الناس فيها شيئًا بعد شيء حتى لم يبق منها سوى قطعة صغيرة تعرف برحبة الأيد مري‏.‏

 

 

رحبة الجامع الأزهر هذه الرحبة كانت أم الجامع الأزهر وكانت كبيرة جدًّا تبتدىء من خط اصطبل الطارمة إلى الموضع الذي فيه مقعد الأكفانيين اليوم ومن باب الجامع البحريّ إلى حيث الخرّاطين‏.‏

 

 

ليس بين هذه الرحبة ورحبة قصر الشوك سوى اصطبل الطارمة فكان الخلفاء حين يصلّون بالناس بالجامع الأزهر تترجل العساكر كلها وتقف في هذه الرحبة حتى يدخل الخليفة إلى الجامع وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى عند ذكر الجوامع‏.‏

 

 

ولم تزل هذه الرحبة باقية إلى أثناء الدولة الأيوبية فشرع الناس في العمارة بها إلى أن بقي منها قدّام باب الجامع البحري هذا القدر اليسير‏.‏

 

 

رحبة الحلي هذه الرحبة الآن من خط الجامع الأزهر ومن بقية رحبة الجامع التي تقدّم ذكرها عرفت بالقاضي نجم الدين أبي العباس أحمد بن شمس الدين عليّ بن نصر الله بن مظفر الحليّ التاجر العادل لأنها تجاه داره‏.‏

 

 

رحبة البانياسي هذه الرحبة بدرب الأتراك تجاه دار الأمير طيدمر الجمدار الناصري وعرفت بالأمير نجم الدين محمود بن موسى البانياسيّ لأن داره كانت فيها ومسجده المعلق هناك ومات بعد سنة خمسمائة‏.‏

 

 

رحبة الأيدمري هذه الرحبة من جملة رحبة باب قصر الشوك وعرفت بالأيدمري لأنّ داره هناك‏.‏

 

 

والأيدمريّ‏:‏ هذا مملوك عز الدين أيدمر الحلي نائب السلطنة في أيام الملك الظاهر بيبرس ترقى في الخدم حتى تأمّر في أيام الملك الظاهر بيبرس وعلت منزلته في أيام الملك المنصور قلاوون ومات سنة سبع وثمانين وستمائة ودفن بتربته في القرافة بجوار الشافعي رضي الله ع.‏  

 

رحبة البدري هذه الرحبة يدخل إليها من رحبة الأيدمري من باب قصر الشوك ومن جهة المارستان العتيق وهي من جملة القصر الكبير عرفت بالأمير بيدمر البدري صاحب المدرسة البدرية فإن داره هناك‏.‏

 

 

رحبة ضروط هذه الرحبة بجوار دار أيّ ملك وهي من جملة رحبة قصر الشوك عرفت بالأمير ضروط الحاجب فإنه كان يسكن هناك‏.‏

 

 

رحبة أقبغا هذه الرحبة هي الآن سوق الخيميين وهي من جملة رحبة الجامع الزهر التي مرّ ذكرها عُرفت بالأمير اقبغا عبد الواحد أستادار الملك الناصر وصاحب المدرسة الأقبغاوية‏.‏

 

 

رحبة مقبل‏:‏ هذه الرحبة كانت تعرف بخط بين المسجدين لأنّ هناك مسجدين أحدهما يقابل الآخر ويسلك من هذه الرحبة إلى سويقة الباطلية وإلى زقاق تريده وعرفت أخيرًا بالأمير زين الدين مقبل الرومي جاندار الملك برقوق‏

 

 

رحبة ألدمر‏:‏ هذه الرحبة في الدرب أوّل سوق الفرّايين مما يلي الأكفانيين عرفت بالأمير سيف الدين الدمر الناصريّ المقتول بمكة‏

 

 

رحبة قردية‏:‏ هذه الرحبة بخط الاكفانين تجاه دار الأمير قردية الجمدار الناصريّ وكانت هذه الدار تعرف قديمًا بالأمير سنجر الشكاري وله أيضًا مسجد معلق يدخل من تحته إلى الرحبة المذكورة وهناك اليوم قاعة الذهب التي فيها الذهب الشريط لعمل المزركش‏

 

 

رحبة المنصوريّ‏:‏ قبالة دار المنصوريّ عرفت بالأمير قطلوبغا المنصوري المقدّم ذكره‏

 

 

رحبة المشهد‏:‏ هذه الرحبة تجاه المشهد الحسيني كانت رحبة فيما بين باب الديلم أحد أبواب القصر الذي هو الآن المشهد الحسيني وبين اصطبل الطارمة‏

 

 

رحبة أبي البقاء‏:‏ هذه الرحبة من جملة رحبة باب العيد تجاه باب قاعة ابن كتيلة بخط السفينة عرفت بقاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء محمد بن عبد البرّ بن يحيى بن عليّ بن تمام السبكيّ الشافعيّ ومولده في سنة سبع وسبعمائة أحد العلماء الأكابر تقلد قضاء القضاة بدر مصر والشام ومات في‏.‏

 

 

‏.‏

 

‏.‏

 

رحبة الحجازية‏:‏ هذه الرحبة تجاه المدرسة الحجازية وهي من جملة رحبة باب العيد عرفت برحبة الحجازية‏

 

 

رحبة قصر بشتاك‏:‏ هذه الرحبة تجاه قصر بشتاك وهي من جملة الفضاء الذي بين القصرين‏

 

 

رحبة سلار‏:‏ تجاه حمام البيسري ودار الأمير سلار نائب السلطنة هي أيضًا من جملة الفضاء الذي كان بين القصرين‏

 

 

رحبة الفخري‏:‏ هذه الرحبة بخط الكافوري تجاه دار الأمير سيف الدين قطلوبغا الطويل الفخري السلاح دار الأشرفيّ أحد أمراء الملك الناصر محمد بن قلاوون‏

 

 

رحبة الأكز‏:‏ بخط الكافوري هذه الرحبة تجاه دار الأمير سيف الدين الأكز الناصري الوزير وتعرف أيضًا برحبة الأبوبكري لأنها تجاه دار الأمير سيف الدين الأبوبكري السلاح دار الناصريّ وهي شارعة في الطريق يسلك إليها من دار الأمير تنكز ويتوصل منها إلى جار الأمير مسد وبقية الكافوري‏.‏

 

 

رحبة جعفر‏:‏ هذه الرحبة تجاه حارة برجوان يشرف عليها شباك مسجد تزعم العوام أن فيه قبر جعفر الصادق‏

 

 

وهو كذب مختلق وأفك مفتري ما اختلف أخف من أهل العلم بالحديث والآثار والتاريخ والسيرّ أنّ جعفر بن محمد الصادق عليه السلام مات قبل بناء القاهرة بدهر وذلك أنه مات سنة ثمان وأربعين ومائة والقاهرة بلا خلاف اختطت في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة بعد موت جعفر الصادق بنحو مائتي سنة وعشر سنين والذي أظنه أن هذا موضع قبر جعفر بن أمير الجيوش بدر الجمالي المكنّى بأبي محمد الملقب بالمظفر ولما ولي أخوه الأفضل ابن أمير الجيوش الوزارة من بعد أبيه جعل أخان المظفر جعفرًا يلي العلامة عنه ونعت بالأجل المظفر سيف الإمام جلال الإسلام شرف الأنام ناصر الدين خليل أمير المؤمنين أبي محمد جعفر بن الجيوش بدر الجمالي وتوفي ليلة الخميس لسبع خلون من جمادى الأولى سنة أربع عشرة وخمسمائة مقتولًا يقال قتله خادمه جوهر بمباطنة من القائد أبي عبد الله محمد بن فاتك البطايحي ويقال بل كان يخرج ي الليل يشرب فجاء ليلة وهو سكران فمازحه دراب حارة برجوان وتراميا بالحجارة فوقعت ضربة في جنبه آلت به إلى الموت والذي نقل أنّه دفن بتربة أبيه أمير الجيوش فإما أن يكون دفن أوّلًا ثم نقل أو لم يدفن هنا ولكنه من جملة ما ينسب إليه فإنه بجوار دار المظفر التي من جملتها دار قاضي القضاة شمس الدين محمد الطرابلسي وما قاربها كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى عند ذكر دار المظفر‏.‏

 

 

رحبة الأفيال‏:‏ هذه الرحبة من جملة حارة برجوان يتوصل إليها من رأس الحارة ويسلك في حدرة الزاهديّ إليها وأدركته ساحة كبيرة والمشيخة تسميها رحبة الأفيال وكذا يوجد في مكاتيب الدور القديمة ويقال أنّ الفيلة في أيام الخلفاء كانت تربط بهذه الرحبة أمام دار الضيافولم تزل خربة إلى ما بعد سنة سبعين وسبعمائة فعمر بها دويرات ووجد فيها بئر متسعة ذات وجهين تشبه أن تكون البئر التي كانت سوّاس الفيلة يستقون منها ثم طمت هذه البئر بالتراب‏.‏

 

 

رحبة مازن‏:‏ هذه الرحبة بحارة برجوان تجاه باب دار مازن التي خربت وفيها المسجد المعروف بمسجد بني الكوبك‏

 

 

رحبة أقوش‏:‏ هذه الرحبة بحارة برجوان تجاه قاعة الأمير جمال الدين أقوش الرومي السلاح دار الناصريّ التي حل وقفها بهاء الدين محمد بن البرجي ثم بيعت من بعده ومات أقوش سنة خمس وسبعمائة‏

 

 

رحبة برلغي‏:‏ هذه الرحبة عند باب سرّ المدرسة القرسنقرية تجاه دار الأمير سيف الدين برلغي الصغير صهر الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير وهذه الرحبة من جملة خط داء الوزارة‏

 

 

رحبة لؤلؤ‏:‏ هذه الرحبة بحارة الديلم في الدرب الذي بخط ابن الزلابي وهي تجاه دار الأمير بدر الدين لؤلؤ الزردكاش الناصري وهو من جملة من فرّ مع الأمير قراسنقر وأقوس الأفرم إلى رحبة كوكاي‏:‏ هذه الرحبة بحارة زويلة وهي التي فيها البئر السائلة بالقرب من المدالعاشورية عرفت بالأمير ابن أبي ذكرى وهي من الرحاب القديمة التي كانت أيام الخلفاء وبها الآن سوق حارة اليهود القرّايين‏.‏

 

 

رحبة بيبرس‏:‏ هذه الرحبة يتوصل إليها من سويقة المسعوديّ ومن حمام ابن عبود عرفت بالملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير فإنّ بصدرها داره التي كانت سكنه قبل أن يتقلد سلطنة ديار مصر وقد حلّ وقفها وبيعت‏

 

 

رحبة بيبرس الحاجب‏:‏ هذه الرحبة بخط حارة العدوية عند باب سر الصاغة عرفت بالأمير بيبرس الحاجب لأنّ داره بها وبيبرس هذا هو الذي ينسب إليه غيط الحاجب بجوار قنطرة الحاجب وبهذه الرحبة الآن فندق الأمير الطواشي زمام الدور السلطانية زين الدين مقبل وبه صار الآن ه الخط يعرف بخط فندق الزمام بعدما كنا نعرفه يعرف بخط رحبة بيبرس الحاجب‏.‏

 

 

رحبة الموفق‏:‏ تعرف هذه الرحبة بحارة زويلة تجاه دار الصاحب الوزير موفق الدين أبي البقاء هبة الله بن إبراهيم المعروف بالموفق الكبير وهي بالقرب من خوخة الموفق المتوصل منها إلى الكافوري من حارة زويلة‏

 

 

رحبة أبي تراب‏:‏ هذه الرحبة فيما بين الخرشنف وحارة برجوان تشبه أن تكون من جملة الميدان ادركتها رحبة بها كيمان تراب وسبب نسبتها إلى أبي تراب أن هناك مسجدًا من مساجد الخلفاء الفاطميين تزعم العامّة ومن لا خلاق له أن به قبر أبي تراب النخشبيّ وهذا القول من أب الباطل وأقبح شيء في الكذب فإنّ أبا تراب النخشبي هو أبو تراب عسكر بن حصين النخشبي صحب حاتمًا الأصم وغيره وهو منمشايخ الرسالة ومات بالبادية نهشته السباع سنة خمس وأربعين ومائتين قبل بناء القاهرة بنحو مائة وثلاث سنين وقد أخبرني القاضي الرئيس تاج الدين أبو الفداء إسماعيل بن أحمد بن عبد الوهاب بن الخطباء المخزومي خال أبي رحمه الله قبل أن يختلط قال‏:‏ أخبرني مؤدّبي الذي قرأت عليه القرآن أن هذا المكان كان كومًا وأن شخصًا حفر فيه ليبني عليه دارًا فظهرت له شرافات فما زال يتبع الحفر حتى ظهر هذا المسجد فقال الناس‏ذا أبو تراب من حينئذ ويؤيد ما قال‏:‏ أني أدركت هذا المسجد محفوفًا بالكيمان من جهاته وهو نازل في الأرض ينزل إليه بنحو عشر درج في الأرض وما برح كذلك إلى ما بعد سنة ثمانين وسبعمائة فنقلت الكيمات التراب التي كانت هناك حوله وعمر مكانها ما هنالك من دور وعمل علا درب من بعدسنة تسعين وسبعمائة وزالت الرحبة والمسجد على حاله وأنا قرأت على بابه في رخامة قد نقش عليها بالقلم الكوفيّ عدّة اسطر تتضمن أنّ هذا قبر أبي تراب حيدرة ابن المستنصر بالله أحد الخلفاء الفاطميين‏.‏

 

 

وتاريخ ذلك فيما أظنّ بعد الأربعمائة ثم لما كان في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة سوّلت نفس بعض السفهاء من العامّة له أن يتقرّب بزعمه إلى الله تعالى بهدم هذا المسجد ويعيد بناءه فجبى من الناس مالًا شحذه منهم وهدم المسجد وكان بناء حسنًا وردمه بالتراب نحو سبعة أذرع حتى ساوى الأرض التي تسللت المارّة منها وبناه هذا البناء الموجود الآن وبلغني أن الرخامة التي كانت على الباب نصبوها على شكل قبرأ حدثوه في هذا المسجد وبالله ان الفتنة بهذا المكان الآخر من حارة برجوان الذي يعرف بجعفر الصادق لعظيمة فإنهما صارا كالأنصاب التي كانت تتخذها مشركوا العرب يلجأ إليهما سفهاء العامّة والنساء في أوقات الشدائد ويُنزلون بهذين الموضين كَرْبَهم وشدائدهم التي لا ينزلها البد إلا بالله ربه ويسألون في هذين الموضعين ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى وحده من وفاء الدين من غير جهة معينة وطلب الولد ونحو ذلك ويحملون النذور من الزيت وغيره إليهما ظنًا أن ذلك ينجيهم من المكاره ويجلب إليهم المنافع ولعمري إنْ هي إلاّ كرّة خاسرة ولله الحمد على السلامة‏.‏

 

 

رحبة أرقطاي‏:‏ هذه الرحبة بحارة الروم قدّام دار الأمير الحاج أرقطاي نائب السلطنة بالديار المصرية‏

 

 

رحبة ابن الضيف‏:‏ هذه الرحبة بحارة الديلم وهي من الرحاب القديمة عرفت بالقاضي أمين الملك إسماعيل بن أمين الدولة الحسن بن عليّ بن نصر بن الضيف وفي هذه الرحبة الدار المعروفة بأولاد الأمر طنبغا الطويل بجوار حكر الرصاصيّ وتعرف هذه الرحبة أيضًا بحمدان البزازو بن المخزومي‏.

 

 

رحبة وزير بغداد‏:‏ هذه الرحبة بدرب ملوخيا عرفت بالأمير الوزير نجم الدين محمود بن عليّ بن شردين المعروف بوزير بغداد قدم إلى مصر يوم الجمعة ثامن صفر سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة وهو وحسام الدين حسن بن محمد بن محمد الغوريّ الحنفيّ فارّين من العراق بعد قتل موسىلك التتر فأنعم عليه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون باقطاع أمرة تقدمة ألف‏.‏

 

 

مكان الأمير طازبغا عند وفاته في ليلة السبت ثامن عشري جمادى الأولى من السنة المذكورة‏.‏

 

 

فلما مات الملك الناصر محمد بن قلاون وقام في الملك من بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر بن محمد قلد الوزارة بالديار المصرية للأمير نجم الدين محمود وزير بغداد في يوم الاثنين ثالث عشر المحرّم سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة‏.‏

 

 

وبنى له دار الوزارى بقلعة الجبل وأدركناها دار النيابة وعمل له فيها شباك يجلس فيه وكان هذا قد أبطله الملك الناصر محمد وخربت قاعة الصاحب فلم يزل إلى أن صُرف في أيام الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاون عن الوزارة بالأمير ملكتمر السرجواني في مستهل رجب سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة ثم أعيد في آخر ذي الحجة بعد تمنع منه واشترطأنيكون جمال الكفاة ناظر الخاص معه صفة مشير فأجيب إلى ذلك فلما قبض على جمال الكفاة صُرف وزير بغداد وولي بعده الوزارة الأمير سيف الدين ايتمش الناصريّ في يوم الأربعاء ثاني عشر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين بحكم استعفائه منها فباشرها أيتمش قليلًا وسأل أن يُعفى من المباشرة فأعفي وذلك لقلة المتحصل وكثرة المصروف في الأنعام على الجواري والخدّام وحواشيهم وكانت الكلف في كل سنة ثلاثين ألف ألف دينار والمتحصل خمسة عشر ألف ألف نحو النصف ومرتب السكَّر في شهر رمضان كان ألف قنطار فبلغ ثلاثة آلاف قناطر‏.‏

 

 

رحبة الجامع الحاكمي‏:‏ هذه الرحبة من غير قاهرة المعز التي وضعها القائد جوهر وكانت من جملة الفضاء الذي كان بين النصر والمصلى فلما زاد أمير الجيوش بدر الجمالي في مقدار السور صارت من داخل باب النصر الآن وكانت كبيرة فيما بين الحجر والجامع الحاكمي وفيما بين ب النصر القديم وباب النصر الموجود الآن ثم بني فيها المدرسة القاصدية التي هي تجاه الجامع‏.‏

 

 

وما في صفها إلى حمّام الجاولي وبنى فيها الشيخ قطب الدين الهرماس دارًا ملاصقة لجدار الجامع ثم هدمت كما سيأتي في خبرها إن شاء الله تعالى عند ذكر الدور وفي موضعها الآن الرابع والحوانيت سفله والقاعة الجاري ذلك في أملاك ابن الحاجب وادركت إنشاءها فيما بعد سنة ثلاثين وهذه الرحبة تؤخذ أجرتها لجهة وقف الجامع‏.‏

 

 

رحبة كتبغا‏:‏ هذه الرحبة من جملة اصطبل الجميزة وهي الآن من خط الصيارف يسلك إليها من الجملون الكبير بسوق الشرابشيين ومن خط طواحين الملحيين وغيره عرفت بالملك العادل زين الدين كتبغا فإنها تجاه داره التي كان يسكنها وهو أمير قبل أن يستقرّ في السلطنة وسكنها بن من بعده فعرفت به ثم حل وقفها في زمننا وبيعت‏.‏

 

 

رحبت خوند‏:‏ هذه الرحبة بآخر حارة زويلة فيما بينها وبين سويقة المسعوديّ يتوصل إليها من درب الصقالبة ومن سويقة المسعوديّ وهي الرحاب القديمة كانت تعرف في أيام الخلفاء برحبة ياقوت وهو الأمير ناصر الدولة ياقوت‏

 

 

والي قوص أحد أجلاّء الأمراء ولما قام طلائع ابن رزبك بالوزارة في سنة تسع وأربعين وخمسمائة هم ناصر الدولة ياقوت بالقيام عليه فبلغ طلائع الملقب بالصالح بن رزبك ذلك فقبض عليه وعلى أولاده واعتقلهم في يوم الثلاثاء تاسع عشرى ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة فلما يزل في الاعتقال إلى أن مات فيه يوم السبت سابع عشر رجب سنة ثلاث وخمسين فأخرج الصالح أولاده من الاعتقال وأمّرهم وأحسن إليهم ثم عرفت هذه الرحبة من بعده بولده الأمير ربيع الإسلام محمد بن ياقوت ثم عرفت في الدولة الأيوبية برحبة ابن منقذ وهو الأمير سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ ثم عرفت برحبة القلك المسيريّ وهو الوزير فلك الدين عبد الرحمن المسيري وزير الملك العادل أبي بكر بن الملك العادل بن أيوب ثم عرفت الآن برحبة خوند وهي الست الجليلة اردوتكين ابنة نوغيه السلاح دار زوج الملك الأشرف خليل بن قلاون وامرأة أخيه من بعده الملك الناصر محمد وهي صاحبة تربة الست خارج باب القرافة وكانت خيرة وماتت أيما في سنة أربع وعشرين وسبعمائة‏.‏

 

 

رحبة قراسنقر‏:‏ هذه الرحبة برأس حارة بهاء الدين تجاه دار الأمير قراسنقر وبها الآن حوض تشرب منه الدواب‏

 

 

رحبة بيغرا‏:‏ بدرب ملوخيا عرفت بالأمير سيف الدين بيغرا لأنها تجاه داره بظاهر باب النصر لأنها تجاه داره‏

 

 

رحبة سنجر‏:‏ هذه الرحبة بحارة الصالحية في آخر درب المنصوريّ عرفت بالأمير سنجر الجمقدار علم الدين الناصريّ لأنها تجاه جاره ثم عرفت برحبة ابن طرغاي وهو الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير سيف طرغاي الجاشنكير نائب طرابلس‏

 

 

رحبة ابن علكان‏:‏ هذه الرحبة بالجودرية في الدرب المجاور للمدرسة الشريفية عرفت بالأمير شجاع الدين عثمان بن علكان الكرديّ زوج ابنة الأمير يازكوج الأسديّ وبابنه منها الأمير أبو عبد الله سيف الدين محمد بن عثمان وكان خيرًا استشهد على غزة بيد الفرنج في غُرّة ش ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وستمائة وكانت داره ودار أبيه بهذه الرحبة ثم عرفت بعد ذلك برحبة الأمير علم الدين سنجر الصيرفيّ الصالحيّ‏.‏

 

 

رحبة ازدمر‏:‏ بالجودرية هذه الرحبة بالرب المذكور أعلاه عُرفت بالأمير عز الدين ازدمي الأعمى الكاشف لأنها كانت أمام داره‏

 

 

رحبة الاخناي‏:‏ هذه الرحبة فيما بين دار الديباج والوزيرية بالقرب من خوخة أمير حسين عُرفت بقاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن قاضي القضاة علم الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران الأخناي المالكيّ لأنها تجاه داره وقد عمر عليها درب في أعوام بضع وتسعين وسبائة‏.‏

 

 

رحبة باب اللوق‏:‏ رحب باب اللوق خمس رحاب ينطلق عليها كلها الآن رحبة باب اللوق وبها تجتمع أصحاب الحلق وأرباب الملاعب والحرف كالمشعبذين والمخايلين والحواة والمتأففين وغير ذلك فيحشر هنالك من الخلائق للفرجة ولعمل الفساد ما لا ينحصر كثرة وكان قبل ذلك في حدود  قبل الثمانين وسبعمائة من سنيّ الهجرة إنما تجتمع الناس لذلك في الطريق الشارع

 

 

 

 

 

      

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 رحبة التبن

 

 

 

‏:‏ هذه الرحبة قريبة من رحبة باب اللوق في بحري منشأة الجوّانية شارعة في الطريق العظمي المسلوك فيها من رحبة باب اللوق إلى قنطرة الدكة ويتوصل إليها السالك من عدّة جهات وكانت هذه الرحبة قديمًا تقف بها الجمال بأحمال التبن لتباع هناك ثم أختطت وعمرت وصارت بها وقة كبيرة عامرة بأصناف المأكولات والخط إنما يُعرف برحبة التبن وقد خرب بعد سنة ست وثمانمائة‏.‏

 

 

رحبة الناصرية‏:‏ هذه الرحبة كانت فيما بين الميدان السلطانيّ والبركة الناصرية أيام كانت تلك الخطة عامرة وكان يتفق في ليالي أيام ركوب السلطان إلى الميدان في كل سن من الاجتماع والإنس ما ستقف على بعض وصفه عند ذكر المنتزهات إن شاء الله تعالى‏

 

 

وقد خربت الأماكن التي كانت هناك وجهلت هذه الربة إلاّ عند القليل من الناس‏.‏

 

 

رحبة ارغون ازكه‏:‏ والعامة تقول رحبة أزكي بياء وهي رحبة كبيرة بالقرب من البركة الناصرية وهذه الرحبة وما حولها من جملة بستان الزهريّ الآتي ذكره إن شاء الله في الأحكار وعرفت بالأمير ارغون أزكي‏

 

 

ذكر الدور قال ابن سيدة الدار‏:‏ المحل يجمع البناء والعرصة التي هي من داريدور لكثرة حركات الناس فيها والجمع أدور وأدؤر وديارة وديارات وديران ودور ودورات والدارة لغة في الدار والدار البلد والبيت من الشعر ما زاد على طريقة واحدة‏

 

 

وهو مذكر يقع على الصغير والكبير‏.‏

 

 

وقد يقال للمبنيّ والبيت أخص من غير الأبنية التي هي الأخبية بيت وجمع البيت أبيات وأباييت وبيوت وبيوتات والبيت أخر من الدار فكلّ دار بيت ولا ينعكس‏.‏

 

 

ولم تكن العرب تعرف البيت إلاّ الخباء ثم لما من سكنوا القرى والأمصار وبنوا بالمدر واللبن سموا منازلهم التي سكنوها دورًا وبيوتًا وكانت الفرس لا تبيح شريف البنيان كما لا تبيح شريف الأسماء إلاّ لأهل البيوتات كصنيعهم في النواويس والحمامات والقباب الخضر والشرف على حيطان الدار وكالقعد على الدهليز‏.‏

 

 

دار الأحمدي هذه الدار من جملة حارة بهاء الدين وبها مشترف عال فوق بدنة من بدنات سور القاهرة ينظر منه أرض الطبالة وخارج باب الفتوح وهي إحدى الدور الشهيرة عرفت بالأمير بيبرس بيبرس الأحمدي ركن الدين أمير جاندار تنقل في الخدم أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى أن صار أمير جاندار أحد المقدّمين فلما مات الملك الناصر قوي عزم قوصون على إقامة الملك المنصور أبي بكر بعد أبيه وخالف بشتاك فلما نسب المنصور إلى اللعب حضر لى باب القصر بقلعة الجبل وقال‏:‏ أيّ شيء هذا اللعب فلما ولي الناصر أحمد أخرجه لنيابة صفد فأقام بها ة ثم أحسن من الناصر أحمد بسوء فخرج من صفد بعسكره إلى دمشق وليس بها نائب فهمّ الأمراء بإمساكه ثم أخروا ذلك وأرسلوا إليه الإقامة فقدم البريد من الغد بإمساكه فكتب الأمراء من دمشق إلى السلطان يشفعون فيه فعاد الجواب بأنه لا بدّ من القبض عليه ونهب ماله وقطع رأسه وإرساله فأبوا من ذلك وخلعوا الطاعة وشقوا العصا جميعًا فلم يكن بأسرع من ورود الخبر من مصر بخلع الناصر أحمد وإقامة الصالح إسماعيل في الملك بدله والأحمدّي مقيم بصر تنكز من دمشق فورد عليه مرسوم بنيابة طرابلس فتوجه إليها واقام بها نحو الشهرين ثم طلب إلى مصر فسار إليها وأُخرج لمحاصرة أحمد بالكرك فحصره مدّة ولم ينل منه شيئًا ثم عاد إلى القاهرة فأقام بها حتى مات في يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرم سنة ست وأربعين وسبعمائة وله من العمر نحو الثمانين سنة وكان أحد الأبطال الموصوفين بقوّة النفس وشدّة العزم ومحبة الفقراء وإيثار الصالحين وله مماليك قد عرفوا بالشجاعة والنجدة وكان ممن يقتدي برأيه وتتبع آثاره لمعرفته بالأيام والوقائع وما برحت ذريته بهذه الدار إلى الآن وأظنها موقوفة عليهم‏.‏

 

 

دار قراسنقر هذه الدار برأس حارة بها الدين أنشأها الأمير شمس الدين قراسنقر وبها كان سكنه وهي إحدى الدور الجليلة ووجد بها في سنة أثنتي عشرة وسبعمائة لما أحيد بها اثنا وثلاثون ألف ألف دينار ومائة ألف وخمسون ألف درهم فضة وسروج مذهبة وغير ذلك فحمل الجميع إلى بيت المال ولم تزل جارية في أوقاف المدرسة القراسنقرية إلى أن اغتصبها الأمير جمال الدين يوسف الاستدار فيما اغتصب من الأوقاف وجعلها وقفًا على مدرسته التي أنشأها برحبة باب العيد فلما قتله الملك الناصر فرج بن برقوق وارتجع جميع ما خلفه وصار في جملة الأموال السلطانية ثم أفرد من الأوقاف التي جعلها جمال الدين على مدرسته شيئًا وجعل باقيها لأولاده وعلى تربته التي أنشأها على قبر أبيه الملك الظاهر برقوق بالصحراء تحت الجبل خارج باب النصر فلما قتل الملك الناصر فرج صارت هذه الدار بيد الأمير طوغان الدوادار وكانوا كسارق من سارق وما من قتيل يقتل إلاّ وعلى ابن آدم الأوّل كفل منه لأنه أوّل من سنّ القتل‏.‏

 

 

دار البلقيني هذه الدار تجاه مدرسة شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني من حارة بهاء الدين أنشأها قاضي العساكر بدر الدين محمد بن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقينيّ الشافعيّ‏.‏

 

 

ومات في يوم الخميس لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ولم تكمل فاشتراها أخوه قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام وكمّلها وبها الآن سكنه وهي من أجلّ دور القاهرة صورة ومعنا وقد ذَكرتُ الأخوين وأبيهما في كتابي المنعوت بدرر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة فأنظر هناك أخبارهم‏.‏

 

 

دار منكوتمر هذه الدار بحارة بهاء الدين بجوار المدرسة المنكوتمرية أنشأها المير منكوتمر نائب السلطنة بجوار مدرسته الآتي ذكرها عند ذكر المدارس إن شاء الله تعالى وهي من الدور الجليلة وبها إلى اليوم بعض ذريته وهي وقف‏.‏

 

 

دار المظفر هذه الدار كانت بحارة برجوان أنشأها أمير الجيوش بدر الجمالي إلى أن مات فلما ولي الوزارة من بعده ابنه الأفضل بن أمير الجيوش وسكن دار القباب التي عرفت بدار الوزارة وتقدّم ذكرها صار أخوه المظفر أبو محمد جعفر بن أمير الجيوش بهذه الدار فعرفت به وقيل لها دار المظفر وصارت من بعده دار الضيافة كما مرّ في هذا الكتاب‏.‏

 

 

وآخر ما أعرفه كانت ربعًا وحمّامًا وخرائب فسقط الرابع بعد سنة سبعين وسبعمائة وكانت الحمام قد خربت قبل ذلك فلم تزل خرابًا إلى سنة ثمان وثمانين وسبعمائة فشرع قاضي القضاة شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر الطرابلسيّ الحنفيّ في عمارتها فلما حفر اساس جداره القبليّ ظهر تحت الردم عتبة عظيمة من حجر صوّان مانع يشبه أن يكون عتبة دار المظفر وكان الأمير جهاركس الخليليّ إذ ذاك يتولى عمارة المدرسة التي أنشأها الملك الظاهر برقوق بخط بين القصرين فبعث بالرجال لهذه العتبة وتكاثروا على جرّها إلى العمارة فجعلها في المزمّلة التي تشرب منها الناس الماء بدهليز المدرسة الظاهرية وكمّل قاضي القضاة شمس الدين بناء داره وحيث كانت دار المظفر فجاءت من أحسن دور القاهرة وتحوّل إليها بأهله وما زال فيها حتى مات بها وهو متقلد وظيفة قضاء القضاة الحنفية بالديار المصرية في ليلة السبت الثامن عشر من ذي الحجة سنة تسع وتسعين وسبعمائة وله من العمر سبعون سنة وأشهر ومولده بطرابلس الشام وأخذ الفقه على مذهب أبي حنيفة رحمه الله عن جماعة من أهل طرابلس‏.‏

 

 

ثم خرج منها إلى دمشق فقرًا على صدر الدين محمد بن منصور الحنفيّ ووصل إلى القاهرة وقاضي الحنفية بها قاضي القضاة جمال الدين عبد الله التركمانيّ فلازمه وولاّه العقود وأجلسه ببعض حوانيت الشهود فتكسب ممن تحمل الشهادة مدّة‏.‏

 

 

وقرأ على قاضي القضاة سراج الهدى ولازمه فولًاه نيابة القضاء بالشارع فباشرها مباشرة مشكورة وأجازه العلامة شمس الدين محمد بن الصائغ الحنفيذ بالإفتاء والتدريس فلما مات صدر الدين بن منصور قلده الملك الظاهر برقوق قضاء القضاة مكانه في يوم الاثنين ثاني عشرى شهر ربيع الآخر سنة ست وثمانين وسبعمائة فباشر القضاء بعفة وصيانة وقوّة في الأحكام لها النهاية ومهابة وحرمة وصولة تذعن لها الخاصة والعامّة إلى أن صُرف في سابع عشر رمضان سنة أحدى وتسعين وسبعمائة بشيخنا قاضي القضاة مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم التركمانيّ فلم يزل إلى أن عزل مجد الدين ووليَ من بعده قاضي القضاة وناظر الجيوش جمال الدين محمود القيصريّ وهو ملازم داره وما بيده من التدريس وهو على حال حسنة وتجلد من الكافة إلى أن استدعها السلطان في يوم الثلاثاء تاسع شهر ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين وسبعمائة فقلّده وظيفة القضاء عوضًا عن محمود القيصري فلم يزل حتى مات من عامه رحمه الله تعالى وهذه الدار على يسرة من سلك من باب حارة برجوان طالبًا المسجد المسمة بجعفر وما الحمّام فإنها ي مكانها اليوم ساحة بجوار دار قاضي القضة شمس الدين ومن جملة حقوق دار المظفر رحبة دار ابن عبد العزيز هذه الدار بحارة برجوان على يمنة من سلك من باب الحارة طالبًا حمذام الرومي أيضًا من جملة دار المظفر كانت طاحونا ثم خربت فابتدأ عمارتها فخر الدين أبو جعفر محمد بن عبد اللطيف بن الكويك ناظر الأحباس ومات ولم تكمل فصارت لامرأته وابنة عمه خديجة فماتت في رجب سنة اثنتين وستين وسبعمائة وقد تزوّجت من بعده بالقاضي الرئيس بدر الدين حسن عبد العزيز بن عبد الكريم ابن أبي طالب بن علي بن عبد الله بن سيدهم النجميّ السيرواني فانتقلت إليه ومات في سنة أربع وسبعين وسبعمائة في العشرين من جمادى الأولى وورثه من بعد موته كريم الدين ابن أخيه‏.‏

 

 

وهو عبد الكريم بن أحمد بن عبد العزيز بن عبد الكريم بن أبي طالب بن عليّ بن عبد الله بن سيدهم ومات آخر ربيع الأوّل سنة سبع وثمانمائة عن سبعين سنة وولي نظر الجيوش بديار مصر للظهار برقوق فباعها لقريبه شمس الدين محمد بن عبد الله بن عبد العزيز وكملها وسكنها مدّة طويلة إلى أن باعها في سنة خمس وتسعين وسبعمائة بألفي دينار ذهبًا لخوند فاطمة ابنة الأمير منجك فوقفتها على عتقائها وهي إلى اليوم بيدهم وتعرف ببيت ابن عبد العزيز المذكور لطول سكنه بها وكان خيِّرًا عارفًا يلي كتابة ديوان الجيش وعدّة مباشرات ومات ليلة الثاني عشر من صفر سنة ثمان وتسعين وسبعمائة‏.‏

 

 

دار الجمقدار هذه الدار على يسرة من سلك من باب حارة برجوان تحت القبو طالبًا حمام الرومي عرفت بالأمير علم الدين سنجر الجمقدار من الأمراء البرجية وقدّمه الملك الناصر محمد تقدمة ألف بعد مجيئه من الكرك إلى مصر ثم أخرجه إلى الشام فأقام بها إلى أن حضر قطلوبغا الفخريّ في نوبة أحمد بالكرك فحضر معهم واستقرّ من الأمراء بالديار المصرية إلى أن مات يوم الجمعة تاسع رمضان سنة خمس وأربعين وسبعمائة وقد كبر وارتعش وكان روميًا ألثغ صار لخالد بن الزراد المقدّم فلما قبض عليه ومات في ثاني عشرى جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وسبعمائة تحت المقارع ارتُجعت عنه لديوان السلطان حسن فصارت في يد ورثته إلى أن باع بعض أولاده اسهمًا منها فاشتراها الأمير سودون الشيخوني نائب السلطنة ثم تنقلت وبعضها وقف بيد أولاد السلطان حسن بن محمد بن قلاوون إلى أن ملك ما تملك منها بالشراء قاضي القضاة عماد الدين أحمد بن عيسى الكركي وسكنها إلى أن سافر فصارت من بعده لورثته دار أقوش الرومي بحارة برجوان هذه الدار من أجلّ دور القاهرة وبابها من نحاس بديع الصنعة يشبه باب المارستان المنصوري وكان تجاهها اصطبل كبير يعلوه ربع فيه عدّة مساكن عرفت بالأمير جمال الدين أقوش الرومي السلاح دار الناصري وتوفي سنة سبع وسبعمائة وهي مما وقفه على تربته بالقرافة وقد خرب اصطبلها وعلوه وبيع نقض ذلك وتداعت الدار أيضًا للسقوط فبيت انقاضًا وصارت من جملة الأملاك‏.‏

 

 

دار بنت السعيدي هذه الدار بحارة برجوان عرفت بقاعة حنيفة بنت السعيدي إلى أن اشتراها شهاب الدين أحمد بن طوغان دوادار الأمير سودون الشيخوني نائب السلطان في سنة تسع وتسعين وسبعمائة فأخذ عدّة مساكن مما حولها وهدمها وصيرها ساحة بها فصارت من أعظم الدور اتساعًا وزخرفة وفيها آبار سبعة معينة وفسقية ينقل إليها الماء بساقية على فوهة بئر وما زال صاحبها شهاب الدين فيها إلى أن سافر إلى الاسكندرية في محرّم سنة ثمان وثمانمائة فمات رحمه الله وانتقلت من بعده لغير واحد بالبيع‏.‏

 

 

هذه الدار فيما بين الخرشتف وحارة برجوان كان مكانها من جملة الميدان وكان يسلك من حارة برجوان في طريق شارعه إلى باب الكافوريّ فلما عمر الأمير بكتمر هذه الدار جعل اصطبلها حيث كانت الطريق وركّب بابًا بخوجة مما يلي حارة برجوا واشترط عليه الناس أن لا يمنع المارّة من سلوك هذا المكان فوفى بما اشترط وما برح الناس يمرّون من هذا الطريق في وسط الاصطبل على باب داره سالكين من حارة برجوان إلى الكافوري والخرشتف ومنها إلى حارة برجوان وأنا سلكت من هذه الطريق غير مرّة وكان يقال لها خوخة الحاجب ثم لما طال الأمد وذهبت المشيخة نسيت هذه الطريق وقفل الباب وانقطع سلوك الناس منه وصارت تلك الطريق من جملة حقوق الدار وما برحت هذه الدار ينصب على بابها الطوارق دائمًا كما كانت عادة دور الأمراء في الزمن القديم فلما تيغرت الرسوم وبطل ذلك قلعت الطوارق من جانبي الباب‏.‏

 

 

وأعلى اسكفته وباب هذه الدار تجاه باب الكافوريّ وعرفت بالأمير سيف الدين بكتمر الحاجب صاحب الدار خارج باب النصر والمدرسة بجواره ثم حل وقفها سنة ثمان وعشرين وثمانمائة وبيعت كما بيت غيرها من الأوقاف‏.‏

 

 

وهناك ترى ترجمته‏.‏

 

 

هذه الدار بخط الكافوري كانت للأمير ايبك البغدادي وهي من أجلّ دور القاهرة وأعظمها انشأها الأمير تنكز نائب الشام وأظنه أوقفها في جملة ما أوقف وكان بها ولده وسكنها قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن جماعة فأنفق في زخرفها على ما أشيع سبعة عشر ألف درهم عنها يومئذ ما ينيف عن سبعمائة دينار مصرية ولم تزل هذه الدار وقفًا إلى أن بيعت على أنها ملك في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة بدون ألف دينار لزين الدين عبد الباسط بن خليل فجدّد بناءها وبنى تجاهها جامعة‏.‏

 

 

تنكز الأشرفي سيف الدين أبو سعيد خليل جلبه إلى مصر وهو صغير الخواجا علاء الدين السوسيّ فنشأ بها عند الملك الأشرف خليل بن قلاوون فلما ملك السلطان الناصر محمد بن قلاوون أمّره أمرة عشرة قبل توجهه إلى الكرك وسافر معه إلى الكرك وترسل عنه منها إلى الأفرم فاتهمه أنّ معه كتبا إلى الأمراء بالشام وعرض عليه العقوبة فارتجف منه وعاد إلى الناصر‏.‏

 

 

فقال له‏:‏ إن عدت إلى الملك فانت نائب دمشق فلما عاد إلى الملك جهزه إلى دمشق فوصلها في العشرين من ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبعمائة فباشر النيابة وتمكن فيها وسار بالعساكر إلى ملطية وافتتحها في محرّم سنة خمس عشرة وعظم شأنه وأمّن الرعايا حتى لم يكن أحد من أمراء يظلم ذمّيا فضلًا عن مسلم خوفًا من بطشه وشدّة عقوبته وكان السلطان لا يفعل شيئًا بمصر إلاّ ويشاوره فيه وهو بالشام وقدم غير مرّة على السلطان فاكرمه وأجله بحيث أنه انعم عليه في قدومه إلى مصر سنة ثلاث وثلاثين بما مبلغه ألف ألف درهم وخمسون ألف درهم عنها خمسون ألف دينار ونيف سوى الخيل وزادت أملاكه وسعادته وأنشأ جامعًا بدمشق بديع الوصف بهج الزي وعدّة مواضع وكان الناس في أيامه قد أمنوا كل سوء إلاّ أنه كان يتخيل خيالًا فيتحدّ خلقه ويشتدّ غضبه فهلك بذلك كثير من الناس ولا يقدر أحد أن يوضح له الصواب لشدّة هيبته وكان إذا أغضب لا يرضى ألبتة بوجه وإذا بطش كان بطشه الجبارين ويكون الذنب صغيرًا فلا يزال يكبره حتى يخرج في عقوبة فاعلة عن الحدّ ولم يزل إلى أن أشيع بدمشق أنه يريد العبور إلى بلاد الططر فبلغ ذلك السلطان فتنكر له وجهز إليه من قبض عليه في ثالث عشري ذي الحجة سنة أربعين وأحيط بماله وقدم الأمير بشتاك إلى دمشق لقبضه وخرج إلى مصر ومعه من مال تنكز وهو من الذهب العين ثلاثمائة ألف وستة وثلاثون ألف دينار ومن الدراهم الفضة ألف ألف وخمسمائة ألف دره ومن الجوهر واللؤلؤ والزركش والقماش ثماثمائة حمل ثم استخرج بعد ذلك من بقايا أمواله أربعون ألف دينار وألف ألف ومائة ألف درهم فلما وصل تنكز إلى قلعة الجبل جهز إلى السكندرية واعتقل فيها نحو الشهر وقتل في محتبسه ودفن بها يوم الثلاثاء حادي عشري المحرّم سنة إحدى وأربعين وسبعمائة ومن الغريب أنه أمسك يوم الثلاثاء ودخل مصر يوم الثلاثاء ودخل السكندرية يوم الثلاثاء وقتل يوم الثلاثاء ثم نقل إلى دمشق فدفن بتربته جوار جامعه ليلة الخامس من رجب سنة أربع وأربعين وسبعمائة بعد ثلاث سنين ونصف بشفاعة ابنته‏.‏

 

 

دار أمير مسعود هذه الدار بآخر خط الكافوريّ عرفت بالأمير بدر الدين مسعود بن خطير الرومي أحد الأمراء بمصر أخرجه الملك الناصر محمد بن قلاوون في ذي الحجة سنة أربعين وسبعمائة إلى نيابة غزة ثم نقل منها إلى إمرة دمشق وولي نيابة طرابلس ثم أعيد إلى دمشق وأصله من أتباع الأمير تنكز فشكره عند الملك الناصر وقدّمه حتى صار أميرًا حاجبًا فلما قتل تنكز أخرجه لنيابة غزة وتنقل في نيابة طرابلس ثلاث مرات إلى أن استعفى من النيابة فأنعم عليه بأمرة في دمشق وعلى ولديه بامرة طبلخانة ومازال مقيمًا بها حتى مات في سابع شوال سنة أربع وخمسين وسبعمائة بدمشق ومولده بها ليلة السبت سابع جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وستمائة‏.‏

 

 

دار نائب الكرك هذه الدار فيما بين خط الخرشتف وخط باب سر المارستان المنصوري وهي من جملة أرض الميدان عرفت بالأمير أقوش الأشرفيّ المعروف بنائب الكرك صاحب الجامع‏.‏

 

 

أقوش الأشرفي‏:‏ جمال الدين ولاّه الملك الناصر محمد بن قلاون نيابة دمشق بعد مجيئه من الكرك وعزله تنكز بعد قليل واعتقله إلى شهر رجب سنة خمس عشرة وسبعمائة ثم أفرج عنه وجعله رأس الميمنة وصار يقوم له إذا قدم مميزًا له عن غير من الأمراء وكان لا يلبس مصقولًا ويي من داره هذه إلى الحمّام وهو حامل المئزر والطاسة وحده فيدخل الحمام ويخرج عريانًا فاتفق مرة أنّ رجلًا رآه فعرفه وأخذ الحجر وحك رجله وغسله وهو لا يكلمه كلمة واحدة فلما خرج وصار إلى داره طلب الرجل وضربه وقال له‏:‏ أنا مالي مملوك ما عندي غلام مالي طاسة حتى جرأ عليّ أنت وكان يتوجه إلى معبد له في الجبل الأحمر وينفرد فيه وحده اليومين والثلاثة ويدخل منه إلى القاهرة وهو ماش وذيله على كتفه حتى يصل إلى دار ن وباشر نظر المارستان المنصوري مباشرة جيدة ثم أخرجه السلطان إلى نيابة طرابلس في أوّل سنة أربع وثلاثين وسبعمائة فأقام بها ثم طلب الإقالة فأعفى وقبض عليه واعتقل بقلعة دمشق ثم نقل منها إلى صفد فحبس بها في برج ثم أخرج منها إلى الإسكندرية فمات بها معتقلًا في سنة ست وثلاثين وسبعمائة‏.‏

 

 

وكان عسوفًا جبارًان في بطشه مات عدّة من الناس تحت الضرب قدّامه وكان كريمًا سمحًا إلى الغاية وعرف بنائب الكرك لأنه أقام في نيابتها من سنة تسعين وستمائة إلى سنة تسع وسبعمائة‏.‏

 

 

هذه الدار من جملة الميدان وهي اليوم من خط باب سرّ المارستان المنصوري أنشأها علاء الدين بن نجم الدين عبد الواحد بن شرف الدين محمد بن صغير رئيس الأطباء ومات بحلب عندما توجه إليها في خدمة الملك الظاهر برقوق في يوم الجمعة تاسع عشر ذي الحجة سنة ست وتسعين وسبعمائة‏.‏

 

ودفن بها ثم نقلته ابنته إلى القاهرة ودفنته بظاهرها‏.‏

 

 

دار بيبرس الحاجب هذه الدار بخط حارة العدوية وهي الان من خط باب سر المارستان عرفت بالأمير بيبرس الحاجب صاحب غيط الحاجب فيما بين جسر بركة الرطلي والجرف‏.‏

 

 

بيبرس الحاجب‏:‏ الأمير ركن الدين ترقى في الخدم إلى أن صار أميراخور فلما حضر الملك الناصر من الكلك عزله بالأمير ايدغمش وعمله حاجبًا وناب في الغيبة عن الأمير تنكز بدمشق لما حج ثم تجرّد إلى اليمن وعاد فتنكر عليه السلطان وحبسه في ذي القعدة سنة خمس وعشرين وسبائة وأفرج عنه في رجب سنة خمس وثلاثين وجهزه من الإسكندرية إلى حلب فصار بها أميرًا من أمرائها ثم تنقل منها إلى أمره بدمشق بعد عزل تنكز فلم يزل بها إلى إن توجه الفخريّ وطشتمر إلى مصر فأقرّه على نيابة الغيبة بدمشق وكان قد أسنّ ومات في شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة وأدركنا له حفيدًا يُعرف بعلاء الدين أمير عليّ بن شهاب الدين أحمد بن بيبرس الحاجب قرأ القراءات السبع على والده وكان حسن الأداء للقراءة مشهورًا بالعلاج يعالج بمائة وعشرة أرطال مات وهو ساح في سابع ربيع الآخر سنة إحدى وثمانمائة‏.‏

 

 

دار عباس‏:‏ هذه الدار كانت في درب شمس الدولة عرفت بالوزير عباس بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس أصله من المغرب وترقى في الخدم حتى ولي الغربية ولقد بالأمير ركن الإسلام وكانت أمّه تحت الأمير المظفر عليّ بن السلار والي البحيراء والإسكندرية فلمارحل عليّ بن سلار إلى القاهرة وأزال الوزير نجم الدين سليمان بن مصال من الوزارة واستقرّ مكانه في وزارة الخليفة الظافر بأمر الله وتلقب العادل قدّمه لمحاربة ابن مصال فلم ينل غرضًا فخرج إليه عباس حتى ظفر به وولى ناصر الدين نصير بن عباس ولاية مصر بشفاعة جدّته أمّ عباس فاختص به الخليفة الظافر واشتغل به عمن سواه وكان جريًا مقدامًا فخرج إليه أبو عباس بالعسكر لحفظ عسقلان من الفرنج ومعه من الأمراء ملهم والضرغام وأسامة بن منقذ وكان أسامة خصيصًا بعباس فلما نزلوا بلبيس تذاكر عباس وأسامة مصر وطيبها وما هم خارجون إليه من مقاساة السفر ولقاء العدوّ فتأوّه عباس أسفًا على مفارقة لذّاته بمصر وأخذ يشرب على العادل بن السلار فقال له أسامة‏:‏ لو أردت كنت أنت سلطان مصر‏

 

 

فقال‏:‏ كيف لي بذلك قال‏:‏ هذا ولدك ناصر الدين بينه وبين الخليفة مودّة عظيمة فخاطبه على لسانه أن تكون سلطان مصر موضع زوج أمّك فإنه يُحبك ويكرهه فإذا أجابك فاقتله وصر في منزلته فأعجب عباس ذلك وجهز ابنه لتقرير ما أشار به أسامة فسار إلى القاهرة ودخلها على غفلة من العادل واجتمع بالخليفة وفاوضه فيما تقرّر فأجابه إليه ونزل إلى دار جدّته وكان من قتله للعادل عليّ بن سلار ما كان فماج الناس وسرح الطائر من القصر إلى عباس وهو على بلبيس في الانتظار فقام من فوره ودخل القاهرة سحر يوم الأحد ثاني عشر المحرّم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة فوجد عدّة من الأتراك قد نفروا وخرجوا يدًا واحدة إلى الشام فصار إلى القصر وخلع عليه خلع الوزارة فباشر الأمور وضبط الأحوال وأكرم الأمراء وأحسن إلى الأجناد وازدادت مخالطة ولده للخليفة فخاف أن يقتله كما قتل ابن السلار فما زال به حتى قتل الخليفة الظافر كما تقدّم ذكره وصار إلى القصر على العادة فلما جلس في مقطع الوزارة سأل الاجتماع على الخليفة فدخل الزمام إلى 6 ور الحرم فلم يجد الخليفة فلما عاد إليه أحضر أخوي الظافر واتهمهما بقتله وقتلهما قدّامه واستدعى بولد الظافر عيسى ولقبه بالفائز بنصر الله وكثرت النياحة على الظافر وبحث أهل القصر على كيفية قتله فكتبوا إلى طلائع بن رزبك وهو والي الأشمونين يستدعونه فحشد وسار فاضطرب عباس وكثرت مناكدة أهل القاهرة له حتى أنّه مرّ يومًا فَرُمي من طاقة تشرف على شارع بقدر مملوء طعامًا حارًّا فعوّل على الفرار وخرج ومعه ابنه وأسامة بن منقذ وجميع ما لهم من أتباع ومال وسلاح ودخل طلائع إلى القاهرة واستقرّ في وزارة الخليفة الفائز فسير أهل القصر إلى الفرنج البريد بطلب عباس فخرجوا إليه وكانت بينهم وبينه وقعة فرّ فيها أسامة في جماعة إلى الشام فظفر به الفرنج وقتلوه وأخذوا ابنه في قفص من حديد وجهزوه إلى القاهرة وذلك في شهر ربيع الأوّل سنة تسع وأربعين وخمسمائة فلما وصل ابنه إلى القصر قُتل وصُلب على باب زويلة وأحرق بعد ذلك ثم عرفت هذه الدار بعد ذلك بدار تقيّ الدين صاحب حماه ثم خربت وكر مكانها فصار يعرف بحكر صاحب حماه وبني فيه عدّة دور وموضعها الآن بداخل درب شمس الدولة بالقرب من حمّام عباس التي تعرف اليوم بحمام الكويك‏.‏

 

 

دار ابن فضل الله‏:‏ هذه الدار فيما بين حارة زويلة والبندقانيين كان موضعها من نجملة اصطبل الجميزة عرفت بابن فضل الله‏:‏ وبنو فضل الله جماعة أوّلهم بمص

 

 

شرف الدين‏:‏ عبد الوهاب بن الصاحب جمال الدين أبي المآثر فضل الله ابن الأمير عز الدين الحلي بن دعجان العمريّ ولي كتابة السرّ للملك الناصر محمد بن قلاون ثم صرفه عنها وولاه كتابة السرّ بدمشق فلم يزل بها حتى مات في ثالث شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبعمائة وقد عموبلغ أربعًا وتسعين سنة وخلّف أموالًا جمة ورثاه الشهاب محمود وقد وليّ بعده وأرثاه علاء الدين عليّ بن غانم والجمال ابن نباتة وكان فاضلًا بارعًا أديبًا عاقلًا وقورًا ناهضًا ثقة أمينًا مشكورًا مليح الخط جيد الإنشاء حدّث عن الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام وغيره‏.‏

 

 

ومنهم محيي الدين‏:‏ يحيى بن الصاحب جمال الدين أبي المآثر فضل الله بن مجلي بن دعجان بن خلف بن نصر بن منصور بن عبد الله بن عليّ بن محمد بن أبي بكر عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ المريّ ولي كتابة السرّ بالديار المصرية عن الملك الناصرقل إليها من كتابة سرّ دمشق لما مرض علاء الدين باستدعائه إلى مصر وأقيم بدله في كتابة سرّ دمشق شرف الدين أبو بكر بن الشهاب محمود وكان استقراره في محرّم سنة ثلاثين وسبعمائة فباشرها إلى ثاني عشر شعبان سنة اثنتين وثلاثين ونقل منها إلى كتابة السرّ بدمشق وطلب شرف الدين بن الشهاب محمود فاستقرّ في كتابة السرّ بمصر إلى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وطلب محيي الدين من دمشق هو وابنه شهاب الدين أحمد فوصلا إلى القاهرة غرّة جمادى الأولى وخلع عليهما ورسم لهما بكتابة السرّ ونقل ابن الشهاب محمود إلى كتابة السرّ بدمشق فلم يزل محيي الدين يباشر كتابة السرّ هو وابنه إلى أن كان من تنكز السلطان لولده شهاب الدين ما كان وذلك أنه كان استعفى من الوظيفة لثقل سمعه وكبر سنه فأذن له أن يقيم ابنه القاضي شهاب الدين يباشر عنه فصار الإسم لمحيي الدين والمباشر ابنه شهاب الدين إلى أن حر الأمير تنكز نائب الشام إلى القلعة وسأل السلطان في علم الدين محمد بن قطب الدين أحمد بن مفضل المعروف بابن القطب أن يوليه كتابة السرّ بدمشق وكان السلطان لا يمنع تنكز شيئًا يسأله فخلع عليه وأقرّه في ذلك عوضًا عن جمال الدين عبد الله بن الأثير فأخذ شهاب الدين ينقصه عنه السلطان بأنه نصرانيّ الأصل وليس من أهل صناعة الإنشاء ونحو ذلك والسلطان مغض عنه غير ملتفت لى ما يرمى به رعاية لتنكز فلما كتب توقيع ابن القطب أراد تكثير الألقاب والزيادة له في المعلوم فامتنع شهاب الدين من كتابة ذلك وكان حادّ المزاج قويّ النفس شرس الأخلاق ففاجأ السلطان بلغظة ومخاشنة في القول وكان من كلامه كيف تعمل قبطيًا أسلميًا كاتب السرّ وتزيد في معلومه وبالغ في الجراءة حتى قال ما يفلح من يخدمك وخِدْمَتُكَ عليّ حرام ونهض قائمًا لشدّة حنقه وكان هذا منه بحضرة الأمراء فغضبوا لذلك وهموا بضرب عنقه فأغضى السلطان عنه وبلغ محيي الدين ما كان من ابنه فبادر إلى السلطان وقبل الأرض واعترف بخطأ ابنه واعتذر عن تأخره بثقل سمعه فرسم له أن يكون ابنه علاء الدين عليّ يدخل ويقرأ البريد فاعتذر بأنه صغير لا يقوم بالوظيفة‏.‏

 

 

فقال السلطان أن أربيه مثل ما أعرف فصار يخلف أباه كما كان شهاب الدين وانقطع شهاب الدين في منزله مدة سنين إلى أن مات أبوه محيي الدين في يوم الأربعاء تاسع شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة بالقاهرة عن ثلاث وتسعين سنة وهو متمتع بحواسه فدفن ظاهر القاهرة ثم نقل إلى تربتهم من سفح قاسيون بدمشق وكان صدرًا معظمًا رزينًا كامل السؤدد حركًا كاتبًا بارعًا دبر الأقاليم بكفايته وحسن سياسته ووفور عقله وأمانته وشدّة تحرّزه وله النظم والنثر البديع الرايق فمن شعره‏:‏ تُضاحِكني ليلى فأحسب ثغرها سنا البرقِ لكنْ أين منه سنا ارقِ وأخفتْ نجومً الصبحِ حين تبسمتْ فقمتُ بفرعيها أشدّ على الشرقِ وقلتُ سواءَ جنحُ ليلٍ وشعرُها ولم أدر أنّ الصبحَ من جهة الفرقِ علاء الدين‏:‏ علي بن يحيى بن فضل الله العمريّ استقل بوظيفة كتابة السرّ قبل موت أبيه محيي الدين وخلع عليه يوم الاثنين رابع شهر ضان سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة وله من العمر أربع وعشرين سنة فخرج وفي خدمته الحاجب والدوادار وتقدّم أمر السلطان للموقعين بامتثال ما يأمرهم به عن السلطان فشق ذلك على أخيه شهاب الدين وحسده وربما قيل أنه سمّه فكان يعتريه دم منه إلى أن مات ثم إنه كتب قصة يسأل فيها السفر إلى الشام وشكال كثرة الكلفة وكان قبل ذلك جرى ذكره في مجلس السلطان فذمه وتهدّده فعدما قرئت عليه قصته تحرّك ما كان ساكنًا من غضبه ورسم بإيقاع الحوطة عليه فحُمل من داره إلى قاعة الصاحب من قلعة الجبل في رابع عشري شعبان سنة تسع وثلاثين وخرج إليه الأمير طاجار الدوادار وأمر به فعرّيّ من ثيابه ليضرب المقارع فرفق به لوم يضربه واستكتبه خطه بحلم عشرة آلاف فأحيط بداره وأخرج سائرا ما وجد له وبيع عليه وأُرسل مملوكه إلى بلاد الشام فباع كل ما له فيها واقترض خمسين ألف درهم حتى حمل من ذلك كله مائة وأربعين ألف درهم عنها سبعة آلاف دينار فسكن أمره وخف الطلب عنه وأقام إلى ثالث عشر ربيع الآخر سنة أربعين مدّة سبعة أشهر وثمانية عشر يومًا ففرج الله عنه بأمر عجيب وهو أنّه لما كان يباشر عن ابيه وقع شخص من الكتاب بشيء زور فرسم السلطان بقطع يده وأمر به فسجن طول هذه السنين إلى أن قدّر الله سبحانه أنه رفع قصة يسأل فيها العفو عنه فلما قرئت على السلطان لم يعرفه فسال عن خبره وشأنه فقيل له لا يعرف خبر هذا إلا شهاب الدين بن فضل الله فبعث إليه بقاعة الصاحب يستخبره عنه فطالعه بقصته وما كان منه فألان الله له قلب السلطان ورسم بالإفراج عن الرجل وعن شهاب الدين وعن مملوكه ففرّج الله عن الثلاثة ونزل شهاب الدين إلى داره وأقام إلى أن قبض السلطان على الأمير تنكز نائب الشام فاستدعى شهاب الدين إلى حضرته وحلفه وولاه كتابة السرّ بدمشق عوضًا عن شرف الدين خالد بن نصر المخزوميّ المعروف بابن القيسرانيّ فباشرها حتى مات بدمشق وانفرد أخوه علاء الدين بكتابة السرّ إلى أن مات ليلة الجمعة التاسع والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وستين وسبعمائة بمنزله من القاهرة عن سبع وخمسين سنة وترك ستة بنين وأربع بنات‏.‏

 

 

 

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 بدر الدين‏:‏ محمد بن علي بن يحيى بن فضل الله ولاّه الملك الأشرف شعبان بن حسين كتابة السرّ وأبوه في مرض موته يوم الخميس ثامن عشري شهر رمضان سنة تسع وستين وسبعمائة وله من العمر تسع عشرة سنة وجعل أخاه عز الدين حمزة نائبًا عنه فباشر إلى شوّال سنة أربع وثمان وسبعمائة وفصرف بأوحد الدين فنزل إليه الأمير إسماعيل بن يس ولزم داره فلم يره أحد بثياب جلوسه من غير خف ولا فرجية ولا شاش وصعد إلى القلعة فخلع عليه في اليوم الرابع من ذي الحجة سنة ست وثمانين فلما ثار الأمير يلبغا الناصري على الملك الظاهر وخلعه من الملك وأقام الملك الصالح حاجي بن الأشرف شعبان بن حسين ولقبه بالملك المنصور ثم خرج الملك الظاهر برقوق من محبسه بالكرك وسار إلى محاربة الأمير تمربغ منطاش ومعه المنصور حاجي فخرج ابن فضل الله فلما انهزم منطاش على شعجب واستولى برقوق على المنصور والخليفة والقضاة والخزائن وكان ابن فضل الله وأخوه عز الدين قي من فرّ مع منطاش إلى دمشق فأقام بها واستولى برقوق على تخت المالك بقلعة الجبل فولى علاء الدين عليّ بن عيسى الكركي كتابة السرّ وأخذ ابن فضل الله يتحيل في الخروج من دمشق وسيّر إلى السلطان مطالعة فيها من شعره‏:‏ يُقبل الأرضبد بعد خدمتكم قد مسّه ضررٌ مثله ضرَرُ حصرٌ وحبسٌ وترسيمٌ أقام به وفرقةٌ الأهلِ والأولادُ والفكرُ والشغل يقضي لأن الناسَ قد ندموا يرجو بكم فرجًا يأتي وينتظرُ والشغل يقضي لأن الناسَ قد ندموا إذ عاينوا الجورَ من منطاشَ ينتشرُ جورًا كما فرّطوا في حقكم ورأوا ظلمًا عظيمًا به الأكباد تنفطرُ والله إن جاءهم من بابكم أحدٌ قاموا لكم معَهُ بالروحِ وانتصروا اللهُ ينصركم طول المدا أبدًا يا من زمانهم من دهرنا غررُ قدم إلى القاهرة ومعه أخوه عز الدين حمزة وجمال الدين محمود القيصري ناظر الجيش وتاج الدين عبد الرحيم بن أبي شاكر وشمس الدين محمد بن الصاحب فما زال في داره إلى أن سافر الملك الظاهر إلى بلاد الشام في سنة ثلاث وتسعين فتقدّم أمره إليه بالمسير مع العسكر فسار بطالًا وقدّر الله تعالى علاء الدين الكركي فولاه كتابة السرّ وصرف الكركي في شوّال فسار بطالًا وقدّر الله تعالى علاء الدين الكركي فولاه كتابة السرّ وصرف الكركي في شوّال وكانت هذه ولاية ثالثة فباشر وتمكن هذه المرّة من سلطان تمكنًا زائدًا إلى أن سافر الملك الظاهر إلى بلاد الشام في سنة ثلاث وتسعين فتقدّم أمره إليه بالمسير مع العسكر فسار بطالًا وقدّر الله تعالى ضعف علاء الدين الكركي فولاه كتابة السرّ وصرف الكركي في شوّال وكانت هذه ولاية ثالثة فباشر وتمكن هذه المرّة من سلطان تمكنًا زائدًا إلى أن سافر السلطان إلى البلاد الشامية في سنة ست وتسعين فمات بدمشق يوم الثلاثاء لعشرين من شوّال سنة ست وتسعين وسبعمائة ودفن بتربتهم بسفح قاسيون ومات أخوه حمزة بدمشق أيضًا في أوائل المحرم سنة سبع وتسعين وسبعمائة ودفن بها وانقطع بموتهما هذا البيت فلم يبق من بعدهما إلاّ كما قال الله سبحانه ‏"‏ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا ‏"‏

 

 

 

 

 

 

 

 

من شعر البدر محمد بن فضل الله

 

 

 

ما كتبه عنوانًا لكتاب الملك الظاهر برقوق جوابًا عن كتاب تمرلنك الوارد إلى مصر في سنة ست وتسعين وسبعمائة وعنوانه‏:‏

 

 

سلامٌ وإهداءُ السلام مِن البعدِ ** دليلٌ على حفظ المودّةِ والعهدِ

 

 

 

فافتتح البدر العنوان بقوله‏:‏

 

 

طويلُ حياةُ المرءِ كاليوم فِي العدِّ ** فخبرته أن لا يزيدُ على العدِّ

 

 

 

وكتب فيه من شعره أيضًا جوابًا عن كثرة تهديد تمرلنك وافتخاره‏:‏

 

 

السيفُ والرمحُ والنشابُ قد علم** ت منا الحروبَ فسل منها تلبيكا

 

 

 

إذا التقينا تجد هذا مشاهدة ** في الحرب فأثبت فأمرُ الله آتــيكا

 

 

 

بخدمة الحرمين اللهُ شرَّفنا ** فضلًا وملّكنا الأمصارَ تمـــليكا

 

 

 

وبالجميلِ وحلو النصرِ عوّدنا ** خذ التواريخَ واقرأها فَتُنــبيكا

 

 

 

والأنبياء لنا الركنُ الشديدُ وكم ** بجاهِهِمْ من عدوٍّ راح مفكوكـا

 

 

 

ومن يكن ربه الفتاحُ ناصِرُهُ ** ممنْ يخافُ وهذا القول يكفيكــا

 

 

 

وقال‏:‏

 

 

إذا المرء لم يعرف قبيحُ خطيئةٍ ** ولا الذنب منه مع عظيم بلـيتهِ

 

 

 

ذلك عينُ الجهلِ منه مع الخطا ** وسوف يرى عقباهُ عند منـيـتهِ

 

 

 

وليس يجازي المرء إلا بفعله ** وما يرجع الصياد إلا بنــيتــهِ

 

 

 

وهذه الدار كانت موجودة قبل بني فضل الله وتعرف بدار بيبرس فعمر فيها محيي الدين وابنه علاء الدين وكانت من أبهج دور القاهرة وأعظمها وما زالت بيد أولاد بدر الدين وأخيه الدين أحمد الحاجب المعروف بسيدي أحمد بن أخت جمال الدين دار بني فضل الله منهم كما أخذ خاله دور الناس وأوقافهم وعوض أولاد ابن فضل الله عنها وغيّر كثيرًا من معالمها وشرع في الازدياد من العمارة اقتداءً بخاله فأخذ دورًا كانت بجوار مستوقد حمام ابن عبود المقابلة لدار ابن فضل الله واغتصب لها الرخام والأحجار والأخشاب وهدم عدّة دور وكثيرًا من الترب بالقرافة منها تربة الشيخ عز الدين بن عبد السلام وكانت عجيبة البناء وأدخل ذلك في عمارته المذكورة ووسع فيها من جهة البندقانيين ما كان خرابًا منذ الحريق الذي تقدّم ذكره وأنشأ من هناك حوض ماء يشرب منه الدواب فلما قارب إكمالها قبض الملك الناصر فرج على خاله جمال الدين يوسف استادار وقتله وكان أحمد هذا ممن قبض عليه معه فوضع الأمير تغري بردي وهو يومئذٍ أجلُّ أمراء الناصر يده على هذه الدار وما رضي بأخذها حتى طلب كتابها فإذا به قد تضمن أنّ أحمد قد وقف هذه الدار وما رضي بأخذها حتى طلب كتابها فإذا به قد تضمن أنّ أحمد قد وقف هذه الدار فلم يزل بقضاة العصر حتى حكموا له بهذه الدار وجعلوها له بطريق من طرقهم فأقام فيها حتى أخرجه الناصر لنيابة دمشق في سنة ثلاث عشرة وسبعمائة فنزل بها الأمير دمرداش بإرث ابنة جمال الدين وهي امرأة أحمد المذكور ولها منه أولاد وأرادت استرجاع الدار كما فعلت في مدرسة أبيها وكان دار بيبرس‏:‏ هذه الدار فيما بين دار ابن فضل الله والسبع قاعات في ظهر حارة زويلة وقيبة من سيوقة المسعودي تشبه أن تكون من جملة اصطبل الجميزة كانت دار الشريف بن تغلب صاحب المدرسة الشريفية برأس حارة الجودية ثم عُرفت بالأمير ركن الدين بيبرالجاشنكير فإنه كان يسكنها وهو أمير قبل أن يلي السلطنة وجدّد رخامها من الرخام الذي دل عليه الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح بالقصر الذي عرف بقصر أمير سلاح من جملة قصر الخلفاء كما سيأتي خبر ذلك عند ذكر الخانقاة الركنية بيبرس فإن بيبرس هذا هو الذي أنشأها ولم تزل إلى أن هدمها ناصر الدين محمد بن البارزي الحمويّ كاتب السرّ بعدما اشتراها نقضًا كما اشترى غيرها من الأوقاف وذلك فس سنة إحدى وعشرين وثمانمائة‏.‏

 

 

السبع قاعات‏:‏ هذه الدار عرفت بالسبع قاعات وهي يُتوصل إليها من جوار دار بيبرس المذكورة ومن سويقة الصاحب وقد صارت عدّة مساكن جليلة ومكانها من جملة اصطبل الجميزة أنشأها الوزير الصاحب علم الدين بن زنبور ووقفها من جملة ما وقف فلما قبض عليه الأمير صرغتمش في حأوقافه ووعد بالسبع قاعات خوند قطلوبنك ابنة الأمير تنكز الحساميّ نائب الشام أمّ السلطان الملك الصالح صالح بن الناصر محمد بن قلاوون ولقَّنه الشريفان سرف الدين عليذ بن حسين بن محمد نقيب الأشراف وأبو العباس الصفراويّ أنّ الناصر لما قبض على كريم الدين الكبير بعث إلى كريم الدين من شهد عليه أنّ جميع ما صار بيده من الأملاك وقفها وطلقها إنما هو من مال السلطان دون ماله وشهد بذلك عند قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة فأثبت بهذه الشهادة أن أملاك كريم الدين جارية في أملاك السلطان فأقرّ السلطان ما وقفه كريم الدين منها على حاله وسماه الوقف الناصري فلما جلس السلطان الملك الصالح بدار العدل وحضر قاضي القضاة والأمراء وغيرهم من أهم الدولة على العادة تكلم الأمير صرغتمش مع قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن بدر الدين محمد بن جماعة في حل أوقاف ابن زنبور فإنها ملك السلطان ومن ماله اشتراها وذكر قضية كريم الدين فأجابه بأنّ تلك القضيى كانت صحتها مشهورة وذلك أنّ خزائن السلطان وحواصله وأمواله كلها كانت بيد كريم الدين وفي داره يتصرف فيها على ما يختاره جعل له السلطان بتوكيله والإذن له في التصرّف بخلاف ابن زنبور فإنه كان يتصرّف في ماله الذي اكتسبه من المتجر وغيره فما وقفه وثبت وقفه وحكم قضاة الإسلام بصحته لا سبيل إلى حله وساعده في ذلك القاضي موفق الدين عبد الله الحنبليّ وتردّد الكلام بينهما في ذلك فاحتج عليهما الأمير صرغتمش بما لقناه الشريفان من مشاطرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عماله وأخذه من كل عامل نصف ماله وأن مال الوزير جميعه من مال السلطان فقال له ابن جماعة‏:‏ يا أمير إن كنت تبحث معنا في هذه المسألة بحثنا معك وإن كان أحد قد ذكرها لك فليحضر حتى نبحث معه فيها فإنّ الذي ذكر لك هذه المسألة إنما قصد أن تصادر الناس وتأ أموالهم فوافقه رفقته الثلاثة قضاة على قوله وأرد ابن جماعة بقوله هذا التعريض بالشريفين وكان اختصاصهما بالأمير صرغتمش وقيامهما على ابن زنبور مشهورًا فشق هذا على الأمير صرغتمش وانفض المجلس وقد اشتدّ حنقه لما رُدّ عليه من كلامه وعورض فيها من مراده فبعثت خوند أم السلطان إلى ابن جماعة تعرّفه ما وُعدت به من مصير السبع قاعات إليها وأكدت عليه في أنْ لا يعارضها في حلٍّ أوقاف ابن زنبور فأجابها بتقبيح هذا وخوّفها سوء عاقبته فكفت عنه ولقوّة غيظ الأمير صرغتمش مرض مرضًا شديدًا من انفتاح صدره ونفثه الدم حتى خيف عليه الموت ثم عوفي بعد ذلك بأيام وذلك كله في سنة أربع وخمسين وسبعمائة واستمرت السبع قاعات وقفا بيد ذرية ابن زنبور إلى يومنا هذا إلاَّأنّ الأمير صرغتمش المذكور أخذ رخامها ووجد فيها شيئًا كثيرًا من صينيّ ونحاس وقماش وغير ذلك قد أثخفي في زواياها‏.‏

 

 

علم الدين‏:‏ عبد الله بن تاج الدين أحمد بن إبراهيم المعروف بابن زنبور أوّل ما باشر به استيفاء الوجه القبلي شريكًا لوهب بن سنجر وطلع صحبته الأمير علم الدين عبد الرزاق كاشف الوجه القبليّ ونهض فيها فلما كانت مصادرة ابن الجيعان كاتب الإصطبل طلب السلطان سائر كتاب وكان منهم ابن زنبور فعرضهم ليخار منهم فشكر الفخر ناظر الجيش منه وقال‏:‏ هو ولد تاج الدين رفيقه وشكره الأكوز فلما انفض المجلس طلبه خلع عليه فباشر نظر الإصطبل في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة ونال فيه سعادة طائلة واستمرّ إلى أن مات السلطان الملك محمد وحكم أمير ايدغمش فباشر استيفاء الصحبة فلما قبض على حمال الكفاة ناظر الخاص وناظر الجيش وعلى الموفق ناظر الدولة وعلى الصفيّ ناظر البيوت المرعوف بكاتب قوصون في سنة خمس وأربعين وسبعمائة ومات حمال الكفاة في العقوبة يوم الأحد سادس شهر ربيع الأوّل عيّن ابن زنبور لوظيفة نظر الخاص ثم قرّر فيها القاضي موفق الدين هبة الله بن إبراهيم ناظر الدولة وكان ابن زنبور وهو مستوفي الصحبة قد سيّره حمّال الكفاة قبل القبض عليه لكشف القلاع الشامية ومعه جاراكتمر الحاجب إبعادًا له وكان الأمير أرغون العلائي يعنى به فلما قبض على حمّال الكفاة تحدّث له العلائي مع السلطان الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون في نظر الخاص فبعض في طلبهن ثم لم يحضر إلاَّ بعد شهر فتحدّث الوزير نجم الدين محمود بن عليّ المعروف بوزير بغداد مع السلطان في ولاية الموفق نظر الخاص فخلع عليه وحضر ابن زنبور من الشام فباشر نظر الولة علم الدين بن سهلوك وابن زنبور على ما هي عادته في استيفاء الصحبة ونهض في المباشرة وحصّل الأموال ودخل هو والوزير نجم الدين وشكيا توقف الدولة من كثرة الإنعامات والإطلاقات للخدم والجواري ومن يلوذ بهم فتقرّر الحال مع الأمراء على كتابة أوراق بكلفة الدولة فلما قُرئت بمحضر ن الأمراء بلغت الكلف ثلاثين ألف ألف درهم والمتحصل خمسة عشر ألف درهم فأبطل ما استجدّ بعد موت الملك الناصر بأسره فلم يستمرّ غير شهر واحد حتى عاد الأمر على ما كان عليه بحيث بلغ مصروف الحوائج خاناه في كل يوم اثنين وعشرين ألف درهم بعد ما كانت في أيام الناصر محمد ثلاثة عشر ألف درهم فلما مات الملك الصالح إسماعيل وأقيم في الملك من بعده أخوه الملك الكامل سيف الدين شعبان بن محمد صرف الموفق عن نظر الخاص ونقل ابن زنبور من استيفاء الصحبة إليها واستقرّ فخر الدين السعيد في استيفاء الصحبة وذلك في ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبعمائة فباشر ذلك إلى أخريات رجب نيفًا وثمانين يومًا فولى الملك الكامل نظر الخاص لخفر الدين ابن السعيد مستوفي الدولة وأعاد ابن زنبور من نظر الخاص إلى استيفاء الدولة فلما كان في المحرّم سنة سبع وأربعين أعين نجم الدين وزير بغداد إلى الوزارة وقرّر ابن زنبور في نظر الدولة فاستمرّ إلى أن قُتل الكامل شعبان وأقيم في الملك من بعده أخوه الملك الظفر حاجي في مستهل جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين فطلب ابن زنبور وأعيد إلى نظر الخاص وقبض على فخر الدين بن سعيد وطولب بالحمل وأضيف إليه نظر الجيش فباشر ذلك إلى سنة إحدى وخمسين فأضيف إليه الوزارة في يوم الخميس سابع عشري ذي القعدة وخلع عليه وكان له يوم عظيم جدًّا فلما كان يوم السبت جلس بشباك قاعة الصاحب من القلعة في دست الوزارة واستدعى جمع المباشرين وطلب المقدّم ابن يوسف وشدّ وسطه على ما كان عليه وطلب المعاملين وسلفهم على اللحم وغيره واستكتب المباشرين أنه لم يكن في بيت المال ولا الاهرا من الدراهم والغلال شيء البتة ودخل بها وقرأها على السلطان والأمراء وشرع في عرض أرباب الوظائف كلهم وطلب حساب الأقاليم بأسرها وولى صهره فخر الدين ماجد فرويتة نظر البيوت وأنفق جامكية شهر وحمل الرواتب إلى الدور السلطانية‏.‏

 

 

والأسمطة من السكر والزيت والقلوبات وغير ذلك وأقام بكتمر المومني في وظيفة شدّ الدواوين وألزم نفسه في المجلس السلطاني بحضرة الأمراء أنه يباشر الوزارة بغير معلوم وقرّر ابنه في ديوانه المماليك والتزم أنّه لا يتناول معلومًا بل يوفر المعلومين للسلطان وأبطل رمي الشعير والبرسيم من بلاد مصر وكان يحصل برميها ضرر كبير فإن ذلك كان يحصل من سائر البلاد فيغرم على كل أردب أكثر من ثمنه والتزم بتكفية بيت المال من الشعير والبرسيم بغير ذلك فبطل على يديه وكتب به مرسوم وكتب نقشًا على حجر في جانب باب القلعة من قلعة الجبل وأمر بقياس أراضي الجيزة فجاء زيادتها عن الارتفاع الذي مضى ثلثمائة ألف درهم وعنها خمسة عشر ألف دينار فلم يزل إلى سابع عشري شوّال سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة فأحيط به وقبض عليه حسدًا له على ما صار إليه ولم يجتمع لغيره في الدولة التركية وتولى القيام عيه الأمير صرغتمش لأنه علم أنه من جهة الأمير شيخو ويقوم له بجميع ما يختاره وأعانه عليه الأمير طاز وما زال يدأب في ذلك إلى أن عاد السلطان الملك الصالح من دمشق في يوم الإثنين خامس عشري شوّال سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة إلى قلعة الجبل وعمل يوم الخميس سماطًا مهمًا في القلعة ولما انفض السماط خلع على سائر أرباب الوظائف من الأمراء وعلى الوزير وسائل المباشرين فاتفق لما قدّره الله تعالى أنه حضر إلى الأمير صرغتمش وهو يومئذ رأس نوبة عشر تشريف غيّر تشريفه ودون رتبته فأخذه ودخل إلى الأمير شيخو وألقى البلقجة قدّامه وقال‏:‏ أنظر فعل الوزير معوكشف الخلعة فقال شيخو هذا غلط فقام وقد أخذه من الغضب شهب الجنون وقال‏:‏ هذا شغل الوزير وأنا ما اصبر على أن أهان لهذا الحدّ ولا بدّ لي من القبض عليه ومهما شئت أنت افعل بي وخرج فإذا الوزير داخل لشيخو وعليه خلعة فصاح في مماليكه خذوه فكشفوا الخلعة عنه وسحبوهلى بيت صرغتمش وسرّح مماليكه في القبض على جميع حاشية الوزير فقبض على سائر من يلوذ به لأنهم كانوا قد اجتمعوا بالقلعة وخالطت العامّة المماليك في القبض علءس الكتاب وأخذوا منهم في ذلك اليوم شيئًاكثيرا حتىأن بعض الغلمان صار إليه في ذلك اليوم ستة عشر دواة من دوي الكتاب فلم يمكن منها أربابها إلاّ بمال يأخذه على كل دواة ما بين عشرين إلى خمسين درهمًا وأمّا ما سلبوه من العمائم والثياب المهاميز الفضة فشيء كثير وخرج الأمير قشتمر الحاجب وغيره في جماعة إلى دوره التي بالصوصة من مصر فاوقعوا الحوطة على حريمه وأولاده وختموا سائر بيوته وبيوت حواشيه وكانوا قد اجتماعوا وتزينوا لقدوم رجالهم من السفر وأنزل الوزير في مكان مظلم من بيت صرغتمش فلما أصبح طلب ولد الوزير وصار به صرغتمش إلى بيت أبيه وأحضر أمّه ليعاقبه وهي تنظره حتى يدلوه على المال ففتحوا له خزانة وجد فيها خمسة عشر ألف دينار وخمسين ألف درهم فضة وأخرج من بئر صندوق فيه ستة آلاف دينار وشيء من المصالح وحضرت أحماله من السفر فوجد فيها ستة آلاف دينار ومائة وخمسون ألف درهم فضة وغير ذلك من تحف وثياب وأصناف وألزم والي مصر بإحضار بناته فنودي عليهنّ في مصر والقاهرة وهجمت عدّة دور بسببهن ونال الناس من نكاية أعدائهم في هذه الكائنة كل غرض فإن كان الرجل يتوجه إلى أحد من جهة صرغتمش ويرمي عدوذه بأنّ عنده بعض حواشي ابن زنبور فيؤخذ التهمة ولقي الناس من ذلك بلاءً عظيمًا‏.‏

 

 

ثم حمل إلى داره وعرّي ليضرب فدل على مكان استخرج منه نحو من خمسة وستين ألف دينار فضرب بعد ذلك وعرّيت زوجته وضرب ولده فوجد له شيء كثير إلى الغاية‏.‏

 

 

قال الصفديّ خليل بن أيبك الملقب صلاح الدين في كتاب أعيان العصر‏:‏ وأمّا ما أُخذ منه في المصادرة في حال حياته فنقلت من خط الشيخ بدر الدين الحمصيّ في ورقة بخطه على ما أملاه القاضي شمس الدين البهنسيّ أواني ذهب وفضة ستون قنطارًا جوهر ستون رطلًا لؤلؤ أردبان ذ مصكوك مائتا ألف وأربعة آلاف دينار ضمن صندوق ستة آلاف حياصة ضمن صناديق زركش ستة آلاف كلوته ذخائر عدّة قماش بدنه ألفان وستمائة فرجية بسط آلاف صنجة دراهم خمسون ألف درهم شاشات ثلثمائة شاش دواب عاملة سبعة آلاف حلابة ستة آلاف خيل وبغالألف دراهم ثلاثة أرداب معاصر سكر خمسة وعشرون معصرة إقطاعات سبعمائة كل إقطاع خمسة وعشرون ألف درهم عبيد مائة خدّام ستون جواري سبعمائة أملاك القيمة أربعة آلاف دينار مراكب سبعمائة رخام القيمة عنه مائتا ألف درهم نحاس قيمته أربعة آلاف دينار سروج وبدلات خمسمائة مخازن ومتاجر أربعمائة ألف دينار نطوع سبعة آلاف دواب خمسمائة بساتين مائتان سواقي ألف وأربعمائة‏.‏

 

 

وكان في وقت القبض عليه أشدّ الناس قيامًا في إفساد صورته الشريف شرف الدين عليّ بن الحسين نقيب الأشراف والشريف أبو العباس الصفراوي وبدر الدين ناظر الخاص وأمير المؤمنين والصوّاف واتادار الأمير صرغتمش فأوّل ما فتحوه من أبواب المكايد أن حسنوا الصرغتمش أن يأمر بالإشهاد عليه‏.‏

 

 

أن جميع ماله فصير إليه ابن الصدر عمر وشهود الخزانة فاشهد عليه بذلك ثم كتبوا فُتي في رجل يدعي الإسلام ويوجد في بيته كنيسة وصلبان وشخوص من تصاوير النصارى ولحم الخنزير وزوجته نصرانية وقد رضي لها بالكفر وكذلك بناته وجواريه وأنه لا يصلي ولا يصوم ونحو ذلك وبالغوا في تحسين قتله حتى قالوا لصرغتمش‏:‏ والله لو فتحت جزيرة قبرص ما كتب لك أجر من الله بقدر ما يؤجرك الله على ما فعلته مع هذا فأخرج في باشا وزنجير وضرب رحبة قاعة الصاحب من القلعة بالمقارع وتوالت عقوبته وأسلم لشادّ الدواوين ليعاقبه حتى يموت فقام الأمير شيخو  أمره فردّه صرغتمش إلى داره وأكرمه وأقام عنده إلى سابع عشري المحرّم سنة أربع وخمسين فأخرجه من داره وتسلمه شادّ الدواوين وعاقبه عقوبة الموت في قاعة الصاحب فاتفق ركوب الأمير شيخو من داره إلى القلعة وابن زنبور يعاقب فغضب من ذلك ووقف ومنع من ضربه وبلغ الخبر صرغتمش فصعد إلى القلعة وجرى له مع شيخو عدّة مفاوضات كادت تفضي إلى فتنة وآل الأمر فيها إلى تسفير ابن زنبور إلى قوص فأخرج من ليلته وكانت مدّة ثلاثة أشهر وأقام بمدينة قوص إلى أن عرض له مرض أقام به أحد عشر يومًا ومات يوم الأحد سابع عشري ذي القعدة سنة أربع وخمسين وسبعمائة وله بالقاهرة السبيل الذي على يسرة من دخل من باب زويلة بجوار خزانة شمائل وقد دخل في الجامع المؤيدي‏.‏

 

 

دار الدوادار‏:‏ هذه الدار فيما بين حارة زويلة واصطبل الجميزة وهي اليوم من جملة خط السبع قاعات عرفت‏

 

 

‏.‏

 

‏.‏

 

‏.‏‏

 

‏.

 

دار فتح الله‏:‏ هذه الدار اليوم بخط سويقة المسعوديّ كان موضعها زقاقًا يعرف بزقاق البناده وفيه باب قاعة أنشأها سعد الدين إبراهيم بن عبد الوهاب بن النجيب أبي الفضائل الميمونيّ أحد مباشري ديوان الجيش وهي قاعة في غاية الملاحة من جودة رخام وكثرة دهان وحسن ترت ومات الميمونيّ في ثاني ذي الحجة سنة خمس وتسعين وسبعمائة فسكنها فتح الله بن معتصم وهو يومئذ رئيس الأطباء فلما ولي كتابة السر شره إلى العمارة فأخذ ما في الزقاق المذكور من الدور شيئًا بعد شيء وأخرج منها سكانها وهدمها وابتنى قاعة تجاه قاعة الميمونيّ وجعل فيها بئرًا وفسقية ماء وبنى بها حمّامًا ثم أنشأ اصطبلًا كبيرًا لخيوله ولم يقنع بذلك حتى حمل القضاة على الحكم له باستبدال دار الميمونيّ وكانت وقفًا على أولاد الميمونيّ ومن بعدهم على الحرمين فعمل له طرف في جواز الاستبدال بها على ما صار القضاة يعتمدونه منذ كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة فلما تم حكم القضاة له بتملكها غير بابها وزادفي سعتها‏.‏

 

 

وأضاف إليها عدّة مواضع مما بجوارها وغرس في جانبها عدّة أشجار وزرع كثيرًا من الأزهار التي حُملت إليه من بلاد الشام وبالغ في تحسين رخام هذه الدار وأنشأ دهيشة كيسة إلى الغية بوسطها فسيقة ماء ينخرط إليها الماء من شاذروان عجيب الصنعة بهج الزيّ وتشرف هذه الدهيشة على هذه الجنينة التي أبدع فيها كل الأبداع وركب علو هذه القاعة الأروقة العظيمة وبنى بجوارها عدّة مساكن لمماليكه ومسجدًا معلقًا كان يصلي فيه وراء إمام راتب قرّره له بمعلوم جار فجاءت هذه الدار من أجلّ دور القاهرة وأبهجها ووقف ذلك كله مع أشياء غيرها على تربتها التي أنشأها خارج باب البرقية وعلى عدّة جهات من البر فلما نكب أكره حتى رجع عن وقف هذه الدار على ما عينه في كتاب وقفه وجعلها وقفًا على أولاد السلطان الملك المؤيد شيخ فلما مات المؤيد عاد ذلك إلى وقف فتح الله‏.‏

 

 

فتح الله بن المعتصم بن نفيس الإسرايلي الداوديّ التبريزسّ رئيس الأطباء وكاتب السرِّ ولد بتبريز في سنة تسع وخمسين وسبعمائة وكان قد قدم جدّه نفيس إلى القاهرة في سنة أربع وخمسين فأسلم وعظم بين الناس ثم قدم فتح الله مع أبيه فنشأ بالقاهرة في كفالة عمه ونظر في الطب وعاشر الفقهاء واتصل بصحبة بعض الأمراء فعرف منه أحد مماليكه وكان يسمى بشيخ فلما تأمّر شيخ فرّبه وأنكحه وفوّض إمر ديوانه ثم مات عمه بديع ابن نفيس فأقرّه الملك الظاهر برقوق مكانه في رياسة الأطباء فباشرها مباشرة مشكورة واختص بالملك الظاهر برقوق اختصاصًا كبيرًا فلما مات بدر الدين محمود الكلسانيّ قلده وظيفة كتابة السرّ وخلع عليه في يوم الإثنين حادي عشر جمادى الأولى سنة إحدى وثمانمائة فقُبض عليه واستقرّ بدله في كتابة السر سعد الدين إبراهيم بن غراب وضرب حتى حمل مالً ثم أفرج عنه فلزم داره إلى شهر رمضان فحمل إلى دار الوزير فخر الدين ماجد بن غراب وألزم بمال آخر فحمله وأطلق فقام الأمير جمال الدين يوسف الأستادار في أمره ومازال بالملك الناصر فرج إلى أن أعاده إلى كتابة السرّ في أوائل ذي الحجة فاستقرّ فيها وتمكن من أعدائه وأراه الله مصارعهم واتسعت أحواله وانفرد بسلطانه وأنيط به جلّ الأمور فأصبح عظيم المصر نافذ الأمر بتدبير الدولة لا يجد أحد من عظماء الدولة بدا من حسن سفارته وأبدا للناس دينًا وخيرًا وتواضعًا وحسن وساطة بين الناس وبين السلطان فلما كان من أمر الناصر وهزيمته على اللجون ما كان وقع فتح الله مع الخليفة المستعين بالله العباسي ابن محمد المتوكل على الله وعدّة من كتاب الدولة في قبضة الأميرين شيخ ونوروز ومازال عندهما حتى قُتل الناصر وأقيم من بعده أمير المؤمنين المستعين بالله وهو على حاله من نفوذ الكلمة وتدبير الأمور فلما استبدّ الأمير شيخ بمملكة الديار المصرية واعتقل الخليفة وتلقب بالملك المؤيد شيخ في شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة أقرّ فتح الله على رتبته ثم قبض عليه يوم الخميس تاسع شوال وعوقب غير مرّة وأحيط بجميع أمواله وأسبابه وحواشيه وبيع عليه بعض ما وجد له وحمل ما تحصل منه فبلغ ما ينيف عن أربعين ألف دينار سوى ما أخذ مما لم يبع وهو ما يتجاوز ذلك ومازال في العقوبة إلى أن خُنق في ليلة الأحد خامس عشر شهر ربيع سنة ست عشرة وثمانمائة وحمل من الغد إلى تربته فدفن بها وكان رحمه الله من خير أهل زمانه رياضة وديانة وطيب مقال وتأله وتنسك ومحبة لستة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن قيام مع السلطان في أمر الناس وبه كفى الله عن الناس من شرّ الناصر فرج شيئًا كثيرًا وقد ذكرته بأبسط من هذا في كتابي ‏"‏ درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ‏"‏ وفي كتابي ‏"‏ خلاصة التبر في أخبار كتاب السر

 

 

 

 

      

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 دار ابن قرقه

 

 

 

‏:‏ هذه الدار من الدور القديمة وهي بخط سويقة المسعوديّ إلى خط بين السورين وقد تغيرت معالمها‏

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ دار ابن قرقة هي الآن سكن الأمير صارم الدين المسعوديّ والي القاهرة بأوّل حارة زويلة من جهة باب الخوخة على يسرة السالك إلى داخل الحارة وهي معروفة اليوم وإلى جانبها الحمام المعروفة بابن قرقة أيضًا وهذه الدار والحمام أنشأهما أبو سعيد بنرقة الحكيم وباعهما في حال مصادرته مما خرج عليه فابتاعهما منه علم السعداء ثم سكنها الكامل بن شارو وهما من جهة الخليج‏.‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

وهذه الدار والحمام قد قدمتا وصار موضع الدار الجامع المعروف بجامع ابن المغربيّ برأس سويقة الصاحب وما يجاوره من ابن أبي شاكر وآخر ما بقي منها شيء هدمه الوزير الصاحب تاج الدين عبد الرحيم بن الوزير الصاحب فخر الدين عبد الله بن تاج الدين موسى بن أبي شاكر في رمضان سنة أربع وتسعين وسبعمائة‏.‏

 

 

وابن قرقة‏:‏ هذا كان يتولى الاستعمالات بدار الديباج وخزائن السلاح وكان ماهرًا في علم الطب والهندسة ونحو ذلك من علوم الأوائل وقتله الخليفة الحافظ لدين الله من أجل أنه دبر السم لابنه حسن بن الحافظ عندما تشاور والجند وطلبوا من الخليفة قتل ابنه حسن كما تقدّمكره فلما سكنت الدهماء قبض عليه الخليفة واعتقله بخزانة البنود وقتله في سنة تسع وعشرين وخمسمائة‏.‏

 

 

دار خوند‏:‏ هذه الدار من حقوق حارة زويلة عرفت بالست الجليلة خوندار دوتكين ابنة نوغية السلاح دار الططريّ تزوّج بها الملك الأشرف خليل بن قلاون ومات عنها فتزوّجها من بعده أخوه الملك الناصر محمد بن قلاون وولدت منه ولدين وماتا ثم طلقها ونزلت من القلعة فسكنت ه الجار وأنشأت لها تربة بالقرافة تعرف الآن بتربة الست وجعلت لها عدّة أوقاف وكانت من الخير على جانب عظيم لها معروف وصدقات وإحسان عميم وماتت ولها ما ينيف على الألف ما بين جارية وخادم أعتقتهم كلهم وخلّفت أموالًا تخرج عن الحدّ في الكثرة وكانت وفاتها في ليلة السبت ثالث عشري المحرم سنة أربع وعشرين وسبعمائة ودفنت بتربتها فتقدّم أمر السلطان للأمراء والقضاة لشهود جنازتها وحمل ما تركته من الأموال والجواهر وطُلب أخوها جمال الدين خضر بن نوغية وصُولح على إرثه منها بمائة وعشرين ألف درهم عنها يومئذ سبعة آلاف دينار ولم تزل هذه الجار إلى أن هُدمت فأخذها الأمير صلاح الدين محمد استادار السلطان ابن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله في شهر رجب سنة أربع وعشرين وثمانمائة وأدخلها في داره التي أنشأها من أجلّ دور القاهرة‏.‏

 

 

دار الذهب‏:‏ هذه الدار خارج القاهرة فيما بين باب الخوخة وباب سعادة بناها الأفضل أبو القاسم شاهنساه بن أمير الجيوش بدر الجمالي وكان فيما بين باب القنطرة وباب الخوخة منظرة اللؤلؤة التي تقدّم ذكرها عند ذكر مناظر الخلفاء ويجاروها من حيز باب الخوخة دار الفلك ناها فلك الملك أحد الأستاذين الحاكمية ويلاصقها دار الذهب هذه ويجاور دار الذهب دار الشابورة ودار الذهب عرفت أخيرًا بدار الأمير بها در الأعسر شادّ الدواوين ثم الآن عرفت بدار الأمير الوزير المشير الأستادار فخر الدين عبد الغني ابن الأمير الوزير استادار تاج الدين عبد الرزاق بن أبي الفرج الأرمنيّ الأصل وعني بها وهدم كثيرًا من الدور التي كانت تجاهها على برّ الخليج الشرقيّ وأنشأ هناك دارًا يتطرّق إليها من هذه الدار بساباط وأنشأ بجوارها جامعه الآتي ذكره وحمامه ثم هدم كثيرًا من الدور التي كانت على الخليج وما وراءها بتلك الأحكار التي في الجانب الغربيّ من الخليج وغرس في أراضي تلك الدور الأشجار وجعلها بستانًا تجاه داره فمات قبل أن تكمل وصار أكثر مواضع الدور التي خربها هناك كيمانًا‏.‏

 

 

دار الحاجب‏:‏ خارج باب النصر تجاه مصلى الأموات هذه الدار أنشأها الأمير سيف الدين كهرداش المنصوريّ أحد المماليك الزراقين وهو الذي فتح جزيرة أرواد في المراكب المتوجهة إلى بلاد الفرنج وتولى عمارة مأذنة المدرسة المنصورية لما تهدّمت في الزلزلة وتقدم وكثرت أموه ومات بدمشق في سنة أربع عشرة وسبعمائة فاشترى هذه الدار الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب ولم تزل بها ذريته من بعد الأمير جمال الدين عبد الله وبها الآن ولدا الأمير بكتمر الحاجب‏:‏ الأمير سيف الدين كان أميرا خور ثم وليّ شدّ الدواوين بدمشق في نيابة الأفرام ولمكن لأحد معه كلام في عزل ولا ولاية ثم ولي الحجوبية وتوجه إلى صفد كاشفًا على الأمير ناهض الدين عمر بن أبي الخير والي الولاة وشادّ الدواوين بها ومعه معين الدين بن حشيش فحرّر الكشف ورفعه حتى قال فيه زين الدين عمر بن حلاوات موقع صفد‏:‏ يا قاصدًا صفدًا فعد عن دةٍ من جور بكتمر الأمير خرابُ لا شافعٌ تغني شفاعتهُ ولا جارٌ له مما جناه جنابُ حشرٌ وميزانٌ ونُشرُ صحائفٍ وجرائدٌ معروضةٌ وحسابُ وبها زبانيةٌ تحثُ على الورى وسلاسلٌ ومقامعٌ وعقابُ ما فاتهم من كلِّ ما وعدوا به في الحر إلاَّ راحمٌ وهابُ ولما قدم الملك الناصر محمد بن قلاون من الكرك إلى دمشق ولاّه الحجوبية ودخل في خدمته إلى مصر وهو حاجب ثم أخرجه ثانيًا إلى غزة في سنة عشر وسبعمائة فأقام بها قليلًا وطلبه وولاّه الوزارة بالديار المصرية عوضًا عن الصاحب فخر الدين ابن الخليليّ في رمضان سنة عشر فباشر الوزارة إلى أن قبض عليه مستهل ربيع الأوّل سنة خمس عشرة واعتقل مدّة سنة ونصف وأخذ كير ماله ثم أُفرج عنه وأُخرج إلى صفد نائبًا في سنة ست عشرة وأنعم عليه بمائة ألف درهم عنها يومئذ خمسة آلاف دينار فأقام بها عشرة أشهر وطُلب إلى مصر فصار من الأمراء المشهورة فإذا تكلم السلطان في المشورة لا يردّ عليه غيره لما عنده من المعرفة والخبرة وتزوّج بابنة الأمير جمال الدين أقوش المعروف بنائب الكرك وأولاده الذين ذكرنا منها وسرق له مال كثير من خزانته بهذه الدار ادّعى أنه مبلغ مائتي ألف درهم وكان في الباطن على ما قيل سبعمائة ألف درهم فما جسر يتفوّه خوفًا من السلطان وكان إذ ذاك والي القاهرة الأمير سيف الدين قدادار المنسوب إليه القنطرة على الخليج فتقدّم أمر السلطان إليه بتتبع من سرق المال فدسّ إليه الأمير بكتمر الساقي والوزير مغلطاي الجمالي والقضي فخر الدين ناظر الجيش في السرّ أن يتهاون في أمر السرقة نكاية لبكتمر وأخذوا يحتجون لكل من اتهم ويقولون للسلطان لعن الله ساعة العملة كل يوم يموت من الناس تحت المقارع عدّة وإلى متى يقتل المتهم الذي لا ذنب له فلما طار الأمر شكا بكتمر إلى السلطان في دار العدل فأحضر الوالي وسبّه السلطان فقال ياخوند‏:‏ اللصوص اين أمسكتهم وعاقبتهم أقرّوا أن سيف الدين بخشي خزنداره اتفق معهم على أخذ المال وجماعة من إلزامه الذين في بابه‏.‏

 

 

فقال السلطان للجمالي الوزير‏:‏ احضر هؤلاء المذكورين وعاقبهم فأخذ بخشي وعصره وكان عزيزًا عند بكتمر قد زوجه بابنته وهو يثق بعقله ودينه وأمانته فشق ذلك عليه واغتم غمًا شديدًا مات منه فجاءة فيما بين الظهر إلى العصر من يومه سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وكان خبيرًبالأمور بصيرًا بالحوادث طويل الروح في الكلام لا يمل من تطويله ولو قعد في الحكم الواحد بين الأمير واليهودي ثلاثة أيام ولا يلحقه من ذلك سآمة البتة مع معرفة تامّة وخبرة بالسياسة لم ير مثله في حق أصحابه لكثرة تذكهم في غيبتهم والفكر في مصالحهم وتفقد أحوالهم ومن جفاه منهم عتب عليه وكان سمحًا بجاهه بخيلًا بماله إلى الغاية ساقط الهمة في ذلك وله متاجر وأملاك وسعادة لا تكاد تنحصر ومع ذلك فله قدور يكريها لصلاقي الفول والحمص وغير ذلك من العدد والآلات ويماحك على أجرها مماحكة يستحى من ذكرها وأنشأ عدّة دور واقتنى كثيرًا من البساتين وولي من بعده ابنه الأمير جمال الدين عبد الله الإمرة وكان حاجبًا ولأبيه في سيرة البخل والحرص الشديد تابعًا ومقلدًا وتولى أمره الحاج غير مرّة وخرج في سنة ست وثمانين وسبعمائة من القاهرة لولاية كشف الجسور بالغربية فورد عليه كتاب السلطان الملك الظاهر برقوق بالإنكار وفيه تهديد مهول فداخله الخوف ومرض فحُمل في محفة إلى القاهرة فدخلها يوم الأربعاء النصف من جمادى الأولى من تلك النة فمات من يومه وأخذ أقطاعه الأمير يودي وصار ابنه ناصر الدين أحد الأمراء العشراوات سالكًا طريق أبيه وجدّه في الإمساك إلى أن مات خامس عشري شهر ربيع الآخر سنة اثنين وثمانمائة ودفن بتربتهم خارج دار الجاولي‏:‏ هذه الدار من جملة الحجر التي تقدّم ذكرها وهي تجاه الخان المجاور لوكالة قوصون أنشأها الأمير علم الدين سنجر الجاولي وجعلها وقفًا على المدرسة المعروفة بالجاولية بخط الكبش جوار الجا الطولوني وعرفت في زماننا بقاعة البغادّة لسكنى عبد الصمد الجوهريّ البغدادايّ بها هو وأولاده في سنة سبع وأربعين وسبعمائة إلى بعد سنة ست عشرة وثمانمائة وهي من الدور الجليلة إلاّ أنها قد تشعثت لطول الزمن‏.‏

 

 

دار أمير أحمد‏:‏ هذه الدار بجوار دار الجاوليّ من غربيها عرفت بأمير أحمد قريب الملك الناصر محمد بن قلاون وعرفت في زماننا بسكن أبو ذقن ناظر المواريث وهي من جملة ما اغتصبه جمال الدين يوسف الأستادار من الدور الوقف وجعلها لأخيه شمس الدين محمد البيري قاضي حلب يخ الخانقاه البيبرسية فغير بابها في عمارتها فقبض عليه عند القبض على أخيه وهو بها‏.‏

 

 

دار اليوسفي‏:‏ هذه الدار بجوار باب الجوّنية فيما بينها وبين الحوض المعدّ لشرب الدواب أنشأها هي والحوض الأمير سيف الدين بهادر اليوسفيّ السلاح دار الناصريّ‏

 

 

دار ابن البقري‏:‏ هذه الدار أنشأها الوزير الصاحب سعد الدين سعد الله بن البقريّ بن أخت القاضي شمس الدين شاكر بن غزيل البقريّ صاحب المدرسة البقرية اظهر الإسلام وباشر في الخدمة الديوانية إلى أن ولاه الملك الظاهر برقوق وظيفة نظر الديوان المفرد ونظر الخاص عوض عن الصاحب كريم الدين عبد الكريم بن مكانس في ثالث شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة فباشر ذلك إلى تاسع شهر رمضان سنة خمس وثمانين فقبض عليه ونزل الأمير يونس الدوادار والأمير قرقماش الخازندار إلى داره هذه وأحاط بها وأخذ جميع ما فيها من المال والثياب والأواني والحلي والجواري وغير ذلك وحُمل إلى القلعة فبلغ قيمة ما وجد بداره في هذه النوبة مائتي ألف دجينار وسلم ابن البقريّ لشادّ الدواوين بقاعة الصاحب من القلعة فضرب بالمقارع نيفًا وثلاثين شيبًا وولي موفق الدين أبو الفرج نظر الخاص ثم أ الملك الظاهر لما عاد إلى المملكة بعد ثورة الأمير بلبغا الناصريّ والأمير تمربغا منطاش عليه وخلعه من الملك وسجنه بالكرك ثم قيامه بأهل الكرك ودخوله إلى القاهرة وعوده إلى المملكة ولي ابن البقريّ الوزارة في يوم الإثنين سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة اثين وتسعين وسبعمائة عوضًا عن موفق الدين أبي الفرج ثم صرف في يوم الخميس لعشرين من شهر رمضان وأعيد الوزير أبو الفرج وأحيط بدور ابن البقريّ وأسلم هو وابنه تاج الدين عبد الله إلى الأمير ناصر الدين محمد بن اقبغا آض فلما استقرّ الأمير ناصر الدين محمد بن الحسان الصفديّ في الوزارة يوم الثلاثاء سابع عشري ذي الحجة منها عوضًا عن الوزير أبي الفرج اشترط على السلطان أمورًا منها استخدام الوزراء المعزولين فجلس بشباك قاعة الصاحب من القلعة وبعث إلى منبالقاهرة من الوزراء المعزولين وهم شمس الدين عبد الل المقسي وعلم الدين عبد الوهاب بن الطنساويّ المعروف بسنّ إبرة وسعد الدين سعد الله بن البقريّ وعلم الدين عبد الوهاب بن الطنساويّ المعروف بسنّ إبرة وسعد الدين سعدالله بن البقريّ وموفق الدين أبو الفرج الطنساويّ المعروف بسنّ إبرة وسعد الدين بن ابراهيم بن مكناس فأقرّ المقسيّ وسنّ إبرة معًا في نظر الدولة وأقرّ ابن البقريّ ناظر البيوت ومستوفي الدولة وقرّر أبا الفرج في استيفاء الصحبة وابن مكانس في استيفاء الدولة شريكًا لابن البقريّ فكانوا يركبون في خدمته دائمًا ويجلسون بين يديه وربما وقف ابن القريّ على قدميه بحضرته بعد أن كان ابن الحسان دواداره ولا يزال قائمًا بين يدي فعدّ الناس هذا من أعظم المحن التي لم يشاهد في الدولة التركية مثلها وهو أن يصير الرجل خادمًا لمن كان في خدمته فنعوذ بالله من المحن ثم إن الوزير ابن الحسام قبض على ابن البقريّ وألزمه بحمل سبعين ألف درهم ثم أُعيد إلى الوزارة بعد القبض على الصاحب تاج الدين عبد الرحيم بن عبد الله بن موسى بن أبي بكر ابن أبي شاكر في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وقبض عليه وعلى ولده في حادي عشري شهر ربيع الأوّل سنة ست وتسعين وسلما على عدّة من الكتاب لشادّ الدواوين ثم أفرج عنهما على حمل مال فلما ولي الأمير ناصر الدين محمد بن رجب بن كلفت الوزارة بعد الوزير أبي الفرج قرّر ابن البقريّ في نظر الدولة عوضا عن بدر الدين الأقفهسيّ واستخدم بقية الوزارء كما فعل الوزير ابن الحسام فلما خلع السلطان على الأمير ناصر الدين محمد بن تنكر وجعل استادار الأملاك في رجب سنة سبع وتسعين على الأمير ناصر الدين محمد بن تنكر وجعله استادار الأملاك في رجب سنة سبع وتسعين قرّر ابن البقريّ ناظر الأملاك وخلع عليه فصار يتحدّث في نصر الدولة ونظر الأملاك فلما كان يوم الخميس رابع رجب سنة ثمان وتسعني أعيد إلى الوزارة وصرف عنها الأمير مبارك شاه ناظر الظاهريّ واستقرّ بدر الدين سنة تسع وتسعين وأحيد بسائر ما قدر عليه من موجوده وولي الوزارة بعده ابن الطوخيّ وعوقب عقابًا شديدًا في دار الأمير علاء الدين عليّ بن الطبلاويّ ثم أخرج نهارًا وهو عار مكشوف الرأس وبيده حبل يجرّبه وثيابه مضمومة بيده الأخرى والناس تراه من درب قراصيا برحبة باب العيد في السوق إلى دار ابن الطبلاويّ وقد انتهك بدنه من شدّة الضرب فسجن بدار هناك‏.‏

 

 

ثم خنق في ليلة الإثنين رابع جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وسبعمائة وكان أحد كتاب الدنيا الذين انتهت إليهم السيادة في كتابة الرسوم الديوانية مع عفة الفرج وجودة الراي وحسن التدبير إلاّ أنه لم يؤت سعدًا في وزارته وما برح يُنْكب كل قليل وكان يُظهر الإسلام ويكتب بخطه كتب الحديث وغيرها ويُتهم في باطن الأمر بالتشدّد في النصرانية وولي ابنه تاج الدين عبد الله الوزارة ونظر الخاص ومات قتيلًا تحت العقوبة عند الأمير جمال الدين يوسف الأستادار في سنة ثمان وثمانمائة ودار ابن البقريّ هذه من أعظم دور القاهرة وهي من جملة خط حارة الجوّانية في أوّلها‏.‏

 

 

دار طولباي‏:‏ هذه الدار بجوار حمذام الأعسر برأس حارة الجوّانية تجاه درب الرشيديّ أنشأها الأمير شمس الدين سنقر الأعسر الوزير ثم عرفت بخوند طولباي الناصرية جهة الملك الناصر‏

 

 

طلنباي‏:‏ ويقال دليبة ويقال طلوبية ابنة طفاجي ابن هندر بن بكر بن دوشي خان ابن حنكيزخان ذات الستر الرفيع الخاتوني كان السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون قد جهز الأمير إيدغدي الخوارزميّ في سنة ست عشرة وسبعمائة يخطب إلى أزبك ملك التتار بنتًا من الذرية الجنكة فجمع أزبك أمراء التومانات وهم سبعون أميرًا وكلمهم الرسول في ذلك فنفروا منه ثم اجتمعوا ثانيًا بعدما وصلت إليهم هداياهم وأجابوا ثم قالوا إلاَّ أن هذا لايكون إلا بعد أربع سنين سنة سلام وسنة خطبة وسنة مهاداة وسنة زواج واشتطوا في طلب المهر فرجع السلطان عن الخطبة ثم توجه سيف الدين طوخي بهدية وخلعة لأزبك فلبسها وقال لطوخي‏:‏ قد جهزت لأخي الملك الناصر ما كان طلب وعينت له بنتًا من بيت جنكزخان من نسل الملك ياطرخان‏

 

 

فقال طوخي‏:‏ لم يرسلني السلطان في هذا‏

 

 

فقال أزبك‏:‏ أنا أرسلها إليه من جهتي وأمر طوخي بحمل مهرها فاعتذر بعدم المال‏

 

 

فقال‏:‏ نحن نقترض من التجار فاقترض عشرين ألف دينار وحملها ثم قال لابدّ من عمل فرح تجتمع فيه الخواتين فاقترض مالًا آخر نحو سبعة ألاف دينار وعمل الفرح

 

 

وجهزت الخاتون طلنباي ومعها جماعة من الرسل وهم بانبجار من كبار المغل وطقبغا ومنعوش وطرحي وعثمان وبكتمر وقرطبا والشيخ برهان الدين أمام الملك أزبك وقاضي حراي فساروا في زمن الخريف وأقلعوا فلم يجدوا ريحاص تسير بهم فأقاموا في برّ الروم على مينا ابن مشتا خمسة أشهر وقام بخدمتهم هو والأشكريّ ملك قسطنطينية وأنفق عليهم الأشكريّ ستين ألف ينار فوصلوا إلى الإسكندرية في شهر ربيع الأوّل سنة عشرين وسبعمائة فلما طلعت الخاتون من المراكب حملت في خركاة من الذهب على العجل وجرّها المماليك إلى جار السلطنة بالإسكندرية وبعث السلطان إلى خدمتها عدّة من الحجاب وثماني عشرة من الحرم ونزلت في الحراقة فوصلت إلى القلعة يوم الإثنين خامس عشري ربيع الأول المذكور وفرش لها بالمناظر في الميدان دهليز أطلس معدني ومدّ لهم سماط وفي يوم الخميس ثاني عشرية أحضر السلطان رسل أزبك ووصل رسل ملك الكرج ورسل الأشكريّ بتقادمهم ثم بعث إلى الميدان الأمير سيف الدين أرغون النائب والأمير بكتمر الساقي والقاضي كريم الدين ناظر الخاص فمشوا في خدمة الخاتون إلى القلعة وهي في عز ثم عقد عليها يوم الإثنين سادس ربيع الآخر على ثلاين ألف دينار حالة المعجل منها عشرون ألفًا وعقد قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة وقبل عن السلطان النائب أرغون وبنى عليها وأعاد الرسل بعد أن شملهم من الأنعام ما أربى على أملهم ومعهم هدية جليلة فساروا في شعبان وتأخر قاضي حراي حتى حج وعاد في سنة إحدى وعشرين وماتت في رابع عشري ربيع الآخر سنة خمس وستين وسبعمائة ودفنت بتربتها خارج باب البرقية بجوار تربة خوند طغاي أم أنوك‏.‏

 

 

دار حارس الطير‏:‏ هذه الدار بداخل درب قراصيا بخط رحبة باب العيد عرفت بالأمير سيف الدين سنبغا حارس الطير ترقى في الخدم إلى أن صار نائب السلطنة بديار مصر في أيام السلطان حسن بن محمد بن قلاون بعد يلبغا روس ثم عزل بالأمير قبلاي وجهز إلى نيابة غزة فقام بها شها وقبض عليه وحضر مقيدًا إلى الإسكندرية في شعبان سنة اثنين وخمسين وسبعمائة فسجن بها مدّة ثم أخرج إلى القدس فأقام بطالًا مدّة ثم نقل إلى نيابة غزة في شعبان سنة ست وخمسين وسبعمائة‏.‏

 

 

الدار القردمية‏:‏ هذه الدار خارج باب زويلة بخط الموازيين من الشارع المسلوك فيه إلى رأس المنجبية بناها الأمير الجاي الناصريّ مملوك السلطان الملك ناصر محمد بن قلاوون وكان من أمره أنه ترقي في الخدم السلطانية حتى صار دوادار السلطان بغير أمرة رفيقًا للأمير به الدين أرسلان الدوادار فلما مات بهاء الدين استقرّ مكانه بأمرة عشرة مدّة ثلاث سنين ثم أعطى أمرة طبلخاناه وكان فقيهًا حنفيًا يكتب الخط المليح ونسخ بخطه القرآن الكريم في ربعة وكان عفيفًا عن الفواحش حليمًا لا يكاد يغضب مكبًا على الاشتغال بالعلم محبًا لاقتناء الكتب مواظبًا على مجالسة أهل العلم وبالغ في إتقان عمارة هذه الدار بحيث أنه أنفق على بوّابتها خاصة مائة ألف درهم فضة عنها يومئذٍ نحو الخمسة آلاف مثقال من الذهب فلما تمّ بناؤها لم يمتع بها غير قليل ومرض فمات في أوائل شهر رجب وقيل في رمضان سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة وهو كهل فدفن بقرافة مصر‏.‏

 

 

فسكنها من عبده خوند عائشة خاتون المعروفة بالقردمية ابنة الملك الناصر محمد بن قلاوون زمانًا فعرفت بها وكانت هذه المرأة ممن يضرب بغناها وسعاتها المثل إلاّ أنها عمرت طويلًا وتصرّفت في مالها تصرّفًا غير مرضيّ فتلف في اللهو حتى صارت تعدّ من جملة المساكين وماتت في الخامس من جمادى الولى سنة ثمان وسبعين وسبعمائة ومخدّتها من ليف‏.‏

 

 

ثم سكن هذه الدار الأمير جمال الدين محمود بن عليّ الاستادار مدّة وأنشأ تجاهها دار الصالح‏:‏ هذه الدار بحارة قريبًا من السجن وكانت دار الصالح طلائع بن رزبك يسكنها وهو أمير قبل أني لي الوزارة بناها في سنة سبع وأربعين وخمسمائة وبناها على ما هي عليه الآن‏

 

 

دار بهادر‏:‏ هذه الدار بالقاهرة جوار المشهد الحسيني في درب جرجي المقابل للابارين المسلوك منه إلى دار الضرب وغيره أنشأها الأمير بهادر رأس نوبة أحد مماليك الملك المنصور قلاوون واتفق أنه كان ممن مالأ الأمير بدر الدين بيدرا على قتل الملك الأشرف خليل بن قلاووفلما قدّر الله بانتقاض أمر بيدر أو قتله وإقامة الملك الناصر محمد بن قلاوون بعد أخيه الأشرف خليل قبض على جماعة ممن وافق على قتل الملك الأشرف خليل وقد تجمعت المماليك الأشرفية مع الأمير علم الدين سنجر الشجاعي وهو يومئذٍ وزير الديار المصرية في دار النيابة من قلعة الجبل عند الأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة وإذا بالأمير بهادر المذكور قد حضر هو والأمير جمال الدين أقوش الموصلي الحاجب المعروف بنميلة وكانا قد اختفيا فرقًا من سطوة الأشرفية حتى دبر أمرهما النائب وأذن لهما في طلوع القلعة فما هو إلاّ أن أبصرهما الأشرفية سلوا سيوفهم وضربوا رقبتيهما في أسرع وقت فدهش الحاضرون وما استطاعوا أن يتكلموا خوفًا من الأشرفية واتفق في بناء هذه الدار ما فيه عبرة لمن اعتبر وذلك أن بهادر هذا لما حفر أساسها وجد هناك قبورًا كثيرة فأخرج تلك العظام ورماها فبلغ ذلك قاضي القضاة تقيّ الدين ابن دقيق العيد فبعث إليه ينهاه عن نبش القبور ورمي العظام ويخوّفه عاقبة ذلك فقال‏:‏ إذا مت يجرّوا رجلي ويرموني فقال القاضي‏:‏ لما أعيد عليه هذا الجواب‏:‏ وقد يكون

 

 

فقدّر الله أنه لما ضربت رقبته ورقبة أقوش ربط في رجليهما حبل وجرّا من دار النيابة بالقلعة إلى المجاير بالكيمان نعوذ بالله من سوء عاقبة الفضاء ثم عرفت هذه الدار ببيت الأمير جركتمر بن بهادر المذكور وكان خصيصًا بالأمير قوصون فبعثه لقتل السلطان الملك المنصور أبي بكر بن الملك الناصر محمد بن قلاوون لمّا نفاه إلى مدينة قوص بعد خلعه فتولى قتله فلما قبض على قوصون قبض على جركتمر في ثاني شعبان سنة اثنين وأربعين وسبعمائة وقتل بالإسكندرية هو وقوصون في ليلة الثلاثاء ثامن عشر شوال تولى قتلهما الأمير ابن طشتمر طلبة وأحمد بن صبيح وكان جركتمر هذا فيه أدب وحشمة وأوّل أمره كان من أصحاب الأمير بيبرس الجاشنكيري فقدّمه وأعطاه أمرة عشرة ثم اتصل بالأمير أرغون النائب فأعطاه أمرة طلبخاناه وكان يلعب بالأكرة ويجيد في لعبها إلى الغاية‏.‏

 

 

ثم عرفت هذه الدر بالأمير سيف الدين المنجكي أستادار الملك الظاهر برقوق لسكنها بها وتجيد عمارتها وأنشأ بجوارها حمامًا وكانت وفاته يوم الاثنين الثاني من جمادى الآخرة سنة تسعين وسبعمائة وهذه الدار باقية إلى اليوم تسكنها الأمراء‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 دار البقر

 

 

 

‏:‏ هذه الدار خارج القاهرة فيما بين قلعة الجبل وبركة الفيل بالخط الذي يقال له اليوم حدرة البقر كانت دارًا للأبقار التي برسم السواقي السلطانية ومنشرًا للزبل وفيه ساقية ثم إن الملك الناصر محمد بن قلاون أنشأها دارًا واصطبلًا وغرس بها عدّة أشجار وتولى عمارتهالقاضي كريم الدين عبد الكريم الكبير فبلغ المصروف على عمارتها ألف ألف درهم وعرفت بالأمير طقتمر الدمشقيّ ثم عرفت بدار الأمير طاش تمر حمص أخضر وهذه الدار باقية إلى وقتنا هذا ينزلها أمراء الدولة‏.‏

 

 

قصر بكتمر الساقي‏:‏ هذا القصر من أعظم مساكن مصر وأجلّها قدرًا وأحسنها بنيانًا وموضعه تجاه الكبش على بركة الفيل أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاون لسكن أجلّ أمراء دولته الأمير بكتمر الساقي وأدخل فيه أرض الميدان التي أنشأها الملك العادل كتبغا وقصد أن يأخذ قة من بركة الفيل ليتسع بها الإصطبل الذي للأمير بكتمر بجوار هذا القصر فبعث إلى قاضي القضاة شمس الدين الحريريّ الحنفيّ ليحكم باستبدالها على قاعدة مذهبه فامتنع من ذلك تنزهًا وتورّعًا واجتمع بالسلطان وحدّثه في ذلك فلما رأى كثرة ميل السلطان إلى أخذ الأرض نهض من المجلس مغضبًا وصار إلى منزله فارسل القاضي كريم الدين كبير ناظر الخواص إلى سراج الدين الحنفيّ عن أمر السلطان وقلده قضاء مصر منفردًا عن القاهرة فحكم باستبدال الأرض في غرة رجب سنة سبع عشرة وسبعمائة فلم يلبث سوى مدّة شهرين ومات في أوّل شهر رمضان فاستدعى السلطان قاضي القضاة شمس الدين الحريريّ وأعاده إلى ولايته وكمّل القصر والإصطبل على هيئة قلَّ ما رأت الأعين مثلها بلغت النفقة على العمارة في كل يوم مبلغ ألف وخمسمائة درهم فضة مع جاه العمل لأنّ العجل التي تحمل الحجارة من عند السلطان والحجارة أيضًا من عند السلطان والفعلة في العمارة أهل السجون المقيدون من المحابيس وقدِّر لو لم يكن في هذه العمارة جاه ولا سخرة لكن مصروفها في كل يوم مبلغ ثلاثة آلاف درهم فضة وأقاموا في عمارته مدّة عشرة أشهر فتجاوزت النفقة على عمارته ألف ألف درهم فضة عنها زيادة على خمسين ألف دينار سوى ما حمل وسوى من سخر في العمل وهو بنحو ذلك‏.‏

 

 

فلما تمت عمارته سكنه الأمير بكتمر الساقي وكان له في إصطبله هذا مائة سطل نحاس لمائة سائس كل سائس على ستة أؤس خيل سوى ما كان له في الحشارات والنواحي من الخيل وكان من المغرب يغلق باب إصطبله فلا يصير لأحد به حس ولمّا تزوّج أنوك بن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون بابنة الأمير بكتمر الساقي في سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة خرج شوارها من هذا القصر وكان عدّة الحمالين ثمانمائة حمّال‏.‏

 

 

المساند الزركش على أربعين حمَّالًا عدّتها عشرة مساند والمدوّرات ستة عشر حمالًا والكراسي اثنا عشر حمّالًا وكراسي لطاف أربعة حمالين وفضيات تسعة وعشرون حمّالًا وسلم الدكك أربة حمالين والدكك والتخوت الأبنوس المفضضة والموشقة مائة واثنين وستين حمالًا والنحاس الشامي اثنين وعشرين حمّالًا والبعلبكي المدهون اثني عشر حمّالًا والخونجات والمحافي والزبادي والنحاس تسعة وعشرين حمّالًا وصناديق الحوائج خاناه ستة حمالين وغير ذلك تتمة العدّة والبغال المحملة الفرش واللحف والبسط والصناديق التي فيها المصاغ تسعة وتسعين بغلًا‏.‏

 

 

قال العلامة صلاح الدين خليل بن أيبك الصفديّ‏:‏ قال لي المهذب الكاتب‏:‏ الزركش والمصاغ ثمانون قنطارًا بالمصري ذهب ولمّا مات بكتمر هذا صار هذا الوقف من بعده من جملة أوقافه فتولى أمره وأمر سائر أوقافه أولاده حتى انقرض أولاده وأولاد أولاده فصار أمر الأوقاف ابن ابنته وهو أحمد بن محمد بن قرطاي المعروف بأحمد بن بنت بكتمر وهذا القصر في غاية من الحسن ولا ينزله إلاّ أعيان الأمراء إلى أن كانت سنة سبع عشرة وثمانمائة وكان العسكر غائبًا عن مصر مع الملك المؤيد شيخ في محاربة الأمير نوروز الحافظي بدمشق عمد هذا المذكور إلى القصر فأخذ رخامه وشبابيكه وكثيرا من سقوفه وأبوابه وغير ذلك وباع الجميع وعمل بدل ذلك الرخام والبلاط وبدّل الشبابيك الحديد بالخشب وفطن به أعيان الناس فقصدوه وأخذوا منه أصنافًا عظيمة بثمن وبغير ثمن وهو الآن قائم البناء يسكنه الأمراء‏.‏

 

 

الدار البيسرية‏:‏ هذه الدار بخط بين القصرين من القاهرة كانت في آخر الدولة الفاطمية لما قويت شوكة الفرنج قد أُعيدت لمن يجلس فيها من قصاد الفرنج عندما تقرّر الأمر معهم على أن يكون نصف ما يحصل من مال البلد للفرنج فصار يجلس في هذه الدار قاصد معتبر عند الفرنجقبض المال فلما زالت الدولة بالغز ثم زالت دولة بني أيوب وولي سلطنة مصر الملوك من الترك إلى أن كانت أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ شرع الأمير ركن الدين بيبرس الشمسيّ الصالحيّ البخميّ في عمارتها في سنة تسع وخمسين وستمائة وتأنّق في عمارتها وبالغ في كثرة المصروف عليها فأنكر الملك الظاهر ذلك من فعله وقال له‏:‏ يا أمير بدر الين أيّ شيء خليت للغزاة والترك فقال‏:‏ صدقات السلطان والله يا خوند ما بنيت هذه الجار إلاّ حتى يصل خبرها إلى بلاد العدوّ ويُقالُ بعض مماليك السلطان عمّر دارًا غرم عليها مالًا ًا فأُعجب من قوله ذلك السلطان وأنعم عليها بألف دينار عينًا وعدّ هذا من أعظم أنعام السطلان فجاء سعة هذه الدار باصطبلها وبستانها والحمّام بجانبها نحو فدّانين ورخامها من أبهج رخام عُمل في القاهرة وأحسنه صنعة فكثر تعجب الناس إذ ذاك من عِظمها لما كان فيه أمراء الدولة ورجالها حينئذٍ من الاقتصاد حتى أن الواحد منهم إذا صار أميرًا لا يتغير عن داره التي كان يسكنها وهو من الأجناد وعندما كملت عمارة هذه الدار وقفها وأشهد عليه بوقفها اثنين وتسعين عدلًا من جملتهم قاضي القضاة تقيّ الدين ابن دقيق العيد وقاضي القضاة تقيّ الدين بن بنت الأعز وقاضي القضاة تقيّ الدين بن رزين قبل ولايتهم القضاء في حال تحملهم الشهادة وما زالت بيد ورثة بيسرى إلى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة‏.‏

 

 

فشرهت نفس الأمير قوصون إلى أخذها وسأل السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في ذلك فأذن له في التحدّث مع ورثة بيسرى فأرسل إليهم ووعدهم ومنّاهم وأرضاهم حتى أذعنوا له فبعث السلطان إلى قاضي القضاة شرف الدين الحرّاني الحنبليّ يلتمس منه الحكم باستبدالها كما حكم باستبدال بيت قتال السبع وحمامّه الذي أنشأ جامعه بخط خارج الباب الجيد من الشارع فأجاب إلى ذلك ونزل إليها علاء الدين بن هلال الدولة شادّ الدواوين ومعه شهود لقيمة فقوّمت بمائة ألف درهم وتسعين ألف درهم نقرة وتكون الغبطة للأيتام عشرة آلاف درهم نقرة لتتم الجملة مائتي ألف درهم نقرة وحكم قاضي القضاة شرف الدين الحرّانيّ ببيعها وكان هذا الحكم مما شنع عليه فيه‏.‏

 

 

ثم اختلفت الأيدي في الاستيلاء على هذه الدار واقتدى القضاة بعضهم ببعض في الحكم باستبدالها وآخر ما حم به من استبدالها في أعوام بضع وثمانين وسبعمائة فصارت من جملة الأوقاف الظاهرية برقوق وهي الآن بيد ابنة بيرم وكان لها باب بوّابته من أعظم ما عمل من البوابات بالقاهرة ويتوصل لى هذه الدار من هذا الباب وهو بجوار حمام بيسرى من شارع بين القصري وقد بنى تجاه هذا الباب حوانيت حتى خفي وصار يدخل إلى هذه الدار من باب آخر بخط الخرشتف‏.‏

 

 

بيسرى‏:‏ الأمير شمس الدين الصالحي بالخمي أحد مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب البحرية تنقل في الخدم حتى صار من أجلّ الأمراء في أيام الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ واشتهر بالشجاعة والكرم وعلو الهمة وكانت له عدّة مماليك راتب كل واحد منهم مائة رطل لحم وفي من له عليه في اليوم ستين عليقة لخيله وبلغ عليق خيله وخيل مماليكه في كل يوم ثلاثة آلاف عليقة سوى علف الجمال وكان ينعم بالألف دينار وبالخمسمائة غير مرّة ولما فرّق الملك العادل كتبغا المماليك على الأمراء بعث إليه بستين مملوكًا فأخرج إليهم في يومهم لكل واحد فرسين وبغلًا وشكا إليه استادار مكثرة خرجه وحسن له الاقتصاد في النفقة فحنق عليه وعزله وأقام غيره وقال لا يُرني وجهه أبدًا ولم يعرف عنه أنه شرب الماء في كوز واحد مرّتين وإنما يشرب كل مرّة في كوز جديد ثم لا يعاود الشرب منه وتنكر عليه الملك المنصور وقام من بعده انبه الملك الأشرف خليل فافرج عنه في سنة اثنين وتسعين وستمائة بعد عوده من دمشق بشفاعة الأمير بيدرا والأمير سنجر الشجاعيّ وأمر أن يحمل إليه تشريف كامل ويكتب له منشور بأمرة مائة فارس وأنه يلبس التشريف من السجن فجهُز التشريف وحُمل إليه المنشور في كيس حرير أطلس وعظم فيه تعظيمًا زائدًا وأثنى عليه ثناءً جمًا وسار إليه بيدر والشجاعيّ والدوادار والأفرم إلى السجن ليمشوا في خدمته إلى أن يقف بين يدي السلطان فامتنع من لبس التشريف والتزم بأيمان مغلظة أنه لا يدخل على السلطان إلا بقيده ولباسه الذي كان عليه في السجن وتسامعت الأمراء وأهل القلعة بخروجه فهرعوا إليه وكان لخروجه نهار عظيم ودخل على السلطان بقيده فأمر به ففك بين يديه وأفيض عليه التشريف فقبّل الأرض وأكرمه السلطان وأمره فنزل إلى داره وخرج الناس إلى رؤيته وسرّوا بخلاص فبعض إليه السلطان عشرين فرسًا وعشرين اكديشًا وعشرين بغلًا وأمر جميع الأمراء أن يبعثوا إليه فلم يبق أحد حتى سير إليها ما يقدر عليه من التحف والسلاح وبعث إليها أمير سلاح ألف دينار فصار يكتب بعد خروجه من السجن بيسرى الأشرفي بعدما كان يكتب بيسري الشمسيّ وما زال إلى أن تسلطن الملك المنصور لاجين فأخذ الأمير منكرتمر يغريه بالأمير بيسرى ويخوّفه منه وأنه قد تعين للسلطنة فعلمه كاشف الجيزة وأمَره أن يحضر الخدمة يومي الاثنين والخميس بالقلعة ويجلس رأس الميمنة تحت الطواشي حسام الدين بلال المغيثي لأجل كبره وتقدّمه ثم زاد منكرتمر في الإغراء به والسلطنة تستمهله إلى أن قبض عليه وسجنه في سنة سبع وتسعين وستمائة وأحاط بسائر موجوده وحبس عدّة من مماليكه فسر منكرتمر بمسكه سرورًا عظيمًا واستمرذ في السجن إلى أن مات في تاسع عشر شوّال سنة ثمان وتسعين وستمائة وعليه ديون كثيرة ودفن بتربته خارج باب النصر رحمه الله تعالى‏.‏

 

 

قصر بشتاك‏:‏ هذا القصر هو الآن تجاه الدار البيسرية وهو من جملة القصر الكبير الشرقيّ الذي كان مسكنًا للخفاء الفاطميين ويُسلك إليه من الباب الذي كان يُعرف في أيام عمارة القصر الكبير في زمن الخلفاء بباب البحر وهو يعرف اليوم بباب قصر بشتاك تجاه المدرسة الكامة وما زال إلى أن اشتراه الأمير بدر الدين بكتاش الفخريّ المعروف بأمير سلاح وأنشأ دورًا واصطبلات ومساكن له ولحواشيه وصار ينزل إليه هو والأمير بدر الدين بسيرى عند انصرافهما من الخدمة السلطانية بقلعة الجبل في موكب عظيم زائد الحشمة ويدخل كل منهما إلى جاره وكان موضع هذا القصر عدّة مساجد فلم يتعرّض لهدمها وأبقاها على ما هي عليه فلما مات أمير سلاح وأخذ الأمير قوصون الدار البيسرية كما تقدّم ذكره أحب الأمير بشتاك أن يكون له أيضًا دار بالقاهرة وذلك أن قوصون وبشتاك كانا يتناظران في الأمور ويتضادّان في سائر الأحوال ويقصد كل منهما أن يسامي الآخر ويزيد عليه في التجمل فأخذ بشتاك يعمل في الاستيلاء على قصر أمير سلاح حتى اشتراه من ورثته فأخذ من السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون قطعة أرض كانت داخل هذا القصر من حقوق بيت المال وهدم دارًا كانت قد أُنشئت هناك‏.‏

 

 

عرفت بدار قطوان الساقي وأُدخل ذلك في البناء إلاّ مسجدًا منها فإنه عمر وعرف اليوم بمسجد النجل فجاء هذا القصر من أعظم مباني القاهرة فإن ارتفاعه في الهواء أربعون ذراعًا ونزول أساس في الأرض مثل ذلك والماء يجري بأعلاه وله شبابيك من حديد تشرف على شارع القاهرة وينظر من اعلاه عامّة القاهرة والقلعة والنيل والبساتين وهو مشرق جليل مع حسن بنائه وتأنق زخرفته والمبالغة في تزويقه وترخيمه وأنشأ أيضًا في أسفله حوانيت كان يبلع فيها الحلوى وغيرها فصار الأمر أخيرًا كما كان أوّلًا بتسمية الشارع بين القصرين فإنه كان أوّلًا كما تقدّم بالقاهرة القصر الكبير الشرقي الذي قصر بشتاك وقصر بيسرى وما بينهما من الشارع يقال له بين القصري ومن لا علم له يظنّ إنما قيل لهذا الشارع بين القصرين لأجل قصر بيسرى وقصر بشتاك وليس هذا بصحيح وإنما قيل له بين القصرين قبل ذلك من حين بنيت القاهرة فإنه كان بين القصرين القصر الكبير الشرقيّ والقصر الصغير الغربيّ وقد تقدّم ذلك مشروحًا مبينًا‏.‏

 

 

ولما أكمل بشتاك بناء هذا القصر والحوانيت التي في أسفله والخان المجاور له في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة لم يبارك له فيه ولا تمتع به وكان إذا نزل إليه ينقبض صدره ولا تنبسط نفسه ما دام فيه حتى يخرج منه فترك المجيء إليه فصار يتعاهده أحيانًا فيعتريه ما تقدّم ذكره فكرهه وباعه لزوجة بكتمر الساقي وتداوله ورثتها إلى أن أخذه السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون فاستقرّ بيد أولاده إلى أن تحكم الأمير الوزير المشير جمال الدين الأستادار في مصر‏.‏

 

 

أقام من شهد عند قاضي القضاة كمال الدين عمر بن العديم الحنفي بأن هذا القصر يضرّ بالجار والمار وأنه مستحق للإزالة والهدم كما عمل ذلك في غير موضع بالقاهرة فحكم له باستبدال وصار من جملة أملاكه فلما قتله الملك الناصر فرج بن برقوق استولى على سائر ما تركه وجعل هذا القصر فيما عينه للتربة التي أنشأها على قبر أبيه الملك الظاهر برقوق خارج باب النصر فاستمرّ في جملة أوقاف التربة المذكورة إلى أن قتل الملك الناصر بدمشق في حرب الأمير شيخ والأمير نوروز وقدم الأمير شخ إلى مصر هو والخليفة المستيعن بالله العباسي ابن محمد وقف له من بقي من أولاد جمال الدين وأقاربه وكان لأهل الدولة يومئذٍ بهم عناية قاضي القضاة صدر الدين عليّ بن الأدميّ الحنفيّ بارتجاع أملاك جمال الدين التي وقفها على ما كانت عليه فتسلمها أخوه وصار هذا القصر إليهم وهو الآن بيدهم‏.‏

 

 

قصر الحجازية‏:‏ هذا القصر بخط رحبة باب العيد بجوار المدرسة الحجازية كان يعرف أوّلًا بقصر الزمرد في أيام الخلفاء الفاطميين من أجل أنّ باب القصر الذي كان يعرف بباب الزمرد كان هناك كما تقدّم ذكره في هذا الكتاب عند ذكر القصور فلما زالت الدولة الفاطمية صار منملة ما صار بيد ملوك بني أيوب واختلفت عليه الأيدي إلى أن اشتراه الأمير بدر الدين أمير مسعود بن خطير الحاجب من أولاد الملوك بني أيوب واستمرّ بيده إلى أن رسم بتسفيره من مصر إلى مدينة غزة واستقرّ نائب السلطنة بها في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وكاتب الأمير سيف الدين قوصون عليه وملّكه إيّاه فشرع في عمارة سبع قاعات لكل قاعة اصطبل ومنافع ومرافق وكانت مساحة ذلك عشرة أفدنة فمات قوصون قبل أن يتم بناء ما أراد من ذلك فصار يُعرف بقصر قوصون إلى أن اشترته خوند تتر الحجازية ابنة الملك الناصر محمد بن قلاوون وزوج الأمير ملكتمر الحجازيّ فعمرته الحجازية ابنة الملك الناصر محمد بن قلاوون وزوج الأمير ملكتمر الحجازي فعمرته عمارة ملوكية وتأنقت فيه تأنقًا زائدًا وأجرت الماء إلى أعلاه وعملت تحت القصر إصطبلًا كبيرًا لخيول خدّامها ساحة كبيرة يشرف عليها من شبابيك حديد فجاء شيئًا عجيبًا حسنه وأنشأت بجواره مدرستها التي تعرف إلى اليوم بالمدرسة الحجازية وجعلت هذا القصر من جملة ما هو موقوف عليها فلما ماتت سكنه الأمراء بالأجرة إلى أن عمر الأمير جمال الدين يوسف الأستادار داره المجاورة للمدرسة السابقية وتولى استادارية الملك النصاصر فرج صار يجلس برحبة هذا القصر والمقعد الذي كان بها وعمل القصر سجنًا يحبس فيه من يعاقبه من الوزراء والأعيان فصار موحشًا يروع النفوس ذكره لما قتل يه من الناس خنقًا وتحت العقوبة من بعد ما أقام دهرًا وهو مغنى صبابات وملعب أتراب وموطن أفراح ودار عز ومنزل لهو ومحل أماني النفوس ولذاتها ثم لما فحش كلب جمال الدين وشنع شرهه في اغتصاب الأوقاف أخذ هذا القصر يتشعث شيء من زخارفه وحم له قاضي القضاة كمال الدين عمر بن العديم الحنفي باستبداله كما تقدّم الحكم في نظائره فقلع رخامه فلما قُتل صار معطلًا مدّة وهمّ الملك الناصر فرج ببنائه رباطًا ثم انثنى عزمه عن ذلك فلما عزم على المسير إلى محاربة الأمير شيخ والأمير نوروز في سنة أربع عشرة وثمانمائة نزل إليه الزير الصاحب سعد الدين إبراهيم بن البشري وقلع شبابيكه الحديد لتعمل آلات حرب وهو الآن بغير رخام ولا شبابيك قائم على أصوله لا يكاد ينتفع به إلا أن الأمير المشير بدر الدين حسن بن محمد الأستادار لما سكن في بيت الأمير جمال الدين جعل ساحة هذا القصر اصطبلًا لخيوله وصار يحبس في هذا القصر من يصادره أحيانًا‏.‏

 

 

وفي رمضان سنة عشرين وثمانمائة ذكر الأمير فخر الدين عبد الغنيّ بن أبي الفرج الأستادار ما يجده المسجونون في السجن المستجدّ عند باب الفتوح بعد هدم خزانة شمائل من شدّة الضيق وكثرة الغم فعين هذا القصر ليكون سجنًا لأرباب الجرائم وأنعم على جهة وقف جمال الدين بعشرة آلاف درهم فلوسًا عن أجرة سنتين فشرعوا في عمل سجن وأزالوا كثيرًا من معالمه ثم ترك على ما بقي فيه ولم يتخذ سجنًا‏.‏

 

 

قصر يلبغا اليحياوي‏:‏ هذا القصر موضعه الآن مدرسة السلطان حسن المطلة على الرميلة تحت قلعة الجبل وكان قصرًا عظيمًا أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة ببنائه لسكن الأمير يلبغا اليحياوي وأن يُبنى أيضًا قصر يقابله برسم سكنى امير الطبغا الماردينيّ لتزايد رغبته فيهما وعظيم محبه لهما حتى يكونا تجاهه وينظر إليهما من قلعة الجبل فركب بنفسه إلى حيث سوق الخيل من الرميلة تحت القلعة وسار إلى حمام الملك السعيد وعيّن اصطبل الأمير أيدغمش أميراخور وكان تجاهها ليعمره هو وما يقابله قصرين متقابلين ويضاف إليه إصطبل الأمير طاشتمر الساقي واصطبل الجوق وأمر الأمير قوصون أن يشتري ما يجاور إصطبله من الأملاك ويوسع في إصطبله وجعل أمر هذه العمارة إلى الأمير اقبغا عبد الواحد فوقع الهدم فيما كان بجوار بيت الأمير قوصون وزيد في الإصطبل وجعل باب هذا الإصطبل من تجاه باب القلعة المعروف بباب السلسلة وأمر السلطان بالنفقة على العمارة من مال السلطان على يد النشو وكان للملك الناصر رغبة كبيرة في العمارة بحيث أنه أفرد لها ديوانًا وبلغ مصروفها في كل يوم اثني عشر ألف درهم نقرة واقل ما كان يصرف من ديوان العمارة في اليوم برسم العمارة مبلغ ثمانية آلاف درهم نقرة فلما كثر الاهتمام في بناء القصرين المذكورين وعظم الاجتهاد في عمارتهما وصار السلطان ينزل من القلعة لكشف العمل ويستحث على فراغهما وأوّل ما بدىء قصر يلبغا اليحياوي فعمل أساسه حضيرة واحدة انصرف عليها وحدها مبلغ أربعمائة ألف درهم نقرة ولم يبق في القاهرة ومصر صانع له تعلق في العمارة إلاّ وعمل فيها حتى كمل القصر فجاء في غاية الحسن وبلغت النفقة عليه مبلغ أربعمائة ألف ألف وستين ألف درهم نقرة منها ثمنلازورد خاصة مائة ألف درهم‏.‏

 

 

فلما كملت العمارة نزل السلطان لرؤيتها وحضر يومئذٍ من عند الأمير سيف الدين طرغاوي نائب حلب تقدمة من جملتها عشرة أزواج بسط أحدها حرير وعدّة أواني من بلور ونحوه وخيل وبخاتي فأنعم بالجميع على الأمير يلبغا اليحياويّ وأمر الأمير أقبغا عبد الواحد أن ينزل إلى هذا القصر ومعه أخوان سلار برفقته وسار أرباب الوظائف لعمل مهم فبات النشو ناظر الخاص هناك لتعبية ما يحتاج إليه من اللحوم والتوابل ونحوها فلما تهيأ ذلك حضر سائر أمراء الدولة من أوّل النهار وأقاموا بقصر يلبغا اليحياوي في أكل وشرب ولهو وفي آخر النهار حضرت إليهم التشاريف السلطانية وعدّتها أحد عشر تشريفًا برسم أرباب الوظائف وهم‏:‏ الأمير أقبغا عبد الواحد والأستادار والأمير قوصون الساقي والأمير بشتاك والأمير طقوزدمر أمير مجلس في آخرين وحضر لبقية الأمراء خلع وأقبية على قدر مراتبهم فلبس الجميع التشاريف والخلع والأقبية ركبوا الخيول المحضرة إليهم من الإصطبل السلطانيّ بسروج وكنابيش ما بين ذهب وفضة بحسب مراتبهم وساروا إلى منازلهم وذُبح في هذا المهمّ ستمائة رأس غنم وأربعون بقرة وعشرون فرسًا وعُمل فيه ثلثوائة قنطار سكر برسم المشروب فإن القوم يومئذٍ لم يكونوا يتظاهرون بشرب الخمر ولا شيء من المسكرات ألبتة ولا يجسر أحد على عمله في مهمّ ألبتة ومازالت هذه الدار باقية إلى أن هدمها السلطان الملك الناصر حسن وأنشأ موضعها مدرسته الموجودة الآن‏.‏

 

 

إصطبل قوصون‏:‏ هذا الإصطبل بجوار مدرسة حسن وله بابان باب من الشارع بجوار حدرة البقر وبابه الآخر تجاه باب السلسلة الذي يتوصل منه إلى الإصطبل السلطانيّ وقلعة الجبل أنشأه الأمير علم الدين سنج الجمقدار فأخذه منه الأمير سيف الدين قوصون وصرف له ثمنه من بيت الم فزاد فيه قوصون إصطبل الأمير سنقر الطويل وأمره الملك الناصر محمد بن قلاوون بعمارة هذا الإصطبل فبنى فيه كثيرًا وأدخل فيه عدّة عمائر ما بين دور وإصطبلات فجاء قصرًا عظيمًا إلى الغية وسكنه الأمير قوصون مدّة حياة الملك الناصر‏.‏

 

 

فلما مات السلطان وقام من بعده ابنه الملك النصور أبو بكر عمل عليه قوصون وخلعه وأقام بعده بدله الملك الأشرف كجك بن الملك الناصر محمد فلما كان في سنة اثنين وأربعين وسبعمائة حدث في شهر رجب منها فتنة بين الأمير قوصون وبين الأمراء وكبيرهم أيدغمش أميراخور فنادى أيدغمش في العمّة يا كسابه عليكم بإصطبل قوصون إنهبوه هذا وقوصون محصور بقلعة الجبل فأقبلت العامّة من السؤال والغلمان والجند إلى إصطبل قوصون فمنعهم المماليك الذين كانوا فيه ورموهم بالنشاب وأتلفوا منهم عدّة فثارت مماليك الأمير يلبغا اليحياوي من أعلى قصر يلبغا وكان بجوار قصر قوصون حيث مدرسة السلطان حسن ورموا مماليك قوصون بالنشاب حتى انكفوا عن عن رمي النّهابة فاقتحم غوغاء الناس إصطبل وقوصون وانتهبوا ما كان بركاب خاناته وحواصله وكسروا باب القصر بالفؤس وصعدوا إليه بعدما تسلقوا إلى القصر من خارجه فخرجت مماليك قوصون من الإصطبل يدًا واحدة بالسلاح وشقوا القاهرة وخرجوا إلى ظاهر باب النصر يريدون الأمراء الواصلين من الشام فأتت النهابة على جميع ما في إصطبل قوصون من الخيل والسروج وحواصل المال التي كانت بالقصر وكانت تشتمل من أنواع المال والقماش والأواني الذهب والفضة على ما لا يُحدّ ولا يعدّ كثرة‏.‏

 

 

وعندما خرجت العامّة بما نهبته وجدت مماليك الأمراء والأجناد قد وقفوا على باب الإصطبل في الرميلة لانتظار من يخرج وكان إذا خرج أحد بشيء من النهب أخذه منه أقوى منه فإن امتنع من إعطائه قُتل واحتمل النهابة أكياس الذهب ونثروها في الدهليز والطرق وظفروا بجواهر نفيسة وذخائر ملوكية وأمتعة جليلة القدر وأسلحة عظيمة وأقمشة مثمنة وجرّوا البسط الرومية والأمدية وما هو من عمل الشريف وتقاتلوا عليها وقطعوها قطعًا بالسكاكين وتقاسموها وكسّروا أواني البلور والصيني وقطعوا سلاسل الخيل الفضة والسروج الذهب والفضة وفكوا اللجم وكسروا الخركاوات وأتلفوا سترها وأغشيتها الأطلس والزركفت‏.‏

 

 

وذكر عن كاتب قوصون أنه قال‏:‏ أما الذهب المكيّس والفضة كان ينيف على أرعمائة ألف دينار وأما الزركش والحوايص والمعصبات ما بين خوانجات وأطباق فضة وذهب فإنه فوق المائة ألف دينار والبلور والمصاغ المعمول برسم النساء فإنه لا يحصر وكان هناك ثلاثة أكياس أطلس فيهاوهر قد جمعه في طول أيامه لكثرة شغفه بالجوهر لم يجمع مثله ملك كان ثمنه نحو المائة ألف دينار وكان في حاصله عدّة مائة وثمانين زوج بسط منها ما طوله من أربعين ذراعًا إلى ثلاثين عمل البلاد وستة عشر زوج من حرير وكان من جملة الخام نوبة خام جميعها أطلس معدنيّ قصب جميع ذلك نُهب وكُسر وقُطع وانح طّ سعر الذهب بديار مصر عقيب هذه النهبة من دار قوصون حتى بيع المثقال بأحد عشر درهمًا لكثرته في أيدي الناس بعدما كان سعر المثقال عشرين درهمًا ومن حينئذ تلاشى أمر هذا القصر لزوال رخامه في النهب وما برح مسكنًا لأكابر الأمراء وقد اشتهر أنه من الدور المشؤمة وقد أدركت في عمري غير واحد من الأمراء سكنه وآل أمره إلى ما لا خير فيه وممن سكنه‏:‏ الأمير بركة الزينبيّ ونُهب نهبة فاحشة وأقام أعوام خرابًا لا يسكنه أحد ثم أُصلح وهو الآن من أجلّ دور القاهرة‏

 

 

  

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 دار أرغون الكاملي

 

 

 

‏:‏ هذه الدار بالجسر الأعظم على بركة الفيل أنشأها الأمير أرغون الكامليّ في سنة سبع وأربعين وسبعمائة وأدخل فيها من أرض بركة الفيل عشرين ذراعًا‏

 

أرغون الكاملي‏:‏ الأمير سيف الدين نائب حلب ودمشق تبناه الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون وزوّجه أخته من أمّه بنت الأمير أرغون العلاءي في سنة خمس وأربعين وسبعمائة‏

 

 

وكان يُعرف أوّلًا بأرغون الصغير فلما مات الملك الصالح وقام من بعده في مملكة مصر أخوه الملك الكامل شعبان بن محمد بن قلاوون أعطاه أُمرة مائة وتقدمة ألف ونُهي أن يُدعى أرغون الصغير وتسمّى أرغون الكاملي‏.‏

 

 

فلمّا مات الأمير قطليجا الحمويّ في نيابة حلب رسم له الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون بنيابة حلب فوصل إليها يوم الثلاثاء حادي عشر شهر رجب سنة خمسين وسبعمائة وعمل النيابة بها على أحسن ما يكون من الحرمة والمهابة وهابه التركمان والعرب ومشت الأحوال به‏.‏

 

 

ثم جرت له فتنة مع أمراء حلب فخرج في نفر يسير إلى دمشق فوصلها لثلاث بقين من ذي الحجة سنة إحدى وخمسين فكرمه الأمير ايتمش الناصريّ نائب دمشق وجهّزه إلى مصر فأنم عليه السلطان وأعاده إلى نيابة حلب فأقام بها إلى أن عُزل ايتمش من نيابة دمشق في أوّل سلطنة الملك الصالح صالح بن قلاون فنُقل من نايبة حلب إلى نيابة دمشق فدخلها في حادي عشري شعبان سنة اثنتين وخمسين وأقام بها فلم يصف له بها عيش فاستعفى فلم يُجَبّ وما زال بها إلى أن خرج يلبغاروس وحضر إلى دمشق فخرج إلى اللّد واستولى يلبغاروس على دمشق‏.‏

 

 

فلما خرج الملك الصالح من مصر وسار إلى بلاد الشام بسبب حركة يلبغارويس تلقّاه أرغون وسار بالعساكر إلى دمشق ودخل السلطان بعده وقد فرّ يلبغاروس فقلّده نيابة حلب في خامس عشري شهر رمضان‏.‏

 

 

وعاد السلطان إلى مصر فلم يزل الأمير أرغون بحلب وخرج منها إلى الأبلستين في طلب ابن دلغادر وحرقها وحرق قراها ودخل إلى قيصرية وعاد إلى حلب في رجب سنة أربع وخمسين‏.‏

 

 

فلما خلع الملك الصالح بأخيه الملك الناصر حسن في شوال سنة خمس وخمسين طلب الأمير أرغون من حلب في آخر شوذال فحضر إلى مصر وعمل أمير مائة مقدّم ألف إلى تاسع صفر سنة ست وخمسين فأُمسك وحُمل إلى الإسكندرية اعتُقل فيها وعنده زوجته‏.‏

 

 

ثم نقل من الإسكندرية إلى القدس فأقام بها بطالًا وبنى هناك تربة ومات بها يوم الخميس لخمس بقين من شوّال سنة ثمان وخمسين وسبعمائة‏.‏

 

 

دار طاز‏:‏ هذه الدار بجوار المدرسة البندقدارية تجاه حمام الفارقاني على يمنة من سلك من الصليبة يريد حدرة البقر وباب زويلة أنشأها الأمير سيف الدين طاز في سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وكان موضعها عدّة مساكن هدمها برضى أربابها وبغير رضاهم وتولى الأمير منجك عمارت وصار يقف عليها بنفسه حتى كملت فجاءت قصرًا مشيدًا واصطبلًا كبيرًا وهي باقية لى يومنا هذا يسكنها الأمراء‏.‏

 

 

وفي يوم السبت سابع عشري جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين عمل الأمير طاز في هذه الدار وليمة عظيمة حضرها السلطان الملك الصالح صالح وجميع الأمراء فلما كان وقت انصرافهم قدّم الأمير طاز للسلطان أربعة أفراس بسروج ذهب وكنابيش ذهب وقدّم للأمير سنجر فرسين كذلك وللأمير صرغتمش فرسين ولكل واحد من أمراء الألوف فرسًا كذلك ولم يعهد قبل هذا أن أحدًا من ملوك الأتراك نزل إلى بيت أمير قبل الصالح هذا وكان يومًا مذكورًا‏.‏

 

 

طاز‏:‏ الأمير سيف الدين أمير مجلس اشتهر ذكره في أيام الملك الصالح إسماعيل ولم يزل أميرًا أن خُلع الملك الكامل شعبان وأُقيم المظفر حاجي وهو أحد الأمراء الستة أرباب الحل والعقد فلما خُلع الملك المظفر وأقيم الملك الناصر حسن زادت وجاهته وحرمته وهو الذي أمسك أمير يلبغاروس في طريق الحجاز وأمسك أيضًا الملك المجاهد سيف الإسلام عليّ ابن المؤيد صاحب بلاد اليمن بمكة وأحضره إلى مصر وهو الذي قام في نوبة السلطان حسن لما خُلع وأُجلس الملك الصالح صالح على كرسيّ الملك وكان يلبس في درب الحجاز عباءة وسرقولًا ويخفي نفسه ليتجسس على أخبار يلبغاروس ولم يزل على حاله إلى ثاني شوّال سنة خمس وخمسين وسسبعمائة فخلع الصالح وأُعيد الناصر حسن فأخرج طاز إلى نيابة حلب وأقام بها‏.‏

 

 

دار صرغتمش‏:‏ هذه الدار بخط بئر الوطاويط بالقرب من المدرسة الصرغتمشية المجاورة لجامع أحمد بن طولون من شارع الصليبية كان موضعها مساكن فاشتراها الأمير صرغتمش وبناها قصرًا واصطبلًا في سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وحمل إليها الوزراء والتاب والأعيان من الرخام وغي شيئًا كثيرًا وقد ذكر التعريف به عند ذكر المدرسة الصرغتمشية من هذا الكتاب في ذكر المدارس وهذه الدار عامرة إلى يومنا هذا يسكنها الأمراء ووقع الهدمفي القصر خاصة في شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وثمانمائة‏.‏

 

 

دار الماس‏:‏ هذه الدار بخط حوض ابن هنس فيما بينه وبين حجرة البقر بجوار جامع الماس أنشأها الأمير الماس الحاجب واعتنى برخامها عناية كبيرة واستدعى بها من البلاد فلما قتل في صفر سنة أربع وثلاثين وسبعمائة أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بقلع ما في هذهلدار من الرخام فقلع جميعه ونقل إلى القلعة وهذه الدار باقية إلى يومنا هذا ينزلها الأمراء‏.‏

 

 

دار بهادر المقدم‏:‏ هذه الدار بخط الباطلية من القاهرة أنشأها الأمير الطواشي سيف الدين بهادر مقدّم المماليك السلطانية في أيام الملك الظاهر برقوق‏

 

 

وبهادر هذا من مماليك الأمير يبلغا وأقام في تقدمة المماليك جميع الأيام الظاهرية وكَثُرَ ماله وطال عمره حتى هرم ومات في أيام الملك الناصر فرج وهو على أمرته وفي وظيفته تقدمة وموضع هذه الدار من جملة ما كان احترق من الباطلية في أيام الملك الظاهر بيبرس كما تقدّم في ذكر حارة الباطلية عند ذكر الحارات من هذا الكتاب ولما مات المقدّم بهادر استقرّت من بعده منزلًا لأمراء الدولة وهي باقية على ذلك إلى يومنا هذا‏.‏

 

 

دار الست شقراء‏:‏ هذه الدار من جملة حارة كتامة وهي اليوم بالقرب من مدرسة الوزير الصاحب كريم الدين ابن غنام بجوار حمام كراي وهي من الدور الجليلة عرفت بخوند الست شقراء ابنة السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون وتزوّجها الأمير روس ثم أنحط قدرها واتضعتي نفسها إلى أن ماتت في يوم الثلاثاء ثامن عشري جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة‏.‏

 

 

دار ابن عنان‏:‏ هذه الدار بخط الجامع الأزهر أنشأها نور الدين عليّ بن عنان التاجر بقيسارية جهاركس من القاهرة وتاجر الخاص الشريف السلطانيّ في أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون كان ذا ثروة ونعمةٍ كبيرة ومال متسع فلما زالت دولة الأشرف أجمع ودله وهم أظهر فاقة وتذكّر أنه دفن مبلغًا كبيرًا من الألف مثقال ذهب في هذه الدار ولم يعلم به أحد سوى زوجته أمّ أولاده فاتفق أنه مرض وخرس ومرضت زوجته أيضًا فمات يوم الجمعة ثامن عشر شوّال سنة تسع وثمانين وسبعمائة وماتت زوجته أيضًا فأسف أولاده على فقد ماله وحفروا مواضع من هذه الدار فلم يظفروا بشيء البتة وأقامت مدّة بأيديهم وهي من وقف أبيهم ومات ولده شمس الدين محمد بن علي بن عنان يوم السبت تاسع صفر سنة ثلاث وثمانمائة ثم باعوها سنة سبع عشرة وثمانمائة كما بيع غيرها من الأوقاف‏.‏

 

 

دار بهادر الأعسر‏:‏ هذه الدار بخط بين السورين فيما بين سويقة المسودي من القاهرة وبين الخليج الكبير الذي يعرف اليوم بخليج اللؤلؤة كان مكانها من جملة دار الذهب التي تقدّم ذكرها في ذكر مناظر الخلفاء من هذا الكتاب وإلى يومنا هذا بجوار هذه الدار قبو فيما بينهوبين الخليج يُعرف بقبو الذهب من جملة أقباء دار الذهب ويمرّ الناس من تحت هذا القبو‏.‏

 

 

بهادر هذا‏:‏ هو الأمير سيف الدين بهادر الأعسر اليحياوي كان مشرفًا بمطبخ الأمير سيف الدين فجا الأمير شكار ثم صار زردكاش الأمير الكبير يلبغا الخاصكي وولي بعد ذلك مهنمدار السلطان بدار الضيافة وولي وظيفة شدّ الدواوين إلى أن قدم الأمير يلبغا الناصري نائب حلب ساكر الشام إلى مصر وأزال دولة الملك الظاهر برقوق في جمادى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة قبض عليه ونفاه من القاهرة إلى غزة ثم عاد بعد ذلك إلى القاهرة وأقام بها إلى أن مات بهذه الدار في يوم عيد الفطر سنة ثمان وتسعين وسبعمائة وحصرت تركته وكان فيها عدّة كتب في أنواع من العلوم وهذه الدار باقية إلى يومنا هذا وعلى بابها بئر بجانبها حوض يُملأ لشرب الدواب منه‏.‏

 

 

دار ابن رجب‏:‏ هذه الدار من جملة أراضي البستان الذي يقول له اليوم الكافوري كان إصطبلًا للأمير علاء الدين عليّ بن كلفت التركمانيّ شادّ الدواوين فيما بين داره ودار الأمير تنكز نائب الشام‏

 

 

فلما استقر ناصر الدين محمد بن رجب في الوزارة أنشأ هذا الإصطبل مقعدًا صار يجلس فيه وقصرًا كبيرًا واستولى من بعده على ذلك كله أولاده فلما عمر الأمير جمال الدين يوسف الأستادار مدرسته بخط رحبة باب العيد أخذ هذا القصر والإصطبل في جملة من أخد من أملاك الناس وأوقافهم‏.‏

 

 

فلما قتله الملك الناصر فرج واستولى على جميع ما خلفه أفرد هذا القصر والإصطبل فيما أفرده للمدرسة المذكورة فلم يزل من جملة أوقافها إلى أن قتل الملك الناصر فرج وقدم الأمير شيخ نائب الشام إلى مصر فلما جلس على تخت الملك وتلقب بالملك المؤيد في غرّة شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة وقف إليه من بقي من أولاد علاء الدين عليّ بن كلفت وهما امرأتان كانت إحداهما تحت الملك المؤيد قبل أن يلي نيابة طرابلس وهو من جملة أمراء مصرفي أيام الملك الظاهر برقوق وذكرتا أن الأمير جمال الدين الاستادار أخد وقف أبيهما بغير حق وأخرجتا كتاب وقف أبيهما ففوّض أمر ذلك لقاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير البلقينيّ الشافعيّ فلم يجد بيد أولاد جمال الدين مستندًا فقضى بهذا المكان لورثة ابن كلفت وبقائه على ما وقفه حسبما تضمنه كتاب وقفه فتسلم مستحقوا وقف بن كلفت القصر والاصطبل وهو الآن بأيديهم وبينهم وبين أولاد ابن رجب نزاع في القصر فقط‏.‏

 

 

محمد بن رجب‏:‏ ابن محمد بن كلفت الأمير الوزير ناصر الدين نشأ بالقاهرة على طريقة مشكورة فلما استقرّ ناصر الدين محمد بن الحسام الصفدي شادّ الدواوين بعد انتقال الأمير جمال الدين محمود بن عليّ من شدّ الدواوين إلى استادارية السلطان في يوم الثلاثاء ثالث جمادى آخرة سنة تسعين وسبعمائة اقام ابن رجب هذا استادارًا عند الأمير سودون باق وكانت أوَل مباشراته ثم ولي شدّ الدواوين بعد الأمير ناصر الدين محمد بن اقبغا آص في سابع عشري ذي الحجة وعوّض في شدّ الدواوين بشد دواليب الخاص عوضًا عن خاله الأمير ناصر الدين محمد بن الحسام عند انتقاله إلى الوزارة فلم يزل إلى أن تَوَجَّه الملك الظاهر برقوق إلى الشام وأقام الأمير محمود الاستادار فقدم عليه ابن رجب بكتاب السلطان وهو مختوم فإذا فيه أن يقبض على ابن رجب ويلزمه بحمل مبلغ مائة وستين ألف درهم نقرة فقبض عليه في رابع شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وأخذ منه مبلغ سبعين ألف درهم نقرة‏.‏

 

 

فلما كان يوم الإثنين رابع عشر ربيع الآخر سنة ست وتسعين صرف السلطان عن الوزارة الصاحب موفق الدين أبا الفرج واستقرّ بابن رجب في منصب الوزارة وخلع عليه فلم يغير زيّ الأمراء وباشر الوزارة على قالب ضخم وناموس مهاب وصار أميرًا وزيرًا مدبرًا لممالك وسلك سيرة خاله الوزير ناصر الدين محمد بن الحسام في استخدام كل من باشر الوزارة فأقام الصاحب سعد الدين بن نصر الله ابن البقريّ ناظر الدولة والصاحب كريم الدين عبد الكريم بن الغنام ناظر البيوت والصاحب علم الدين عبد الوهاب سن إبرة مستوفي الدولة والصاحب تاج الدين عبد الرحيم بن أبي شاكر رفيقًا له في استيفاء الدولة وأنعم عليه بإمرة عشرين فارسًا في سادس شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين فلم يزل على ذلك إلى أن مات من مرض طويل في يوم الجمعة لأربع بقين من صفر سنة ثمان وتسعين وسبعمائة وهو وزير من غير نكبة فكانت جنازته من الجنائز المذكورة وقد ذكرته في كتاب در العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة‏.‏

 

 

دار القليجي‏:‏ هذه الدار من جملة خط قصر بشتاك كانت أوّلً من بعض دور القصر الكبير الشرقيّ الذي تقدم ذكره عند ذكر قصور الخلفاء ثم عرفت بدار حمال الكفاة وهو القاضي جمال الدين إبراهيم المعروف بحمال الكفاة ابن خالة النشو ناظر الخاص كان أوّلًا من جملة الكتاب اصارى فأسلم وخدم في بستان الملك الناصر محمد بن قلاوون الذي كان ميدانًا للملك الظاهر بيبرس بأرض اللوق ثم خدم في دوان الأمير بيدمر البدريّ فلما عرض السلطان دواوين الأمراء واختار منهم جماعة كان من جملة من اختاره السلطان حمال الكفاة هذا فجعله مستوفيًا إلى أن كان المهذب كاتب الأمير بكتمر الساقي فولاه السلطان مكانه في ديوان الأمير بكتمر فخدمه إلى أن مات فخد بديوان الأمير بشتاك إلى أن قبض الملك الناصر على النشو ناظر الخاص ولاّه وظيفة نظر الخاص بعد النشو ثم أضاف إليه وظيفة نظر الجيش بعد المكين بن قزوينة عند غضبه عليه ومصادره فباشر الوظسفتين لىأن مات الملك الناصر فاستمرّ في أيام الملك المنصور أبي بكر والملك الأشرف كجك والملك الناصر أ مد فلما وليّ الملك الصالح إسماعيل جعله مشير الدولة مع ما بيده من نظر الخاص والجيش وكان الوزير إذ ذاك الأمير نجم الدين محمود وزير بغداد وكتب له توقيع باستقراره في وظيفة الإشارة فعظم أمره وكَثُرَ حساده إلى أن قبض عليه وضرب المقارع وخُنق ليلة الأحد سادس شهر بيع الأوّل سنة خمس وأربعين وسبعمائة ودفن بجوار زاوية ابن عبود من القرافة وكانت مدّة نظر في الخاص خمس سنين وشهرين تنقض أيامًا وكان مليح الوجه حسن العبارة كثير التصرّف ذكيًا يعرف باللسان التركيّ ويتكلم به ويعرف باللسان النوبيّ والتكروري‏.‏

 

 

لم تزل هذه الدار بغير تكملة إلى أن ترأس القاضي شمس الدين محمد بن أحمد القليجيّ الحنفي كان أولًا يكتب على مبيضة الغزل وهي يومئذ مضمنة لديوان السلطان ثم اتصل بقاضي القضاة سراج الدين عمر بن إسحاق الهندي وخدمه فرفع من شأنه واستبانه في الحكم فعيب ذلك على الهندي وقال فيه شمس الدين محمد بن محمد الصائغ الحنفي‏:‏ ولمّا رأينا كاتبّ المكسِ قاضيًا علمنا بأنّ الدهرّ عادٍ إلى ورا فقلتُ لصحبي ليسَ هذا تعجبًا وهل يجلب الهنديُّ شيئًا سوى الخرا وولي افتاء دار العلم وناب عن القضاة في الحكم بعد مباشرة توقيع الحكم عدّة سنين فم ذكره وبعد صيته وصار يوسط بين القضاة والأمراء في حوائجهم ويخدم أهل الدولة فيما يعنّ لم من الأمور الشرعية فصار كثير من أمور القضاة لا يقوم به غيره حتى لقد كان شيخنا الأستاذ قاضي القضاة ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون يسميه دريد بن الصمة يعني أنه صاحب رأي القضاة كما أن دريد ابن الصمة كان صاحب رأي هوازن يوم حنين نسرّه بذلك فلما فخم أمره أخذ هذه الدار وقد تم بناء جدرانها فرخّمها وبيضها فجاءت في أعظم قالب وأحسن هندام وأبهج زيّ وسكنها إلى أن مات يوم الثلاثاء لعشرين من شهر رجب سنة سبع وتسعين وسبعمائة بعدما وقفها فاستمرّت في يد أولاده مدّة إلى أن أخذها الأمير جمال دار بهادر المعزي‏:‏ هذه الدار بدرب راشد المجاور لخزانة البنود من القاهرة عمرها الأمير سيف الدين بهادر المعزي كان أصله من أولاد مدينة حلب من أبناء التركمان واشتراه الملك المنصور لاجين قبل أن يلي سلطنة مصر و في نيابة السلطنة بدمشق فترقى حتى صار أحد أمراء الألوف إلى أن مات في يوم الجمعة تاسع شعبان سنة تسع وثلاثين وسبعمائة عن ابنتين إحداهما تحت الأمير أسدمر المعزي والأخرى تحت مملوكه اقتمر وترك مالًا كثيرًا منه ثلاث عشر ألف دينار وستمائة ألف درهم نقرة وأربعمائة فرس وثلثمائة جمل ومبلغ خمسين ألف اردب غلة وثمان حوايص ذهب وثلاث كلوتات زركش واثني عشر طراز زركش وعقارًا كثيرًا فأخذ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون جميع ما خلفه وكان جميل الصورة معروفًا بالفروسية ورمى في القبق النشاب بيمينه ويساره ولعب الرمح لعبًا جيدًا وكان لين الجانب حلو الكلام جميل العشرة إلاّ أنه كان مقتّرًا على نفسه في مأكله وسائر أحوال لكثرة شحه بحيث أنه اعتقل مرّة فجمع من راتبه الذي كان يجرى عليه وهو في السجن مبلغ اثني عشر ألف درهم نقرة أخرجها معه من الاعتقال‏.‏

 

 

دار طينال‏:‏ هذه الدار بخط الخرّاطين في داخل الدرب الذي كان يعرف بخربة صالح كان موضعها وما حولها في الدولة الفاطمية مارستانًا وأنشأ هذه الدار الأمير طينال أحد مماليك الناصر محمد بن قلاوون أقامه ساقيًا ثم عمله حاجبًا صغيرًا ثم أعطاه أمرة دكتمر وجعله أمير ئة مقدّم ألف فباشر ذلك مدّة ثم أخرجه لنيابة طرابلس‏.‏

 

 

فأقام بها زمانًا ثم نقله إلى نيابة صفد فمات بها في ثالث شهر ربيع سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة وكان تتريّ الجنس قصيرًا إلى الغاية مليح الوجه مشكورًا في أحكامه محبًا لجمع المال شحيحًا وهذه الدار تشتمل على قائمتين متجاورتين وهي من الدور الجليلة ولطينال أيضًا قيساوية بسويقة أمير الجيوش‏.‏

 

 

دار الهرماس‏:‏ هذه الدار كانت بجوار الجامع الحاكمي من قِبلية شارعة في رحبة الجامع على يسرة من يمرّ إلى باب النصر عمرها الشيخ قطب الدين محمد بن المقدسي المعروف بالهرماس وسكنها مدّة وكان أثيرًا عند السلطان الملك الناصر الحسن بن محمد بن قلاوون له فيه اعتقادبير فعظم عند الناس قدره واشتره فيما بينهم ذكره إلى أن دبت بينه وبين الشيخ شمس الدين محمد بن النقاش عقارب الحسد فسعى به عند السلطان إلى أن تغير عليه وأبعده ثم ركب في يوم سنة إحدى وستين وسبعمائة من قلعة الجبل بعساكره إبى باب زويلة فعندما وصل إليه ترجل الأمراء كلم عن خيولهم ودخلوا مشاة من باب زويلة كما هي العادة وصار السلطان راكبًا بمفرده وابن النقاش أيضًا راكب بجانبه وسائر الأمراء والمماليك مشاة في ركابه على ترتيبهم إلى أن وصل السلطان إلى المارستان المنصوري بين القصرين فنزل إليه ودخل القبة وزار قبر أبيه وجدّه وإخوته وجلس وقد حضر هناك مشايخ العمل والقضاة فتذاكروا بين يديه مسائل علمية ثم قام إلى النظر في أمور المرضى بالمارستان فدار عليهم حتى انتهى غرضه من ذلك وخرج فركب وسار نحو باب النصر والناس مشاة في ركابه إلاّ ابن النقاش فإنه راكب بجانبه إلى أن وصل إلى رحبة الجامع الحاكمي فوقف تجاه دار الهرماس وأمر بهدمها فهدمت وهو واقف وقبض على الهرماس وابنه وضرب بالمقارع عدّة شيوب ونفي من القاهرة إلى مصياف‏.‏

 

 

فقال الإمام العلامة شمس الدين محمد بن الرحمن بن الصائغ الحنفي في ذلك‏:‏ قد ذاقَ هرماسُ الخسارة من بعد عزٍ وجسارةْ حَسَبَ البهتانَ يبقى أخرب اللهُ ديارهُ فلما قُتل السلطان في سنة اثنين وستين عاد الهرماس إلى القاهرة وأعاد بعض داره فلما كانت سنة ثمانين وسبعئة صارت هذه الدار إلى الأمير جمال الدين عبد الله بن بكتمر الحاجب فأنشأها قاعة وعدّة حوانيت وربعًا علوّ ذلك وانتقل من بعده إلى أولاده وهو بأيدم إلى اليوم‏.‏

 

 

دار أوحد الدين‏:‏ هذه الدار بداخل درب السلامي في رحبة باب العيد مقابل قصر الشوك ولى جانب المارسان العتيق الصلاحيّ كان موضعها من حقوق القصر الكبير وصار أخيرًا طاحونًا فهدمها القاضي أوحد عبد الواحد أيام كان يباشر توقيع الأمير الكبير برقوق بعد سنة ثمانين وسمائة فلما حفر أساس هذه الدار ووجد فيه هيئة قبة معقودة من لبن وفي داخلها إنسان ميت قد بليت أكفانه وصار عظيمًا نخرًا وهو في غاية طول القامة يكون قدر خمسة أذرع وعظام ساقي خلاف ما عهد من الكبر ودماغه عظيم جدًا فلما كملت هذه الدار سكنها أيام مباشرته وظيفة كتابة السر إلى أن مات بها وقد حبسها على أولاده فاستمرت بأيديهم إلى أن أخذها منهم الأمير جمال الدين يوسف الاستادار كما أخذ غيرها من الأوقاف فاستمرّت في جملة ما بيده إلى أن قتله الملك الناصر فرج فقبضها فيما قبض مما خلف جمال الدين فلما قتل الملك الناصر فرج واستقل الملك المؤيد شيخ بمملكة مصر استرجع أولاد جمال الدين ما كان أخذه الناصر من أملاك جمال الدين وصارت بأيديهم إلى أن وقف له أولاد أوحد الدين في طلب دار أبيهم فعقد لذلك مجلس اجتمع فيه القضاة فتبين أن الحق بيد أولاد أوحد الدين فقُضي بإعادة الدار إلى ما وقفها عليه أوحد الدين فتسلمها أولاد أوحد الدين من ورثة جمال الدين وهي الآن بأيديهم‏.‏

 

 

عبد الواحد بن إسماعيل بن ياسين الحنفيّ‏:‏ أوحد الدين كاتب السر ولد بالقاهرة ونشأ بها في كنف قاضي القضاة جمال الدين عبد الله بن عليّ التركمانيّ الحنفيّ لصهارة كانت بين أبيه وبين التركمانية وباشر توقيع الحكم مدة واتفق أن أميرًا من أمراء الملك الأشرف شعبان  حسين يعرف بيونس الرماح مات فادّعى برقوق العثمانيّ أحد الممالك اليلبغاوية أنه ابن عم يونس هذا وأنه يستحق إرث لموته عن غير ولد حضر إلى المدرسة الصالحية بين القصرين حيث يجلس القضاة للحكم بين الناس حتى يثبت ما ادّعاه فلما أراد الله من أسعاد جدّ أوحد الدين لم يقف برقوق على أحد من موقعي الحكم إلا عليه وأخبره بما يريد فبادر إلى توريق سؤال باسم برقوق وانهائه أنه ابن عمّ يونس الرماح وأن عنده بينة تشهد بذلك ودخل بهذا السؤال إلى قاضي القضاة وأنهى العمل حتى ثبت أن برقوق ابن عم يونس يستحق ارثه فلما فرغ من ذلك برقوق إلى أوحد الدين مبلغ دراهم اجرة توريقه كما هي عادة أهل مصر في هذا فامتنع من أخذها وألحف برقوق في سؤاله وهو يمتنع فتقلد له برقوق في سؤاله وهو يمتنع فتقلد له برقوق المنة بذلك واعتقد أمانته وخيره وصار لكثرة ركونه إليه إذا قدم فلاحوا إقطاعه يبعثهم إليه حتى يحاسبهم عما حملوه من الخراج فلما قُتل الملك الأشرف وثارت المماليك وكان من أمرهم ما كان إلى أن تغلّب برقوق وصار من جملة الأمراء واستولى على الاصطبل السلطانيّ في شهر ربيع الآخر سنة تسع وسبعين وسبعمائة وصار أميرًا خور أقام أوحد الدين موقعًا عنده وما زال أمر برقوق يزداد قوّة حتى انيطت به أمور المملكة كلها فصار أوحد الدين صاحب الحل والعقد وكاتب السرّ بدر الدين محمد بن عليّ بن فضل الله إسمًا لامعنى له إلىأن جلس الأمير برقوق على تخت المملكة في شهر عليّ بن فضل الله إسمًا لا معنى له إلى أن جلس الأمير برقوق على تخت المملكة في شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة فقرّر القاضي أوحد الدين في وظيفة كتابة السرّ عوضًا عن ابن فضل الله وخلع عليه في يوم السبت ثاني عشر شوال من السنة المذكورة فباشر كتابة السرّ على القالب الجائز وضبط الأمور أحسن ضبط وعكف سائر الناس على بابه لتمكنه من سلطانه وكان الأمير يونس الدوادار يرى أنه أكثر الناس من الأمراء تمكينًا على السلطان وجرت العادة بانتماء كاتب السرّ إلى الدوادار فأحب أوحد الدين الإسبتداد على الأمير يونس الدوادار فقال السلطان سرًّا في غيبة يونس‏:‏ أن السلطان يرسم بكتابة مهمات الدولة وأسرار املكة إلى البلاد الشامية وغيرها والأمير الدوادار يريد من المملوك أن يطلع على ذلك فلم يقدر المملوك على مخالفته ولا أمكنه إعلامه إلاّ بإذن فانفق السلطان من ذلك وقال‏:‏ الحذر أن يطلع على شيء من مهمات السلطان أو أسراره‏

 

 

فقال‏:‏ أخاف منه إن سأل ولم أعلمه‏

 

 

فقال السطلان‏:‏ ما عليك منه‏

 

 

فرأى أنه قد تمكن حينئذ فأمسك أيامًا‏.‏

 

 

ثم أراد الازدياد من الإستبداد فقال للسلطان سرًّا‏:‏ قد رسم السلطان أن لا يطّلع أحد على سرّ السلطان ولا يعرف بما يكتب من المهمات وطائفة البريدية كلهم يمشون في خدمة الدوادار فإذا اقتضت آراء السلطان تسفير أحد منهم في مُهم يحتاج المملوك إلى استدعائه من خدمة أمير الدوادار فإذا التمس مين أن أخبره بالمعنى الذي توجه فيه البريدي لا أقدر على إعلامه بذلك ولا آمن إن كتمته وانصرف‏.‏

 

 

فلما كان من الغد وطلع الأمراء إلى الخدمة على العادة قال السلطان للأمير يونس الدوادار‏:‏ أرسل البريدية كلهم إلى كاتب السرّ ليمشوا ويركبوا معه فلم يجد بدًّا من إرسالهم وحصل عنده من إرسالهم المقيم المقعد فصار البريدية يركبون نوبًا في خدمة أوحد الدين ويتصرف  أمرو الدولة وحده مع سلطانه فانفر بالكلمة وخضع له الخاص والعام إلاّ أنه نغّص عليه في نفسه ومرض مرضًا طويلًا سقط معه شهوة الطعام بحيث أنه لم يكن يشتهي شيئًا من الغداء وتنوّع له المأكل من بين يديه لكي تميل نفسه إلى شيء منهم ومتى تناول غذاء تقيأه في الحال وما زال على ذلك إلى أن مات عن سبع وثلاثين سنة في يوم السبت ثاني ذي الحجة سنة ست وثمانين وسبعمائة ودفن خارج باب النصر فلم يتأخر أحد من الأمراء والأعيان عن جنازه وكان حَسَنُ السياسة رضي الخلق عاقلًا كثير السكون جيد السيرة جميل الصورة حسن الهيئة عارفًا بأمر دنياه محبًا للمداراة صاحب باطن قليل العلم رحمه الله‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 ربع الزيتي

 

 

 

‏:‏ هذا الربع كان بجوار قنطرة الحاجب التي على الخليج الناصري وكان يشتمل على عدّة مساكن ينزلها أهل الخلاعة للقصف فإنه كان يشرف من جهاته الأربع على رياض وبساتين ففي شرقيه غيط الزيتي وقد خرب وموضعه اليوم بركة ماء وفي غربيه غيط الحاجب بيبرس وأدركته عامرًا وهاليوم مزارع بعدما كانله باب كبير بجانبه حوض ماء للسبيل وعليه سياج من طين دائر به ومن قبلي هذا الربع الخليج وقنطرة الحاجب والجنينة التي بأرض الطبالة ومن بحر به بساتين تتصل بالبعل وكوم الريش وما زال هذا الربع معمورًا باللذات آهلًا بكثرة المسرّات إلى أن كانت سنة الغرقة وهي سنة خمس وخمسين وسبعمائة فخربت دور كوم الريش وغيرها ووصل ماء النيل إلى قنطرة الحاجبن فخرب ربع الزيتي وأُهمل أمره حتى صار كومًا عظيمًا تجاه قنطرة الحاجب وغيط الحاجب وسمعت من أدركته يخبر عن هذا الربع بعجائب من الملاد التي كانت فيه وكانت العامة تقول في هزلها‏:‏ ستي أين كنتي وأين رحتي وأين جيتي قالت مع ربع الزيتي‏:‏ ثمّ انقضتْ تلكَ السنونُ وأَهلها فكأنها وكأنَّهم أحلامُ الدار التي في أول البرقية من القاهرة التي حيطانها حجارة بيض منحوتة‏:‏ هذا الدار بقي منها جدار على يمين من سلك من المشهد الحيريد باب البرقية وبقي منها أيضًا جدار على يمين سلك من رحبة الأيدي مريّ إلى باب البرقية وهي دار الأمير صبيح بن شاهنشاه أحد أمراء الدولة الفاطمية في أيام الصالح طلائع بن رزيك وكانت في غاية الكبر والتحسين‏.‏

 

 

قال بعض أصحاب الصالح‏:‏ يا مولانا أبقاك الله حتى تتم دار ابن شاهنشاه وكان الضرغام قبل أني لي وزارة مصر قد فرّس العادل أبا شجاع رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك فظهر منه فارسًا في غاية الفروسية بحثي أنه قد حضر في يوم عيد الحلقة وأخذ رمحًا وحربة وقوسًا وسهمًا خذ الحلقة بالرمح ورمى بالسهم فأصاب الغرض وحذف بالحربة فأثبتها في المرمى ولعب بالرحم في غاية الحسن‏.‏

 

 

ثم دخل صبيح ابن شاهنشاه فعمل مثل ذلك فتحرّك الضرغام وكان يلبس عمامة بعذبة وأكمال واسعة على زيّ المصريين يومئذ فتلثم بعذبته ولف أكمامه وأخذ رمحه ولعب به في غاية الحسن وطرد كذلك ودخل في الحلقة وأخذها فعجب منه كل من في العسكر فأخذ عند ذلك الأمير صبيح ابن شاهنشاه المبخرة وأتى إليه وقال‏:‏ يا مولاي كفاك الله أمر العين فإن هذا شيء ما يقدر عليه أحد وجعل يدور حول فرسه ويبخره والضرغام يتبسم ويعجبه ذلك وبعد ذا كان قتل ابن شاهنشاه على يده في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ولم تكمل هذه الدار‏

 

 

دار ألتمر‏:‏ هذه الدار بمدينة مصر من خارجها فيما انحسر عنه ماء النيل بعد الخمسمائة من سني الهجرة وتعرف اليوم بصناعة ألتمر تجاه الصاغة بخط سوق المعاريج ومن جملتها بيت برهان الدين إبراهيم الحليّ ومدرسه وهذه الدار وقفها القاضي عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ ع فكك الأسرى من المسلمين ببلاد الفرنج‏.‏

 

 

قال القاضي محي الدين عبد الله بن عبد الظاهر في كتاب الدر النظيم في أوصاف القاضي الفاضل عبد الرحيم‏:‏ ومن جملة بنائه دار التمر بمصر المحروسة ولها دخل عظيم يُجمع ويُشترى به الأسرى من بلاد الفرنج وذلك مستمرّ إلى هذا الوقت وفي كل وقت يحضر بالأساري فيلبسون ويفون ويدعون له وسمعتهم مرارًا يقولون‏:‏ يا الله يا رحمن يا رحيم ارحم القاضي الفاضل عبد الرحيم

 

 

وقال القاضي جمال الدين بن شيث‏:‏ كان للقاضي الفاضل ربع عظيم يؤجره بمبلغ كبير فلما عزم على الحج ركب ومرّ به ووقف عليه وقال‏:‏ اللهم إنك تعلم أن هذا الخان ليس شيء أحب إليّ منه أو قال أعز عليّ منه اللهم فاشهد أني وقفته على فكاك الأسرى من بلاد الفرن

 

 

وقال ابن المتوجّ‏:‏ ومن جملة الأوقاف الوقف الفاضلي وهو الدار المشهورة بصناعة التمر الوقف على فكاك الأسرى من يد العدوّ المشتملة على مخازن وأخصاص وشون ومنازل علوية وحوانيت بمجازها وظاهرها وهي اثنا عشر حانوتًا وخمسة مقاعد وثمانية وخمسون مخزنًا وخمسة عشر خصًوست قاعات وساحة وست شون وخمسة وسبعون منزلًا وخمسة مقاعد علوية الأجرة عن ذلك جميعه إلى آخر شعبان سنة تسع وثمانين وستمائة في كل شهر ألف ومائة وست وثلاثون درهمًا نقرة واستجدّ بها القاضي جمال الدين الوجيزي خليفة الحكم بمصر حين كان ينظر في الأوقاف دارًا من ريع الوقف فأكلها البحر فأمر ببناء زربية أمامها من مال الوقف‏.‏

 

 

عمارة أمّ السلطان‏:‏ هذه العمارة من جملة المنحر كانت دارًا تعرف بالأمير جمال الدين ايدغدي العزيزيّ ولها باب من الدرب الأصفر الذي هو الآن تجاه خانقاه بيبرس وباب من المحايريين تجاه الجامع الأقمر‏

 

 

عرفت هذه الدار بالأمير مظفر الدين موسى الصالح علي ابن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي ثم خربت فأنسأتها خوند أم الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون وجعلت منها قيساوية بخط الركن المخلق يباع بها الجلود ويعلوها ربع جليل لسكن العامّة يشتمل على عدّة طباق ووقفت ذلك على مدرستها بخط التبانة خارج باب زويلة فلم تزل جارية في وقفها إلى أن اغتصبها الوزير الأمير جمال الدين يوسف الأستادار فيما أخذ من الأوقاف وجعلها وقفًا على مدرسته بخط رحبة باب العيد من القاهرة وجعلت خوندبركة من جملة هذه الدار قاعة لم يعمر فيها سوى بوابتها لا غير وهي أهلّ بوّابت الدور وقد دخلت أيضًا فيما أخذه جمال الدين وصارت بيد مباشري مدرسته إلى أن أخذها السلطان الملك الأشرف أبو العزيز برسباي الدقماقي الظاهريّ وابتدأ بعملها وكالة في شوّال سنة خمس وعشرين وثمانمائة فكملت في رجب سنة ست وعشرين وغيّر من الطراز المنقوش في الحجارة بجانبي باب الدخول اسم شعبان بن حسين وكتب برسباي فجاءت من أحسن المباني ويعلوها طباق للسكنى ولم يسخر في عمارتها أحد من الناس كما أحدثه ولاة السوء في عمائرهم بل كان العمال من البنايين والفعلة ونحوهم يوفون أجورهم من غير عنف ولا عسف فإنه كان القائم على عمارتها القاضي زين الدين عبد الباسط بن خليل ناظر الجيش وهذه عادته في أعماله أن لا يكلف فيها العمال غير طاقتهم ويدفع إليهم أجورهم والله أعلم‏.‏

 

 

ذكر الحمامات قال ابن سيده‏:‏ الحمّام والحميم والحميمة جميعًا الماء الحار والحميمة أيضًا المخض إذا سخن وقد أحمّه وحمّه وكلّما سخن فقد حمّ‏

 

 

قال ابن الأعرابي‏:‏ والحمائم جمع الحميم الذي هو الماء الجار وهذا خطأ لأن فعيلًا لا يجمع على فعائل وإنما هو جمع الحميمة الذي هو الماء الحار لغة في الحميم مذكر وهو أحد ما جاء من الأسماء على فعال نحو القذاف والجبان والجمع حمّامات‏

 

 

قال سيبويه‏:‏ جمعوه بالألف والتاء وإن كان مذكرًا حيث لم يُكسر جعلوا ذلك عوضًا من التكسير‏

 

 

والاستحمام الاغتسال بالماء الحار وقيل هو الاغتسال بأيّ ماء كان والحميم العرق واستحمّ الرجل عرق‏.‏

 

 

وأمّا قولهم لداخل الحمام إذا خرج طاب حميمك فقد يعني به العرق أي طاب عرقك وإذا دعي له بطبيب العرق فقد دعي له بالصحة لأنّ الصحيح يطيب عرقه‏.‏

 

 

وروي عن سفيان الثوري أنه قال‏:‏ ما درهم ينفقه المؤمن هو فيه أعظم أجرًا من درهم صاحب حمّام ليخليه له وقال محمد بن إسحاق في كتاب المبتدىء‏:‏ إنّ أوّل من اتخذ الحمامات والطلاء بالنورة سليمان بن داود عليهما السلام وأنه لما دخل ووجد حميمة قال‏:‏ اوّاه من لله أوّاه‏.‏

 

 

وذكر المسبحيّ في تاريخه‏:‏ أنّ العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله أوّل من بنى الحمامات بالقاهرة وذكر الشريف أسعد الجوّاني عن القاضي القضاعي أنه كان في مصر الفسطاط ألف ومائة وسبعون حمامًا‏

 

 

وقال ابن المتوّج أن عدّة حمامات مصر في زمنه بضع وسبعون حمامًا‏.‏

 

 

وذكر ابن عبد الظاهر أن عدّة حمامات القاهرة إلى آخر سنة خمس وثمانين وستمائة تقرّب من ثمانين حمامًا وأقل ما كانت الحمامات ببغداد في أيام الخليفة الناصر أحمد بن المستنصر نحو الألف حمام‏.‏

 

 

حمّامي السيدة العمة قال ابن عبد الظاهر‏:‏ حمّامي الكافي يُعرفان بحمامي السيدة العمة وانتقلتا إلى الكامل بن شاور ثم إلى ورثة الشريف ابن ثعلب وهما الآن بأيديهم ولا تدور إلاّ الواحدة وهاتان الحمامان كانتا على يُمنة من يدخل من أول حارة الروم تجاه ربع الحاجب لؤ المعروف الآن بربع الزياتين علو الفندق الذي باب بسوق الشوّايين وكانت إحداهما برسم الرجال والأخرى برسم النساء وقد خربتا ولم يبق لهما أثر البتة‏.‏

 

 

حمام الساباط قال ابن عبد الظاهر‏:‏ كان في القصر الصغير باب يعرف بباب الساباط كان الخليفة في العيد يخرج منه إلى الميدان وهو الخرشتف الآن إلى المنحر لينحر فيه الضحايا‏

 

 

قلت حمام الساباط هذا يعرّف في زماننا بحمّام المارستان المنصوري وهو برسم دخول النساء عند باب سرّ المارستان المنصوري وهذا الحمّام هو حمّام القصر الصغير الغربي ويُعرف أيضًا بحمّام الصنيمة فلما زالت دولة الخلفاء الفاطميين من القاهرة باعها القاضي مؤيد الدين أبو المنصور محمد بن المنذر بن محمد العدل الأنصاريّ الشافعيّ وكيل بيت المال في أيام الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب للأمير عز الدين أيبك العزيزيّ هي وساحات تحاذيها بألف ومائتي دينار في ذي الحجة سنة تسعين وخمسمائة ثم باعها الأمير عز الدين أيبك للشيخ أمين الدين قيمار بن عبد الله الحمويّ التاجر بألف وستمائة دينار فورثها من بعده من استحق إرثه ثم اشترى من الورثة نصفها الأمير الفارس صارم الدين خطلبا الكاملي العادلي في سنة سبع وثلاثين وستمائة وانتقلت أيضًا منها حصة إلى مُلك الأمير علاء الدين ايدكين البندقداري الصالحي النجمي استادار الملك الظاهر بيبرس في سنة ثمان وسبعين وستمائة فلما تملك الملك المنصور قلاوون الألفي وانشأ المارستان الكبير المنصوري صارت فيما هو موقوف عليه وهي الآن في أوقاف ولها شهرة في حمامات القاهرة‏.‏

 

 

حمام لؤلؤ‏:‏ هذه الحمام برأس رحبة الأيد مرى ملاصقة لدار السناني أنشأها الأمير حسام الدين لؤلؤ الحاجب في أيام‏

 

 

‏.‏

 

‏.‏

 

حمام الصنيمة هذه الحمّام كانت بالقرب من خزانة البنود على يُسرة من سلك في رحبة باب العيد إلى قصر الشوك وقد خربت وعُمل في موضعها مبيضة للغزل بالقرب من الجمالية‏.‏

 

 

حمام تتر‏:‏ هذه الحمام كانت بخط دار الوزارة الكبرى وقد خربت وصار مكانها دارًا عُرفت بالأمير الشيخ علي وهي الدار المجاورة للمدرسة النابلسية في الزّقاق المقابل للخانقاه الصلاحية سعيد السعداء‏

 

 

وتتر هذا‏:‏ بتائين مفتوحتين كل منهما بنقطتين من فوق أحد مماليك أسد الدين شيركوه عمّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب استولى على هذه الحمّام وكانت معدّة لدار الوزارة في مدّة الدولة الفاطمية فعرفت به وما حولها وإلى الآن يعرف ذلك الخط بخط خرائب تتر والعامّة ول خرائب التتر بالتعريف وهو خطأ‏.‏

 

 

حمام كرجي هذه الحمّام كانت بخط خرائب تتر أيضًا في جوار المدرسة النابلسية تجاه باب الخانقاه الصلاحية عرفت بالأمير علم الدين كرجي الأسديّ أحد الأمراء الأسدية في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وقد خربت هذه الحمّام وبني في مكانها هذا البناء الذي تجاه باب الخانقاه بأوّل الزّقاق‏.‏

 

 

حكام كتيلة هذه الحمّام كانت داخل باب الخوخة برأس سويقة الصاحب عرفت أخيرًا بالأمير صارم الدين ساروج شادّ الدواوين ثم خربت في أيام‏.‏

 

 

‏.‏

 

‏.‏

 

‏.‏

 

ومكانها الآن مسمط يذبح فيه الغنم وتسمط‏.‏

 

 

حمّام ابن أبي الدم‏:‏ هذه الحمام كانت فيما بين سويقة المسعودي وباب الخوخة أنشأها ابن أبي الدم اليهودي أحد كتاب الإنشاء في أيام الخليفة الحاكم وتولى ابن خيران الديوان ونقل عنه أنه وسع بين السطور في كتاب كتبه إلى الخليفة وهذه مكاتبة الأعلى إلى الأدنى فلما ر وأنكر عليه ألحَقَ بين السطر والسطر سطرًا مناسبًا للفظ والمعنى من غير أن يظهر ذلك فعفا عنه‏.‏

 

 

وقد خربت وصار مكانها دربًا فيه دور يعرف بسكن القاضي بدر الدين حسن البرديني أحد خلفاء الحاكم العزيزي الشافعيّ وأدركت بعض آثار هذه الحمام‏.‏

 

 

حمام الحصينية‏:‏ هذه الحمام كانت في سويقة الصاحب من داخل درب الحصينية الذي يعرف اليوم بدرب ابن عرب وقد خربت‏

 

 

حمام الذهب هذه الحمّام كانت بدار الذهب أحد مناظر الخلفاء الفاطميين التي ذكرت في المناظر من هذا الكتاب وقد خربت هذه الحمام ولم يبق لها أثر‏.‏

 

 

هذه الحمّام كانت بخط سويقة المسعودي من حارة زويلة أنشأها أبو سعيد بن قرقة الحكيم متولي الاستعمالات بدار الديباج وخزائن السلاح في الدولة الفاطمية بجوار داره التي تقدّمت في الدور من هذا الكتاب ثم عرفت هذه الحمّام في الدولة الأيوبية بالأمير صارم الدين المسعودي وإلى القاهرة المنسوب إليه سويقة المسعودي المذكورة في الأسواق من هذا الكتاب ثم خربت هذه الحمّام وعُمِل في موضعها فندق عرف أخيرًا بفندق عمار الحمّامي بجوار جامع ابن المغربي من جانبه الغربيّ وأُخذت بئر هذه الحمّام فعُملت للحمام التي تعرف اليوم بحمّام السلطان‏.‏

 

حمّام السلطان هذه الحمّام يتوصل إليها الآن من سويقة المسعودي ومن قنطرة الموسكي وهي من الحمّامات القديمة عُرفت في الدولة الفاطمية بحمّام الأوحد ثم عرفت في الدولة الأيوبية بحمّام ابن يحيى وهو القاضي المفضل هبة الله بن يحيى العدل ثم عرفت بحمّام الطيبرسي ثم هي الآن تُعرف بحمّام السلطان‏.‏

 

 

حمّام خوند هذه الحمّام بجوار رحبة خوند المذكورة في الرحاب من هذا الكتاب وكانت برسم الدار التي تعرف الآن بدار خونداردتكين ثم أفردت وصارت إلى الآن حمّامًا يدخله عامة الرجال في أوائل النهاء ثم تعقبم النساء من بعد إلى أن هدمها الأمير صلاح الدين محدد استادار السلطان ابن الأمير الوزير الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله في شهر رجب سنة أربع وعشرين وثمانمائة وعمل موضعها من جملة داره التي هناك‏.‏

 

 

حمّام ابن عبود هذه الحمّام موضعها فيما بين اصطبل الجميزة المذكورة في اصطبلات الخلفاء من هذا الكتاب وبين رأس حارة زويلة وهي من الحمامات القديمة عُفت بحمّام الفلك وهو القاضي فلك الملك العادل ثم عرفت بالأمير عليّ بن أبي الفوارس ثم عرفت بابن عبود وهو الشيخ نجم الدين أبو عليّ الحسين بن محمد بن إسماعيل بن عبود القرشيّ الصوفيّ مات في يوم الجمعة ثالث عشري شوال سنة اثنين وعشرين وسبعمائة بعدما عظم قدره ونفذ في أرباب الدولة نهيه وأمره وهو صاحب الزاوية المعروفة بزاوية ابن عبود بلحف الحبل قريبًا من الدينوريّ من القرافة فانظرها في الزوايا من هذا الكتاب ولم تزل هذه الحمام جارية في أوقات التربة المذكورة إلى أن تسلّط الأمير جمال الدين على أموال أهل مصر فاغتصب ابن أخته الأمير شهاب الدين أحمد المعروف بسيدي أحمد ابن أخت جمال الدين هذه الحمام واغتصب دار ابن فضل الله التي تجاه هذه الحمام واغتصب دارًا أخر بجوارها وعمر هناك دارًا عظيمة كما قد ذكر في الدور من هذا الكتاب‏.‏

 

 

حمّام الصاحب هذه الحمام بسويقة الصاحب عرفت بالصاحب الوزير صفيّ الدين عبد الله بن شاكر الدمري صاحب المدرسة الصاحبية التي بسويقة الصاحب ثم تعطلت مدّة سنين فلما ولي الأمير تاج الدين الشوبكي ولاية القاهرة في أيام الملك المؤيد شيخ جدّدها وأدار بها الماء سنة سبع عشرة وثمانمائة‏.‏

 

 

حمّام السلطان هذه الحمّام كان موضعها قديمًا من جملة دار الديباج وهي الآن بخط بين العواميد من البندقانيين بجوار خوخة سوق الجوار ومدرسة سيف الإسلام أنشأها الأمير فخر الدين عثمان ابن قزل استادار السلطان الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب وتنقلت إلى أن صارت في أوقات الملك الناصر محمد بن قلاوون‏.‏

 

 

حمّاما طغريك هاتان الحمامان بجوار فندق فخر الدين الخروقيين الذي يُعرف اليوم بسوق الفرّايين عُرفت بالأمير الفارس همام الدين أبو سعيد برغش السوباشي واسمه عمرو بن كحت بن شيرك العزيزي والي القاهرة‏.‏

 

 

حمام عجينة هذه الحمام كانت بخط الأكفانيين أنشأها الأمير فخر الدين أخو الأمير عز الدين موسك في الدولة الأيوبية وتنقلت حتى صارت بيد أولاد الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ مما أوقف عليهم وعُرفت أخيرًا بحمام عجينة ثم خربت بعد سنة أربعين وسبعمائة وموضعها الآن خربة بجوار الفندق الكبير المعدّ لديوان المواريث‏.‏

 

 

حمّام دري هذه الحمَّام كانت بخط الأكفانيين الآن عرفت بشهاب الدولة دري الصغير غلام المظفر ابن أمير الجيوش‏.‏

 

 

قال الشريف محمد بن أسعد الجواني في كتاب النقط لمعجم ما أشكل من الخطط‏.‏

 

 

شهاب الدولة دري المعروف بالصغير المظفري غلام المظفر أمير الجيوش كان أرمنيًا وأسلم وكان من المشددين في مذهب الإمامية وقرأ الجمل في النحو للزجاجيّ وكتاب اللمع لابن جني وكانت له خرائط من القطن الأبيض في يديه ورجليه وكان يتولى خزائن الكسوة و يدخل على بسط السلطان ولا بسط الخليفة الحافظ لدين الله ولا يدخل مجلسه إلا بتلك الخرائط في رجليه ولا يأخذ من أحد شيئًا إلاّ وفي يديه خريطة يظنّ أنَّ كل من لمسه نجَّسه وسوسة منه فإذا اتفق أنه صافح أحد المومس رقعة بيده من غير خريطة لا يمس ثوبه بها أبدًا حتى يغسلها فإن لمس ثوبه بها غسل الثوب وكان الاستاذون المحنكون يرمون له في بساط الخليفة الحافظ العنب فإذا مشى عليه وانفجر ووصل ماؤه إلى رجليه سبهم وحرد فيعجب الخليفة من ذلك ويضحك ولا يؤاخذه بما صدر منه ومات بعد سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة وقد خربتهذه الحمام ولم يبق لها أثر يعرف‏.‏

 

 

 

 

حمّام الرصاصي هذه الحمّام كانت بحارة الديلم أنشأها الأمير سيف الدين حسن بن أبي الهيجاء المروانيّ حامل السيف المنصور وأوقفها هي وجميع الآدر المجاورة لها على أولاده وذريته فلما زالت الدولة الفاطمية عُرفت بالأمير عز الدين أيبك الرصاصي ولم تزل باقية إلى بعد سنة أربعين حمام الجيوشي‏:‏ هذه الحمام كانت بحارة برجوان على يُمنة من دخل من رأي الحارة وكانت من حقوق دار المظفر ابن أمير الجيوش ثم صارت بعد زوال الدولة الفاطمية من جملة ما أوقفه الملك العادل أبو بكر ابن أيوب على رباطه الذي كان بخط النخالين من فسطاط مصر ثم ع بنو الكويك أصهار قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن جماعة أيديهم عليها في جملة ما وضعوا أيديهم عليه من الأوقاف بحارة ابن جماعة وانتفعوا بريعها مدّة سنين ثم خربوها بعد سنة أربعين وسبعمائة وموضعها الآن بجوار دار قاضي القضاة شمس الدين محمد الطرابلسي وبعضها داخل في الدار المذكورة وبئرها بجوار القبو الذي يسلك من تحته إلى حمّام الرومي داخل حارة برجوان ويعلو هذا العقد حاصل الماء الذي للحمام ويمرّ على مجراه من حجرة مركّبة على جدار بجوار القبر إلى الحمام المذكور وآثار هذا الجدار باقية إلى اليوم وكان قد استأجر هذه البئر والقبور بعد تعطل الحمّام القاضي أبو الفداء تاج الدين إسماعيل بن أحمد بن الخطباء المخزوميّ من مباشري أوقاف رباط العادل وبُني على البئر وبجوارها دارًا سكنها مدّة أعوام وأنشأ بابًا على حاصل الماء المركب على القبور مشرفًا عاليًا تأنّق في ترخيمه ودهانه وكتب بدائرة‏:‏ مشترفٌ كم شبهوه الأدبا لحسنه إذ جاء شيئًا عجبا وشاعرٌ أعجبه ترخيمه فقال تلك روضةٌ فوق الربا وقائلٌ ماذا ترى تشبيهه فقلت هذا منبر ابن الخطبا ثم خربت هذه الدار بعد موت ابن الخطباء واحترقت في سنة تسع وثمانمائة وآثارها باقية ومازال ابن الخطباء يع حكر هذه البئر وهذا القبو لجهة الرباط العادلي حتى خرب وعفى أثره وجهل مكانه وقد رأيته في سنة أربع وتسعين وسبعمائة عامرًا‏.‏

 

 

حمّام الرومي‏:‏ هذه الحمّام بجوار حارة برجوان عرفت بالأمير سنقر الرومي الصالحيّ أحد الأمراء في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ أنشأها بجوار اسطبله الذي يُعرف اليوم ابن الكويك وذلك تجاه رحبة داره التي عرفت بدار مازان ووقف هذه الدار والإسطبل لحمّام المذكورة في سنة اثنين وستين وستمائة فأما الدار فإنها صارت أخيرًا بيد رجل من عامة الناس يعرف بعيسى البناء فباعها انقاضًا بعدما خرّبها في سنة سبع وثمانمائة لرجل من المباشرين فهدمها ليعمرها عمارة جليلة فلم يمهل وعاجله القضاء فمات وصارت خربة فابتاعها بعض الناس من ورثة المذكور وشرع في عمارة شيء منها وأما الإصطبل والحمّام فوضع بنو الكويك أيديهم عليهما مدّة أعوام حتى صارا ملكًا لهم يورثان وهما الآن بيد شرف الدين محمد بن محمد بن الكويك وقد جعل ما يخصه من الحمّام وقفًا على نفسه ثم على اناس من بعده وفي هذه الحمام حصة أيضًا وقفها شيخنا برهان الدين إبراهيم الشامي الضرير على أمته وهي بيدها‏.‏

 

 

سنقر الرومي‏:‏ الصالحيّ النجميّ أحد مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب البحرية ترقى عنده في الخدم حتى صار جامدار وكان من خوشداشية بيبرس البندقداريّ وأصدقائه فلما قتل الفارس أقطاي في أيام الملك المعز أيبك التركماني وخرج البحرية من القاهرة إلى بلاد الشام ك سنقر ممن خرج ورافق بيبر وارتفق بصحبته ونال منه مالًا وثيابًا وغير ذلك وتنقل معهم في الكرك إلى أن كان من أمره في الصيد مع صاحب الكرك فطلب سنقر من بيبرس شيئًا فلم يجبه وامتنع من إعطائه فحنق وفارقه إلى مصر فأقام بها ثم أن بيبرس قدم إلى مصر بعد ذلك وقد صار أميرًا فلم يعبأ سنقر به ولا قدّم إليه شيئًا كعادة الخواشداشية فلما صار الأمر إلى بيبرس وملك بعد قطز قدّم سنقر وأعطاه الإقطاعات الجليلة ونوّه بقدره فلم يرض فصار إذا ورد عليه الإنعام السلطانيّ لا يأخذه بقبول ويخلو كل وقت بجماعة بعد جماعة ويفرّق فيهم المال فيبلغ ذلك السلطان ويغضي عنه وربما بعث إليه وحذره مع الأمير قلاوون وغيره فلم ينته ثم أنه قتل مملوكين من مماليكه بغير ذنب فعزّ قتلهما على السلطان فطلبه في رابع عشري ذي الحجة سنة ثلاث وستين وستمائة واعتقله فقال أريد أعرف ذنبي فبعث إليه السلطان يعدّ ذنوبه‏.‏

 

 

فتحسر وقال‏:‏ أوّاه لو كنت حاضرًا قتل الملك المظفر قطز حتى أعاند في الذي جرى وكان كثيرًا ما يقول ذلك وبلغ هذا القول السلطان في حال أمرته فقال‏:‏ أنت أخي وتتحسر كونك ما قدرت أن تعين علي

 

 

حمّاما سويد‏:‏ هاتان الحمامان بآخر سويقة أمير الجيوس عرفتا بالأمير عز الدين معالي بن سويد وقد خربت إحداهما ويقال أنها غارت في الأرض وهلك فيها جماعة وبقيت الأخرى وهي الآن بيد الخليفة أبى الفضل العباسيّ بن محمد المتوكل‏

 

 

حمام طلغق‏:‏ خذخ الحمام بجوار درب المنصوري من خط حارة الصالحية صارت أخيرًا بيد ورثة الأمير قطلوبغا النصوريّ حاجب الحجاب في ايام الملك الأشرف شعبان بن حسين وكانت معدّة لدخول الرجال ثم تعطلت بعد سنة تسعين وسبعمائة وأخذ حاصلها وعهدي بها بعد سنة ثمانمائة اطلًا واهية‏.‏

 

 

حمّام ابن علكان‏:‏ هذه الحمّام كانت بحارة الجودرية أنشأها الأمير شجاع الدين عثمان بن علكان صهر الأمير الكبير فخر الدين عثمان بن قزل ثم انتقلت إلى الأمير علم الدين سنجر الصيرفيّ الصالحيّ النجميّ ومازالت إلى أن خربت بعد سنة أربعين وسبعمائة فعمر مكانها الأم ازدمر الكاشف إسطبلا بعد سنة خمسين وسبعمائة‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 حمّام كتبغا الأسدي

 

 

 

‏:‏ هذه الحمام موضعها الآن المدرسة الناصرية بخط بين القصرين‏

 

حمّام التطمش خان‏:‏ هذه الحمّام كانت بجوار ميضاة الملك ركن الدين الظاهر بيبرس المجاورة للمدرسة الظاهرية بخط بين القصرين أنشأها الخاتون التطمش خان زوجة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس ثم خربت وصار موضعها زقاقا فلما ولي كمال الدين عمر بن العديم قضاء القضاة الفية بالديار المصرية في سلطنة الملك الناصر فرج شرع في عمارة هذا الزقاق فمات ولم يكمله فوضع الأمير جمال الدين يده في العمارة وأنشأها فندقًا جعله وقفًا فيما وقف على مدرسته التي أنشأها برحبة باب العيد فلما قتله الملك الناصر فرج واستولى على جميع ما تركه جعل هذا الفندق من جملة ما أرصده للتربة التي أنشأها على قبر أبيه الملك الظاهر برقوق خارج باب النصر‏.‏

 

 

حمّام القاضي‏:‏ هذه الحمام من جملة خط درب الأسواني وهي من الحمامات القديمة كانت تعرف بإنشاء شهاب الدولة بدر الخاص أحد رجال الدولة الفاطمية ثم انتقلت إلى مُلك القاضي السعيد أبي المعلي هبة الله بن فارس وصارت بعده إلى مُلك القاضي كمال الدين أبي حامد محمد ابقاضي القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس الماراني فعرفت بحمّام القاضي إلى اليوم ثم باع ورثة أبي حامد منها حصة للأمير عز الدين أيدمر الحليّ نائب السلطنة في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس وصارت منها حصة إلى الأمير علاء الدين طيبرس الخازنداري فجعلها وقفًا على مدرسته المجاورة للجامع الأزهر‏.‏

 

 

حمّام الخرّاطين‏:‏ هذه الحمّام أنشأها الأمير نور الدين أبو الحسن عليّ بن نجا بن راجح بن طلائع فعرفت بحمام ابن طلائع وكان بجوارها ثم حمّام أخرى تعرف بحمّام السوباشي فخربت ومستوقد حمام ابن طلائع هذه إلى الآن من درب ابن طلائع الشارع بسوق الفرّايين الآن ولهانه أيضًا باب وصارت أخيرًا في وقف الأمير علم الدين سنجر السروري المعروف بالخياط والي القاهرة وتوفي في سنة ثمان وتسعين وستمائة فاعتصبها الأمير جمال الدين يوسف الأستادار في جملة ما اغتصب من الأوقاف والأملاك وغيرها وجعلها وقفًا على مدرسته برحبة العيد وهي الآن موقوفة عليها‏.‏

 

 

حمّام الخشيبة‏:‏ هذه الحمام بجوار درب السلسلة كانت تعرف بحمام قوّام الدولة خير ثم صارت حمامًا لدار الوزير المأمون ابن البطائحي فلما قتل الخليفة الآمر بأحكام الله وعملت خشيبة تمنع الراكب أن يمرّ من تجاه المشهد الذي بني هناك عرفت هذه الحمّام بخُشيبة تصغير بة وقد تقدّم ذلك مسبوطًا عند ذكر الأخطاط من هذه الكتاب‏.‏

 

 

قال ابن الظاهر‏:‏ مدرسة السيفيين وقفها الأمير عز الدين فبج شاه على الحنفية وكانت هذه الدار قديمًا تُعرف بدار المأمون بم البطائحي وحمام الخُشيبة كانت لها فبيعت وهذه الحمّام هي الآن في أوقاف خوند طغاي أم أنوك ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون على تربتها التيي الصحراء خارج باب البرقية‏.‏

 

 

حمام الكويك‏:‏ هذه الحمّام فيما بين حارة زويلة ودرس شمس الدولة أنشأها الوزير عباس أحد وزراء الدولة الفاطمية لداره التي موضعها الآن درب شمس الدولة ثم جدّدها شخص من التجار يعرف بنور الدين عليّ ين أحمد بن محمود بن الكويك الربعي التكريتي في سنة تسع وأربعين وعمائة فعرفت به إلى اليوم‏.‏

 

 

حمّام ألجميني‏:‏ هذه الحمّام بجوار حمام ابن الكويك فيما بينها وبين البندقانيين عُفت بالأمير عز الدين إبراهيم بن محمد بن الجويني والي القاهرة في أيام الملك العدل أبي بكر بن أيوب توفي سلخ جمادى الأولى سنة إحدى وستمائة فإنه أنشأها بجوار داره والعامّة تقول حم الجهينيّ بهاء وهو خطأ وتنقلت إلى أن اشتراها القاضي أوحد الدين عبد الواحد بن ياسين كاتب السرّ الشريف في أيام الملك الظاهر برقوق بطريق الوكالة عن الملك الظاهر وجعلها وقفًا على مدرسته العظمى بخط بين القصرين وهي الآن في جملة الموقوف عليها‏.‏

 

 

حمام القفاصين‏:‏ هذه الحمام بالقرب من رأس حارة الديلم أنشأها نجم الدين يوسف ابن حمّام الصغيرة‏:‏ هذه الحمّام على يُمنة من سلك من رأس حارة بهاء وهي تجاه دار قراسنقر أنشأها الأمير فخر الدين بن رسول التركماني

 

 

ورسول هذا جدّ ملوك اليمن الآن وقد تعطلت هذه الحمام منذ كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة‏.

 

 

حمّام الأعسر‏:‏ هذه الحمّام موضعها من جملة دار الوزارة وهي الآن بجوار باب الجوانية أنشأها الأمير شمس الدين سنقر المعزي الظاهري المنصوري‏

 

 

سنقر الأعسر‏:‏ كان أحد مماليك الأمير عز الدين أيدمر الظاهري نائب الشام وجعله دواداره فباشر الدوادارية لأستاذه بدمشق ونفسه تكبر عنها فلما عزل أيدمر من نيابة الشام في أيام الملك المنصور قلاوون وحضر إلى قلعة الجبل اختار السلطان عدّة من مماليكه منهم سنقر الأر هذا فاشترا وولاه نيابة الاستادارية ثم سيره في سنة ثلاث وثمانين وستمائة إلى دمشق وأعطاه أمرة وولاه شدّ الدواوين بها واستادارًا فصارت له بالشام سمعة زائدة إلى أن مات قلاوون وقام من بعد الأشرف خليل واستوزر الوزير شمس الدين السلعوس طلب سنقر إلى القاهرة وعاقبه وصادره فتوصل حتى تزوّج بابنة الوزير على صداق مبلغه ألف وخمسمائة دينار فأعاده إلى حالته ولم يزل إلى أن تسلطن الملك العادل كتبغا واستوزر الصاحب فخر الدين بن خليل وقبض على سنقر وعلى سيف الدين استدمر وصادرهما وأخذ من سنقر خمسمائة ألف درهم وعزله عن شدّ الدواوين وأحضر إلى القاهرة‏.‏

 

 

فلما وثب الأمير حسام الدين لاجين على كتبغا وتسلطن ولي سنقر الوزارة عوضًا عن ابن خليل في جمادى الأولى سنة ست وتسعين وسبعمائة ثم قبض عليه في ذي الحجة منها وذلك أنه تعاظم في وزارته وقام بحق المنصب يريد أن يتشبه بالشجاعي وصار لا يقبل شفاعة أحد من الأمراء ويخرق بنوابهم وكان في نفسه متعاظمًا وعنده شمم إلى الغاية مع سكون في كلامه بحيث أنه إذا فاوض السلطان في مهمات الدولة كما هي عادة الوزراء لا يجيب السلطان بجواب شاف وصار يتبين منه للسلطان قلة الاكتراث به فأخذ في ذمه وعيبه بما عنده من الكبر وصادفه الغرض من الأمراء وشرعوا في الحط عليه حتى صُرف وقُيد فأرسل يسال السلطان عن الذنب الذي أوجب هذه العقوبة فقال‏:‏ ماله عندي ذنب غير كبره فإني كنت إذا دخل إليّ أحسب أنه هو السلطان وأنا الأعسر فصدره منقام وحديثي معه كأني أحدّث أستاذي وقرّر من بعده في الوزارة ابن الخليلي فلما قِلَ لاجين وأعيد الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الملك ثانيًا أفرج عن سنقر الأعسر وعن جماعة من الأمراء وأعاد الأعسر إلى الوزارة في جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وسبعمائة وفي وزارته هذه كانت هزيمة الملك الناصر بعساكره من غازان فتولى ناصر الدين الشيخي والي القاهرة جباية الأموال من التجار وأرباب الأموال لأجل النفقة على العساكر وقرّر في وزارته على كل أردب غلة خروبة إذا طلع إلى الطحان وقرّر أيضًا نصف الشمسرة ومعناها أنه كان للمنادي على الثياب أجرة دلالته على كل ما مبلغه مائة درهم درهمين فيؤخذ منه درهم منهما ويفضل له درهم واستخدم على هاتين الجهتين نحو مائتين من الأجناد منه درهم منهما ويفضل له درهم واستخدم على هاتين الجهتين نحو مائتين من الأجناد البطالين وتحصل في بيت المال من أموال المصادرات مبلغ عظيم ثم خرج الوزير بمائة من مماليك السلطان وتوجه إلى بلاد الصعيد وقد وقعت له في النفوس مهابة عظيمة فكبس البلاد وأتلف كثيرًا من المفسدين من أجل أنه لم حصلت وقعة غازان كثر طمع العربان في المغل ومنعوا كثيرًا من الخراج وعصوا الولاة وقطعوا الطريق ومازال يسير إلى الأعمال القوصية فلم يدع فرسًا لفلاح ولا قاض ولا متعمم حتى أخذه وتتبع السلاح ثم حضر بألف وستين فرسًا وثمانمائة وسبعين جملًا وألف وستمائة رمح وألف ومائتي سيف وتسعمائة درقة وستة آلاف رأس غنم وقتل عدّة من الناس فتمهدت البلاد وقبض الناس مغلهم بتمامه واتفقت واقعة النصارى التي ذكرت عند ذكر كنائس النصارى من هذا الكتاب في أيامه فأمر بالتاج ابن سعيد الدولة أحد مستوفي الدولة وكان فيه زهو وحمق عظيم وله اختصاص بالأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكيري فُعرّيَ وضرب بالمقارع ضربًا مبرحًا فأظهر الإسلام وهو في العقوبة فأمسك عنه‏.‏

 

 

وألزمه بحلم مال فالتجأ إلى زاوية الشيخ نصر المنيحي وترامى على الشيخ فقام في أمره حتى عفي عنه فكره الأمراء الأعسر لكثرة شممه وتعاظمه فكلّموا الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكيري فعُرّي وضرب بالمقارع ضربًا مبرحًا فأظهر الإسلام وهو ف العقوبة فأمسك عنه‏.‏

 

 

وألزمه بحمل مال فالتجأ إلى زاوية الشيخ نصر المنيحي وترامى على الشيخ فقام في أمره حتى عفي عنه فكره الأمراء الأعسر لكثرة شممه وتعاظمه فكلّموا الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكيري وإليه أمر الدولة في ولاية الأمير ز الدين أيبك البغدادّي الوزارة وساعدهم على ذلك الأمير سلار فولي الأعسر كشف القلاع الشامية وإصلاح أمورها وترتيب رجالها وسائر ما يحتاج إليه‏.‏

 

 

وخلع على الأمير أيبك خلع الوزارة في آخر سنة سبعمائة فلما عاد استقرّ أحد أمراء الألوف وحد في صحبة الأمير سلار ومات بالقاهرة بعد أمراض في سنة تسع وسبعمائة وكان عارفًا خيّرًا مهابًا له سعادات طائلة ومكارم مشهورة ولحاشيته ثروة متسعة وغالب مماليكه تأمّروا بعده وممن مدحه الوداعيّ وابن الوكيل‏.‏

 

 

حمّام الحسام‏:‏ هذه الحمّام بداخل باب الجوانية‏

 

 

حمّأم الصوفية‏:‏ هذه الحمّام بجوار الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء أنشأها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب لصوفية الخانقاه وهي إلى الآن جارية في أوقافهم ولا يدخلها يهوديّ ولا نصراني‏

 

 

حمّام بهادر‏:‏ هذه الحمّام موضعها من حملة القصر وهي بجوار دار جرجي أنشأها الأمير بهادر استادار الملك الظاهر برقوق وقد تعطلت‏

 

 

حماد الدود‏:‏ هذه الحمّام خارج باب زويلة في الشارع تجاه زقاق خان حلب بجوار حوض سعد الدين مسعود بن هنس عُرفت بالأمير سيف الدين الدود الجاشنكيري أحد أمراء الملك المعز أيبك التركماني وخال ولده الملك المنصور نور الدين عليّ بن الملك المعز أيبك فلما وثب الأميريف الدين قطز نائب السلطنة بديار مصر على الملك المنصور عليّ بن الملك المعز أيبك واعتقله وجلس على سرير المملكة قبض على الأمير الدود في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وستمائة واعتقله وهذه الحمّام إلى اليوم بيد ذرية الدود من قبل بناته موقوفة عليهم‏.‏

 

 

حمام ابن أبي الحوافر‏:‏ هذه الحمّام خارج مدينة مصر بجوار الجامع الجديد الناصريّ كان موضعها وما حولها عامرًا بماء النيل ثم انحصر عنه الماء وصار جزيرة فبنى الناس عليها بعد الخمسمائة من سني الهجرة كما ذكر عند ذكر ساحل مصر من هذا الكتاب وعُرفت هذه الحمّام بااضي فتح الدين أبي العباس أحمد بن الشيخ جمال الدين أبي عمرو وعثمان بن هبة الله بن أحمد بن عقيل بن محمد بن أبي الحوافر رئيس الأطباء بديار مصر ومات ليلة الخميس الرابع عشر من شهر رمضان سنة سبع وخمسين وستمائة ودفن بالقرافة‏.‏

 

 

حمّام قتّال السبع‏:‏ هذه الحمّام خارج باب القوس من ظاهر القاهرة في الشارع المسلوك فيه من باب زويلة إلى صليبة جامع ابن طولون وموضعها اليوم بجوار جامع قوصون عمّرها الأمير جمال الدين أقوش المنصوريّ المعروف بقتّال السبع الموصلي بجانب داره التي هي اليوم جامع صون فلما أخذ قوصون الدار المذكورة وهدمها وعمر مكانها هذا الجامع أراد أخذ الحمّام وكان وقفًا فبعض إلى قاضي القضاة شرف الدين الحنبليّ الحرّانيّ يلتمس منه حل وقفها فأخرب منها جانبًا وأحضر شهود القيمة فكتبوا محضرًا يتضمن أنّ الحمام المذكورة خراب وكان فيهم شاهد امتنع من الكتابة في المحضر وقال‏:‏ ما يسعني من الله أن أدخل بكرة النهار في هذا الحمام وأطهّر فيها ثم أخرج منها وهي عامرة وأشهد بعد ضحوة نهار من ذلك اليوم أنها خارب فشهد غيره وأثبت قاضي القضاة الحنبليّ المحضر المذكور وحكم ببيعها فاشتراها الأمير قوصون من ثة قتال السبع وهي اليوم عامر بعمارة ما حولها‏.‏

 

 

حمّام لؤلؤ‏:‏ هذه الحمام برأس رحبة الأيدمريّ ملاصقة لدار السنانيّ من القاهرة أنشأها الأمير حسام الدين لؤلؤ الحاجب‏

 

 

لؤلؤ الحاجب‏:‏ كان أرمنيّ الأصل ومن جملة أجناد مصر في أيام الخلفاء الفاطميين فلما استولى صلاح الدين يوسف بن أيوب على مملكة مصر خدم تقدمة الأسطول وكان حيثما توجه فتح وانتصر وغنم ثم ترك الجندية وزوّج بناته وكنّ أربعًا بجهاز كاف وأعطى ابنيه ما يكفيهما ثم شريتصدق بما بقي معه على الفقراء بترتيب لا خلل فيه ودومًا لا سآمه معه وكان يفرّق في كل يوم أثني عشر ألف رغيف مع قدور الطعام وإذا دخل شهر رمضان أضعف ذلك وتبتل للتفرقة من الظهر في كل يوم إلى نحو صلاة العشاء الآخرة ويضع ثلاثة مراكب طول كل مركب أحد وعشرون ذراعًا مملوءة طعامًا ويُدخل الفقراء أفواجًا وهو قائم مشدود الوسط كأنه راعي غنم وفي يده مغرفة وفي الأخرى جرّة سمن وهو يصلح صفوف الفقراء ويقرّب إليهم الطعام والودك ويبدأ بالرجال ثم النساء ثم الصبيان وكان الفقراء مع كثرتهم لا يزدحمون لعلمهم أنّ المعروف يعمهم فإذا انتهت حاجة الفقراء بسط سماطًا للأغنياء تعجز الملوك عن مثله وكان له مع ذلك على الإسلام منة توجب أن يترحم عليه المسلمون كلهم وهي أنّ فرنج الشوبك والكرك توجهوا نحو مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لينبشوا قبره صلى الله عليه وسلم وينقلوا جسده الشريف المقدّس إلى بلادهم ويدفنوه عندهم ولا يمكنوا المسلمين من زيارته إلاّ بجعل فأنشأ البرنس أرباط صاحب الكرك سفنًا حملها على البرّ إلى بحر القلزم وأركب فيها الرجال وأوقف مركبين على جزيرة قلعة القلزم تمنع أهلها من استقاء الماء فأسرت الفرنج نحن عيذاب فقتلوا وأسروا ومضوا يريدون المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم وذلك في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وكان السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على حران فلما بلغه ذلك بعث إلى سيف الدولة ابن منقذ نائبه على مصر يأمره بتجهيز الحاجب لؤلؤ خلف العدوّ فاستعدّ لذلك وأخذ معه قيودًا وسار في طلبهم إلى القلزم وعمّر هناك مراكب وسار إلى أيلة فوجد مراكب للفرنج فحرقها وأسر من فيها وسار إلى عيذاب وتبع الفرنج حتى أدركهم ولم يبق بينهم وبين المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم إلا مسافة يوم وكانوا ثلاثمائة ونيفًا وقد انضم إليهم عدّة من العربان المرتدّة فعندما لحقهم لؤلؤ فرّت العربان فرقًا من سطوته ورغبة في عطيته فإنه كان قد بذل الأموال حتى أنه علّق أكياس الفضة على رؤس الرماح فلما فرّت العربان التجأ الفرنج إلى راس جبل صعب المرتقى فصعد إليهم في عشرة أنفس وضايقهم فيه فخارت قواهم بعدما كانوا معدودين من الشجعان واستسلموا فقبض عليهم وقيّدهم وحملهم إلى القاهرة فكان لدخولهم يوم مشهود وتولى قتلهم الصوفية والفقهاء وأرباب الديانة بعدما ساق رجلين من أعيان الفرنج إلى منى ونحرهما هناك كما تنحر البدن التي تساق هديًا إلى الكعبة ولم يزل على فعل المعروف إلى أن مات رحمه الله في صميم الفلا وقد قرب منتهاه في اليوم التاسع من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين وخمسمائة ودفن بتربته من القرافة وهي التي حفر فيها البئر ووجد في قعرها عند الماء اسطام مركب وهذه الحمّام تفتح تارة وتغلق كثيرًا وهي باقية إلى يومنا هذا من جملة أوقاف الملك والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

 

 

ذكر القياسر ذكر ابن المتوّج قياسر مصر وهي‏:‏ قيسارية المحلى وقيسارية الضيافة وقف المارستان المنصوري وقيسارية شبل الدولة وقيسارية ابن الأرسوفي وقيسارية ورثة الملك الظاهر بيبرس وقيساريتا ابن ميسر وقد خربت كلها‏

 

 

قيسارية ابن قريش هذه القيسارية في صدر سوق الجملون الكبير بجوار باب سوق الورّاقين ويسلك إليها من الجملون ومن سوق الأخفافيين المسلوك إليه من البندقانيين وبعضها الآن سكن الأرمنيين وبعضها سكن البزازين‏.‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ استجدّها القاضي المرتضى ابن قريش في الأيام الناصرية الصلاحية وكان مكانها اسطبلًا انتهى‏

 

 

ووي القاضي المرتضى صفيّ الدين أبو المجد عبد الرحمن بن عليّ بن عبد العزيز بن علي بن قريش المخزومي أحد كتاب الإنشاء في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب قتل شهيدًا على عكا في يوم الجمعة عاشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين وخمسمائة ودفن بالقدس قيسارية الشرب هذه القيسارية بشارع القاهرة تجاه قيسارية جهاركس‏.‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ وقفها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على الجماعة الصوفية يعني بخانقاه سعيد السعداء وكان إسطبلًا‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

وما برحت هذه القيسارية مرعية الجانب إكرامًا للصوفية إلى أن كانت أيام الملك الناصر فرج وحدثت الفتن وكثرت مصادرات التجار انخرق ذاك السياج وعومل سكانها بأنواع من العسف وهي اليوم من أعمر أسواق القاهرة‏.‏

 

 

قيسارية ابن أبي أسامة هذه القيسارية بجوار الجملون الكبير على يسرة من سلك إلى بين القصرين يسكنها الآن الخرد فوشية وقفها الشيخ الأجل أبو الحسن عليّ بن أحمد بن الحسن بن أبي اسامة لصاحب ديوان الإنشاء في أيام الخليفة الآمر بأحكام الله وكانت له رتبة خطيرة ومنزلة رفيعة وينعت بالشيخ الأجل كاتب الدست الشريف ولم يكن أحد شاركه في هذا النعت بديار مصر في زمانه وكان وقف هذه القيسارية في سنة ثمان عشرة وخمسمائة وتوفي في شوال سنة اثنين وعشرين وخمسمائة‏.‏

 

 

هذه القيسارية على يسرة من يدخل من باب زويلة فيما بين خزانة شمائل ودرب الصغيرة تجاه قيسارية الفاضل‏.‏

 

 

أنشأها الأمير شمس الدين سنقر الأشقر الصالحيّ النحميّ أحد المماليك البحرية ولم تزل إلى أن هُدمت وأُدخلت في الجامع المؤيدي لأيام من جمادى سنة ثمان عشرة وثمانمائة‏.‏

 

 

قيسارية أمير علي هذه القيسارية بشارع القاهرة تجاه الجملون الكبير بجوار قيسارية جهاركس يفصل بينهما درب قيطون عرفت بالأمير عليّ بن الملك المنصور قلاون الذي عهد له بالملك ولقبه بالملك الصالح ومات في حياة أبيه كما قد ذكر في فندق الملك الصالح‏.‏

 

 

قيسارية رسلان هذه القيسارية فيما بين درب الصغيرة والحجارين أنشأها الأمير بهاء الدين رسلان الدوادار وجعلها وقفًا على خانقاه له بمنشأة المهرّانيّ وكانت من أحسن القياسر فلما عزم الملك المؤيد شيخ على بناء مدرسته هدمها في جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وثمانمائة وعوّض أهل الخانقاه عنها خمسمائة دينار‏.‏

 

 

قيسارية جهاركس قال ابن عبد الظاهر‏:‏ بناها الأمير فخر الدين جهاركس في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة وكانت قبل ذلك يعرف مكانها بفندق الفراخ ولم تزل في يد ورثتهن وانتقل إلى الأمير علم الدين أيتمش منها جزء بالميراث عن زوجته وإلى بنت شومان من أهل دمشق ثم اشتريتوالدة خليل المسماة بشجر الدرّ الصالحية في سنة خمس وخمسين وستمائة وهي مع حسنها واتقان بنائها كلها وتجرّد من الغضب جميع ما فيها وذكر بعض المؤرخين أن صاحبها جهاركس نادى عليها حين فرغت فبلغت خمسة وتسعين ألف دينار علء الشريف فخر الدين إسماعيل بن ثعلب وقال لصاحبها‏:‏ أنا انقدك ثمنها أي نقد شئت إن شئت ذهبًا وإنْ شئت فضة وإن شئت عروض تجارة وقيسارية جهاركس تجرى الآن في وقف الأمير بكتمر الجوكندار نائب السلطنة بعد سلار على ورثته‏

 

وقال القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان‏.‏

 

 

جَهَاركس‏:‏ بن عبد الله فخر الدين أبو المنصور الناصريّ الصلاحيّ كان من أكبر أمراء الدولة الصلاحية وكان كريمًا نبيل القدر عليّ الهمة بنى بالقاهرة القيسارية الكبرى المنسوبة إليه رأيت جماعة من التجار الذين طافوا البلاد يقولون‏:‏ لم نر في شيء من البلاد مثلي حسنها وعظمها وأحكام بنائها وبنى بأعلاها مسجدًا كبيرًا وربعًا معلقًا وتوفي في بعض شهور سنة ثمان وستمائة بدمشق ودفن في جبل الصالحية وتربته مشهورة هناك رحمه الله وجَهَاركس بفتح الجيم والهاء وبعد الألف راء ثم كاف مفتوحة ثم سين مهملة‏.‏

 

 

ومعناه بالعربيّ أربعة أنفس وهو لفظ عجميّ‏.‏

 

 

وقال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد بن محمود اليغوريّ‏:‏ سمعت الأمير الكبير الفاضل شرف الدين أبا الفتح عيسى بن الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم بن محمد بن أحمد الهكاريّ البحتريّ الطائيّ المقدسيّ بالقاهرة ومولده سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بالبيت المقدّس ّفه الله تعالى وتوفي بدمشق في ليلة الأحد تاسع عشري ربيع الآخر سنة تسع وستمائة ودفن بسفح جبل قاسيون رحمه الله‏.‏

 

 

قال‏:‏ حدّثني الأمير صارم الدين خطلبا التبنينيّ صاحب الأمير فخر الدين أبي المنصور جهاركس بن عبد الله الناصريّ الصلاحيّ رحمه الله قال‏:‏ بلغ الأمير فخر الدين أن بعض الأجناد عنده فَرَسٌ قد دُفع له فيه ألف دينار ولم يسمح ببيعه وهو في غاية الحسن فقال لي ال باخطلبا‏:‏ إذا ركبنا ورأيت في الموكب هذا الفرس نبهني عليه حتى أبصره‏

 

 

فقلت‏:‏ السمع والطاعة‏

 

 

فلما ركبنا في الموكب مع الملك العزيز عثمان بن الملك الناصر رحمه الله رايت الجنديّ على فرسه فتقدّمت إلى الأمير فخر الدين وقلت له‏:‏ هذا الجنديّ وهذا الفرس راكبه فنظر إليه وقال‏:‏ إذا خرجنا من سماط السلطان فانظر أين الفرس وعرّفني ب

 

 

فلما دخلنا إلى سماط الملك العزيز عجّل الأمير فخر الدين وخرج قبل الناس فلما بلغ إلى الباب قال لي أين الفرس قلت‏:‏ ها هو مع الركاب‏

 

 

دار فقال لي‏:‏ أدعه‏

 

 

فدعوته إليه فلما وقف بين يديه والفرس معه أمره الأمير بأخذ الغاشية ووضع الأمير رجله في ركابه وركبه ومضى به لى داره وأخذ الفرس فلما خرج صاحبه عرفه الركاب دار بما فعله الأمير فخر الدين فسكت ومضى لى بيته وبقي أيامًا ولم يطلب الفرس‏.‏

 

 

فقال لي الأمير فخر الدين‏:‏ يا خطلبا ما جاء صاحب الفرس ولا طلبه اطلب لي صاحبه‏

 

 

قال‏:‏ فاجتمعت به وأخبرته بأنّ الأمير يطلب الاجتماع به فسارع إلى الحضور‏

 

 

فلما دخل عليه أكرمه الأمير ورفع مكانه وحدّثه وآنسه وبسطه وحضر سماطه فقرّ به وخصصه من طعامه فلما فرغ من الأكل قال له الأمير‏:‏ يا فلان ما بالك ما طلبت فرسك وله عندنا مدّة فقال‏:‏ يا خوند وما عسى أن يكون من هذا الفرس وما ركبه الأمير إلاّ وهو قد صلح ل وكللح للمولى فهو على العبد حرام ولقد شرّفني مولانا بأن جعلني أهلًا أن يتصرّف في عبده والمملوك يحسب أن هذا الفرس قد اصاب مرض فمات وأما الآن فقد وقع في محله وعند أهله ومولانا أحق به وما أسعد المملوك إذا صلح لمولانا عنده شيء‏.‏

 

 

فقال له الأمير‏:‏ بلغني أنك أُعطيتَ فيه ألف دينار‏

 

 

قال كذلك كان قال‏:‏ فلم لم تبعه فقال‏:‏ يا مولانا هذا الفرس جعلته للجهاد وأحسن ما جاهد الإنسان على فرس يعرفه ويثق به وما مقدار هذا الفرس له أسو

 

 

فاستحسن الأمير همته وشكره ثم أشار إليّ فتقدّمت إليه فقال لي في أذني‏:‏ إذا خرج هذا الرجل فاخلع عليه الخلعة الفلانية من أفخر ملبوس الأمير وأعطه ألف دينار وفرسه فلما نهض الرجل أخذته إلى الفرش خاناه وخلعت عليه الخلعة ودفعت إليه الكيس وفيه ألف دينار فخدم وشكوخرج فقّمّم إليه فرسه وعليه سرج خاص من سروج الأمير وعدّة في غاية الجودة‏.‏

 

 

فقيل‏:‏ اركب فرسك‏

 

 

فقال‏:‏ كيف أركبه وقد أخذت ثمنه وهذه الخلعة زيادة على ثمنه‏

 

 

ثم رجع إلى الأمير فقبّل الأرض وقال‏:‏ يا خوند تشريف مولانا لا يُردّ وهذا ثمن الفرس قد أحضره المملوك‏

 

 

فقال له الأمير فخر الدين‏:‏ يا هذا نحن جرّبناك فوجدناك رجلًا جيدًا ولك همة وأنت أحق بفرسك خذ هذا ثمنه ولا تبعه لأحد فخدمه وشكره ودعا له وأخذ الفرس والخلعة والألف دينار وانصرف‏

 

 

وأخبرني أيضًا الأمير شرف الدين ابن أبي القاسم قال‏:‏ أخبرني صارم الدين التبنيني أيضًا‏:‏ أنّ الأمير فخر الدين خدم عنده بعض الأجناد فعرض عليه فأعجبه شكله وقال لديوانه‏:‏ استخدموا هذا ال

 

 

فتكلموا معه وقدّروا له في السنة اثني عشر ألف درهم فرضي الرجل وانتقل إلى حلقة الأمير قوصون وضرب خيمته وأحضر بركه فلما كانت بعض الأيام رجع الأمير من الخدمة فعبر من جنب خيمة هذا الرجل فرأى خيمة حسنة وخيلًا جيادًا وجمالًا وبغالًا وبركًا في غاية الجودة‏.‏

 

 

فقال‏:‏ هذا البرك لمن فقيل هذا برك فلان الذي خدم عند الأمير في هذه الأيام‏

 

 

فقال‏:‏ قولوا له ما لك عندنا شغل تمضي في حال سبيلك فلما قيل للرجل ذلك أمر بأن تحط خيمته وأتى إليّ وقال‏:‏ يا مولانا أنا رائح وها أنا قد حملت بركي ولكن أشتهي منك أن تسأل الأمير ما ذنب

 

 

قال‏:‏ فدخلت إلى الأمير وأخبرته بما قال الرجل‏

 

 

فقال‏:‏ والله ما له عندي ذنب إلا أنّ هذا البرك وهذه الهمة يستحق بها أضعاف ما أُعطي فأنكرت عليه كيف رضي بهذا القدر السير وهو يستحق أ تكون أربعين ألف درهم وتكون قليلة في حقه فإذا خدم بثلاثين الف درهم يكون قد ترك لنا عشرة آلاف درهم فهذا ذنبه عندي‏

 

 

فرجعت إلى الرجل فأعلمته بما قال الأمير فقال‏:‏ إنما خدمت عن الأمير ورضيت بهذا القدر لعلمي أن الأمير إذا عرف حالي فيما بعد لا يقنع لي بهذا الجاري فكنت على ثقة من إحسان الأمير أبقاه الله وأما الآن فلا أرضى أن أخدم إلا بثلاثين ألف درهم كما قال الأمير‏

 

 

فرجعت إلى الأمير وأخبرته بما قال الرجل فقال‏:‏ يجري له ما طلب وخلع عليه وأحسن إليه‏

 

 

وكان الأمير فخر الدين جهاركس مقدّم الناصرية والحاكم بديار مصر في أيام الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى أن مات العزيز فمال الأمير فخر الدين جهاركس إلى ولاية ابن الملك العزيز وفاوض في ذلك الأمير سيف الدين يازكوج الأسديّ وهو يومئذ مقدّم الطائفة الأسدية وكان الملك العزيز قد أوصى بالملك لولده محمد وأن يكون الأمير الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسديّ مدبر أمره فأشار يازكوج بإقامة الملك الأفضل عليّ بن صلاح الدين في تدبير أمير ابن العزيز فكره جهاركس ذلك ثم أنهم أقاموا ابن العزيز ولقبوه بالملك المنصور وعمره نحو تسع سنين ونصبوا قراقوش اتابكًا وهم في الباطن يختلفون عليه ومازالوا يسعون عليه في إبطال أمر قراقوش حتى اتفقوا على مكاتبة الأفضل المتقدّم ذكره وحضوره إلى مصر ويعمل اتابكية المنصور مدّة سبع سنين حتى يتأهل بالاستبداد بالملك بشرط أن لا يرفع فوق رأسه سنجق الملك ولا يذكر اسمه في خطبة ولا سكة فلما سار القاصد إلى الأفضل بكتب الأمراء بعث جهاركس في الباطن قصدًا على لسانه ولسان الطائفة الصلاحية بكتبهم إلى الملك العادل أبي بكر بن أيوب وكتب إلى الأمير ميمون القصريّ صاحب نابلس يأمره بأن لا يطيع الملك الأفضل ولا يحلف له فاتفق خروج الملك الأفضل من صرخد ولقاه قاصد فخر الدين جهاركس فأخذ منه الكتب وقال‏:‏ له ارجع فقد قضيت الحاجة وسار إلى القاهرة ومعه القاصد فلما خرج الأمراء من القاهرة إلى لقائه ببلبيس فعمل له فخر الدين سماطًا احتفل فيه احتفالًا زائدًا لينزل عنده فنزعند أخيه الملك المؤيد نجم الدين مسعود فشق ذلك على جهاركس وجاء إلى خدمته فلما فرغ من طعام أخيه صار إلى خيمة جهاركس وقعد ليأكل فرأى جهاركس قاصده الذي سيره في خدمة الأفضل فدهش وأيقن باشر فللحال استأذن الأفضل أن يتوجه إلى العرب المختلفين بأرض مصر ليصلح بينهم فأذن له وقام من فوره واجتمع بالأمير زين الدين قراجا والأمير اسد الدين قراسنقر وحسّن لهما مفارقة الأفضل فسارا معه إلى القدس وغلبوا عليه ووافقهم الأمير عز الدين أسامة والأمير ميمون القصري فقدم عليهم في سبعمائة فارس ولما صاروا كلمة واحدة كتبوا إلى الملك العادل يستدعونه للقيام باتابكية الملك المنصور محمد بن العزيز بمصر‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

   

 

  

 

 وأما الأفضل فإنه لما دخل من بلبيس إلى القاهرة قام بتدبير الدولة وأمر الملك بحيث لم يبق للمنصور معه سوى مجرّد الاسم فقط وشرع في القبض على الطائفة الصلاحية أصحاب جهاركس ففرّوا منه إلى جهاركس بالقدس فقبض على من قدر عليه منهم ونهب أموالهم فلما زالت دولة الأفضل من مصر بقدوم الملك العادل أبي بكر بن أيوب استولى فخر الدين جهاركس على بانياس بأمر العادل ثم انحرف عنه وكانت له أنباء إلى أن مات فانقضى أمر الطائفة الصلاحية بموته وموت الأمير قارجا وموت الأمير أسامة كما انقضى أمر غيرهم‏.‏

 

 

قيسارية الفاضل‏:‏ هذه القيسارية على يمنة من يدخل من باب زويلة عرفت بالقاضي الفاضل عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ وهي الآن في أوقاف المارستان المنصوريّ أخبرني شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد العزيز العذريّ البشبيشيّ رحمه الله قال‏:‏ أخبرني القاضي بدر الدين إسحاق إبراهيم بن القاضي صدر الدين أبي البركات أحمد بن فخر الدين أبي الروح عيسى بن عمر بن خالد بن عبد المحسن المعروف بابن الخشاب‏:‏ أن قيسارية الفاضل وُقفت بضع عشرة مرّة منها مرّتين أو أكثر زف كتاب وقفها بالأغاني في شارع القاهرة وهي الآن تشتمل على قيساريذات بحرة ماء للوضوء بوسطها وأخرى بجانبها يباع فيها جهاز النساء وشوارهنّ ويعلو ربع فيه عدّة مساكن‏.‏

 

 

 

 

 

 

 

 

قيسارية بيبرس

 

 

 

‏:‏ هذه القيسارية على رأس باب الجودرية من القاهرة كان موضعها دارًا تُعرف بدار الأنماط اشتراها وما حولها الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكيريّ قبل ولايته السلطنة وهدمها وعمر موضعها هذه القيسارية والربع فوقها وتولى عمارة ذلك مجد الدين بن سالم الموقع فلما كملتلب سائر تجارة قيسارية جهاركس وقيسارية الفاضل وألزمهم بإخلاء حوانيتهم من القيساريتين وسكناهم بهذه القيسارية وأكرههم على ذلك وجعل أجرة كل حانوت منها مائة وعشرين درهمًا نقر فلم يسع التجار استئجار حوانيتهم وصار كثير منهم يقوم بأجرة الحانوت الذي ألزم به في هذه القيسارية من غير أن يترك حانوته الذي هو معه بإحدى القيساريتين المذكورتين ونقل أيضًا صناع الأخفاف وأسكنهم في الحوانيت التي خارجها فعمرت من داخلها وخارجها بالناس في يومين وجاء إلى مخدومه الأمير بيبرس وكان قد ولي السلطنة وتقلب بالملك المظفر وقال‏:‏ بسعادة الطان أسكنت القيسارية في يوم واحد فنظر إليه طويلًا وقال‏:‏ يا قاضي إن كنت أسكنتها في يوم واحد فهي تخلو في ساعة واحدة‏

 

 

فجاء الأمر كما قال وذلك أنه لما فرّ بيبرس من قلعة الجبل لم يبت في هذه القيسارية لأحد من سكانها قطعة قماش بل نقلوا كل ما كان لهم فيها وخلت حوانيتها مدّة طويلة ثم سكنها صنّاع الأخفاف كل حانوت بعشرة دراهم وفي حوانيتها ما أجرته ثمانية دراهم وهي الآن جارية في أوقاف الخانقاه الركنية بيبرس ويكنها صناع الأخفاف وأكثر حوانيتها غير مسكون لخرابها ولقلة الاخفافيين ويعرف الخط الذي هي فيه اليوم بالأخفافيين رأس الجودرية‏.‏

 

 

القيسارية الطويلة‏:‏ هذه القيسارية في شارع القاهرة بسوق الخردفوشيين فيما بين سوق المهامزيين وسوق الجوخيين ولها باب آخر عند باب سر حمّام الخرّاطين كانت تعرف قديمًا بقيسارية السروج بناها‏

 

 

‏.‏

 

فيسارية‏.‏

 

 

‏.‏

 

‏.‏

 

‏:‏ هذه القيسارية تجاه قيسارية السروج المعروفة الآن بالقيسارية الطويلة بعضها وقفه القاضي الأشرف بن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ على ملء الصهريج بدرب ملوخيا بعضها وقف الصالح طلائع بن رزيك الوزير وقد هدمت هذه القيسارية وبناها الأمير جاني بك ددار السلطان الملك الأشرف برسباي الدقاقيّ الظاهريّ في سنة ثمان وعشرين وثمانمائة تربيعة تتصل بالوراقين ولها باب من الشارع وجعل علوها طباقًا وعلى بابها حوانيت فجاءت من أحسن المباني‏.‏

 

 

قيسارية العصفر‏:‏ هذه القيسارية بشارع القاهرة لها باب من سوق المهامزيين وباب من سوق الورّاقين عُرفت بذلك من أجل أن العصفر كان يدق بها‏

 

 

أنشأها الأمير علم الدين سنجر المسروريّ المعروف بالخياط وإلي القاهرة ووقفها في سنة اثنتين وتسعين وستمائة ولم تزل باقية بيد ورثته إلى أن ولي القاضي ناصر الدين محمد بن البارزيّ الحمويّ كتابة السرّ في أيام المؤيد شيخ فاستأجرها مدّة أعوام من مستحقيها ونقل إليها العنبريين فصارت قيسارية عنبر وذلك في سنة ست عشرة وثمانمائة ثم انتقل منها أهل العنبر إلى سوقهم في سنة ثماني عشرة وثمانمائة‏.‏

 

 

قيسارية العنبر‏:‏ قد تقدذم في ذكر الأسواق أنها كانت سجنًا وأن الملك المنصور قلاون عمّرها في سنة ثمانين وستمائة وجعلها سوق عنبر‏

 

 

قيسارية الفائزي‏:‏ هذه القيسارية كانت بأوّل الخرّاطين مما يلي المهامزيين لها باب من المهامزيين وباب من الخرّطين‏:‏ أنشأها الوزير الأسعد شرف الدين أبو القاسم هبة الله بن صاعد بن وهيب الفارسيّ كان من ملة نصارى صعيد مصر وكتب على مبايض ناحية سيوط بدرهم وثل كل يوم ثم قدم إلى القاهرة وأسلم في أيام الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب وخدم عند الملك الفائز إبراهيم بن الملك العادل فنسب إليه وتولى نظر الديوان في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب مدّة يسيرة ثم ولى بعض أعمال ديار مصر فنقل عنه ما أوجب الكشف عليه فندب موفق الدين الأمديّ لذلك فاستقرّ عوضه وسجنه مدّة ثم أفرج عنه وسافر إلى دمشق وخدم بها الأمير جمال الدين يغمور نائب السلطنة بدمشق بعد موت أبيه ليأخذ مملكة مصر سار معه إلى مصر في شوال سنة سبع وأربعين وستمائة فلما قامت شجرة بتدبير المملكة بعد قتل المعظم تعلق بخدمة الأمير عز الدين آيبك التركمانيّ مقدّم العساكر إلى أن تسلطن وتلقب بالملك المعز فولاه الوزارة في سنة ثمان وأربعين وستمائة فأحدث مظالم كثيرة وقرّر على التجار وذوي اليسار أموالًا تجبى منهم وأحدث التقويم والتصقيع على سائر الأملاك وجبى منها مالًا جزيلًا ورتّب مكوسًا على الدواب من الخيل والجمال والحمير وغيرها وعلى الرقيق من العبيد والجواري وعلى سائر المبيعات وضمن المنكرات من الخمر والمزر والحشيش وبيوت الزواني بأموال وسمى هذه الجهات بالحقوق السلطانية والمعاملات الديوانية وتمكن من الدولة تمكنًا زائدًا إلى الغاية بحيث أنه سار إلى بلاد الصعيد بعساكر لمحاربة بعض الأمراء وكان الملك المعز أيبك يكاتبه بالمملوك وكثر ماله وعقاره حتى أنه لم يبلغ صاحب قلم في هذه الدول ما بلغه من ذلك واقتنى عدّة مماليك منهم من بلغ ثمنه ألف دينار مصرية وكان يركب في سبعين مملوكًا من مماليكه سوى أرباب الأقلام والأتباع وخرج بنفسه إلى أعمال مصر واستخرج أموالها وكان ينوب عنه في الوزارة زين الدين يعقوب بن الزبير وكان فاضلًا يعرف اللسان التركي فصار يضبط له مجالس الأمراء ويعرّفه ما يدور بينهم من الكلام فلم يزل على تمكنه وبسط يده وعظم شأنه إلى أن قُتل الملك المعز وقام من بعده ابنه الملك المنصور نور الدين عليّ وهو صغير فاستقرّ على عادته حتى شهد عليه الأمير سابق الدين بوزبا الصيرفيّ والأمير ناصر الدين محمد بن الأطروش الكرديّ أمير جاندار أنه قال المملكة لا تقوم بالصبيان الصغار والرأي أن يكون الملك الناصر صاحب الشام ملك مصر وأنه قد عزم على أن يسير إليه يستدعيه إلى مصر ويساعده على أخذ المملكة فخافت أمّ السطان منه وقبضت عليه وحبسته عندها بقلعة الجبل ووكلت بعذابه الصارم أحمر عينه العماديّ الصالحي فعاقبه عقوبة عظيمة ووقعت الحوطة على سائر أمواله وأسبابه وحواشيه وأخذ خطه بمائة ألف دينار ثم خنق لليال مضت من جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وستمائة ولفّ في نخ ودفن بالقرافة‏.‏

 

 

واستقرّ من بعده في الوزارة قاضي القضاة بدر الدين السنجاريّ مع ما بيده من قضاء القضاة ولم تزل هذه القيسارية باقية وكانت تعرف بقيسارية النشاب إلى أن أخذها الأمير جمال الدين يوسف الاستادار هي والحوانيت على يُمنة من سلك من الخرّاطين يريد الجامع الأزهر وفيما بينهما كان باب هذه القيسارية وكانت هذه الحوانيت تعرف بوقف تمرتاش وهدم الجميع وشرع في بنائه فقتل قبل أن يكمل وأخذه الملك الناصر فرح فبنيت الحوانيت التي هي على الشارع بسوق المهامزيين وصار ما بقي ساحة عمرها القاضي زين الدين عبد الباسط بن خليل الدمشقي ناظر الجيش قيسارية يعلوها ربع وبنى أيضًا على حوانيت جمال الدين ربعًا وذلك في سنة خمس وعشرين وثمانمائة‏.‏

 

 

وقال الإمام عفيف الدين أبو الحسن عليّ بن عدلان يمدح الأسعد الفائزيّ رحمه الله ابن صاعد وابنه المرتضى‏:‏ مذ تولى أمورنا لم أزل منه ذاهبه وهو إنّ دام أمرُهُ شدّة العيش ذاهبه قيسارية بكتمر‏:‏ هذه القيسارية بسوق الحريريين بالقرب من سوق الوراقين كانت تعرف قا بالصاغة ثم صارت فندقًا يقال له فندق حكم وأصلها من جملة الدار العظمى التي تعرف بدار المأمون بن البطائحي وبعضها المدرسة السيوفية‏.‏

 

 

أنشأ هذه القيسارية الأمير بكتمر الساقي في أسام الناصر محمد بن قلاوون‏.‏

 

 

قيسارية ابن يحيى‏:‏ هذه القيسارية كانت تجاه باب قيسارية جهاركس حيث سوق الطيور وقاعات الحلوى أنشأها القاضي المفضل هبة الله بن يحيى التميميّ المعدّل كان موثقًا كاتبًا في الشروط الحكمية في حدود سنة أربعين وخمسمائة في الدولة الفاطمية ثم صار من جملة العدول وب إلى سنة ثمانين وله ابن يقال له كمال الدين عبد المجيد القاضي المفضل ولكمال الدين ابن يقال له جلال الدين محمد بن كمال الدين هبد المجيد بن القاضي المفضل هبة الله بن يحيى مات في آخر سنة ستين وسبعمائة وقد خربت هذه القيسارية ولم يبق لها أثر‏.‏

 

 

قيسرية طاشتمر‏:‏ هذه القيسارية بجوار الوراقين لها باب كبير من سوق الحريريين على يسرة من سلك إلى الزجاجين وباب من الوراقين‏

 

 

أنشأها الأمير طاشتمر في أعوام بضع وثلاثين وسبعمائة وسكنها عقادوا الأزرار حتى غصت بهم مع كبرها وكثر حوانيتها وكان لهم منظر بهيج فإنّ أكثرهم من بياض الناس وتحت يد كل معلم عدّة صبيان من أولاد الأتراك وغيرهم فطالما مررت منها إلى سوق الوراقين وداخلني حياء من كثرة من أمرّ به هناك ثم لما حدثت المحن في سنة ست وثمانمائة تلاشى أمرها وخرب الربع الذي كان علوها وبيعت أنقاضه وبقيت فيها اليوم بقية يسيرة‏.‏

 

 

قيساريةالفقراء‏:‏ هذه القيسارية خارج باب زويلة بخط تحت الربع أنشأها‏

 

 

قيسرية المحسني‏:‏ خارج باب زويلة تحت الربع أنشأها الأمير بدر الدين بيلبك المحسني والي الإسكندرية ثم والي القاهرة كان شجاعًا مقدامًا فأخرجه الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الشام وبها مات في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة فأخذ ابنه الأمير ناصر الدين محمد بن بيلبالمحسني إمرته فلما مات الملك الناصر قدم إلى القاهرة وولاه الأمير قوصون ولاية القاهرة في سابع عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة فلما قبض على قوصون في يوم الثلاثاء آخر شهر رجب منها أمسك ابن المحسني وأعيد نجم الدين إلى ولاية القاهرة ثم عزل من يومه وولي الأمير جمال الدين يوسف والي الجيزة فأقام أربعة أيام وعزل بطلب العامّة عزله ورجمه فأعيد نجم الدين‏.‏

 

 

قيسارية الجامع الطولوني‏:‏ هذه القيسارية كان موضعها في القديم من جملة قصر الإمارة الذي بناه الأمير أبو العباس أحمد بن طولون وكان يخرج منه إلى الجامع من باب في جداره القبليّ فلما خرب صار ساحة أرض فعمر فيها القاضي تاج الدين المناوي خليفة الحكم عن قاضي القض عز الدين عبد العزيز بن جماعة قيسارية في سنة خمسين وسبعمائة من فائض مال الجامع الطولوني فكمل فيها ثلاثون حانوتًا فلما كانت ليلة النصف من شهر رمضان من هذه السنة رأى شخص من أهل الخير رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه وقد وقف على باب هذه القيسارية وهو يقول‏:‏ بارك الله لمن يسكن هذه القيسارية وكرّر هذا القول ثلاث مرّات‏

 

فلما قص هذه الرؤيا رغب الناس في سكناها وصارت إلى اليوم هي وجميع ذلك السوق في غاية العمارة وفي سنة ثمان عشرة وثمانمائة أنشأها قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن نصير بن رسلان البلقينيّ من مال الجامع المذكور قيسارية أخرى فرغب الناس في سكناها لوفور العمارة بذلك الخط‏.‏

 

 

قيسارية ابن ميسر الكبرى‏:‏ هذه القيسارية أدركتها بمدينة مصر في خط سويقة وردان وهي عامرة يباع بها القماش الجديد من الكتان الأبيض والأزرق والطرح وتمضي تجار القاهرة إليها في يومي الأحد والأربعاء لشراء الأصناف المذكورة وذكر ابن المتوّج أن لها خمسة أبواب وأنهوقف ثم وقعت الحوطة عليها فجرت في الديوان السلطانيّ وقصدوا بيعها مرارًا فلم يقدر أحد على شرائها وكان بها عُمدُ رُخام فأخذها الديوان وعوّضت بعمد كدان وأنه شاهدها مسكونة جميعها عامرة‏.‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

وقد خرب ما حولها بعد سنة ستين وسبعمائة وتزايد الخراب حتى لم يبق حولها سوى كيمان فعمل لها باب واحد وتردّد الناس إلهيا في اليومين المذكورين لا غير فلما كانت الحوادث منذ سنة ست وثمانمائة واستولى الخراب على أقليم مصر تعطلت هذه القيسارية ثم هدمت في سنة ست عشرة وثمانمائة‏.‏

 

 

قيسارية عبد الباسط‏:‏ هذه القيسارية براس الخرّاطين من القاهرة كان موضعها يُعرف قديمًا بعقبة الصباغين ثم عرف بالقشاشين ثم عرف بالخرّاطين وكان هناك مارستان ووكالة في الدولة الفاطمية وأدركنا بها حوانيت تعرف بوقف تمرتاش المعظميّ فأخذها الأمير جمال الدين الأسدار فيما أخذ من الأوقاف فلما قتل أخذ الناصر فرج جانبًا منها وجدّد عمارتها ووقفها على تربة أبيه الظاهر برقوق ثم أخذها زين الدين عبد الباسط بن خليل في أيام المؤيد شيخ وعمل في بعضها هذه القيسارية وعلوها ووقفها على مدرسته وجامعه ثم أخذ السلطان الملك الأشرف برسباي بقية الحوانيت من وقف جمال الدين وجدّد عمارتها في سنة سبع وعشرين وثمانمائة‏.‏

 

 

الخانات والفنادق خان مسرور خان مسرور مكانان أحدهما كبير والآخر صغير فالكبير على يُسرة من سلك من سوق باب الزهومة إلى الحريريين كان موضعه خزانة الدرق التي تقدّم ذكرها في خزائن القصر والصغير على يُمنة من سلك من سوق باب الزهومة إلى الجامع الأزهر كان ساحة يباع فيها الرقيق بعدما كان موضع المدرسة الكاملية هو سوق الرقيق‏.‏

 

 

قال ابن الطوير‏:‏ خزانة الدرق كانت في المكان الذي هو خان مسرور وهي برسم استعمالات الأساطيل من الكبورة الخرجية والخود الجلودية وغير ذلك‏

 

 

وقال ابن عبد الظاهر فندق مسرور مسرور هذا من خدّام القصر خدم الدولة المصرية واختص بالسلطان صلاح الدين رحمه الله وقدّمه على حلقته ولم يزل مقدّمًا في كل وقت وله برّ وإحسن ومعروف ويقصد في كل حسنة وأجر وبرّ وبطل الخدمة في الأيام الكاملية وانقطع إلى الله تعالى ولزم داره ثم بنى الفندق الصغير إلى جانبه وكان قبل بنائه ساحة يباع فيها الرقيق اشترى ثلثها من والدي رحمه الله والثلثين من ورثة ابن عنتر وكان قد ملك الفندق الكبير لغلامه ريحان وحبسه عليه ثم من بعده على الأسرى والفقراء بالحرمين وهو مائة بيت إلاّ بيتًا وبه مسجد تقام فيه الجماعة والجمع ولمسرور المذكور برّ كثير بالشام وبمصر وكان قد وصى أن تعمل داره وهي بخط حارة الأمراء مدرسة ويوقف الفندق الصغير عليها وكانت له ضيعة بالشام بيعت للأمير سيف الدين أبي الحسن القيمريّ بجملة كبيرة وعمرت المدرسة المذكورة بعد وفاته‏.‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

وقد أدركت فندق مسرور الكبير في غاية العمارة تنزله أعيان التجار الشاميين بتجاراتهم وكان فيه أيضًا مودع الحكم الذي فيه أموال اليتامى والغياب وكان من أجلّ الخانات وأعظمها فلما كثرت المحن بخراب بلاد الشام منذ سنة تيمورلنك وتلاشت أحوال إقليم مصر قلّ التجار وبطل مودع الحكم فقلَّت مهابة هذا الخان وزالت حرمته وتهدّمت عدّة أماكن منه وهو الآن بيد القضاة‏.‏

 

 

فندق بلال المغيثي هذا الفندق فيما بين خط حمّام خشيبة وحارة العدوية أنشأه الأمير الطواشي أبو المناقب حسام الدين بلال المغيثي أحد خدّام الملك المغيث صاحب الكرك كان حبشيّ الجنس حالك السواد خدم عدة من الملوك واستقرّ لالا الملك الصالح عليّ بن الملك المنصور قلاوون وكان معظمًا إلى الغاية يجلس فوق جميع أمراء الدولة وكان الملك المنصور قلاوون إذا رآه يقول‏:‏ رحم الله أستاذنا الملك الصالح نجم الدين أيوب أنا كنت أحمل شارموزة هذا الطواشي حسام الدين كلما دخل إلى السلطان الملك الصالح حتى يخرج من عنده فأقدّمها له وكان كث البرّ والصدقات وله أموال جزيلة ومدحه عدّة من الشعراء وأجاز على المديح وتجاوز عمره ثمانين سنة فلما خرج الملك الناصر محمد بن قلاون لقتال التتر في سنة تسع وتسعين وستمائة سافر معه فمات بالسوادة ودفن بها ثم نقل منها بعد وقعة شقحب إلى تربته بالقرافة فدفن هناك وما برح هذا الفندق يودع فيه التجار وأرباب الأموال صناديق المال ولقد كنت أدخل فيها فإذا بدائرة صناديق مصطفة ما بين صغير وكبير لا يفضل عنها من الفندق غير ساحة صغيرة بوسط وتشتمل هذه الصناديق من الذهب والفضة على ما يجلذ وصفه فلما أنشأ الأمير الطواشي زين الدين مقبل الزمام الفندق بالقرب منه وأنشأ الأمير قلمطاي الفندق بالزجاجين وأخذ الأمير يلبغا السالميّ أموال الناس في واقعة تيمورلنك في سنة ثلاث وتمانمائة تلاشى أمر هذا الفندق وفيه إلى الآن بقية‏.‏

 

 

هذا الفندق بجوار باب القوس الذي كان أحد بابي زويلة فمن سلك اليوم من المسجد المعروف بسام بن نوح يريد باب زويلة صار هذا الفندق على يساره وأنشأه هو وما يعلوه من الربع الملك الصالح علاء الدين عليّ بن السطلان الملك المنصور قلاون وكان أبوه لما عزم على المسير إلى محاربة التتر ببلاد الشام سلطنه وأركبه بشعار السطلنة من قلعة الجبل في شهر رجب سنة تسع وسبعين وستمائة وشق به شارع القاهرة من باب النصر إلى أن عاد إلى قلعة الجبل وأجلسه على مرتبته وجلس إلى جانبه فمرض عقيب ذلك ومات ليلة الجمعة الرابع من شعبان فأظهر السلطان لموته جزعًا مفرطًا وحزنًا زائدًا وصرخ بأعلى صوته واولداه ورمى كلوتته عن رأس إلى الأرض وبقي مكشوف الرأس إلى أن دخل الأمراء إليه وهو مكشوف الرأس يصرخ واولداه فعندما عاينوه كذلك ألقوا كلوتاتهم عن رؤوسهم وبكوا ساعة ثم أخذ الأمير طرنطاي النائب شاش السلطان من الأرض وناوله للأمير سنقر الأشقر فأخذه ومشى وهو مكشوف الرأس وباس الأرض وناول الشاش للسلطان فدفعه وقال‏:‏ ايش أعمل بالملك بعد ولدي وامتنع من لبسه فقبّل الأمراء الأرض يسألون السلطان في لبس شاشه ويخضعون له في السؤال ساعة حتى أجابهم وغطى رأسه فلما أصبح خربت جنازتمن القلعة ومعها الأمراء من غير حضور السلطان وصاروا بها إلى تربة أمه المعروفة خاتون قريبًا من المشهد النفيسيّ فواروه وانصرفوا فلما كان يوم السبت ثانية نزل السلطان من القلعة وعليه البياض تحزنًا على ولده وسار ومعه الأمراء بثياب الحزن إلى قبر ابنه وأقيم العزاء لموته عدّة أيام‏.‏

 

 

خان السبيل هذا الخان خارج باب الفتوح قال ابن عبد الظاهر‏:‏ خان السبيل بناه الأمير بهاء الدين أبو سعيد قراقوش بن عبد الله الأسديّ خادم أسد الدين شيركوه وعتيقه لأبناء السبيل والمسافرين بغير أجرة وبه بئر ساقية وحوض‏

 

 

وقراقوش هذا‏:‏ هو الذي بنى السور المحيط بالقاهرة ومصر وما بينهما وبنى قلعة الجبل وبنى القناطر التي بالجيزة على طريق الأهرام وعمر بالمقس رباطًا وأسره الفرنج في عكا وهو واليها فافتكه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بعشرة آلاف دينار وتوفي مستهل رجب سنة سبع بعين وخمسمائة ودفن بسفح الجبل المقطم من القرافة‏.‏

 

 

خان منكورش هذا الخان بخط سوق الخيميين بالقرب من الجامع الأزهر‏.‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ خان منكورش بناه الأمير ركن الدين منكورش زوج أمّ الأوحد بن العادل ثم انتقل إلى ورثته ثم انتقل إلى الأمير صلاح الدين أحمد بن شعبان الأبلي‏

 

 

فوقفه ثم تحيل ولده في إبطال وقفه فاشتراه منه الملك الصالح بعشرة آلاف دينار مصرية وجعله مرصدًا لوالدة خليل ثم أنتقل عنها‏.‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

قال مؤلف‏:‏ ومنكورش هذا كان أحد مماليك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وتقدّم حتى صار أحد الأمراء الصالحية وعرف بالشجاعة والنجدة وإصابة الرأي وجودة الرمي وثبات الجأش فلما مات في شوّال سنة سبع وسبعين وخمسمائة أخذ إقطاعه الأمير ياركوج الأسديّ وهذا الخان ال يعرف بخان النشارين على يُسرة من سلك من الخراطين إلى الخيميين وهو وقف على جهات برّ‏.‏

 

 

فندق ابن قريش هذا الفندق قال ابن عبد الظاهر‏:‏ فندق ابن قريش استجدّه القاضي شرف الدين إبراهيم بن قريش كاتب الإنشاء إلى ورثته‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

إبراهيم بن عبد الرحمن بن عليذ بن عبد العزيز بن عليّ بن قريش‏:‏ أبو إسحاق القرشيّ المخزوميّ المصريّ الكاتب شرف الدين أحد الكتاب المجيدين خطًا وإنشاءً خدم في دولة الملك العادل أبي بكر بن أيوب وفي دولة ابنه الملك الكامل محمد بديوان الإنشاء وسمع الحديث بمكة صر وحدّث وكانت ولادته بالقاهرة في أوّل يوم من ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وقرأ القرآن وحفظ كثيرًا من كتاب المهذب في الفقه على مذهب الإمام الشافعيّ وبرع في الأدب وكتب بخطه ما يزيد على أربعمائة مجلد ومات في الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة‏.‏

 

 

وكالة قوصون هذه الوكالة في معنى الفنادق والخانات ينزلها التجار ببضائع بلاد الشام من الزيت والشيرج والصابون والدبس والفستق والجوز واللوز والخرنوب والرب ونحو ذلك وموضعها فيما بين الجامع الحاكميّ ودار سعيد السعداء كانت أخيرًا دارًا تُعرف بدار تعويل البوغاني فأخربها وما جاورها الأمير قوصون وجعلها فندقًا كبيرًا إلى الغاية وبدائره عدة مخازن وشرط أن يؤجر كل مخزن إلا بخمسة دراهم من غير زيادة على ذلك ولا يخرج أحد من مخزنه فصارت هذه المخازن تتوارث لقلة أجرتها وكثرة فوائدها وقد أدركنا هذه الوكالة وأن رؤيتها من داخلها وخارجها لتدهش لكثرة ما هنالك من أصناف البضائع وازدحام الناس وشدّة أصوات العتالين عند حمل البضائع ونقلها لمن يبتاعها ثم تلاشى أمرها منذ خربت الشام في سنة ثلاث وثمانمائة على يد تيمورلنك وفيها إلا الآن بقية ويعلوا هذه الوكالة رباع تشتمل على ثلثمائة وستين بيتًا أدركناها عامرة كلها ويحزر أنها تحوي نحو أربعة آلاف نفس ما بين رجل وامرأة وصغير وكبير فلما كانت هذه المحن في سنة ست وثمانمائة خرب كثير من هذه البيوت وكثير منها عامر آهل‏.‏

 

 

هذه الدار هي فندق تجاه باب زويلة يرد إليه الفواكه على اختلاف أصنافها مما ينبت في بساتين ضواحي القاهرة ومن التفاح والكمثري والسفرجل الواصل من البلاد الشامية إنما يباع في وكالة قوصون إذا قدم ومنها ينقل إلى سائر أسواق القاهرة ومصر ونواحيهما إنما يباع في وكالة قوصون إذا قدم ومنها ينقل إلى سائر أسواق القاهرة ومصر ونواحيهما وكان موضع دار التفاح هذه في القديم من جملة حارة السودان التي عملت بستانًا في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب‏.‏

 

 

وأنشأ هذه الدار الأمير طقوزدمر بعد سنة أربعين وسبعمائة ووقفها على خانقاه بالقرافة وبظاهر هذه الدار عدّة حوانيت تباع فيها الفاكهة تذكر رؤيتها وشمّ عرفها الجنة لطيبها وحسن منظرها وتأنق الباعة في تنضيدها واحتفافها بالرياحين والأزهار وما بين الحوانيت مسقوف حتى لا يصل إلى الفواكه حرّ الشمس ولا يزال ذلك الموضع غضًا طريًا إلاّ أنه قد اختل منذ سنة ست وثمانمائة وفيه بقية ليست بذاك ولم تزل إلى أن هُدم علو الفندق وما بظاهره من الحوانيت في يوم السبت سادس عشر شعبان سنة إحدى وعشرين وثمانمائة وذلك أن الجامع المؤيديّ جاءت شبابيكه الغربية من جهة دار التفاح فعمل فيها كما صار يعمل في الأوقاف وحكم باستبدالها ودفع في ثمن نقضها ألف دينار إفريقية عنها مبلغ ثلاثين ألف مؤيديّ فضة ويتحصل من أجرتها إلى أن ابتدىء بهدمها في كل شهر سبعة آلاف درهم

 

 

 

 

 

     

 

  

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 وكالة باب الجوّانية

 

 

 

هذه الوكالة تجاه باب الجوّانية من القاهرة فيما بين درب الرشيدي ووكالة قوصون كان موضعها عدّة مساكن فابتدأ الأمير جمال الدين محمود بن عليّ الأستادار بهدمها في يوم الأربعاء ثالث عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة وبناها فندقًا وربعًا بأعلاه فلماكملت رسم الملك الظاهر برقوق أن تكون دار وكالة يرد غليها ما يصللى القاهرة وما يرد من صنف متجر الشام في البحر كالزيت والرب والدبس ويصير ما يرد في البرّ يدخل به على عادته إلى وكالة قوصون وجعلها وقفًا على المدرسة الخانقاه التي أنشأها بخط بين القصرين فاستمرّ الأمر على ذلك إلى اليوم‏.‏

 

 

خان الخليلي هذا الخان بخط الزراكشة العتيق كان موضعه تربة القصر التي فيها قبور الخلفاء الفاطميين المعروفة بتربة الزعفران وقد تقدّم ذكرها عند ذكر القصر في هذا الكتاب‏.‏

 

 

أنشأه الأمير جهاركس الخليليّ أميراخور الملك الظاهر برقوق وأخرج منها عظام الأموات في المزابل على الحمير وألقاها بكميان البرقية هوانًا بها فإنه كان يلوذ به شمس الدين محمد بن أحمد القليجي الذي تقدّم ذكره في ذكر الدور من هذا الكتاب وقال له‏:‏ إن هذه عظام الفميين وكانوا كفارًا رفضة فاتفق للخليليّ في موته أمر فيه عبرة لأولي الألباب وهو أنه لما ورد الخبر بخروج الأمير بلبغا الناصريّ نائب حلب ومجيء الأمير منطاش نائب ملطية إليه ومسيرهما بالعساكر إلى دمشق أخرج الملك الظاهر برقوق خمسمائة من المماليك وتقدّم لعدّة من الأمراء بالمسير بهم فخرج الأمير أحمد بن بلبغا الخاصكيّ والأمير ندكار الحاجب وساروا إلى دمشق فلقيهم الناصري ظاهر دمشق فانكسر عسكر السلطان لمخامرة ابن بلبغا وندكار وفرّ أيتمش إلى قلعة دمشق وقتل الخليليّ في يوم الاثنين حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة وترك على الأرض عاريًا وسوءته مكشوفة وقد انتفخ وكان طويلًا عريضًا إلى أن تمزق وبلي عقوبة من الله تعالى بما هتك من رمم الأئمة وابنائهم ولقد كان عفا الله عنه عارفًا خبيرًا بأمر دنياه كثير الصدقة ووقف هذا الخان وغيره على عمل خبز يفرق بمكة على كل فقير منه في اليوم رغيفان فعمل ذلك مدّة سنين ثم لما عظمت الأسعار بمصر وتغيرت نقودها من سنة ست وثمانمائة صار يحمل إلى مكة مال ويفرّق بها على الفقراء‏.‏

 

 

فندق طرنطاي هذا الفندق كان بخارج باب البحر ظاهر المقس وكان ينزل فيه تجار الزيت الواردون من الشام وكان فيه ستة عشر عمودًا من رخام طول كل عمود ستة أذرع بذراع العمل في دور ذراعين ويعلوه ربع كبير فلما كان في واقعة هدم الكنائس وحريق القاهرة ومصر في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة قدم تاجر بعد العصر بزيت وزن في مكسه عشرين ألف درهم نقرة سوى أصناف أخبر قيمتها مبلغ تسعين ألف درهم نقرة فلم يتهيأ له الفراغ من نقل الزيت إلى داخل هذا الفندق إلاّ بعد العشاء الآخرة فلما كان نصف الليل وقع الحريق بهذا الفندق في ليلة من شهر ربيع الآخر منها كما كان يقع في غير موضع من فعل النصارى فأصبح وقد احترق جميعه حتى الحجارة التي كان مبنيًا بها وحتى الأعمدة المذكورة وصارت كلها جيرًا واحترق علوه وأصبح التاجر يستعطي الناس وموضع هذا الفندق‏.‏

 

 

الأسواق قال ابن سيدة‏:‏ والسوق التي يتعامل فيها تذكر وتؤنث والجمع أسواق وفي التنزيل‏:‏ ‏"‏ إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ‏"‏ والسوقة لغة فيها والسوقة من الناس من لم يكن ذا سلطان الذكر والأنثى في ذلك

 

 

وقد كان بمدينة مصر والقاهرة وظواهرها من الأسواق شيء كثير جدًّا قد باد أكثرها وكفاك دليلًا على كثرة عددها أن الذي خرب من الأسواق فيما بين أراضي اللوق إلى باب البحر بالمقص اثنان وخمسون سوقًا أدركناها عامرة فيها ما يبلغ حوانيته نحو الستين حانوتًا وهذه الخطة من جملة ظاهر القاهرة الغربيّ فكيف ببقية الجهات الثلاث مع القاهرة ومصر وسأذكر من أخبار الأسواق ما أجد سبيلًا إلى ذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

القصبة قال ابن سيدة‏:‏ قصبة البلد مدينته وقيل معظمه‏

 

 

والقصبة هي أعظم أسواق مصر وسمعت غير واحد ممن أدركته من المعمرين يقول‏:‏ أنّ القصبة تحتوي على اثني عشر ألف حانوت كأنهم يعنون ما بين أوّل الحسينية مما يلي الرمل إلى المشهد النفيسيّ ومن اعتبر هذه المسافة اعتبارًا جيدًا لا يكاد أن ينكر هذا الخبر‏

 

 

وقد أدركت هذه المسافة بأسرها عامرة الحوانيت غاصة بأنواع المآكل والمشارب والأمتعة تُبهج رؤيتها ويُعجب الناظر هيئتها ويُعجز العادّ عن إحصاء ما فيها من الأنواع فضلًا عن إحصاء ما فيها من الأشخاص وسمعت الكافة ممن أدركت يفاخرون بمصر سائر البلاد ويقولون‏:‏ يُرمبمصر في كل يوم ألف دينار ذهبًا على الكيمان والمزابل يعنون بذلك ما يستعمله اللبانون والجبانون والطباخون من الشقاف الحمر التي يوضع فيها اللبن والتي يوضع فيها الجبن والتي تأكل فيها الفقراء الطغام بحوانيت الطباخين وما يستعمله بياعوا الجبن من الخيط والحصر التي تعمل تحت الجبن في الشقاف وما يستعمله العطارون من القراطيس والورق الفويّ والخيوط التي تشدّ بها القراطيس الموضوع فيها حوائج الطعام من الحبوب والآفاوية وغيرها فإن هذه الأصناف المذكورة إذا حملت من الأسواق وأخذا ما فيها ألقيت إلى المزابل ومن أدرك الناس قبل هذه المحن وأمعن النظر فيما كانوا عليه من أنواع الحضارة والترف لم يستكثر ما ذكرناه‏.‏

 

 

وقد اختلّ حال القصبة وخرب وتعطل أكر ما تشتمل عليه من الحوانيت بعدما كانت مع سعتها تضيق بالباعة فيجلسون على الأرض في طول القصبة بأطباق الخبز وأصناف المعايش‏.‏

 

 

ويقال لهم أصحاب المقاعد وكل قليل يتعرّض الحكام لمنعهم وإقامتهم من الأسواق لما يحصل بهم من تضييق الشوارع وقلة بيع أرباب الحوانيت وقد ذهب والله ما هناك ولم يبق إلا القليل وفي القصبة عدّة أسواق منها ما خرب ومنها ما هو باق وسأذكر منها ما يتيسر إن شاء الله تعالى‏.‏

 

سوق باب الفتوح هذا السواق في داخلن باب الفتوح من حدّ باب الفتوح الآن إلى رأس حارة بهاء الدين‏.‏

 

 

معمور الجانبين بحوانيت اللحامين والخضريين والفاميين والشرايحية وغيرهم وهو من أجلّ أسواق القاهرة وأعمرها يقصده الناس من أقطار البلاد لشراء أنواع اللحمان الضأن والبقر والمعز ولشراء أصناف الخضروات وليس هو من الأسواق القديمة وإنما حدث بعد زوال الدولة الفاطمية عندما سكن قراقوش في موضعه المعروف بحارة بهاء الدين وقد تناقض عما كان فيه منذ عهد الحوادث وفيه إلى الآن بقية صالحة‏.‏

 

 

سوق المرحلين هذا السوق أدركته من راس حارة بهاء الدين إلى بحري المدرسة الصيرمية معمور الجانبين بالحوانيت المملوءة برحالات الجمال وأقتابها وسائر ما تحتاج إليه يقصد من سائر إقليم مصر خصوصًا في مواسم الحج‏.‏

 

 

فلو أراد الإنسان تجهيز مائة جمل وأكثر في يوم لما شق عليه وجود ما يطلبه من ذلك لكثرة ذلك عند التجار في الحوانيت بهذا السوق وفي المخازن‏.‏

 

 

فلما كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة وكثر سفر الملك الناصر فرج بن برقوق إلى محاربة الأمير شيخ والأمير نوروز بالبلاد الشامية صار الوزراء يستدعون ما يحتاج إليه الجمال من الرحال والاقتاب وغيرها فإما لا يدفع ثمنها أو يدفع فيها الشيء اليسير من الثمن فاختلّ من ذلك حال المرحلين وقلت أموالهم بعدما كانوا مشتهرين بالغناء الوافر والسعادة الطائلة وخرب معظم حوانيت هذا السوق وتعطل أكثر ما بقي منها ولم يتأخر فيه سوى القليل‏.‏

 

 

سوق خان الروّاسين‏:‏ هذا السوق على رأس سويقة أمير الجيوش قيل له ذلك من أجل أن هناك خانًا تعمل فيه الرؤوس المغمومة وكان من أحسن أسواق القاهرة فيه عدّة من البياعين ويشتمل على نحو العشرين حانوتًا مملوءة بأصناف المآكل وقد اختل وتلاشى أمره‏

 

 

سوق حارة برجوان إذا السوق من الأسواق القديمة وكان يُعرف في القديم أيام الخفاء الفاطميين بسوق أمير الجيوش وذلك أنّ أمير الجيوش بدر الجمالي لما قدم إلى مصر في زمن الخليفة المستنصر وقد كانت الشدّة العظمة بنى بحارة برجوان الدار التي عرفت بدار المظفر وأقام هذا السوق براس حارة برجوان‏.‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ والسويقة المعروفة بأمير الجيوش معروفة بأمير الجيوش بدر الجمالي وزير الخليفة المستنصر وهي من باب حارة برجوان إلى قريب الجامع الحاكمي وهكذا تشهد مكاتيب دور حارة برجوان القديمة فإنّ فيها والحدّ القبليّ ينتهي إلى سويقة أمير الجيوش وسوق رة برجوان هو في الحدّ القبليّ من حارة برجوان وأدركت سوق حارة برجوان أعظم أسواق القاهرة ما برحنا ونحن شباب نفاخر بحارة برجوان سكان جميع حارات القاهرة فنقول‏:‏ بحارة برجوان حمّامات يعني حمامي الرومي وحمام سويد فنه كان يدخل إليها خمن داخل الحارة وبها فرنان ها السوق الذي لا يحتاج ساكنها إلى غيره وكان هذا السوق من سوق خان الروّاسين إلى سوق الشماعين معمور الجانبين بالعدّة الوافرة من بياعي لحم الضأن السليخ وبياعي اللحم السميط وبياعي اللحم البقري وبه عدّة كثيرة من الزياتين وكثير من الجبانين والخبازين واللبانين والطباخين والشوّايين والبواردية والعطارين والخضريين وكثير من بياعي الأمتعة حتى أنه كان به حانوت لا يباع فيه إلاّ حوائج المائدة وهي‏:‏ البقل والكرّات والشمار والنعناع وحانوت لا يباع فيه إلا الشيرج والقطن فقد برسم تعمير القناديل التي تُسرج في الليل‏

 

 

وسمعت من أدركت أنه كان يَشتري من هذا الحانوت في كل ليلة شيرج مما يوضع في القناديل بثلاثين درهمًا فضة عنها يومئذٍ دينار ونصف‏.

 

 

وكان يوجد بهذا السوق لحم الضأن النيء والمطبوخ إلى ثلث الليل الأوّل ومن قبل طلوع الفجر بساعة وقد خرب أكثر حوانيت هذا السوق ولم يبق لها أثر وتعطل بأسره بعد سنة ست وثمانمائة وصار أوحش من وتد في قاع بعد أن كان الإنسان لا يستطيع أن يمرّ فيه من ازدحام الناس ليلًا ونهارًا إلاّ بمشقة وكان فيه قبانيّ برسم وزن الأمتعة والمال والبضائع لا يتفرّغ من الوزن ولا يزال مشغولًا به ومعه من يستحثه ليزن له‏.‏

 

 

فلما كان بعد سنة عشر وثمانمائة أنشأ الأمير طوغان الدوادار بهذا السوق مدرسة وعمّر ربعًا وحوانيت فتحابي بعض الشيء وقبض على طوغان في سنة ست عشرة وثمانمائة ولم تكمل عمارة السوق وفيه الآن بقية يسيرة‏.‏

 

 

سوق الشماعين هذا السوق من الجامع الأقمر إلى سوق الدجاجين كان يعرف في الدولة الفاطمية بسوق القماحين وعنده بنى المأمون بن البطائحي الجامع الأقمر باسم الخليفة الآمر بأحام الله وبنى تحت الجامع دكاكين ومخازن من جهة باب الفتوح وأدركت سوق الشماعين من الجانبي معمور الحوانيت بالشموع الموكبية والفانوسية والطوافات لا تزال حوانيته مفتحة إلى نصل الليل وكان يجلس به في الليل بغايا يقال لهنّ زعيرات الشماعين لهنّ سيمًا يُعرفن بها وزيّ يتميزن به وهو لبس الملاءات الطرح وفي أرجلهنّ سراويل من أديم أحمر وكنّ يعانين الزعارة ويقفن مع الرجال المشالقين في وقت لعبهم وفيهنّ من تحمل الحديد معها‏.‏

 

 

وكان يُباع في هذا السوق في كل ليلة من الشمع بمال جزيل وقد خرب ولم يبق به إلاّ نحو الخمس حوانيت بعدما أدركتها تزيد على عشرين حانوتًا وذلك لقلة ترف الناس وتركهم استعمال الشمع وكان يعلق بهذا السوق الفوانيس في موسم الغطاس فتصير رؤيته في الليل من أنزه الأشياء وكان به في شهر رمضان موسم عظيم لكثرة ما يُشترى ويُكتى من الشموع الموكبية التي تزن الواحدة منهنّ عشرة أرطال فما دونها ومن المزهرات العجيبة الزيّ المليحة الصنعة ومن الشمع الذي يحمل على العجل ويبلغ وزن الواحدة منها القنطار وما فوقه كل ذلك برسم ركوب الصبيان لصلاة التراويح فيمرّ في ليالي شهر رمضان من ذلك ما يعجز البليغ عن حكاية سوق الدجاجين‏:‏ هذا السوق كان مما يلي سوق الشماعين إلى سوق قبو الخرشتف كان يبع فيه من الدجاج والأوز شيء كثير جليل إلى الغاية وفيه حانوت فيه العصافير التي يبتاعها ولدان الناس ليعتقوها فيب منها في كل يوم عدد كثير جدًّا ويبع العصفور منها بفلس ويخد الصبيّ بأنه يسبح فمن أعتقه دخل الجنة وكل واحد حينئذٍ رغبة في فعل الخير وكان يوجد في كل وقت بهذه الحوانيت من الأقفاص التي بها هذه العصافير آلاف ويباع بهذا السوق عدّة أنواع من الطير وفي كل يوم جمعة يباع فيه بكرة أصناف القماري والهزارات والشحارير واللبغاء والسُّمّان وكنا نسمع أن من السُّمَان ما يبلغ ثمنه المئات من الدراهم وكذلك بقية طيور المسموع يبلغ الواحد منها نحو الألف لتنافس الناس فيها وتوفر عدد المعتنين بها وكان يقال لهم غواة طيور المسموع سيما الطواشية فإنه كان يبلغ بهم الترف أن يقتنوا السُّمَان ويتأنقوا في أقفاصه ويتغالوا في أثمانه حتى بلغنا أنه بيع طائر من السمان بألف درهم فضة عنها يومئذٍ نحون الخمسين دينارًا من الذهب كل ذلك لإعجابهم بصوته وكان صوته على وزن قول القائل‏:‏ ‏"‏ طقطلق وعوع ‏"‏ كثر صياحه كانت المغالاة في ثمنه فاعتبر بما قصصته عليك حال الترف الذي كان فيه أهل مصر ولا تتخذ حكاية ذلك هزؤًا تسخر به فتكون ممن لا تنفعه المواعظ بل يمرّ بالآيات معرضًا غافلًا فتحرم الخير‏.‏

 

 

وكان بهذا السوق قيسارية عملت مرّة سوقًا للكتبيين ولها باب من وسط سوق الدجاجين وباب من الشارع الذي يسلك فيهمن بين القصرين إلى الركن المخلق فاتفق أن ولي نيابة النظر في المارستان المنصوري عن الأمير الكبير ايتمش النحاسي الظاهريّ أمير يعرف بالأمير خضر ابن التنكزية فهدم هذا السوق والقيسارية وما يعلوها وأنشأ هذه الحوانيت والرباع التي فوقها تجاه ربع الكامل الذي يعلو ما بين درب الخضيري وقبو الخرشتف فلما كمل أسكن في الحوانيت عدّة من الزياتين وغيرهم وبقي من الدجاجين بهذا السوق بقية قليلة‏.‏

 

 

سوق بين القصرين‏:‏ هذا السوق أعظم أسواق الدنيا فيما بلغنا وكان في الدولة الفاطمية براحًا واسعًا يقف فيه عشرة آلاف ما بين فارس وراجل ثم لما زالت الدولة ابتذل وصار سوقًا يعجز الواصف عن حكاية ما كان فيه وقد تقدّم ذكره في الخطط من هذا الكتاب وفيه إلى الآن بق تُحزنني رؤيتها إذ صارت إلى هذه القلة‏.‏

 

 

سوق السلاح هذا السوق فيما بين المدرسة الظاهرية بيبرس وبين باب قصر بشتاك استجدّ فيما بعد الدولة الفاطمية في خط بين القصرين‏.‏

 

 

وجعل لبيع القسيّ والنشاب والزرديات وغير ذلك من آلاف السلاح وكان تجاهه خان يقابل الخان الذي هو الآن بوسط سوق السلاح وعلى بابه من الجانبين حوانيت تجلس فيها الصيارف طول النهار فإذا كان عصريات كل يوم جلس أرباب المقاعد تجاه حوانيت الصيارف لبيع أنواع من المآكل ويقابلهم تجاه حوانيت سوق السلاح أرباب المقاعد أيضًا فإذا أقبل الليل أشعلت السرج من الجانبين وأخذ الناس في التمشي بينهما على سبيل الاسترواح والتنزه فيمرّ هنالك من الخلاعات والمجون ما لا يعبر عنه بوصف فلما أنشأ الملك الظاهر برقوق المدرسة الظاهرية المستجدّة صارت في موضع الخان وحوانيت الصرف تجاه سوق السلاح وقلّ ما كان هناك من المقاعد وبقي منها شيء يسير‏.‏

 

 

سوق القفيصات بصيغة الجمع والتصغير هكذا يُعرف كأنه جمع قفيص فإنه كله معدّ لجلوس أناس على تخوت تجاه شبابيك القبة المنصورية وفوق تلك التخوت أقفاص صغار من حديد مشبك فيها الطرائف من الخواتيم والفصوص وأساور النسوان وخلاخيلهنّ وغير ذلك وهذه الأقفاص يأخذ أجرة الأرض التي هي عليها مباشر المارستان المنصوري وأصل هذه الأرض كانت من حقوق أرض موقوفة على جامع المقس فدخل بعضها في القبة المنصورية وصار بعضها كما ذكرنا وإلى اليوم يدفع من وقف المارستان حكر هذه الأرض لجامع المقس ولما ولي نظر المارستان الأمير جمال الدين أقوش المعروف بنائب الكرك في سنة ست وعشرين وسبعمائة عمل فيه أشياء من ماله منها خيمة ذرعها مائة ذراع نشرها من أوّل جدار القبة المنصورية بحذاء المدرسة الناصرية إلى آخر حدّ المدرسة المنصورية بجوار الصاغة فصارت فوق مقاعد الأقفاص تظلهم من حرّ الشمس وعمل لها حبالًا تمدّ بها عند الحرّ وتجمع بها إذا امتدّ الظل وجعلها مرتفعة في الجوّ حتى ينحرف الهواء ثم لما كان شهر حمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة نُقلت الأقفاص منه إلى القيسارية التي استجدّت تجاه الصاغة‏.‏

 

 

سوق باب الزهومة هذا السوق عرف بذلك من أجل أنه كان هناك في الأيام الفاطمية باب من أبواب القصر يقال له باب الزهومة تقدّم ذكره في ذكر أبواب القصر من هذا الكتاب‏.‏

 

 

وكان موضع هذا السوق في الدولة الفاطمية سوق الصيارف ويقابله سوق السيوفيين من حيث الخشيبة إلى نحو رأس سوق الحريريين اليوم وسوق العنبر الذي كان إذ ذاك سجنًا يُعرف بالمعونة ويقابل السيوفيين إذ ذاك سوق الزجاجين وينتهي إلى سوق القشاشين الذي يعرف اليوم بالخرّاطين فلما زالت الدولة الفاطمية تغير ذلك كله فصار سوق السيوفيين من جوار الصاغة إلى درب السلسلة وبني فيما بين المدرسة الصالحية وبين الصاغة سوق فيه حوانيت مما يلي المدرسة الصالحية يباع فيها الأمشاط بسوق الأمشاطيين وفيه حوانيت فيما بين الحوانيت التي يباع فيها الأمشاط وبين الصاغة بعضها سكن الصيارف وبعضها سكن النقليين وهم الذين يبيعون الفستق واللوز والزبيب ونحوه وفي وسط هذا البناء سوق الكتبيين يحيط به سوق الأمشاطيين وسوق النقليين وجميع ذلك جارٍ في أوقاف المارستان المنصوري‏.‏

 

 

وكان سوق باب الزهومة من أجلّ أسواق القاهرة أفخرها موصوفًا بحسن المآكل وطيبها واتفق في هذا السوق أمر يستحسن ذكره لغرابته في زمننا وهو أنه عبر متولي الحسبة بالقاهرة في يوم السبت سادس عشر شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة على رجل بوارديّ بهذا السوق يُقال له محمد بن خلف عنده مخزن فيه حمام وزرازيرٍ متغيرة متغيرة الرائحة لها نحو خمسين يومًا فكشف عنها فبلغت عدّتها وثلاثين ألفًا ومائة وستة وتسعين طائرًا من ذلك حمام ألف ومائة وستة وتسعون وزرازير ثلاث وثلاثون ألفًا كلها متغيرة اللون والريح فأدبه وشهره وفيه إلى الآن بقايا‏.‏

 

 

سوق المهامزيين هذا السوق مما استجدّ بعد زوال الدولة الفاطمية وكان بأولها حبس المعونة الذي عمله الملك المنصور قلاوون سوق العنبر يقابله المارستان والوكالة ودار الضرب في الموضع الذي يُعرف اليوم بدرب الشمسيّ وما بحذائه من الحوانيت إلى حمّام الخرّاطين وما تجاه ذلك‏.‏

 

 

وهذا السوق معدّ لبيع المهاميز وأدركت الناس وهم ذلك إلا من يتورع ويتدين فيتخذ القالب من الحديد ويطليه بالذهب أو الفضة ويتخذ السقط من الفضة وقد اضطرّ الناس إلى ترك هذا فقلّ من بقي سقط مهمازه فضة ولا يكاد يوجد اليوم مهماز من ذهب وكان يباع بهذا السوق البدلات الفضة التي كانت برسم لجم الخيل وتعمل تارة من الفضة المجراة بالمينا وتارة بالفضة المطلية بالذهب فيبلغ زنة ما في البدلة من خمسمائة درهم فضة إلى ما دونها وقد بطل ذلك‏.‏

 

 

وكان يباع به أيضًا سلاسل الفضة ومخاطم الفضة المطلية تُجعل تحت لجم الحجور من الخيل خاصة فيركب بها أعيان الموقعين وأكابر الكتاب من القبط ورؤساء التجار وقد بطل ذلك أيضًا‏.‏

 

 

ويباع فيه أيضًا الدوي والطرف التي فيها الفضة والذهب كسكاكين الأقلام ونحوها وكانت تجار هذا السوق تعدّ من بياض العامّة ويتصل بسوق المهامزيين هذا‏.‏

 

 

سوق اللجامين يباع فيه آلات اللجم ونحوها مما يتخذ من الجلد وفي هذا السوق أيضًا عدّة وافرة ن الطلائين وصناع الكفت برسم اللجم والركب والمهاميز ونحو ذلك‏.‏

 

 

وعدّة من صناع مياتر السروج وقرابسها وأدركت السروج تُعمل ملوّنة ما بين أصفر وأزرق ومنها ما يُعمل من الدبل ومنها ما يُعمل سيورًا من الجلد البلغاري الأسود ويركب بهذه السروج السوق القضاة ومشايخ العلم اقتداءً بعادة بني العباس في استعمال السواد على ما جدّده بديار مصر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بعد زوال الدولة الفاطمية‏.‏

 

 

وأدركت السروج التي تركب بها الأجناد والكتاب يُعمل للسرج في قربوسه ستة أطواق من فضة مقبلة مطلية بالذهب ومعقربات من فضة ولايكاد أحد يركب فرسًا بسرج سادج إلا إن يكون من القضاة ومشايخ العلم وأهل الورع فلما تسلطن الملك الظاهر برقوق اتخذ سائر الأجناد السروج المغرقة وهي التي جميع قرابسها من ذهب أو فضة إما مطلية أو ساجة وكثر عمل ذلك حتى لم يبق من العسكر فارس إلا وسرجه كما ذكرنا‏.‏

 

 

وبَطُل السرج المسقط فلما كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة غلب على الناس الفقر وكثرت الفتن فقلّت سروج سوق الجوخيين هذا السوق يلي سوق اللجميين وهو معدّ لبيع الجوخ المجلوب من بلاد الفرنج لعمل المقاعد والستائر وثياب السروج وغواشيها وأدركت الناس وقلما تجد فيهممن يلبس الجوخ وإنما يكون من جملة ثياب الأكابر جوخ لا يلبس إلا في يوم المطر وإنما يلبس الجوخ من يرد من بلاد المغرب والفرنج وأهل الإسكندرية وبعض عوام مصر فأما الرؤساء والأكابر والأعيان فلا يكاد يوجد فيهم من يلبسه إلاّ في وقت المطر فإذا ارتفع المطر نزع الجوخ.‏  

 

وأخبرني القاضي الرئيس تاج الدين أبو الفداء سماعيل بن أحمد بن عبد الوهاب بن الخطبا المخزومي خال أبي رحمه الله قال‏:‏ كنت أنوب في حسبة القاهرة عن القاضي ضياء الدين المحتسب فدخلت عليه يومًا وأنا لابس جوخة لها وجه صوف مربع فقال لي‏:‏ وكيف ترضى أن تلبس الجول الجوخ إلاّ لأجل البغلة‏!‏ ثم أقسم عليّ أن أخلعها ومازال بي حتى عرّفته أني اشتريتها من بعض تجار قيسارية الفاضل فاستدعاه في الحال ودفعها إليه وأمره بإحضار ثمنها‏

 

 

ثم قال لي‏:‏ لاتعد إلى لبس الجوخ استهجانًا له‏

 

 

فلما كانت هذه الحوادث وغلت الملابس دعت الضرورة أهل مصر إلى ترك أشياء مما كانوا فيه من الترفه وصار معظم الناس يلبسون الجوخ فتجد الأمير والوزير والقاضي ومن دونهم ممن ذكرنا لباسهم الجوخ ولقد كان الملك الناصر فرج ينزل أحيانًا إلى الإصطبل وعليه قجون من جوخ وهو ثوب قصير الكمين والبدن يخاط من الجوخ بغير بطانة من تحته ولا غشاء من فوقه فتداول الناس لبسه واجتلب الفرنج منه شيئًا كثيرًا لا توصف كثرته ومحمل بيعه بهذا السوق ويلي سوق الجوخيين هذا‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 سوق الشرابشيين

 

 

 

وهذا السوق مما أحدث بعد الدولة الفاطمية ويباع فيها الخلع التي يُلبسها السلطان للأمراء والوزراء والقضاة وغيرهم وإنما قيل له سوق الشرابشيين لأنه كان من الرسم في الدولة التركية أنّ السلطان والأمراء وسائر العساكر إنما يلبسون على رؤوسهم كلوتة صفراء مضرّبة تضريبًا عريضًا ولها كلاليب بغير عمامة فوقها وتكون شعورهم مضفورة مدلاة بدبوقة وهي في كيس حرير إمّا أحم أو أصفر وأوساطهم مشدودة ببنود من قطن بعلبكيّ مصبوغ عوضًا عن الحوائص وعليهم أقبية إمّا بيض أو مشجرة أحمر وأزرق وهي ضيقة الأكمام على هيئة ملابس الفرنج اليوم وإخفافهم من جاد بلغاريّ أسود وفي أرجلهم من فوق الخف سقمان وهو خف ثان ومن فوق القبا كمران بحلق وأبزيم وصوالق بلغاري كبار يَسَعُ الواحد منها أكثر من نصف ويبة غلة مغروز فيه منديل طوله ثلاثة أذرع فلم يزل هذا زيهم منذ استولوا بديار مصر على الملك من سنة ثمان وأربعين وستمائة إلى أن قام في المملكة الملك المنصور قلاوون فغيّر هذا الزيّ بأحسن منه ولبسوا الشاشات وأبطلوا لبس الكم الضيق واقترح كل أحد من المنصورية ملابس حسنة فلما ملك ابنه الأشرف خليل جمع خاصكيته ومماليكه وتخير لهم ملابس بالكلوتات الزركش والطرازات الزركش والكنابيش الزركش والأقبية الأطلس المعدني حتى يُميزُ الأمير بلبسه عن غيره وكذلك في الملبوس الأبيض أن يكون رفيعًا واتخذ السروج المرصعة والأكوار المرصعة فعرفت بالأشرفية وكانت قبل ذلك سروجهم بقرابيس كبار شنعة وركب كبار بشعة فلما ملك ديار مصر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون استجد العمائم الناصرية وهي صغار‏.‏

 

 

فلما قام الأمير يلبغا العمريّ الخاصكيّ عمل الكلوتات اليلبغاوية وكانت كبارًا واستجدّ الأمير سلار في أيام الملك الناصر محمد القباء الذي يعرف بالسلاري وكان قبل ذلك يُعرف ببغلوطاق فلما تملك الملك الظاهر برقوق عمل هذه الكلوتات الجركسية وهي أكبر من اليلبغاوية وفيها عوج وأما الخلع فإن السلطان كان إذا أمّر أحدًا من الأتراك ألبسه الشربوش وهو شيء يشبه التاج كأنه شكل مثلث يجعل على الرأس بغير عمامة ويلبس معه على قدر رتبته إمّا ثوب بخ أو طرد وحش أو غيره فعُرف هذا السوق بالشرابشيين نسبة إلى الشرابيش المذكورة وقد بطل الشربوش في الدولة الجركسية‏.‏

 

 

وكان بهذا السوق عدّة تجار لشراء التشاريف والخلع وبيعها على السلطان في ديوان الخاص وعلى الأمراء وينال الناس من ذلك فوائد جليلة ويقتنون بالمتجر في هذا الصنف سعادات طائلة فلما كانت هذه الحوادث مُنع الناس من بيع هذا الصنف إلاّ للسلطان وصار يجلس به قوم من عمال ناظر الخاص لشراء سائر ما يُحتاج إليه ومن اشترى من ذلك شيئًا سوى عمال السلطان فله من العقاب ما قدّر عليه والأمر على هذا إلى يومنا الذي نحن فيه‏.‏

 

 

وأوّل من علمته خلع عليه من أهل الدول جعفر بن يحيى البرمكيّ وذلك أنّ أمير المؤمنين هارون الرشيد قال في اليوم الذي انعقد له فيه المُلك‏:‏ يا أخي يا جعفر قد أمرت لك بمقصورة في داري وما يصلح لها من الفراش وعشر جوارتكن فيها ليلة مبيتك عندنا‏

 

 

فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ما من نعمة متواترة ولا فضل متظاهر إلاّ ورأيُ أمير المؤمنين أجمل وأتم ثم انصرف وقد خلع عليه الرشيد وحمل بين يديه مائة بدرة دراهم ودنانير وأمر الناس فركبوا إليه حتى سلموا عليه وأعطاه خاتم الملك ليختم به على ما يريد فبلغ بذلك صيته أار الأرض ووصل إلى ما لم يصل إليه كاتب بعده فاقتُديَ بالرشيد من بعده وخلعوا على أولياء دولتهم وولاة أعمالهم واستمرّ ذلك إلى اليوم‏.‏

 

 

وأوّل ما عرف شدّ السيوف في أوساط الجند‏:‏ أنّ سيف الدين غازي بن عماد الدين أتابك زنكي بن أق سنقر صاحب الموصل أمر الأجناد أن لا يركبوا إلا بالسيوف في أوساطهم والدبابيس تحت ركبهم فلما فعل ذلك اقتدى به أصحاب الأطراف وهو أيضًا أوّل من حمل على رأسه الصنجق في وبه وغازي هذا هو أخو الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ومات في آخر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة وولي الموصل بعده أخوه قطب الدين مودود‏.‏

 

 

سوق الحوائصين هذا السوق بسوق الشرابشيين وتباع فيه الحوائص وهي التي كانت تعرف بالمنطقة في القديم فكانت حوائص الأجناد أوّلًا أربعمائة درهم فضة ونحوها ثم عمل المنصور قلاوون حوائص الأمراء الكبار ثلثمائة دينار وأمراء الطبلخانات مائتي دينار ومقدّمي الحلقة من مائة وسبعين إلى مائة وخمسين دينارًا ثم صار الأمراء والخاصكية في الأيام الناصرية وما بعدها يتخذون الحياصة من الذهب ومنها ما هو مرصع بالجوهر ويفرّق السلطان في كا سنة على المماليك من حوائص الذهب والفضة شيئًا كثيرًا ومازال الأمر على ذلك إلى أن ولي الناصر فرج فلما كان أيام الملك المؤيد شيخ قلّ ذلك ووجد في تركة الوزير الصاحب علم الدين عبد الله بن زنبور لما قبض عليه ستة آلاف حياصة وستة آلاف كلوتة جهاركس وما برح تجار هذا السوق من بياض العامة وقد قلّ تجار هذا السوق في زمننا وصار أكثر حوانيته يباع فيها الطواقي التي يلبسها الصبيان وصارت الآن من ملابس الأجناد‏.‏

 

 

سوق الحلاويين هذا السوق معدّ لبيع ما يتخذ من السكر حلوى وإنما يعرف اليوم بحلاوة منوّعة وكان من أبهج الأسواق لما يشاهد في الحوانيت التي بها من الأواني وآلات النحاس الثقيلة الوزن البديعة الصنعة ذات القيم الكبيرة ومن الحلاوات المصنعة عدّة ألوان وتسمى المجمعة وشاهدتُ بهذا السوق السكّر ينادي عليه كل قنطار بمائة وسبعين درهمًا فلما حدثت المحن وغلا السكر لخراب الدواليب التي كانت بالوجه القبليّ وخراب مطابخ السكر التي كانت بمدينة مصر قلّ عمل الحلوى ومات بعض صناعها ولقد رأيت مرّة طبقًا فيه نقل وعدّة شقاف من خزف أحمر في بعضها لبن وفي بعضها أنواع الأجبان وفيما بين الشقاف الخيار والموز وكل ذلك من السكر المعمول بالصناعة وكانت أيضًا لهم عدّة أعمال من هذا النوع يحير الناظر حسنها وكان هذا السوق في موسم شهر رجب من أحسن الأسياء منظرًا فإنه كان يصنع فيه من السكر أمثال خيول وسباع وقطاط وغيرها تسمى العلاليق واحدها علاقة ترفع بخيوط على الحوانيت فمنها ما يزن عشرة أرطال إلى ربع رطل تشترى للأطفال فلا يبقى جليل ولا حقير حتى يبتاع منها لأهله وأولاده وتمتلىء أسواق البلدين مصر والقاهرة وأريافهما من هذا الصنف وكذلك يعمل في موسم نصف شعبان وقد بقي من ذلك إلى اليوم بقية غير طائلة وكذلك كانت تروق رؤية هذا السوق في موسم عيد الفطر لكثرة ما يوضع فيه من حب الخشكنانج‏.‏

 

 

وقطع البسندود والمشاش ويشرع في عمل ذلك من نصف شهر رمضان فتملأ منه أسواق القاهرة ومصر والأرياف ولم ير في موسم سنة سبع عشرة وثمانمائة من ذلك شيء بالأسواق البتة فسبحان محيل الأحوال لا إله إلا هو‏.‏

 

 

سوق الشوّايين هذا السوق أوّل سوق وضع بالقاهرة وكان يُعرف بسوق الشرايحيين وهو من باب حارة الروم إلى سوق الحلاويين ومازال يُعرف بسوق الشرايحيين إلى أن سكن فيه عدّة من بياعي الشواء في حدود السبعمائة من سني الهجرة فزالت عنه النسبة إلى الشرايحيين وعرف بالشوّايين وهو الآن سكن المتعيشين وانتقل سوق الشرايحيين في زماننا إلى خارج باب زويلة وعرف بالبسطسيين كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

قال ابن زولاق في كتاب سيرة المعز وفي شهر صفر من سنة خمس وستين وثلاثمائة أنشيء سوق الشرايحيين بالقاهرة وذكر ذلك ابن عبد الظاهر في كتاب خطط القاهرة‏.‏

 

 

وكان في القديم زويلة الذي وضعه القائد جوهر عند رأس حارة الروم حيث العقد المجاور الآن للمسجد الذي عرف اليوم بسام بن نوح وكان بجواره باب آخر موضعه الآن سوق الماطيين فلما نقل أمير الجيوش باب زويلة إلى حيث هو الآن اتسع ما بين سوق الشرايحيين المذكور وبين باب زويلة الكبير وصار الآن فيه سوق الغرابليين وفيه عدّة حوانيت تعمل مناخل الدقيق والغرابيل ويقابلهم عدّة حوانيت يصنع فيها الأغلاق المعروفة بالضبب وما بعد ذلك إلى باب زويلة فيه كثير من الحوانيت يجلس ببعضها عدّة من الجبانين لبيع أنواع الجبن المجلوب من البلاد الشامية وأدركنا هناك إلى أن حدثت المحن من ذلك شيئًا كثيرًا يتجاوز الحد في الكثرة وفي بعض تلك الحوانيت قوم يجلسون لعلاج من عساه ينصدع له عظم أو ينكسر أو يصيبه جرح يعرفون بالمجبرين وهناك منهم بقية إلى يومنا هذا وبقية الحوانيت ما بين صيارفة وبياعي طرف ومتعيشين في المآكل وغيرها‏.‏

 

 

فهذه قصبة القاهرة وما في ظاهر باب زويلة فإنه خارج القاهرة والله تعالى أعلم‏.‏

 

 

الشارع خارج باب زويلة هذا الشارع هو تجاه من خرج من باب زويلة ويمتدّ فيما بين الطريق السالك ذات اليمين إلى الخليج وبين الطريق المسلوك فيه ذات اليسار إلى قلعة الجبل‏.‏

 

 

ولم يكن هذا الشارع موجودًا على ما هو عليه الآن عند وضع القاهرة وإنما حدث بعد وضعها بعدّة أعوام على غير هذه الهيئة فلما كثرت العمائر خارج باب زويلة بعد سنة سبعمائة من سني الهجرة صار على ما هو عليه الآن فأما أوّل أمره‏:‏ فإن الخليفة الحاكم بأمر الله أنشأ ااب الجديد على يُسرة الخرج من باب زويلة على شاطىء بركة الفيل وهذا الباب أدركت عقده عند رأس المنجبية بجوار سوق الطيور ثم لما اختطت حارة اليانسية وحارة الهلالية صار ساحل بركة الفيل قبالتها واتصلت العمائر من الباب الجديد إلى الفضاء الذي هو الآن خارج المشهد النفيسيّ فلما كانت الشدّة العظمى من خلافة المستنصر وخربت القطائع والعسكر صارت مواضعها خرابًا إلى خلافة الآمر بأحكام الله فعمر الناس حتى صارت مصر والقاهرة لا يتخللهما خراب وبنى الناس في الشارع من الباب الجديد إلى الجبل عرضًا حيث قلعة الجبل الآن وبنى حائط يستر خراب القطائع والعسكر فعمر من الباب الجديد طولًا إلى باب الصفا بمدينة مصر حتى صار المتعيشون بالقاهرة والمستخدمون يصلون العشاء الآخرة بالقاهرة يتوجهون إلى سكنهم في مصر ولايزالون في ضوء وسرج وسوق موقود من الباب الجديد خارج باب زويلة إلى باب الصفا حيث الآن كوم الجارح والمعاش مستمرّ في الليل والنهار‏.‏

 

 

ووقف القاضي الرئيس المختار العدل زكيّ الدين أبو العباس أحمد بن مرتضى بن سيد الأهل بن يوسف حصة من البستان الكبير المعروف يومئذٍ بالمخاريق الكبرى الكائن فيما بين القاهرة ومصر بعدوة الخليج على الفربات وشرط أنّ الناظر يشتري في كل فصل من فصول الشتاء من قماش الكتان الخام أو القطن ما يراه ويعمل ذلك جبابًا وبغالطيقًا محشوة قطنًا وتفرّق على الأيتام الذكور والإناث الفقراء غير البالغين بالشارع الأعظم خارج باب زويلة فيدفع لكل واحد جبة واحدة أو بغلطاقًا فإن تعذر ذلك كان على الأيتام المتصفين بالصفات المذكورة فلما كثرت العمائر خارج باب زويلة في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون بعد سنة سبعمائة صار هذا الشارع أوّله تجاه باب زويلة وآخره في الطول الصليبة التي تنتهي إلى جامع ابن طولون وغيره لكنهم لا يريدون بالشارع سوى إلى باب القوس الذي بسوق الطيوريين وهو الباب الجديد وبعد باب القوس سوق الطيوريين ثم سوق جامع قوصون وسوق حوض ابن هنس وسوق ربع طفجي وهذه أسواق بها عدّة حوانيت لكنها لا تنتهي إلى عِظَمِ أسواق القاهرة بل تكون أبدًا دونها بكثير فهذا حال القصبة والشارع خارج باب زويلة وقد بقيت عدّة أسواق في جانبي القصبة ولها أبواب شارعة وفيها أسواق أخر في نواحي القاهرة ومسالكها سيأتي ذكرها بحسب القدرة إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

سويقة أمير الجيوش‏:‏ هذه السويقة الآن فيما بين حارة برجوان وحارة بهاء الدين كانت تعرف بسوق الخروقيين فيما بعد زوال الدولة الفاطمية وفي هذا السوق عمر الأمير مازكوج الأسدي مدرسته المعروفة الآن بالأكجية وأدركت الناس إلى هذا الزمن الذي نحن فيه لا يعرفون هذا سوق إلاّ بسوق أمير الجيوش ويعبّرون عنه بصيغة التصغير ولا أعرف لهم مستندًا في ذلك والذي تشهد به الأخبار أن سوق أمير الجيوش هو السوق الذي برأس حارة برجوان ويمتدّ إلى رأس سويقة أمير الجيوش الآن وهذه السويقة من أكبر أسواق القاهرة بها عدّة حوانيت فيها الرفاؤون والحباكون وعدّة حوانيت للرسامين وعدّة حوانيت للفرّايين وعدّة حوانيت للخياطين ومعظمها لسكن البزازين والخلعيين وفيها عدّة من بياعي الأقباع ويباع في هذا السوق سائر الثياب المخيطة والأمتعة من الفرش ونحوها‏.‏

 

 

وهو شارع من شوارع القاهرة يُسلك فيه من باب الفتوح وبين القصرين وباب النصر إلى باب القنطرة وشاطئي النيل وغيره وكان ما بعد هذا السوق إلى باب القنطرة معمور الجانبين بالحوانيت المعدّة لبيع الظرائف والمغازل والكتان والأنواع من المأكل والعطر وغيره وقد خرب أكثر هذه الحوانيت في سني المحنة وما بعدها ولسويقة أمير الجيوش عدّة قياسرة وفنادق والله أعلم‏.‏

 

 

سوق الجملون الصغير هذا السوق يسلك فيه من رأس سويقة أمير الجيوش إلى باب الجوانية وباب النصر ورحبة باب العيد وهو مجاور لدرب الفرحية وفيه المدرسة الصيرمية وباب زيادة الجامع الحاكمي وكان أوّلًا يُعرف بالأمراء القرشيين بني النوري ثم عُرف بالجملون الصغير ويجملون ابن صيرم وهو الأمير جمال الدين شويخ بن صيرم أحد الأمراء في أيام الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب وإليه تنسب المدرسة الصيرمية والخط المعروف خارج باب الفتوح ببستان ابن صيرم وأدركتُ هذا الجملون معمور الجانبين من أوّله إلى آخره بالحوانيت ففي أوّله كثير من البزازين الذين يبيعون ثياب الكتان من الخام والأزرق وأنواع الطرح وأصناف ثياب القطن وينادي فيه على الثياب بحراج حراج وفيه عدّة من الخياطين وعدّة من البابية المعدّين لغسل الثياب وصقالها وبآخره كثير من الضبيين بحيث لو أراد أحد أن يشتري منه ألف ضبة في يوم لما عَسُرَ عليه ذلك فلما حدثت المحن خرب هذا السوق بخلوّ حوانيته وصار مقفرًا من ساكنيه ثم إنه عمر بعد سنة عشر وثمانمائة وفيه الآن نفر من البزازين وقليل ممن سواهم‏.‏

 

 

سوق المحايريين هذا السوق فيما بين الجامع الأقمر وبين جملون ابن صيرم يشلك فيه من سوق حارة برجوان ومن سوق الشماعين إلى الركن المخلق ورحبة باب العيد وهو من شوارع القاهرة المسلوكة وفيه عدّة حوانيت لعمل المحاير التي يسافر فيها إلى الحجاز وغيره وكان فيه تاجران قد تراضيا على ما يشتريانه من المحاير المعرّضة للبيع ولهذا السوق موسم عظيم عند سفر الحاج وعند سفر الناس إلى القدس‏.‏

 

 

وبلغني عن شيخ كان بهذا السوق أنه أوصى بعض صبيانه فقال له‏:‏ يا بنيّ لا تراعِ أحدًا في بيع فإنه لا يحتاج إليك إلاّ مرّة في عمره فخذ عدلك في ثمن المحارة فإنَك لا تخشى من عوده مرّة أخرى إليك وسوف إذا عاد من سفره إما إلى الحجاز أو القدس فإنه يحتاج إلى بيعها راقد عليه في ثمنها واشتراها بالرخيص‏.‏

 

 

وكذلك يفعل أهل هذا السوق إلى اليوم فإنهم لا يراعون بائعًا ولا مشتريًا إلا أن سوقهم لم يبق كما أدركناه فإنه حدث سوق آخر يباع فيه المحاير بسوق الجامع الطولوني وصار بسوق الخيميين أيضًا صناع للمحاير وبلغني أنّ بالمحايريين هذا أوقف هل مصر امرأة من جريد مؤتزرة بيدها ورقة فيها سب الخليفة الحاكم بأمر الله ولعنه عندما منع النساء من الخروج في الطرقات فعندما مرّ من هناك حسبها امرأة تسأله حاجة‏.‏

 

 

فأمر بأخذ الورقة منها فإذا فيها من السب ما أغضب فأمر بها أن تؤخذ فإذا هي من جريد قد ألبس ثيابًا وعمل كهيئة امرأة فاشتدّ عند ذلك غضبه وأمر العبيد بإحراق مدينة مصر فأضرموا فيها النار‏.‏

 

 

ولم أقف على هذا الخبر مسطورًا وقد ذكر المسبحيّ حريق الحاكم بأمر الله لمصر ولم يذكر قصة المرأة‏.‏

 

 

الصاغة‏:‏ هذا المكان تجاه المدارس الصالحية بخط بين القصرين‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ الصاغة بالقاهرة كانت مطبخًا للقصر يُخرج إليه من باب الزهومة وهو الباب الذي هُدم وبني مكانه قاعة شيخ الحنابلة من المدارس الصالحية وكان يخرج من المطبخ المذكور مدّة شهر رمضان ألف ومائتا قدر من جميع الألوان في كل يوم تفرّق على أرباب الرم والضعفاء وسُمّي باب الزهومة أي باب الزفر لأنه لا يدخل باللحم وغيره إلا منه فاختص بذلك‏.‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

والصاغة الآن وقف على المدارس الصالحية وقفها الملك السعيد بركة خان المسمى بناصر الدين محمد ولد الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقاري على الفقهاء المقرّرين بالمدارس الصالحية‏.‏

 

 

سوق الكتبيين هذا السوق فيما بين الصاغة والمدرسة الصالحية أُحدث فيما أظن بعد سنة سبعمائة وهو جار في أوقاف المارستان المنصوري وكان سوق الكتب قبل ذلك بمدينة مصر تجاه الجانب الشرقي من جامع عمرو بن العاص في أوّل زقاق القناديل بجوار دار عمرو وأدركته وفيه بقية بعد سنة ثمانين وسبعمائة وقد دُثر الآن فلا يُعرف موضعه وكان قد نُقل سوق الكتبيين من موضعه الآن بالقاهرة إلى قيسارية كانت فيما بين سوق الدجاجين المجاور للجامع الأقمر وبين سوق الحصريين المجاور للركن المخلق وكان يعلو هذه القيسارية ربع فيه عدّة مساكن فتضرّرت الكتب من نداوة أقبية البيوت وفسد بعضها فعادوا إلى سوق الكتب الأوّل حيث هو الآن وما برح هذا السوق مجمعًا لأهل العلم يتردّدون إليه‏.‏

 

 

وقد أنشدت قديمًا لبعضهم مجالسةُ السوقِ مذمومةٌ ومنها مجالسُ قد تُحتسبْ فلا تقربنَّ غير سوقِ الجيادِ وسوقُ السلاحِ وسوقُ الكتبْ فهاتيكَ آلةُ أهلِ الوغى وهاتيكَ آلةُ أهلِ الأدبْ سوق الصنادقيين هذا السوق تجاه المدرسة السيوفية كان موضعه في القديم من جملة المارستان ثم عُرف بفندق الدبابليين وقيل له الآن سوق الصنادقيين وفيه تباع الصناديق والخزائن والأسرَّة مما يُعمل من الخشب وكان ما بظاهرها قديمًا يُعرف بسكن الدجاجين وأدركناه يُعرف بسوق السيوفيين وكان فيه عدّة طباخين لا يزال دخان كوانينهم منعقدًا لكثرته‏.‏

 

 

حتى قال لي شيخنا قاضي القضاة مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم الحنفي‏:‏ أن قاضي القضاة جلال الدين جاد الله قال له‏:‏ هذا السوق قطب دائرة الدخان وفي سوق الصنادقيين إلى الآن بقي

 

 

سوق الحريريين‏:‏ هذا السوق من باب قيسارية العنبر إلى خط البندقانيين كان يُعرف قديمًا بسقيفة العداس ثم عمل صاغة القاهرة ثم سكن هناك الأساكفة‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ وكان الصاغة قديما فيما تقدّم مكان الأساكفة الآن وهو إلى الأن معروف بالصاغة القديمة وكان يعرف بسقيفة العداس كذا رأيت في كتب الأملاك وعُرف هذا السوق في زماننا بالحريريين الشراربيين وعُرف بعضه بسوق الزجاجيين وكان يسكن فيه أيضًا الأساكففلما أنشأ الأمير يونس الدوادار القيسارية على بئر زويلة بخط البندقانيين في أعوام بضع وثمانين وسبعمائة نقل الأساكفة من هذا الخط ونقل منه أيضًا بياعي أخفاف النساء إلى قيساريته وحوانيته المذكورة‏.‏

 

 

سوق العنبريين هذا السوق فيما بين سوق الحريريين الشراربيين وبين قيسارية العصفر وهو تجاه الخرّاطين كان في الدولة الفاطمية مكانه سجنًا لأرباب الجرائم يُعرف بحبس المعونة وكان شنيع المنظر ضيقًا لايزال من يجتاز عليه يجد منه رائحة منكرة فلما كان في الدولة التركية وصار قلاوون من جملة الأمراء الظاهرية بيبرس صار يمرَ من داره إلى قلعة الجبل على حبس المعونة هذا فيشمّ منه رائحة رديئة ويسمع منه صراخ المسجونين وشكواهم الجوع والعري والقمل فجعل على نفسه أنّ الله تعالى جعل له من الأمر شيئًا أن يبني هذا الحبس مكانًا حسنًا فلما صار إليه مُلك ديار مصر والشام هدم حبس المعونة وبناء سوقًا ليسكنه بياعي العنبر وكان للعنبر إذ ذاك بديار مصر نفاق ولناس فيه رغبة زائدة لا يكاد يوجد بأرض مصر امرأة وإن سفلت إلاّ ولها قلادة من عنبر وكان يُتَّخذ منه المخادّ والكلل والستور وغيرها وتجار العنبر يعدّون من بياض الناس ولهم أموال جزيلة وفيه رؤساء وأجلاّء فلما صار المُلك إلى الملك الناصر محمد بن قلاون جعل هذا السوق وما فوقه من المساكن وقفًا على الجامع الذي أنشأه بظاهر مصر جوار موردة الخلفاء المعروف بالجامع الجديد الناصري وهو جار في أقاف إلى يومنا هذا.‏  

 

إلاّ أن العنبر من بعد سنة سبعين وسبعمائة كثر فيه الغش حتى صار إسمًا لا معنى له وقلّت رغبة الناس ي استعماله فتلاشى أمر هذا السوق بالنسبة لما كان ثم لما حدثت المحن بعد سنة ست وثمانمائة قلّ ترفُهِ أهل مصر عن استعمال الكثير من العنبر فطرق هذا السوق ما طرق غيره من أسواق البلد وبقيت فيه بقية يسيرة إلى أن خلع الخليفة المستعين بالله العباسي بن محمد في سنة خمس عشرة وثمانمائة وكان نظر الجامع الجديد بيده وبيد ابيه الخليفة المتوكل على الله محمد فقصد بعض سفهاء العامّة يكاتبه بتعطيل هذا السوق فاستأجر قيسارية العصفر ونقل سوق العنبر إليها وصار معطلًا نحو سنتين ثم عاد أهل العنبر إلى هذا السوق على عادتهم في سنة ثمان عشرة وثمانمائة‏.‏

 

 

سوق الخرّاطين‏:‏ هذا السوق يُسلك فيه من سوق المهامزيين إلى الجامع الأزهر وغيره وكان قديمًا يُعرف بعقبة الصباغين ثم عُرف بسوق القشاشين وكان فيما بين دار الضرب والوكالة الآمرية وبين المارستان ثم عرف الآن بسوق الخرّاطين وكان سوقًا كبيرًا معمورًا لجانبين بالانيت المعدّة لبيع المهد الذي يُربى فيه الأطفال وحوانيت الخرّاطين وحوانيت صناع السكاكين وصناع الدوى يشتمل على نحو الخمسين حانوتًا فلما حدثت المحن تلاشى هذا السوق واغتصب الأمير جمال الدين يوسف الاستادار منه عدّة حوانيت من أوّله إلى الحمام التي تُعرف بحمام الخرّاطين وشرع في عمارتها فعوجل بالقتل قبل إتمامها وقبض عليها الملك الناصر فرج فيما أحاط به من أمواله وأدخلها في الديوان‏.‏

 

 

فقام بعمارة الحوانيت التي تجاه قيسارية العصفر من درب الشمسي إلى أوّل الخرّاطين القاضي الرئيس تقيّ الدين عبد الوهاب بن أبي شاكر فلما كملت جعلها الملك الناصر فيما هو موقوف على ترتبته التي أنشأها على قبر أبيه الملك الظاهر برقوق خارج باب النصر وأفرد الحمّام وبعض الحوانيت القديمة للمدرسة التي أنشأها الأمير جمال الدين يوسف الأستادار برحبة باب العيد وما يقابل هذه الحوانيت هو وما فوقه وقف على المدرسة القراسنقرية وغيرها وهو متخرّب متهدّم‏.‏

 

 

سوق الجملون الكبير هذا السوق بوسط سوق الشرابشيين يتُوصل منه إلى البندقانيين وإلى حارة الجودرية وغيرها أُنشيء فيه حوانيت سكنها البزازون وقفه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون عرى تربة مملوكه بلبغا التركمانيّ عندما مات في سنة سبع وسبعمائة وثم عمل عليه بابان بطرفيه بعد سنة تسعين وسبعمائة فصارت تغلق في الليل وكان فيما أدركناه شارعًا مسلوكًا طول الليل يجلس تجاه صاحب العسس الذي عرفته العامة في زماننا بوالي الطوف من بعد صلاة العشاء في كل ليلة وينصب قدّامه مشعل يشعل بالنار طول الليل وحوله عدّة من الأعوان وكثيرمن السقائين والنجارين والقصارين والهدّادين بنوب مقرّرة لهم خوفًا من أن يحدث بالقاهرة في الليل حريق فيتداركون إطفاءه ومن حدث منه في الليل خصومة أو وجد سكران أو قبض عليه من السرّاق تولى أمره والي الطوف وحكم فيه بما يقتضيه الحال‏.‏

 

 

فلما كانت الحوادث بطل هذا الرسم في جملة ما بطل وهذا السوق الآن جار في وقف‏.‏

 

 

سوق الفرّايين‏:‏ هذا السوق يُسلك فيه من سوق الشرابشيين إلى الأكفانيين والجامع الأزهر وغير ذلك‏

 

 

كان قديمًا يُعرف بسوق الخروقيين ثم سكن فيه صناع الفراء وتجّاره فعرف بهم وصار بهذا السوق في أيام الملك الظاهر برقوق من أنواع الفراء ما يجلّ أثمانها وتتضاعف قيمها لكثرة استعمال رجال الدولة من الأمراء والماليك لبس السمور والوشق والقماقم والسنجاب بعدما كان ذلك في الدولة التركية من أعز الأشياء التي لايستطيع أحد أن يلبسها ولقد أخبرني الطواشي الفقيه الكاتب الحاسب الصوفيّ زين الدين مقبل الروميّ الجنس المعروف بالشامي عتيق السلطان الملك الناصر الحسين بن محمد بن قلاون‏:‏ أنه وجب في تركة بعض أمراء السلطان حسن قباء بف قاقم فاستكثر ذلك عليه وتعجب منه وصار يُحكى ذلك مدَّة لعزّة هذا الصنف واحترامه لكونه من ملابس السلطان وملابس نسائه ثم تبذلت الأصناف المذكورة حتى صار يلبس السمور آحاد الأجناد وآحاد الكتاب وكثير من العوام ولا تكاد امرأة من نساء بياض الناس تخلو من لبس السمور ونحوه وإلى الآن عند الناس من هذا الصنف وغيره من الفرو شيء كثير‏.‏

 

 

 

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 سوق البخانقيين

 

 

 

هذا السوق فيما بين سوق الجملون الكبير وبين قيسارية الشرب الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى عند ذكر القياسر‏.‏

 

 

وباب هذا السوق شارع من القصبة ويُعرف بسوق الخشبة تصغير خشبة فإنه عُمل على بابه المذكور خشبة تمنع الراكب من التوصل إليه ويُسلك من هذا السوق إلى قيسارية الشرب وغيرها‏.‏

 

 

وهو معمور الجانبين بالحوانيت المعدّة لبيع الكوافي والطواقي التي تلبسها الصبيان والبنات وبظاهر هذا السوق أيضًا في القصة عدّة حوانيت لبيع الطواقي وعملها وقد كثر لبس رجال الدولة من الأمراء والمماليك والأجناد ومن يتشبه بهم للطواقي في الدولة الجركسية وصاروا يلبسون الطاقية على رؤوسهم بغير عمامة ويمرّون كذلك في الشوارع والأسواق والجوامع والمواكب لا يرون بذلك بأسًا بعدما كان نزع العمامة عن الرأس عارًا وفضيحة ونوّعوا هذه الطواقي ما بين أخضر وأحمر وأزرق وغيره من الألفوان وكانت أوّلًا ترتفع نحو سدس ذراع ويعمل أعلاها مدوّرًا مسطحًا فحدث في أيام الملك الناصر رج منها شيء عرف بالطواقي الجركسية يكون ارتفاع عصبة الطاقية منها نحو ثلثي ذراع وأعلاها مدوّر مقبب وبالغوا في تبطين الطاقية بالورق والكتيرة فيما بين البطانة المباشرة للرأس والوجه الظاهر للناس وجعلوا من أسفل العصابة المذكورة زيقًا من فور القرض الأسود يقال له القندس في عرض نحو ثمن ذراع يصير دائرًا بجبهة الرجل وأعلى عنقه وهم على استعمال هذا الزيّ إلى اليوم وهو من أسمج ما عانوه ويشبه الرجال في لبس ذلك بالنساب لمعنيين أحدهما أنه فشا في أهل الدولة محبة الذكران ليستملن قلوب رجالهنّ فاقتدى بفعلهنّ في ذلك عامة نساء البلد‏.‏

 

 

وثانيهما ما حدث بالناس من الفقر ونزل بهم من الفاقة فاضطرّ حال نساء أهل مصر إلى ترك ما أدركنا فيه النساء من لبس الذهب والفضة والجواهر ولبس الحرير حتى لبسن هذه الطواقي وبالغن في عملها من الذهب والحرير وغيره وتواصين على لبسها ومن تأمل أحوال الوجود عرف كيف تنشأ أمور الناس في عاداتهم وأخلاقهم ومذاهبهم‏.‏

 

 

سوق الخلعيين هذا السوق فيما بين قيسارية الفاضل الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى وبين باب زويلة الكبير وكان يعرف قيدمًا بالخشابين وعرف اليوم بالزقيق تصغير زقاق وعرف أيضًا بسوق الخلعيين كأنه جمع خلعيّ والخلعيّ في زماننا هو الذي يتعاطى بيع الثياب الخليع وهي التي قد لبست وهذا السوق اليوم من أعمر أسواق القاهرة لكثرة ما يباع فيه من ملابس أهل الدولة وغيرهم وأكثر ما يباع فيه الثياب المخيطة وهو معمور الجوانب بالحوانيت ويُسلك فيه من القصبة ليلًا ونهارًا إلى حارة الباطلية‏.‏

 

 

وخوخة أيدغمش وغير ذلك وفي داخل القاهرة أيضًا عدّة أسواق وقد خرب الآن أكثرها‏.‏

 

 

سويقة الصاحب هذه السويقة يسلك إليها من خط البندقانيين ومن باب الخوخة وغير ذلك وهي من الأسواق القديمة كانت في الدولة الفاطمية تعرف بسويقة الوزير يعني أبا الفرج يعقوب بن كلس وزير الخليفة العزيز بالله نزار بن المعز الذي تنسب إليه حارة الوزيرية فإنها كانت على باب داره التي عرفت بعده في الدولة الفاطمية بدار الديباج وصار موضعها الآن المدرسة الصاحبية ثم صارت تعرف بسويقة دار الديباج يعني دار الطراز يُنسج فيها الديباج الذي هو الحرير وقيل لذلك الموضع كله خط دار الديباج ثم عرف هذا السوق بالسوق الكبير في أُخريات الدولة الفاطمية فلما ولي صفيّ الدين عبد الله بن شكر الدميري وزارة الملك العادل أبي بكر بن أيوب سكن في هذا الخط وأنشأ به مدرسته التي تعرف إلى اليوم بالمدرسة الصاحبية وأنشأ به أيضًا رباطه وحمامه المجاورين للمدرسة المذكورة عرفت من حينئذ هذه السويقة بسويقة الصاحب المذكور واستمرّت تُعرف بذلك إلى يومنا هذا ولم تزل من الأسواق المعتبرة يوجد فيها أكثر ما يحتاج إليه من المآكل لوفور نِعَم من يسكن هنالك من الوزراء وأعيان الكتاب فلما حدثت المحن طرقها ما طرق غيرها من أسواق القاهرة فاختلت عما كانت وفيها بقية‏.‏سوق البندقانيي‏ هذا السوق يسلك إليه من سوق الزجاجين ومن سويقة الصاحب ومن سوق الأبزاريين وغيره وكان يعرف قديمًا بسوق بئر زويلة وكان هناك بئر قديمة تعرب ببئر زويلة برسم اصطبل الجميزة الذي كان فيه خيول الخلفاء الفاطميين من هذا الكتاب وموضع هذه البئر اليوم قيسارية يونس والبع الذي يعلوها وبقي منها موضع ركب عليه حجر وأعدّت لملْ السقائين منها فلما زالت الدولة واختط موضع اصطبل الجميزة الدور وغيرها وعرف موضع الاصطبل بالندقانيين قيل لهذا السوق سوق البندقانيين وأدركته سنة إحدى وخمسين وسبعمائة كما ذكر في خط البندقانيين عند ذكر الأخطاط من هذا الكتاب وفي هذه السوق كثير من أرباب المعاش المعدّين لبيع المأكولات من الشواء والطعام المطبوخ وأنواع الأجبان والألبان والبوادر والخبز والفواكه وعدّة كثيرة من صناع قسيّ البندق وكثير من الرسامين وكثير من بياعي الفقاع‏.‏

 

 

فلما حدثت المحن بعد سنة ست وثمانمائة اختلّ هذا السوق خللًا كبيرًا وتلاشى أمره‏.‏

 

 

سوق الأخفافيين‏:‏ هذا السوق بجوار سوق البندقانيين يباع فيه الآن خفاف النسوان ونعالهنّ وهو سوق مستجد أنشأه الأمير يونس النوروزيّ دوادار الملك الظاهر برقوق في سنة بضع وثمانين وسبعمائة ونقل إليه الأخفافين بياعي أخفاف النساء من خط الحريريين والزجاجين وكان مكه مما خرب في حريق البندقانيين فركب بعض القيسارية على بئر زويلة وجعل بابها تجاه درب الأنجب وبنى بأعلاها ربعًا كبيرًا فيه عدّة مساكن وجعل الحوانيت بظاهرها وبظاهر درب الأنجب وبنى فوقها أيضًا عدّة مساكن فعمر ذلك الخط بعمارة هذه الأماكن وبه إلى الآن سكن بياعي أخفاف النساء ونعالهنّ التي يقال للنعل منها سرموزه وهو لفظ فارسيّ معناه رأس الخف فإن سر رأس وموزه خف‏.‏

 

 

سوق الكفتيين‏:‏ هذا السوق يُسلك إلين من البندقانيين ومن حارة الجودرية ومن الجملون الكبير وغيره ويشتمل على عدّة حوانيت لعمل الكفت وهو ما تُطعَّم به أواني النحاس من الذهب والفضة وكان لهذا الصنف من الأعمال بديار مصر رواج عظيم وللناس في النحاس المكفت رغبة عظة أدركنا من هذا شيئًا لا يبلغ وصفه واصف لكثرته فلا تكاد دار تخلو بالقاهرة ومصر من عدّة قطع نحاس مكفت ولا بدّ أن يكون في شورة العروس دكة نحاس مكفت‏.‏

 

 

والدكة‏:‏ عبارة عن شيء شبه السرير يُعمل من خشب مطعم بالعاج والأبنوس أو من خشب مدهون وفوق الدكة دست طاسات من نحاس أصفر مكفت بالفضة وعدّة الدست سبع قطع بعضها أصغر من بعض تبلغ كبراها ما يسع نحو الأردب من القمح وطول الأكفات التي نقشت بظاهرها من الفضة نحو الث ذراع في عرض إصبعين ومثل ذلك دست أطباق عدّتها سبعة بعضها في جوف بعض ويُفتح أكبرها نحو الذراين وأكثر وغير ذلك من المناير ولاسرج وأحقاق الأشنان والطشت والأبريق والمبخرة فتبلغ قيمة الدكة من ذلك من النحاس المكفت زيادة على مائتي دينار ذهبًا وكانت العروس من بنات الأمراء أو لوزراء أو أعيان الكتاب أو أماثل التجار تجهز في شورتها عند بناء الزوج عليها سبع دكك دكة من فضة ودكة من كفت ودكة من نحاس أبيض ودكة منخشب مدهون ودكة من صيني ودكة من بلور ودكة كداهي‏:‏ وهي آلات من ورق مدهون تحمل من الصين أدركنا منها في الدور شيئًكثيرًا وقد عدم هذا الصنف ن مصر إلاّ شيئًا يسيرًا‏.‏

 

 

حدثني القاضي الفاضل الرئيس تاج الدين أبو الفداء إسماعيل أ مد بن عبد الوهاب ابن الخطباء المخزوميّ رحمه الله قال‏:‏ تزوّج القاضي علاء الدين بن عرب محتسب القاهرة بامرأة من بنات التجار تعرف بست العمائم فلما قارب البناء عليها والدخول بها حضر إليه في يوم وكيلهوأنا عنده فبلّغه سلامها عليه وأخبره أنها بعثت إليه بمائة ألف درهم فضة خالصة ليصلح بها لها ما عساه اختلّ من الدكة الفضة فأجابه إلى ما سال وأمره باحضار الفضة فاستدعى الخدم من الباب فدخلوا بالفضة في الحال وبالوقت أمر المحتسب بصناع الفضة وطلائها فاحضروا وشرعوا في إصلاح ما أرسلته ست العمائم من أواني الفضة وإعادة طلائها بالذهب فشاهدنا من ذلك منظرًا بديعًا‏.‏

 

 

وأخبرني من شاهد جهاز بعض بنات السلطان حسن بن محمد بن قلاوون وقد حمل في القاهرة عندما زفت على بعض الأمراء في دولة الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون فكان شيئًا عظيمًا من جملته دكة من بلور تشتمل على عجائب منها زير من بلور قد نقش بظاهره صور ثابتة على شبه الوحوش والطيور وقدر هذا الزير ما يسع قربة ماء وقد قلّ استعمال الناس في زماننا هذا للنحاس المكفت وعزّ وجوده فإن قومًا لهم عدّة سنين قد تصدّوا لشراء ما يباع منه وتنحية الكفت عنه طلبًا للفائدة وبقي هذا السوق إلى يومنا هذا سوق الأقباعيين‏:‏ بخط تحت الر خارج باب زويلة مما يلي الشارع المسلوك فيه إلى قنطرة الخرق ما كان منه على يُمنة السالك إلى قنطرة الخرق فأنه جار في وقف الملك الظاهر بيبرس هو وما فوقه على المدرسة الظاهرية بخط بين القصرين وعلى أولاده‏.‏

 

 

ولم يزل إلى يوم السبت خامس شهر رمضان سنة عشرين وثمانمائة فوقع الهدم فيه ليضاف إلى عمارة الملك المؤيد شيخ المجاورة لباب زويلة وما كان من هذا السوق على يسرة من سلك إلى القنطرة فإنه جار في وقف اقبغا عبد الواحد على مدرسته المجاورة للجامع الأزهر وبعضه وقف أمرأه تعرف بدنيا‏.‏

 

 

سويقة السقطيين‏:‏ هذا السوق خارج باب زويلة بجوار دار التفاح أنشأه الأمير اقبغا عبد الواحد وهو جار في وقفه‏

 

 

سويق خزانة البنود‏:‏ هذه السويقة على باب درب راشد وتمتدّ إلى خزانة البنود وكانت تعرف أوّلًا بسويقة ريدان الصقلبي المنسوب إليه الريدانية خارج باب النصر‏

 

 

سويقة المسعودي‏:‏ هذه السويقة من حقوق حارة زويلة بالقاهرة تنسب إلى الأمير صارم الدين قايماز المسعوديّ مملوك الملك المسعود أقسيس بن الملك الكامل‏

 

 

وولي المسعودي هذا ولاية القاهرة وكان ظالمًا غاشمًا جبارًا من أجل أنه كان في دار ابن فرقة التي من جملتها جامع ابن المغربي وبيت الوزير ابن أبي شاكر ثم إن فتح الدين بن معتصم الداودي التبريزي كاتب السر جدّدها في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة لأنه كان يسكن هناك‏.‏

 

 

ومات المسعوديّ في يوم الأثنين النصف من ذي الحجة سنة أربع وستين وستمائة ضربه شخص في دار العدل بسكين كان يريد أن يقتل بها الأمير عز الدين الحلي نائب السلطنة فوقعت في فؤاد المسعوديّ فمات لوقته‏.‏

 

 

سويقة طغلق‏:‏ هذه السويقة على رأس الحارة الصالحية مما يلي الجامع الأزهر عُرفت بالأمير سيف الدين طغلق السلاح دار صاحب حمام طغلق التي بالقرب من الجامع الأزهر على باب درب المنصوري وصاحب دار طغلق التي عرفت اليوم بدار المنصوري في الدرب المكذور وأوّل ما عمرت ه السويقة لم يكن فيها غير أربع حوانيت ثم عمرت عمارة كبيرة لمّا خربت سويقة الصالحية التي كانت مما يلي باب البرقية في حدود سنة ثمانين وسبعمائة ثم تلاشت من سنة ست وثمانمائة كما تلاشى غيرها من الأسواق وبقي فيها يسير جدًّا‏.‏

 

 

سويقة الصوّاني‏:‏ هذه السويقة خارج باب النصر وباب الفتوح بخط بستان ابن صيرم عرفت بالأمير علاء الدين أبي الحسن عليّ بن مسعود الصوّاني مشدّ الدواوين في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري وقيل بل قراجا الصوّاني أحد مقدّمي الحلقة في أيام الملك المنر قلاوون وكان في حدود سنة إحدى وثمانين وستمائة موجودًا وكانت داره هناك وكان أيضًا في أيام الملك المنصور قلاون الأمير زين الدين أبو المعالي أحمد بن شرف الدين أبي المفاخر محمد الصوّاني شادّ الدواوين وكان يسكن بمدينة مصر والأمير علم الدين سنجر الصوّاني أحد الأمراء المقدّمين الألوف في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون والملك المظفر بيبرس وهو صاحب البئر التي بالباطلية المعروفة ببئر الدرابزين وعز الدين أيبك الصوّاني‏.‏

 

 

سويقة البلشون‏:‏ هذه السويقة خارج باب الفتوح عُرفت بسابق الدين سنقر البلشون أحد مماليك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وسلاح درايته وكانله أيضًا بستان بالمقس خارج القاهرة من جوار الدكة يعرف ببستان البلشون‏

 

 

سويقة اللفت‏:‏ هذه السويقة كانت خارج باب النصر من ظاهر القاهرة حيث البئر التي فس شمال مصلى الأموات المعروف ببئر اللفت‏

 

 

تجاه دار ابن الحاجب كانت تشتمل على عدّة حوانيت يباع فيها اللفت والكرنب ويحمل منها إلى سائر أسواق القاهرة ويباع اليوم في بعض هذه الحوانيت الدريس لعلف الدواب‏.‏

 

 

سويقة زاوية الخدّام‏:‏ هذه السويقة خارج باب النصر بحريذ سويقة اللفت كان فيها عدّة حوانيت يباع فيها أنواع المآكل فلما كانت سن ست وثمانمائة خربت ولم يبق فيها سوى سويقة الرملة‏:‏ هذه السويقة كانت فيما بين سويقة زاوية الخدّام وجامع آل ملك حيث مصلى الأموات  هناك كان فيها عدّة حوانيت مملوءة بأصناف المآكل قد خرب سائرها ولم يبق لها أثر البتة‏.‏

 

 

سويقة جامع آل ملك‏:‏ أدركتها إلى سنة ست وثمانمائة وهي من الأسواق الكبار فيها غالب ما يُحتاج إليه من الأدام وقد خربت لخراب ما يجاورها‏

 

 

سويقة أبي ظهير‏:‏ كانت تلي سويقة جامع آل ملك أدركتها عامرة‏

 

 

سويقة السنابطة‏:‏ كانت هناك عرفت بقوم من أهل سنباط سكنوا بها أدركتها أيضًا عامرة‏

 

 

سويقة العرب‏:‏ هذه السويقة كانت تتصل بالريدانية خربت في الغلاء الكائن في سنة ست وسبعين وسبعمائة وأدركت حوانيت هذه السويقة وهي خالية من السكان إلاَّ يسيرًا وعقودها من اللبن ويقال له وما وراء خراب الحسينية وكانت في غاية العمارة وكان بأوّلها مما يلي الحسينيفرن أدركته عامر إلى ما بعد سنة تسعين وسبعمائة بلغني أنه كان قبل ذلك في أعوام ستين وسبعمائة يخبز فيه كل يوم نحو سبعة آلاف رغيف لكثرة من حوله من السكان وتلك الأماكن اليوم لا ساكن فيها إلاّ اليوم ولا يسمع بها إلاّ الصدى‏.‏

 

 

سويقى العزي‏:‏ هذه السويقة خارج باب زويلة قريبًا من قلعة الجبل كانت من جملة المقابر التي خارج القاهرة فيما بين الباب الحديد والحارات وبركة الفيل وبين الجبل الذي عليه الآن قلعة الجبل فلما اختطت هذه الجهة كما تقدّم ذكره عند ذكر ظواهر القاهرة عُرفت هذه السوة بالأمير عز الدين أيبك العزي نقيب الجيوش واستشهد على عكا عندما فتحها الأشرف خليل بن قلاوون في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة تسعين وستمائة وهذه السويقة عامرة بعمارة ما حولها‏.‏

 

 

سويقة العياطين‏:‏ هذه السويقة بخط المقس بالقرب من باب البحر عُرفت بالفقير المعتقد مسعود بن محمد بن سالم العياط لسكنه بالقرب منها وله هناك مسجد بناه في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وأخبرني الشيخ المعمر حسان الدين حسن بن عمر الشهرزوريّ وكيل أبي رحمه الله‏:‏ لنشو ناظر الخاص في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون طرح على أهل هذه السويقة عدّة أمطار عسل قصب وألزمهم في ثمن كل قنطار بعشرين درهمًا فوقفوا إلى السلطان وعيطوا حتى أعفاهم من ذلك فقيل لها من حينئذ سويقة العياطين ولفظة عياط عند أهل مصر بمعنى صيّاح والعياط الصيّاح وأصل ذلك في اللغة أن العطعطة تتباع الأصوات واختلافها في الحرب وهي أيضًا حكاية أصوات المجان إذا قالوا عيط محيط وذلك إذا غلبوا قومًا وقد عطعطوا أو عطعط بالذئب إذا قال له عاط عاط فحرّف عامّة مصر ذلك وجعلوا سويقة العراقيين‏:‏ هذه السويقة بمدينة مصر الفسط وإنما عرفت بذلك لأن قريبًا الأزدريّ وزحافًا الطائيّ وكانا من الخوارج خرجا على زياد ابن أمية بالبصرة فاتهم زياد بهما جماعة من الأزد وكتب إلى معاوية بن أبي سفيان يستأذنه في قتلهم فأمر بتغربهم عن أوطانهم فسيّرهم إلى مصر وأميرها مسلمة بن مخلد وذلك في سنة ثلاث وخمسين وكان عددهم نحوًا من مائتين وثلاثين فأُنزلوا بالظاهر أحد خطط مصر وكان إذ ذاك طرقًا أراد أن يسدّ بهم ذلك الموضع فنزلوا في الموضع المعروف بكوم سراج وكان فضاء فبنوا لهم مسجدًا واتخذوا سوقًا لأنفسهم فسمى سويقة العراقيين‏.‏

 

 

العوايد التي كانت بقصبة القاهرة إعلم أن قصبة القاهرة ما برحت محترمة بحيث أنه كان في الدولة الفاطمية إذا قدم رسول متملّك الروم ينزل من باب الفتوح ويقبل الأرض وهو ماش إلى أن يصل إلى القصر وكذلك كان يفعل كل من غضب عليه الخليفة فإنه يخرج إلى باب الفتوح ويكشف رأسه ويستغيث بعفو أمير المؤمنين حتى يؤذن له بالمصير إلى القصر وكان لها عوايد منها‏:‏ أن السلطان من ملوك بني أيوب ومن قام بعدهم من ملوك الترك لا بدّ إذا استقرّ في سلطنة ديار مصر أن يلبس خلعة السلطان بظاهر القاهرة ويدخل إليها راكبًا والوزير بين يديه على فرسهو حامل عهد السلطان الذي كتبه له الخليفة بسلطنة مصر على رأسهم وقد أمسكه بيديه وجميع الأمراء ورجال العساكر مشاة بين يديه منذ يدخل إلى القاهرة من باب الفتوح أو من باب النصر إلى أن يخرج من باب زويلة‏.‏

 

 

فإذا خرج السلطان من باب زويلة ركب حينئذ الأمراء وبقية العسكر‏.‏

 

 

ومنها أنه لا يمرّ بقصبة القاهرة حمل تبن ولا حمل حطب ولا يسوق أحد فرسًا بها ولا يمرّ بها سقّاء إلاّ وراويته مغطاة‏.‏

 

 

ومن رسم أرباب الحوانيت أن يعدّوا عند كل حانوت زيرًا مملوءًا بالماء مخافة أن يحدث الحريق في مكان فيطفأ بسرعة ويُلزم صاحب كل حانوت أن يعلق على حانوته قنديلًا طول الليل يُسرج إلى الصباح ويقام في القصبة قوم يكنسون الأزبال والأتربة ونحوها ويرشون كل يوم ويُجعل في القصبة طول الليل عدّة من الخفراء يطوفون بها لحراسة الحوانيت وغيرها ويتعاهد كل قليل بقطع ما عساه تربى من الأوساخ في الطرقات حتى لا تعلوا الشوارع‏.‏

 

 

وأوّل من ركب بخلع الخليفة في القاهرة السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب‏.‏

 

 

قال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة سبع وستين وخمسمائة تاسع شهر رجب وصلت الخلع التي كانت نفذت إلى السلطان الملك العادل نور الدين محمد بن زنكي من الخليفة ببغداد وهي جبة سوداء وطوق ذهب فلبسها نور الدين محمد بن زنكي من الخليفة ببغداد وهي جبة سوداء وطوق ذهب فلبسها نور الدين بدمشق إظهارًا لشعارها وسيّرها إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ليلبسها وكان أنفذت له خلعة ذكر أنه استقصرها واستزراها واستصغرها دون قدره واستقرّ السلطان صلاح الدين بداره وباتت الخلع مع الواصل بها شاه ملك برأس الطابية فملا كان العاشر منه خرج قاضي القضاة والشهود والمقرئون والخطباء إلى خيمته واستقرّ المسير بالخلعة وهو من الأصحاب النجمية وزينت البلد ابتهاجًا بها وفيه ضربت النوب الثلاث بالباب الناصري على الرسم النوري في كل يوم فأما دمشق فالنوب المضروبة بها مس على رسم قديم لأن الأتابكية لها قواعد ورسوم مستقرّة بينهم في بلادهم‏.‏

 

 

وفي حادي عشرة ركب السلطان بالخلع وشق بين القصرين والقاهرة ولما بلغ باب زويلة نزع الخلع وأعادها إلى داره ثم شمَّر للعب الأكرة ولم يزل الرسم كذلك في ملوك بني أيوب حتى أنقضت أيامهم وقام من بعدهم مماليكهم الأتراك فجروا في ذلك على عادة ملوك بني أيوب هولاكو الخليفة المستعصم بالله وهو آخر خلفاء بني العباس ببغداد وقدم على الملك الظاهر أبو العباس أحمد بن الخليفة الظاهر بالله بن الخليفة الناصر في شهر رجب سنة تسع وخمسين وستمائة فتلقاه وأكرمه وبايعه ولقبه بالخليفة المستنصر بالله وخطب باسمه على المنابر ونقش السكة باسمه فلما كان في يوم الإثنين الرابع من شعبان ركب السلطان إلى خيمة ضُربت له بالبستان الكبير من ظاهر القاهرة ولبس خلعة الخليفة وهي جبة سوداء وعمامة بنفسجية وطوق من ذهب وسيف بدّاويّ وجلس مجلسًا عامًا حضر فيه الخليفة والوزير القضاة والأمراء والشهود وصعد القاضي فخر الدين إبراهيم بن لقمان كاتب السرّ منبرًا نصب له وقرأ تقليد السلطان الذي عهد به إليه الخليفة وكان بخط ابن لقمان ومن إنشائه ثم ركب السلطان بالخلعة والطوق ودخل من باب النصر وشق القاهرة وقد زُينت له وحمل الوزير الصاحب بهاء الدين محمد بن عليّ بن حنا التقليد على رأسه قدّام السلطان والأمراء ومن دونهم مشاة بين يديه حتى خرج من باب زويلة إلى قلعة الجبل فكان يومًا مشهودًا‏.‏

 

 

وقال المسبّحي في حوادث سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة نودي في السقائين أن يغطوا روايا الجمال والبغال لئلا تصيب ثياب الناس‏.‏

 

 

وقال‏:‏ في سنة ثلث وثمانين وثلاثمائة أمر العزيز بالله أمير المؤمنين بنصب أزيار الماء مملوءة ماء على الحوانيت ووفود المصابيح على الدور وفي الأسواق‏

 

 

وفي ثالث ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة أمر أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله الناس بأن يقدوا القناديل في سائر البلد على جميع الحوانيت وأبواب الدور والمحال والسك الشارعة‏.‏

 

 

وغير الشارعة ففُعل ذلك ولازم الحاك بأمر الله الركوب في الليل وكان ينزل كل ليلة إلى موضع موضع وإلى شارع شارع وإلى زقاق زقاق وكان قد ألزم الناس بالوقيد فتناظر وافية واستكثروا منه في الشوارع والأزقة وزينت القياسر والأسواق بأنواع الزينة وصار الناس في القاهرة ومصر طول الليل في بيع وشراء وأكثروا أيضا من وقود الشموع العظيمة وأنفقوا في ذلك أموالًا عظيمة جللة لأجل التلاهي وتبسطوا في المآكل والمشارب وسماع الأغاني ومنع الحاكم الرجال المشاة بين يديه من المشي بقربة وزجرهم وانتهرهم وقال‏:‏ لا تمنعوا أحدًا مني فأحدق الن به وأكثروا من الدعاء له وزينت الصاغة وخرج سائر الناس بالليل للتفرّج وغلب الناس الرجال على الخروج بالليل وعظم الازدحام في الشوارع والطرقات وأظهر الناس اللهو والغناء وشرب المسكرات في الحوانيت وبالشوارع من أوّل المحرّم سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وكان معظم ذلك من ليلة الأربعاء تاسع عشرة إلى ليلة الإثنين رابع عشرية فلما تزايد الأمر وشنع أمر الحاكم بأمر الله أن لا تخرج امرأة من العشاء ومتى ظهرت امرأة بعد العشاء نُكّل بها ثم منع الناس من الجلوس في الحوانيت فامتنعوا ولم يزل الحاكم على الركوب في الليل إلى آخر شهر رجب ثم نودي في شهر رجب سنة خمس وتسعين وثلاثمائة أن لايخرج أحد بعد عشاء الآخرة ولا يظهر لبيع ولا شراء فامتنع الناس‏.‏

 

 

وفي سنة خمس وأربعمائة تزايد في المحرّم منها وقوع النار في البلد وكثر الحريق في عدّة أماكن فأمر الحاكم بأمر الناس باتخاذ القناديل على الحوانيت وأزيار الماء مملوءة ماء وبطرح السقائف التي على أبواب الحوانيت والرواشن التي تُظِلُّ الباعة فأزيل جميع ذلكمن مصر والقاهرة‏.‏

 

 

ظواهر القاهرة المعزية اعلم أن القاهرة المعزية يحصرها أربع جهات وهي‏:‏ الجهة الشرقية والجهة الغربية والجهة الشمالية التي تسمها أهل مصر البحرية والجهة الجنوبية التي تعرف في أرض مصر بالقبلية‏

 

 

فأما الجهة الشرقية فإنها من سور القاهرة التي فيه الآن باب البرقية والباب الجديد والباب المحروق وتنتهي هذه الجهة إلى الجبل المعطم‏.‏

 

 

وأما الجهة الغربية فإنها من سور القاهرة الذي فيه باب القنطرة وباب الخوخة وباب سعادة وتنتهي هذه الجهة إلى شاطيء النيل‏.‏

 

 

وأما الجهة القبلية فإنها من سور القاهرة الذي فيه باب زويلة وتنتهي هذه الجهة إلى حدّ مدينة مصر‏.‏

 

 

وأما الجهة البحرية فإنها من سور القاهرة الذي فيه باب النصر وباب الفتوح وتنتهي هذه الجهة إلى بركة الجب التي تعرف اليوم ببكرة الحاج وقد كانت هذه الجهة الشرقية عندما وضعت القاهرة فضاء فيما بين السور وبين الجبل لابنيان فيه البتة وما زال على هذا إلى أن كانت الدولة التركية فقيل لهذا الفضاء الميدان الأسود وميدان القبق وسيد ذكر هذا الميدان إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

فلما كانت سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون عمل هذه الميدان مقبرة لأموات المسلمين وبنيت فيه الترب الموجودة الآن كما ذكر عند ذكر المقابر من هذا الكتاب وكانت الجهة الغربية تنقسم قسمين أحدهما برّ الخليج الشرقيّ والآخر برّ الخليج الغربيّ فأما برّ الخليج الشرقي فكان عليه بستان الأمير أبي بكر محمد بن طفج الأخشيد وميدانه وعرف هذا السبتان بالكافوري فلما اختط القائد جوهر القاهرة أدخل هذا البستان في سور القاهرة وجعل بجانبه الميدان الذي يُعرف اليوم بالخرشتف فصارت القاهرة تشرف من غربيها على الخليج وبنيت على هذا الخليج مناظر وهي‏:‏ منظرة اللؤلؤة ومنظرة دار الذهب ومنظرة عزالة كما ذكر عند ذكر المناظر من هذا الكتاب‏

 

 

وكان فيما بين البستان الكافوري والمناظر المذكورة وبين الخليج شارع تجلس فيه عامة الناس للتفرّج على الخليج وما وراءه من البساتين والبرك ويُقال لهذا الشارع اليوم بين السورين ويتصل بالبستان الكافوري وميدان الأخشيد بركة الفيل وبركة قارون ويُشرف على بركة قارون الدور التي كانت متصلة بالعسكر ظاهر مدينة فسطاط مصر كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب عند ذكر البرك وعند ذكر العسكر‏.‏

 

 

وأما برّ الخليج الغربيّ فإن أوّله الآن من موردة الخلفاء فيما بين خط الجامع الجديد خارج مصر وبين منشأة المهرانيّ وآخره أرض التاج والخمس وجوه وما بعدها من بحريّ القاهرة وكان أوّل هذا الخيج عند وضع القاهرة بجان خط السبع سقايات وكان ما بين خط السبع سقايات وبين المعاريج بمدينة مصر غامرًا بماء النيل كما ذكر في ساحل مصر من هذا الكتاب وكانت القنطرة التي يفتح سدّها عند وفاء النيل ست عشرة ذراعًا خلف السبع سقايات كما ذكر عند ذكر القناطر من هذا الكتاب ويُعرف موضع اليوم بالمريس ويتصل ببستان منظرة السكرة جنان الزهري وهي من خط قناطر السباع الموجودة الآن بحذاء خط السبع سقايات إلى أراضي اللوق ويتصل بالزهري عدّة بساتين إلى المقس وقد صار موضع الزهري وما كن بجواره على برّ الخليج من البساتين يُعرف بالحكورة من أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى وقتنا هذا كما ذكر عند ذكر الأحكار من هذا الكتاب‏.‏

 

 

وكان الزهريذ وما بجواره من البساتين التي على برّ الخليج الغربي والمقس كل ذلك مطلذ على النيل وليس لبرّ الخليج الغربيّ كبير عرض وإنما يمرّ النيل في غربيّ البساتين على الموضع الذي يُعرف اليوم باللوق إلى المقس فيصير المقس هو ساحل القاهرة وتنتهي المراكب إلى موضع جامع المقس الذي يُعرف اليوم بجامع المقسي فكان ما بين الجامع المذكور ومنية عقبة التي ببرّ الجيزة بحر النيل ولم يزل الأمر على ذلك إلى ما بعد سنة سبعمائة‏.‏

 

 

إلا أنه كان قد انحسر ماء النيل بعد الخمسمائة من سني الهجرة عن أرض بالقرب من الزهريّ وانحسر أيضًا عن أرض تجاه البعل الذي في بحري القاهرة عُرفت هذه الأرض بجزيرة الفيل وما برح ماء النيل ينحسر عن شيء بعد شيء إلى ما بعد سنة سبعمائة فبقيت عدّة رمال فيما بين منشأة المهرانيّ وبين جزيرة الفيل وفيما بين المقس وساحل النيل عمر الناس فيها الأملاك والمناظر والبساتين من بعد سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وحفر الملك الناصر محمد بن قلاوون فيها الخليج المعروف اليوم بالخليج الناصريّ فصار برّ الخليج الغربيّ بعد ذلك أضعاف ما كان أوّلًا من أجل انطراد ماء النيل عن برّ مصر الشرقيّ وعرف هذا البرّ اليوم بعدّة مواضع وهي في الجملة خط منشأة المهرانيّ وخط المريس وخط منشأة الكتبة وخط قناطر السباع وخط ميدان السلطان وخط البركة الناصرية وخط الحكورة وخط الجامع الطبرسي وربع بكتمر وزريبة السلطان وخط باب اللوق وقنطرة الخرق وخط بستان العدّة وخط زريبة قوصون وخط حكر ابن الأثير وفم الخور وخط الخليج الناصري وخط بولاق وخط جزيرة الفيل وخط الدكة وخط المقس وخط بركة قرموط وخط أرض الطبالة وخط الجرف وأرض البعل وكوم الريش وميدان القمح وخط باب القنطرة وخط باب الشعرية وخط باب البحر وغير ذلك‏.‏

 

 

وسيتي من ذكر هذه المواضع ما يكفي ويشفي إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

وكان جهة القاهرة القبلية من ظاهرها ليس فيها سوى بركة الفيل وبركة قارون وهي فضاء يَرى من خرج من باب زويلة عن يمينه الخليج وموردة السقائين وكانت تجاه باب الفتوح ويرى عن يساره الجبل ويرى تجاهه قطائع ابن طولون التي تتصل بالعسكر ويرى جامع ابن طولون وساحل الحمراء الذي يشرف عليه جنان الزهريّ ويرى بركة الفيل التي كان يشرف عليها الشرف الذي فوقه قبة الهواء ويُعرف اليوم هذا الشرف بقلعة الجبل وكان من خرج من مصلى العيد بظاهر مصر يرى بركتي الفيل وقارون والنيل‏.‏

 

 

فلما كانت أيام الخليفة الحاكم بأمر الله أبي علي منصور بن العزيز بالله أبي منصور نزار بن الإمام المعز لدين الله أبي تميم معدّ عمل خارج باب زويلة بابًا عُرف بالباب الجديد واختط خارج باب زويلة عدّة من أصحاب السلطان فاختطت المصامدة حارة المصامدة واختطت اليانسية والمنجبية وغيرهما كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب فلما كانت الشدّة العظمة في خلافة المستنصر بالله اختلت أحوال مصر وخربت خرابًا شنيعًا ثم عمر خارج باب زويلة في أيام الخليفة الآمر بأحكام الله ووزارة المأمون محمد بن فاتك بن البطائحيّ بعد سنة خمسمائة فلما زالت الدولة الفاطمية هدم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب حارة المنصورة التي كانت سكن العبيد خارج باب زويلة وعملها بستانًا‏.‏

 

 

فصار ما خرج عن باب زويلة بساتين إلى المشهد النفيسيّ وبجانب البساتين طريق يسلك منها إلى قلعة الجبل التي أنشأها السلطان صلاح الدين المذكور على يد الأمير بهاء الدين قراقوش الأسديّ وصار من يقف على باب جامع ابن طولون يرى باب زويلة ثم حدثت العمائر التي هي الآن خارج باب زويلة بعد سنة سبعمائة وصار خارج باب زويلة الآن ثلاثة شوارع أحدها ذات اليمين والآخر ذات الشمال والشارع الثالث تجاه من خرج من باب زويلة وهذه الشوارع الثلاثة تشتمل على عدّة أخطاط‏.‏

 

 

فأما ذات اليمين فإن من خرج من باب زويلة الآن يجد عن يمينه شارعًا سالكًا ينتهي به في العرض إلى الخليج حيث القنطرة التي تعرف بقنطرة الخرق وينتهي به في الطول من باب زويلة إلى خط الجامع الطولوني وجميع ما في هذا الطول والعرض من الأماكن كان بساتين إلى ما بعد السبعمائة‏.‏

 

 

وفي هذه الجهة اليمنى خط دار التفاح وسوق السقطيين وخط تحت الربع وخط القشاشين وخط قنطرة الخرق وخط شق الثعبان وخط قنطرة آقسنقر وخط الحبانية وبركة الفيل وخط قبو الكرمانيّ وخط قنطرة طقزدمر والمسجد المعلق وخط قنطرة عمرشاه وخط قناطر السباع وخط الجسر الأعظم وخط الكبش والجامع الطولوني وخط الصليبة وخط الشارع وما هناك من الحارات التي ذكرت عند ذكر الحارات من هذه الكتاب‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 وأما ذات اليسار فإن من خرج من باب زويلة الآن يجد عن يساره شارعًا ينتهي به في العرض إلى الجبل وينتهي به في الطول إلى القرافة وجميع ما في هذه الجهة اليسرى كان فضاءً لا عمارة فيه البتة إلى ما بعد سنة خمسمائة من الهجرة فلما عمر الوزير الصالح طلائع بن رزبك جامع الصالح الموجود الآن خارج باب زويلة صار ما وراءه إلى نحو قطائع ابن طولون مقبرة لأهل القاهرة إلى أن زالت دولة الخلفاء الفاطميين وأنشأ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب قلعة الجبل على راس الشرق المطلّ على القطائع وصار يسلك إلى القلعة من هذه الجهة اليسرى فيما بين المقابر والجبل ثم حدثت بعد المحن هذه العمائر الموجودة هناك شيئًا بعد شيء من سنة سبعمائة وصار في هذه الشقة خط سوق البسطيين وخط الدرب الأحمر وخط جامع المارديني وخط سوق الغنم وخط التبانة وخط باب الوزير وقلعة الجبل والرميلة وخط القبيبات وخط باب القرافة‏.

 

 

 

وأما ما هو تجاه من خرج من باب زويلة فيُعرف بالشارع وقد تقدّم ذكره عند ذكر الأسواق من هذا الكتاب وهو ينتهي بالسالك إلى خط الصليبة المذكورة آنفًا وإلى خط الجامع الطولونيذ وخط المشهد النفيسي وإلى العسكر وكوم الجارح وغير ذلك من بقية خطط ظواهر القاهرة ومصر وكانت جهة القاهرة البحرية من ظاهرها فضاءً ينتهي إلى بركة الجب وإلى منية الاصبغ التي عرفت بالخندق وإلى منية مطر التي تعرف بالمطرية ولى عين شمس وما وراء ذلك إلاّ أنه كان تجاه القاهرة بستان ريدان ويُعرف اليوم بالريدانية وعند مصلّى العيد خارج باب النصر حيث يصلي الآن على الأموات كان ينزل هناك من يسافر إلى الشام‏.‏

 

 

فلما كان قبل سنة خمسمائة ومات أمير الجيوش بدر الجمالي في سنة سبع وثمانين وأربعمائة بُني خارج باب النصر له تربة دفن فيها وبني أيضًا خارج باب الفتوح منظرة قد ذكر خبرها عند ذكر المناظر من هذا الكتاب وصار أيضًا فيما بين باب الفتوح والمطرية بساتين قد تقدّم خبرها ثم عمرت الطائفة الحسينية بعد سنة خمسمائة خارج باب الفتوح عدّة منازل اتصلت بالخندق وصار خارج باب النصر مقبرة إلى ما بعد سنة سبعمائة فعمر الناس به حتى اتصلت العمائر من باب النصر إلى الريدانية وبلغت الغاية من العمارة ثم تناقصت من بعد سنة تسع وأربعين وسبعمائة لى أن فحش خرابها من حين حدثت المحن في سنة ست وثمانمائة فهذا حال ظواهر القاهرة منذ اختطت وإلى يومنا هذا ويحتاج ما ذُكر هنا إلى مزيد بيان والله أعلم‏.‏

 

 

 

 

 

 

 

 

ذكر ميدان القبق

 

 

 

هذا الموضع خارج القاهرة من شرقيها فيما بين النقرة التي ينزل من قلعة الجبل إليها وبين قبة النصر التي تحت الجبل الأحمر ويقال له أيضًا الميدان الأسود وميدان العيد والميدان الأخضر وميدان السباق وهو ميدان السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ الصالحيّ النجميّ بنى به مصطبة في المحرّم من سنة ست وستين وستمائة عندما احتفل برمي النشاب وأمور الحرب وحثّ الناس على لعب الرمح ورمي النشاب ونحو ذلك وصار ينزل كل يوم إلى هذه المصطبة من الظهر فلا يركب منها إلى العشاء الآخرة وهو يرمي ويحرّض الناس على الرمي والنضال والرهان فما بقي أمير ولا مملوك إلاّ وهذا شغله وتوفر الناس على لعب الرمح ورمي النشاب وما برح من بعده من أولاده والملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفيّ الصالحيّ النجميّ والملك الأشرف خليل بن قلاوون يركبون في الموكب لهذا الميدان وتقف الأمراء والمماليك السلطانية تسابق بالخيل فيه قدّامهم وتنزل العساكر فيه لرمي القبق‏.‏

 

 

والقبق عبارة عن خشبة عالية جدًّا تُنصب في براح من الأرض ويُعمل بأعلاها دائرة من خشب وتقف الرماة بقسيّها وترمي بالسهام جوف الدائرة لكي تمرّ من داخلها إلى غرض هناك قال جامع السيرة الظاهرية‏:‏ وفي سابع عشر المحرّم من سنة سبع وستين وستمائة حثّ السلطان الملك ظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ جميع الناس على رمي النشاب ولعب الرمح خصوصًا خواصه ومماليكه ونزل إلى الفضاء باب النصر ظاهر القاهرة ويُعرف بميدان العيد وبنى مصطبة هناك وأقام ينزل في كل يوم من الظهر ويركب منها عشاء الآخرة وهو واقف في الشمس يرمي ويحرّض الناس على الرمي والرهان فما بقي أمير ولا ملوك إلا وهذا شغله واستمرّ الحال ي كل يوم على ذلك حتى صارت تلك الأمكنة لا تسع الناس وما بقي لأحد شغل إلاّ لعب الرمح ورمي النشاب‏.‏

 

 

وفي شر رمضان سنة اثنتين وسبعين وستمائة تقدّم السلطان الملك الظاهر إلى عساكره بالتأهب للركوب واللعب بالقبق ورمي النشاب واتفقت نادرة غريبة وهو أنه أمر برش الميدان الأسود تحت القلعة لأجل الملعب فشرع الناس في ذلك وكان يومًا شديد الحرّ فأمل السلطان بتبطيل الرش رحمة للناس وقال‏:‏ الناس صيام وهذا يوم شديد الحرّ فبطل الرش وأرسل الله تعالى مطرًا جودًا استمرّ ليلتين ويومًا حتى كثر الوحل وتلبدت الأرض وسكن العجاج وبرد الجوّ ولطف الهواء فوكل السلطان من يحفظه من السَوْقِ فيه يوم اللعب وهو يوم الخميس السادس والعشرين من ر رمضان وأمر بركوب جماعة لظيفة من كل عشرة اثنان وكذلك من كل أمير ومن كل مقدّم لئلا تضيق الدنيا بهم‏.‏

 

 

فركبوا في أحسن زيّ وأجمل لباس وأكمل شكل وأبهى منظر وركب السلطان ومعه من خواصه ومماليكه ألوف ودخلوا في الطعان بالرماح فكل من أصاب خلع عليه السلطان ثم ساق في مماليكه الخواص خاصة ورتبهم أجمل ترتيب واندفق بهم اندفاق البحر فشاهد الناس أبهة عظيمة ثم أقيم القبق ودخل الناس لرمي النشاب وجعل لمن أصاب من المفاردة رجال الحلقة والبحرية الصالحية وغيرهم بغلطاقًا بسنجاب وللمراء فرسًا من خيله الخاص بتشاهيره ومراواته الفضية والذهبية ومزاخمه وما زال في هذه الأيام على هذه الصورة يتنوّع في دخوله وخروجه تارة بالرماح وتارة بالنشاب وتارة بالدبابيس وتارة بالسيوف مسلولة وذلك أنه ساق على عادته في اللعب وسلّ سيفه وسلّ ماليكه سيوفهم وحمل هو ومماليكه حملة رجل واحد فرأى الناس منظرًا عجيبًا وأقام على ذلك كل يوم من بكرة النهار إلى قريب المغرب وقد ضُربت الخيام للنزول للوضوء والصلاة وتنوّع الناس في تبديل العُدد والآلات وتفاخروا وتكاثروا فكانت هذه الأيام من الأيام المشهودة ولم يبق أحد من أبناء الملوك ولا وزير ولا أمير كبير ولا صغير ولا مفردي ولا مقدّم من مقدّمي الحلقة ومقدّمي البحرية الصالحية ومقدّمي المماليك الظاهرية البحرية ولا صاحب شغل ولا حامل عصا في خدمة السلطان على بابه ولا حامل طير في ركاب السلطان ولا أحد من خواص كتاب السلطان إلاّ وشُرِّفَ بما يليق به على قدر منصبه ثم تعدّى إحسان السلطان لقضاة الإسلام والأئمة وشهود خزانة السلطان فشرّفهم جميعهم ثم الولاة كلهم وأصبحوا بكرة يوم الأحد ثمان عشري شهر رمضان لا بسين الخلع جميعهم في أحسن صورة وأبهج زي وأبهى شكل وأجمل زينة بالكلوتات الزركش بالذهب والملابس التي ما سمع بأن أحدًا جاد بمثلها وهي ألوف وخدم الناس جميعهم وقبلوا الأرض وعليهم الخلع وركبوا ولعبوا نهارهم على العادة والأموال تفرّق والأسمطة تصف والصدقات تنفق والرقاب تعتق‏.‏

 

 

وما زال إلى أن أهلّ هلال شوّال فقام الناس وطلعوا للهناء فجلس لهم وعليهم خلعه ثم ركب يوم العيد إلى مصلاه في خيمة بشعار السلطنة وأبّهة الملك فصلى ثم طلع قلعة الجبل وجلس على الأسمطة وكان الاحتفال بها كبيرًا وأكل الناس ثم انتهبه الفقراء وقام إلى مقرّ سلطانه بالقبة السعيدة وقد غُلِقت وفرشت بأنواع الستور والكلل والفرش وكان قد تقدّم إلى الأمراء بإحضار أولادهم فأُحضروا وخَلع عليهم الخلع المفصلة على قدرهم فلما كان هذا اليوم أُحضروا وختنوا بأجمعهم بين يدي السلطان وأُخرجوا فحملوا بالمحفات إلى بيوتهم وعمّ الهناء كل دار ثم أُحضر الأمير نجم الدين خضر ولد السلطان فختن ورمى للناس جملة من الأموال اجتمع منها خزانة ملك كبير فرُّقت على من باشر الختان من الحكماء والمزينين وغيرهم‏.‏

 

 

وانقضت هذه الأيام وجرى السلطان فيها على عادته كما كان من كونه لم يكلّف أحدًا من خلق الله تعالى بهدية يهديها ولا تحفة يتحفه بها في مثل هذه المسرّة كما جرت عادة من تقدّمه من الملوك ولم يبق من لا شمله إحسانه غير أرباب الملاهي والأغاني فإنه كان من أيامه لم ينفق لهم مبلغ البتة‏.‏

 

 

وممن لعب بهذا الميدان القبق السلطان الملك الأشرف خليل بن قلاوون وعمل فيه المهمّ الذي لم يُعمل في دولة ملوك الترك بمصر مثله وذلك أن خوندار دوتكين ابنة نوكيه ويُقال نوغية السلحدارية اشتملت من السلطان الملك الأشرف على حمل فظنّ أنها تلد ابنًا ذكرًا يرث الملك من بعده فأخذ عندما قاربت الوضع في الاحتفال ورسم لوزيره الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس أن يكتب إلى دمشق بعلم مائة شمعدان نحاس مكفت بألقاب السلطان ومائة شمعدان أخر منها خمسون من ذهب وخمسون من فضة وخمسين سرجًا من سروج الزركش ومائة وخمسين سرجًا من الخميش وألف شمعت وأشياء كثيرة غير ذلك فقدّر الله تعالى أنها ولدت بنتًا فانقبض لذلك وكره إبطا ما قد وأشياء عنه عمله فأظهر أنه يريد ختام أخيه محمد وابن أخيه مظفر الدين موسى بن الملك الصالح علي بن قلاوون فرسم لنقيب الجيش والحاجب بإعلام الأمراء والعسكر أن يلبسوا كلهم آلة الحرب من السلاح الكامل هم وخيولهم ويصيروا بأجمعهم كذلك في الميدان الأسود خارج باب النصر فاهتم الأمراء والعسكر اهتمامً كبيرًا لذلك وأخذوا في تحسين العدد وبالغوا في التأنق وتنافسوا في إظهار التجمل الزائد وخرج في اليوم الرابع من إعلام الأمراء السوقة ونصبوا عدّة صواوين فيها سائر البقول والمآكل فصار بالميدان سوق عظيم ونزل السلطان من قلعة الجبل بعساكره وعليهم لامة الحرب وقد خرج سائر من في القاهرة ومصر من الرجال والنساء إلاّ من خلفه العذر لرؤية السلطان فأقام السلطان يومه وحصل في ذلك اليوم للناس بهذا الاجتماع من السرور ما يعزّ وجود مثله وأصبح السلطان وقد استعدّ العسكر بأجمعه لرمي القبق ورسم للحجاب بأن لا يمنعوا أحدًا من الجند ولا من المماليك ولا من غيرهم من الرمي ورسم للأمير بيسري والأمير بدر الدين بكتاش الفخريّ أمير سلاح أن يتقدّما الناس في الرمي فاستقبل الأمير بيسري القبق وتحته سرج قد صنع قربوسه الذي من خلفه وطيئًا فصار مستلقيًا على قفاه وهو يرمي ويصيب يمنة ويسرة والناس بأسرهم قد اجتمعوا للنظر حتى ضاق بهم الفضاء فلما فرغ دخل أمير سلاح من بعده وتلاه الأمراء على قدر منازلهم واحدًا واحدًا فرموا‏.‏

 

 

ثم دخل بعد الأمراء مقدّموا الحلقة ثم الأجناد والسلطان يعجب برميهم وتزايد سروره حتى فرغ الرمي فعاد إلى مخيّمه ودار السقاة على الأمراء بأواني الذهب والفضة والبلور يسقون السكَّرَ المذاب وشرب الأجناد من أحواض قد ملئت من ذلك وكانت عدّتها مائة حوض فشربوا ولهوا واستمرّوا على ذلك يومين وفي اليوم الثالث ركب السلطان واستدعى الأمير بيسري وأمره بالرمي فسأل السلطان أن يعفيه من الرمي ويمنّ عليه بالتفرّج في رمي النشاب من الأمراء وغيرهم فأعفاه ووقف مع السلطان في منزلته وتقدّم طفج وعين الغزال وأمير عمر وكيلكدي وقشتمر العجمي وبرلغي وأعناق الحسامي وبكتوت ونحو الخمسين من أمراء السلطان الشبان الذين أنشأهم من خاصكيته وعليهم تتريات حرير أطلس بطرازات زركش وكلوتات زركش وحوائص ذهب وكانوا من الجمال البارع بحيث يذهب حسنهم الناظر ويدهش جمالهم الخاطر فتعاظمت مسرّة السلطان برؤيتهم وكثر إعجابه وداخله العجب واستخفه الطرب وارتجب الدنيا بكثرة من حضر هناك من أرباب الملاهي والأغاني وأصحاب الملعوب‏.‏

 

 

فلما انقضى اللعب عاد السلطان إلى دهليزه في زينته ومرح في مشيته تيهًا وصلفًا فما هو إلاّ أنّ عبر الدهليز والناس من الطرب والسرور في أحسن شيء يقع في العالم وإذا بالجوّ قد أظلم وثار ريح عاصف أسود إلى أن طبق الأرض والسماء وقلع سائر تلك الخيم والقى الدهليز السلطانيّ وتزايد حتى أن الرجل لا يرى من بجانبه فاختلط الناس وماجوا ولم يُعرف الأمير من الحقير وأقبلت السوقة والعامّة تنهب وركب السلطان يريد النجاة بنفسه إلى القلعة وتلاحق العسكر به واختلفوا في الطرق لشدّة الهول فلم يعبر إلى القلعة حتى أشرف على التلف وحصل في هذا اليوم من نهب الأموال وانتهاك الحرم والنساء ما لا يمكن وصفه وما ظنّ كل أحد إلاّ أنّ الساعة قد قامت فتنغص سرور الناس وذهب ما كان هناك وما استقرّ السلطان بالقلعة حتى سكن الريح وظهرت الشمس وكأن ما كان لم يكن فأصبح السلطان وطلب أرباب الملاهي بأجمعهم وحضر الأمراء الختان أخيه وابن أخيه وعمل مهمّ عظيم في القاعة التي أنشأها بالقلعة وعرفت بالأشرفية وقد ذكر خبر هذا المهمّ عند ذكر القلعة من هذا الكتاب‏.‏

 

 

وما برح هذا الميدان فضاء من قلعة الجبل إلى قبة النصر ليس فيه بنيان وللملوك فيه من الأعمال ما تقدّم ذكره إلى أن كانت سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون فترك النزول إليه وبنى مسطبة برسم طعم طيور الصيد بالقرب من بركة الحبش وصار ينزل هنالك ثم ترك تلك المسطبة في سنة عشرين وسبعمائة وعاد إلى ميدان القبق هذا وركب إليه على عادة من تقدّمه من الملوك إلى أن بنيت فيه الترب شيئًا بعد شيء حتى انسدّت طريقه واتصلت المباني من ميدان قبق إلى تربة الروضة خارج باب البرقية وبطل السباق منه ورمي القبق فيه من آخر أيام الملك الناصر محمد بن قلاون كما ذكر عند ذكر المقابر من هذا الكتاب وأنا أدركت عواميد من رخام قائمة بهذا الفضاء تعرف بين الناس بعواميد السباق بين كل عمودين مسافة بعيدة وما جرت قائمة هنالك إلى ما بعد سنة ثمانين وسبعمائة فهُدمت عندما عمّر الأمير يونس الدوادار الظاهريّ تربته تجاه قبة النصر ثم عمّر أيضًا الأمير قجماس ابن عمّ الملك الظاهر برقوق تربة هنالك وتتابع الناس في البنيان إلى أن صار كما هو الآن والله أعلم‏.‏

 

 

برّ الخليج الغربي قد تقدّم أنَّ هذا الخليج حُفِرَ قبل الإسلام بدهر وأن عمرو بن العاص رضي الله عنه جدّد حفره في عام الرمادة بإشارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى صبّ ماء النيل في بحر القلزم وجرت فيه السفن بالغلال وغيرها حتى عبرت منه إلى البحر الملح وأنه ما برح على ذلك إلى سنة خمسين ومائة فطُمّ ولم يبق منه إلا ما هو موجود الآن إلاّ أنَّ فم هذا الخليج الذي يصبّ فيه الماء من بحر النيل لم يكن عند حفره هذا الفم الموجود الآن ولست أدري أين كان فمه عند ابتداء حفره في الجاهلية فإن مصر فُتحت وماء النيل عند الموضع الذي فيه الآن جامع عمرو بن العاص بمصر وجميع من عند سوق المعاريج الذي هو الآن بمصر إلى تجاه الكبش من غربيه وجميع ما هو الآن موجود من الأرض التي فيما بين خط السبع سقايات إلى سوق المعاريج انحسر عنه الماء شيئًا بعد شيء وغرس بساتين فعمل عبد العزيز بن مروان أمير مصر قنطرة على فم هذا الخليج في سنة تسع وستين من الهجرة بأوّله عند ساحل الحمراء ليتوصل من فوق هذه القنطرة إلى جنان الزهريّ الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

وموضع هذه القنطرة بداخل حرك أقبغا المجاور لخط السبع سقايات وما برحت هذه القنطرة عندها السدّ الذي يُفتح عند الوفاء إلى ما بعد الخمسمائة من الهجرة فانحسر ماء النيل عن الأرض وغرست بساتين فعمل الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب بن شادي هذه القنطرة التي تُعرف اليوم بقنطرة السدّ خارج مصر ليتوصل من فوقها إلى بستان الخشاب وّزيد في طول الخليج ما بين قنطرة السباع الآن وبين قنطرة السدّ المذكورة وصار ما في شرقيه مما انحصر عنه الماء بستانًا عُرف ببستان الحارة وما في غربيه يُعرف ببستان المحليذ وكان بطرف خط السبع سقايات كنيسة الحمراء وعدّة كنائس أُخرَ بعضها الآن بحر أقبغا تُعرف بزاوية الشيخ يوسف العجميّ لسكناه بها عندما هُدمت بعد سنة عشرين وسبعمائة وما برحت هذه البساتين موجودة إلى أن استولى عليها الأمير أقبغا عبد الواحد استدار الملك الناصر محمد بن قلاون وقلع أخشابها وأذن للناس في عمارتها فحركها الناس وبنوا فيها الآدر وغيرها فعرفت بحرك أقبغا‏.‏

 

 

وبأوّل هذا الخليج الآن من غربيه منشأة المهرانيّ وقد تقدّم خبرها في هذا الكتاب عند ذكر مدينة مصر ويجاور منشأة المهرانيّ بستان الخشاب وبعضه الآن يُعرف بالمريس وبعضه عمله الملك الناصر محمد بن قلاون ميدانًا يشرف على النيل من غربيه ويُعرف ساحل النيل هناك بموردة الجبس كما ذكر الميادين من هذا الكتاب ويجاور بستان الخشاب جنان الزهريّ وهذه المواضع التي ذكرت كلها ما انحسر عنه النيل ما خلا جنان الزهريذ فإنها من قبل ذلك وستقف على خبرها وخبر ما يجاورها من الأحكار إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

الأحكار التي في غربيّ الخليج قاب ابن سيده‏:‏ الاحتكار جمع الطعام ونحوه مما يؤكل واحتباسه انتظار وقت الغلاء به‏

 

 

والحكرة والحكر جميعًا‏:‏ ما احتُكر وحكره حكرًا ظلمه وتنقضه وأساء معاشرته‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

فالتحكير على هذا‏:‏ المنع‏

 

 

فقول أهل مصر‏:‏ حكر فلان أرض فلان يعنون منع غيره من البناء عليها‏

 

 

حكر الزهريّ هذا الحكر يدخل فيه جميع برّ ابن التبان الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وشق الثعبان وبطن البقرة وسويقة القيمريّ وسويقة صفية وبركة الشقاف وبركة السباعين وقنطرة الخرق وحدرة المرادنيين وحرك الحلبيّ وحكر البواشقيّ وحكر كرجي وما بجانبه إلى قناطر السباع وميدان المهاري إلى الميدان الكبير السلطانيّ بموردة الجبس‏.‏

 

 

وكان هذا قديمًا يُعرف بجنان الزهريّ ثم عُرف ببستان الزهري‏.‏

 

 

قال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس في تاريخ الغرباء‏:‏ عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز بن عمرو بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ يُكنى أبا العباس وأمّه أم عثمان بنت عثمان بن العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان مدنيّ قدم مصر وولي الشُرَطُ بفسطاط مصر وّث يَروي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة روى عنه من أهل مصر أصبغ بن الفرج وسعيد بن أبي مريم وعثمان بن صالح وسعيد بن عفير وغيرهم‏.‏

 

 

وهو صاحب الجنان التي بالقنطرة قنطرة عبد العزيز بن مروان تُعرف بجنان الزهريّ وهو حبسٌ على ولده إلى اليوم‏.‏

 

 

وكان كتاب حبس الجنان عند جدّي يونس بن عبد الأعلى وديعة عليه مكتوب ودية لولد ابن العباس الزهريّ لا يدفع لأحد إلاّ أن يغري به سلطان والكتاب عندي إلى الآن‏.‏

 

 

توفي عبد الوهاب بن موسى بمصر في رمضان سنة عشرة ومائتين‏.‏

 

 

وقال القاضي أبو عبد الله بن محمد بن سلامة بن جعفر القضاعيّ في كتاب معرفة الخطط والآثار‏:‏ حبس الزهريّ هو الجنان التي عند القنطرة بالحمراء وهو عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز الزهريّ قدم مصر وولي الشُرَطُ بها والجنان حبس على ولده‏

 

 

وقال القاضي تاج الدين محمد بن عبد الوهاب بن المتوّج في كتاب إيقاظ المتغفل واتعاظ المتأمّل‏:‏ حبس الزهريّ فذكره ثم قال‏:‏ وهذا الحبس أكثرِ الآن أحكار ما بين بركة الشقاف وخليج شق الثعبان وقد استولى وكيل بيت المال على بعضه وباع من أرضه وآجرّ منها واجتمع هحبسه بين يدي الله عز وجلّ‏.‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

ولما طال الأمد صار لزهريّ عدّة بساتين منها بستان أبي اليمان وبستان السراج وبستان الحبانية وبستان عزاز وبستان تاج الدولة قيماز وبستان الفرغانيّ وبستان أرض الطيلسان وبستان البطرك وغيط الكرديّ وغيط الصفار ثم عرف ببرّ ابن التبان بعد ذلك‏.‏

 

 

قال القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر في كتاب الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة‏:‏ شاطىء الخليج المعروف ببرّ التبان‏

 

 

ابن التبان المذكور‏:‏ هو رئيس المراكب في الدولة المصرية وكان له قدر وأبهة في الأيام الآمرية وغيرها ولما كان في الأيام الآمرية تقدّم إلى الناس بالعمارة قبالة الخرق غربيّ الخليج فأوّل من اتبدأ وعمر الرئيس ابن التبان فإنه أنشأ مسجدًا وبستانًا ودارًا فعُرفت ك الخطة به إلى الآن ثم بنى سعد الدولة والي القاهرة وناهض الدولة عليّ وعديّ الدولة أبو البركات محمد بن عثمان وجماعة من فراشي الخاص‏.‏

 

 

واتصلت العمارة بالآجرّ والسقوف النقية والأبواب المنظومة من باب البستان المعروف بالعدّة على شاطىء الخليج الغربيّ إلى البستان المعروف بأبي اليمن‏.‏

 

 

ثم ابتنى جماعة غيرهم ممن يرغب في الأجرة والرجة على التراع التي تتصرّف من الخليج إلى الزهريّ والبساتين من المنازل والدكاكين شيئًا كثيرًا وهي الناحية المعروفة الآن بشق الثعبان وسويقة القميريّ إلى أن وصل البناء إلى قبالة البستان المعروف بنور الدولة الربعيّ وهذا البستان معروف في هذا الوقت بالخطة المذكورة وهو متلاشي الحال بسبب ملوحة بئره وبستان نور الدولة هو الآن الميدان الظاهريّ والمناظر به وتفرّقت الشوارع والطرق وسُكِنت الدكاكين والدور وكثر المترّددون إليه والمعاش فيه إلى أن استناب والي القاهرة بها نائبًا عنه ثم تلاشت تلك الأحوال وتغيرت إلى أن صارت أطلالًا وعفت تلك الآثار‏.‏

 

 

ثم بعد ذلك حكر آدر أو بساتين وبُني على غير تلك الصفة المقدّم ذكرها وبُني على ما هو عليه ثم حُكر بستان الزهريّ آدرًا ولم يبق منه إلاّ قطعة كبيرة بستانًا وهو الآن أحكار تعرف بالزهريذ ويعرف البرّ جميعه ببرّ ابن التبان إلى هذا الوقت وولايته تعرف بولاية الحكمر وبني به حمام الشيخ نجم الدين بن الرفعة وحمام تُعرف بالقيمري وحمام تعرف بحمّام الداية انتهى‏.‏

 

 

بستان أبي اليمان يُعرف اليوم مكانه بحرك أقبغا وفيه جامع الست مسكة وسويقة السباعين‏.‏

 

 

وبستان السراج في أرض باب اللوق يُعرف موضعه الآن بحرك الخليليّ ويأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

وقيماز هو تاج الدولة صهر الأمير بهرام الأرمنيّ وزير الخليفة الحافظ لدين الله وقتل عند دخول الصالح طلائع بن رزيك إلى القاهرة في سنة تسع وأربعين وخمسمائة وعزاز هو غلام الوزير شاور بن مجير السعديّ وزير الخليفة العاضد لدين الله‏.‏

 

 

حكر الخليلي هذا الحكر هو الخط الذي بقرب سويقة السباعين وجامع الست مسكة وهو بجوار حكر الزهريّ وكان بستانًا يُعرف ببستان أبي اليمان ومنهم من يكتب بستان أبي اليمن بغير ألف بعد الميم ثم عرف ببستان ابن جن حلوان وهو الجمال محمد بن الزكي يحيى بن عبد المنعم بن منصور التاجر‏.‏

 

 

في ثمرة البساتين عُرف بابن جن حلوان في سنة إحدى وتسعين وستمائة وحدّ هذا البستان القبليّ إلى الخليج وكان فيه بابه الهماليا والحدّ البحريّ ينتهي إلى غيظ قيماز والشرقيّ إلى الآدر المحتكرة والغربيّ ينتهي إلى قطعة تعرف قيدمًا بابن أبي التاج‏.‏

 

 

ثم عرب ببستان ابن السراج واستأجره ابن جن حلوان من الشيخ نجم الدين بن الرفعة الفقيه المشهور في سنة ثمان وثمانين وستمائة فعرف به‏.‏

 

 

ثم إن هذا البستان حكر بعد ذلك فعرف بحكر الخليليّ وهو‏.‏

 

 

‏.‏

 

‏.‏

 

حكر قوصون هذا الحكر مجاور لقناطر السباع كان بستانين أحدهما يُعرف بالمخاريق الكبرى والآخر يعرف بالمخاريق الصغرى فأمّا المخاريق الكبرى‏:‏ فإن القاضي الرئيس الأجل المختار العدل الأمين زكيّ الدين أبا العباس أحمد بن مرتضى بن سيد الأهل بن يوسف وقف حصة من جميع بستان المذكور الكبير المعروف بالمخاريق الكبرى الذي بين القاهرة ومصر بعدوة الخليج فيما بين البستانين المعروف أحدهما بالمخاريق الصغرى ويُعرف قديمًا بالشيخ الأجل ابن أبي أسامة ثم عُرف بغيره والبستان الذي يُعرف بدويرة دينار يفصل بينهما الطريق بخط بستان الزهريّ وبستان أبي اليمن وكنائس النصارى قبالة جماميز السعدية والسبع سقايات ولهذا البستان حدود أربعة‏:‏ القبليّ ينتهي إلى الخليج الفاصل بينه وبين المواضع المعروفة بجماميز السعدية والسبع سقايات والحدّ الشرقيّ ينتهي إلى البستان المعروف بالمخاريق الصغرى المقابل للمونة والبحريّ ينتهي إلى البستان المعروف قديمًا بابن أبي أسامة الفاصل بينه وبين بستان أبي اليمن المجاور للزهريّ والحدّ الغربيّ ينتهي إلى الطريق‏.‏

 

 

وجُعل هذا البستان على القربات بعد عمارته وشرط أن الناظر يشتري في كل فصل من فصول الشتاء ما يراه من قماش الكتان الخام أو القطن ويصنع ذلك جبابًا وبغالطيق محشوّة قطنًا ويفرّقها على الأيتام الذكور والإناث الفقراء غير البالغين بالشارع الأعظم خارج باب زويلة لكل واحد جبة أو بغلطاق فإنه تعذر ذلك كان على الأيتام المتصفين بالصفة المذكورة بالقاهرة ومصر وقرافتيهما فإن تعذر ذلك كان للفقراء والمساكين أينما وجدوا‏.‏

 

 

وتاريخ كتاب هذا الوقف في ذي الحجة سنة ستين وستمائة وأما المخاريق الصغرى فإنه بعدوة الخليج قبالة المجنونة بالقرب من بستان أبي اليمن ثم عرف أخيرًا ببستان بهادر رأس نوبة ومساحته خمسة عشر فدّانًا فاشتراه الأمير قوصون وقلع غروسه وأذن للناس في البناء عليه فحكروه وبنوا يه الآدر وغيرها وعرف بحكر قوصون‏.‏

 

 

 

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 حكر الحلبيّ

 

 

 

هذا الحكر الآن يعرف بحكر بيبرس الحاجب وهو مجاور للزهري ولبركة الشقاف من غربيها وأصله من جملة أراضي الزهري اقتطع منه وباعه القاضي مجد الدين ابن الخشاب وكيل بيت المال لابنتي السلطان الملك الأشرف خليل بن قلاون في سنة أربع وتسعين وستمائة وكان يُعرف حين هذا البيع ببستان الجمال بن جن حلوان وبغيط الكرديّ وببستان الطيلسان وببستان الفرغانيّ وحدّ هذه القطعة القبليّ إلى بكرة الطوّابين وإلى الهدير الصغير‏.‏

 

 

والحدّ البحريّ ينتهي إلى بستان الفرغانيّ وإلى بستان البواشقيّ‏.‏

 

 

والحدّ الشرقيّ إلى بركة الشقاف وإلى الطريق الموصلة إلى الهدير الصغير‏.‏

 

 

والحدّ الغربي إلى بستان الفرغانيّ‏.‏

 

 

ثم انتقل هذا البستان إلى الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون وحكره فعرف به‏.‏

 

 

حكر البواشقيّ عرف بالأمير أزدمر البواشقيّ مملوك الرشيديّ الكبير أحد المماليك البحرية الصالحية وممن قام على الملك المعز أيبك عندما قتل الأمير فارس الدين اقطاي في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وستمائة وخرج إلى بلاد الروم ثم عرف الآن بحكر كرجي وهو بجوار حكر الحلبيّ المعروف بحكر بيبرس‏.‏

 

 

حكر أقبغا هذا الحكر بجوار السبع سقايات بعضه بجانب الخليج الغربيّ وبعضه بجانب الخليج الشرقيّ كان بستانًا يُعرف قديمًا بجنان الحارة ويُسلك إليه من خط قناطر السباع على يمنة السالك طالبًا السبع سقايات بالقرب من كنيسة الحمراء وكان بعضه بستانًا يُعرف ببستان المحلي وهو الذي في غربيّ الخليج وكان بستان جنان الحارة بجوار بركة قاروق وينتهي إلى حوض الدمياطيّ الموجود الآن على يمنة من سلك من خط السبع سقايات إلى قنطرة السدّ فاستولى عليه الأمير أقبغا عبد الواحد استادار الملك الناصر محمد بن قلاوون وأذن للناس في تحكيره فحُكر وبني فيه عدّة مساكن‏.‏

 

 

وإلى يومنا هذا يُجبى حكره ويصرف في مصارف المدرسة الآقبغاوية المجاورة للجامع الأزهر بالقاهرة وأوّل من عمر في حكر أقبغا هذا أستادار الأمير جنكل بن الباب فتبعه الناس‏.‏

 

 

وفي موضع هذا الحكر كانت كنيسة الحمراء التي هدمها العامّة في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون كما ذكر عند ذكر الكنائس من هذا الكتاب‏.‏

 

 

وهي اليوم زاوية تُعرف بزاوية الشيخ يوسف العجمي وقد ذكرت في الزوايا أيضًا وهذا الحكر لما بنى الناس فيه عرف بالآدر لكثرة من سكن فيه من التتر والوافدية من أصحاب الأمير جنكل بن البابا وعمر تجاه هذا الحكر الأمير جنكل حمامين هما هنالك إلى اليوم وانتشأ بعمارة هذا الحكر بظاهره سوق وجامع وعمر ما على البركة أيضًا واتصلت العمارة منه في الجانبين إلى مدينة مصر واتصلت به عمائر أيضًا ظاهر القاهرة بعدما كان موضع هذا الحكر مخوفًا يقطع فيه الزعار الطريق على المارّة من القاهرة إلى مصر وكان والي مصر يحتاج إلى أن يركز جماعة من أعوانه بهذا المكان لحفظ من يمرّ من المفسدين فصار لما حكر كأنه مدينة كبيرة وهو إلى الآن عامر وأكثر من يسكنه الأمراء والأجناد وهذا الحكر كان يُعرف قديمًا بالحمراء الدنيا وقد ذكر خبر الحمراوات الثلاث عند ذكر خطط مدينة فسطاط مصر من هذا الكتاب وفي هذا الحكر أيضًا كانت قنطرة عبد العزيز بن مروان التي بناها على الخليج ليتوصل منها جنان الزهريّ وبعض هذا الحكر مما انحسر عنه النيل وهي القطعة التي تلي قنطرة السدّ‏.‏

 

 

حكر الست حدق هذا الحكر يعرف اليوم بالمريس وكان بساتين من بعضها بستان الخشاب فعرف بالست حدق من أجل أنها أنشأت هناك جامعًا كان موضعه منظرة السكرة فبنى الناس حوله وأكثر من كان يسكن هناك السودان وبه يتخذ المزور مأوى أهل الفواحش والقاذورات وصار به عدّة مساكن وسوق كبير يحتاج محتسب القاهرة أن يقيم به نائبًا عنه للكشف عما يباع فيه من المعايش وقد أدركنا المريس على غاية من العمارة إلاّ أنه قد اختلّ منذ حدثت الحوادث من سنة ست وثمانمائة وبه إلى الآن بقية من فساد كبير‏.‏

 

 

حكر الست مسكة‏:‏ هذا الحكر بسويقة السباعين بقرب جوار حكر الست حدق عرف بالست مسكة لأنها أنشأت به جامعًا وهذا الحكر كان من جملة الزهريّ ثم أفرد وصار بستانًا تنقل إلى جماعة كثيرة فلما عمرت الست مسكة في هذا الحكر الجامع بنى الناس حوله حتى صار متصلًا بالعمارةن سائر جهاته وسكنه الأمراء والأعيان وأنشأوا به الحمّامات والأسواق وغير ذلك‏.‏

 

 

وكانت حدق ومسكة من جواري السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون نشأتا في داره وصارتا قهرمانيتن لبيت السلطان يُقتدى برأيهما في عمل الأعراس السلطانة والمهمات الجليلة التي تعمل عمرها وصار لهما من الأموال الكثيرة والسعادات العظيمة ما يجلّ وصفه وصنعا برًّا ومعروفًا كبيرًا واشتهرتا وبعد صيتهما وانتشر ذكرهما‏.‏

 

 

حكر طقزدمر‏:‏ هذا الحكر كان بستانًا مساحته نحو الثلاثين فدّانًا فاشتراه الأمير طقزدمر الحمويّ نائب السلطنة بديار مصر ودمشق وقلع أخشابه وأذن للناس في البناء عليه فحركوه وأنشأوا به الدور الجليلة واتصلت عمارة الناس فيه بسائر العمائر من جهاته وأنشأ الأمير طقمر فيه أيضًا على الخليج قنطرة ليمرّ عليها من خط المسجد المعلق إلى هذا الحكر وهو مما عمر في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون ومات طقزدمر في ليلة الخميس مستهلّ جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وسبعمائة‏.‏

 

 

اللوق‏:‏ يُقال لاق الشيء يلوقه لوقًا ولوّقه ليّنه‏

 

 

وفي الحديث الشريف لا آكل إلاّ ما لوّق لي ولواق أرض معروفة‏.‏

 

 

قاله ابن سيدة‏:‏ فكأن هذه الأرض لما انحسر عنها ماء النيل كانت أرضًا لينة وإلى الآن في أراضي مصر ما إذا نزل عنها ماء النيل لا تحتاج إلى الحرث للينها بل تلاق لوقًا فصواب هذا المكان أن يقال فيه أراضي اللُق بضم اللام ويجوز أن يكون من اللق بضم اللام وتشديد الف‏.‏

 

قال ابن سيده‏:‏ واللق كل أرض ضيقة مستطيلة واللق الأرض المرتفعة ومنه كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج لا تدع خقًا ولا لقًا إلا زرعته حكاه الهوريّ في الغريبين‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

والخُقّ بضم الخاء المعجمة وتشديد القاف الغدير إذا جف‏.‏

 

 

وقيل الخُق ما اطمأنّ من الأرض واللق ما ارتفع منها وأراضي اللوق هذه كانت بساتين ومزروعات ولم يكن بها في القديم بناء البتة ثم لما انحسر الماء عن منشأة الفاضل عمر فيها كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب ويُطلق اللوق في زمننا على الكمان الذي يُعرف اليوم بباب اللوق المجاور لجامع الطباخ المطلّ على بركة الشقاف وما يسامته إلى الخليج الذي يُعرف اليوم بخليج فم الخور وينتهي اللوق من الجانب الغربيّ إلى منشأة المهرانيّ ومن الجانب الشرقيّ إلى الدكة بجوار المقس وكان القاضي الفضل قد اشترى قطعة كبيرة من أراضي اللوق هذه من بيت المال وغيره بجمل كبيرة من المال ووقفها على العين الزرقاء بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم وعُرفت هذه الأرض ببستان ابن قريش وبعضها دخل في الميدان الظاهريّ وعوّض عنها أراض بأكثر من قيمتها وكان متحصل هذا الوقف يحمل فم الخور المعروف اليوم بحكر ابن الأثير وبسويقة الموقف وموردة الملح وساحل بولاق وكله فإنه محدث عُمّر بعد سنة سبعمائة كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى قريبًا‏.‏

 

 

فإنّ النيل كان يمرّ من ساحر الحمراء بغربيّ الزهري على الأراضي التي لما انحسر عنها عُرفت بأراضي اللوق وإلى أن ينتهي إلى ساحل المقس وكانت طاقات المناظر التي بالدكة تُشرف على النيل الأعظم ولا يحول بينها وبين رؤية برّ الجيزة شيء ويمرّ النيل من الكدة إلى المقس ويمتدّ إلى زريبة جامع المقس الذي هوالآن على الخليج الناصريّ‏.‏

 

 

فلما انحسر ماء النيل عن أراضي اللوق اتصلت بالمقص وصارت عدّة أماكن تعرف بظاهر اللوق وهي بستان ابن ثعلب ومشأة ابن ثعلب وباب اللوق وحكر قردمية وحكر كريم الدين ورحبة التبن وبستان السعيديّ وبركة قرموط وخور الصعبيّ وصار بين اللوق وبين منشأة المهرانيّ التي هي بأوّل برّ الخليج الغربيّ منشأة الفاضل والمنشأة المستجدّة وحكر الخليليّ وحكر الساباط ويُعرف بحكر بستان القاصد وحكر كريم الدين الصغير وحكر المطوع وحكر العين الزرقاء‏.‏

 

 

وفي غربيّ هذه المواضع على شاطىء النيل زريبة قوصون وموردة البلاط وموردة الجبس وخط الجامع الطيبرسيّ وزريبة السلطان وربع بكتمر‏.‏

 

 

وأوّل ما بنيت الدور للسكن في اللوق ايام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ وذلك أنه جهز كشافه من خواصه مع الأمير جمال الدين الرومي السلاح دار والأمير علاء الدين أق سنقر الناصريّ ليعرف أخبار هولاكو ومعهم عدّة من العربان فوجدوا طائفة من التتر مستأمنين وقد عزموا على قصد السلطان بمصر وذلك أن الملك بركة خان ملك التتركان قد بعثهم نجدة لهولاكو فلما وقع بينهم كتب إليهم بركة يأمرهم بمفارقة هولاكو والمصير إليه فإن تعذر عليهم ذلك صاروا إلى عسكر مصر فإنه كان قد ركن إلى الملك الظاهر وتردّدت القصّاد بينهم بعد واقعة بغداد ورحيل هولاكو عن حلب فاختلف هولاكو مع ابن عمه بركة خان وتواقعا فقتل ولد هولاكو في المصاف وانهزم عسكره وفرّ إلى قلعة في بحيرة أذربيجان فلما وردت الأخبار بذلك إلى مصر وكتب السلطان إلى نوّاب الشام بإكرامهم وتجهيز الإقامات لهم وبعث إليهم بالخلع والإنعامات فوصلوا إلى ظاهر القاهرة وهم نيف على مائتي فارس بنسائهم وأولادهم في يوم الخميس رابع عشري ذي الحجة سنة ستين وستمائة فخرج السلطان يوم السبت سادس عشرية إلى لقائهم بنفسه ومعه العساكر فلم يبق أحد حتى خرج لمشاهدتهم فاجتمع علم عظيم تبهر رؤيتهم العقول وكان يومًا مشهودًا‏.‏

 

 

فأنزلهم السلطان في دور كان قد أمر بعمارتها من أجلهم في أراضي اللوق وعمل لهم دعوة عظيمة هناك وحمل إليهم الخلع والخيول والأموال وركب السلطان إلى الميدان وأركبهم معه للعب الأكرة وأعطى كبراءهم أمريات فمنهم دون ذلك ونزل بقيتهم من جملة البحرية وصار كل منهم من سعة الحال كالأمير في خدمته الأجناد والغلمان وأفرد لهم عدّة جهات برسم مرتبهم وكثرت نعمهم وتظاهروا بدين الإسلام فلما بلغ التتار ما فعله السلطان مع هؤلاء وفد عليه منهم جماعة بعد جماعة وهو يقابلهم بمزيد الأحسان فتكاثروا بديار مصر وتزايدت العمائر في اللوق وما حوله وصار هناك عدّة أكال عامرة آهلة إلى أن خربت شيئًا بعد شيء وصارت كيمانًا وفيها ما هو عامر إلى يومنا هذا ولما قدمت رسل القان بركة في سنة إحدى وستين وسبعمائة أنزلهم السلطان الملك الظاهر باللوق وعمل لهم فيه مهمًا وصار يركب في كل سبت وثلاثاء للعب الأكرة باللوق في الميدان‏.‏

 

 

وفي سادس ذي الحجة من سنة إحدى وستين قدم من المغل والبهادرية زيادة على الف وثلثمائة فارس فانزلوا في مساكن عمرت لهم باللوق بأهاليهم وأولادهم وفي شهر رجب سنة إحدى وستين وسبعمائة قدمت رسل الملك بركة ورسل الأشكري فعملت لهم دعوة عظيمة باللوق‏.‏

 

 

فأما بستان ابن ثعلب فإنه كان بستانًا عظيم القدر مساحته خمسة وسبعون فدانًا فيه سائر الفواكه بأسرها وجميع ما يزدرع من الأشجار والكروم والنرجس والهليون والورد والنسرين والياسمين والخوخ والكمثري والنارنج والليمون التفاحيّ والليمون الراكب والمختن والجميز والقراصيا والرمان والزيتون والتوت الشاميّ والمصريّ والمرسين والتامر حنا وألبان تعرف اليوم ببكرة قرموط والأرض التي تعرف اليوم بالخور قبالة الأرض المعروفة بالبيضاء بجوار بستان السراج وبستان الزهريذ وبستان البورجي فيما بين هذه البساتين وبين خليج الدكة والمقس وكان على بستان ابن ثعلب سور مبنيّ وله باب جليل‏.‏

 

 

وحدّه القبليّ إلي منشأة ابن ثعلب وحدّه البحريّ إلى الأرض المجاورة للميدان السلطانيّ الصالحيّ وإلى أرض الجزائر وفي هذا الحدّ أرض الخور وهي في حقوقه‏.‏

 

 

وحدّ الشرقيّ إلى بستان الدكة وبستان الأمير قراقوش وحدّه الغربيّ إلى الطريق المسلوك فيها إلى موردة السقائين قبالة بستان السراج وموردة السقائين هذه موضع قنطرة الخرق الآن‏.‏

 

 

وابن ثعلب هذا هو الشريف الأمير الكبير فخر الدين إسماعيل بن ثعلب الجعفريّ الزينبيّ أحد أمراء مصر في أيام الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب وغيره وصاحب المدرسة الشريفية بجوار درب كركامة على رأس حارة الجودرية من القاهرة وانتقل من بعده لى ابنه الأمير حصن الدين ثعلب فاشتراه منه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب بن شادي بثلاثة آلاف دينار مصرية في شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وستمائة وكان باب هذا البستان في الموضع الذي يُقال له اليوم باب اللوق وكان هذا البستان ينتهي إلى خليج الخور وآخر من المشرق ينتهي إلى الدكة بجوار المقس ثم انقسم بعد ذلك قطعًا وحكرة أكثر أرضه وبنى الناس عليها الدور وغيرها وبقيت منه إلى الآن قطعة عرفت ببستان الأمير أرغون النائب بديار مصر أيام الملك الناصر ثم عرف بعد ذلك ببستان ابن غراب وهو الآن على شاطىء الخليج الناصريّ على يمنة من سلك من قنطرة قدادار بشاطىء الخليج من جانبه الشرقي إلى بركة قرموط وبقيت من بستان ابن ثعلب قطعة تعرف ببستان بنت الأمير بيبرس إلى الآن وهو وقف ومن جملة بستان ابن ثعلب أيضًا الموضع الذي يعرف ببركة قرموط والموضع المعروف بفم الخور‏.‏

 

 

 

 

وأما منشأة ابن ثعلب‏:‏ فإنها بالقرب من باب اللوق وحكرت في أيام الشريف فخر الدين بن ثعلب المذكور فعرفت به وهي تُعرف اليوم بمنشأة الجوّانية لأنّ جوّانية الفم‏

 

 

كانوا يسكنون فيها فعرفت بهم وأدركتها في غاية العمارة بالناس والمساكن والحوانيت وغيرها وقد اختلت بعد سنة ست وثمانمائة وأكثرها الآن زرائب للبقر‏.‏

 

 

وأما باب اللوق‏:‏ فإنه كان ناك إلى ما بعد سنة أربعين وسبعمائة بمدّة باب كبير عليه طوارق حربية مدهونة على ما كانت العادة في أبواب القاهرة وأبواب القلعة وأبواب بيوت الأمراء وكان يقال له باب اللوق فلما أنشأ القاضي صلاح الدين بن المغربيّ قيساريته التي بباب اوق وجعلها البيع غزل الكتان هدم هذا الباب وجعله في الركن من جدار القيسارية القبليّ مما يلي الغربيّ وهذا هو باب الميدان الذي أنشأه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل لم اشترى بستان ابن ثعلب وقد ذكر خبر هذا الميدان عند ذكر الميادين من هذا الكتاب‏.‏

 

 

وأما حكر قردمية‏:‏ فإنه على يُمنة من سلك ن باب اللوق المذكور إلى قنطرة قدادار وكان من جملة بستان ابن ثعلبة فحكر وصار أخيرًا بيد ورثة الأمير قوصون وكان حكرًا عامرًا إلى ما بعد سنة تسع وأربعين وسبعمائة فخرب عند وقوع الوباء الكبير بمصر وحفرت أراضيه وأخذ طين فصارت بركة ماء عليها كيمان خلف الدور التي على الشارع المسلوك فيه إلى قنطرة قدادار‏.‏

 

 

وأما حكر كريم الدين‏:‏ فإنه على يُسرة من سلك من باب اللوق إلى رحبة التبن وإلى الدكة وكان يُعرف قبل كريم الدين بحكر الصهيونيّ وهذا الحكر الآن آيل إلى الدثور‏

 

 

وأما رحبة التبن‏:‏ فإنها في بحري منشأة الجوانية شاعرة في الطريق العُظمى التي يُسلك فيها إلى قنطرة الدكة من رحبة باب اللوق عُرفت بذلك لأنه كانت أحمال التبن تقف بها لتباع هناك فإن القاهرة كانت توقر من مرور أحمال التبن والحطب ونحوهما بها‏

 

 

ثم اختطت من جملة ما اختط في غربيّ الخليج وصار بها عدّة مساكن سوق كبير وقد أدركته غاصًا بالعمارة وإنما اختلّ هذا الخط من سنة ست وثمانمائة‏.‏

 

 

وأما بستان السعيديّ‏:‏ فإنه يُشرف على الخليج الناصريّ في هذا الوقت وأدركنا ما حوله عامرًا وقد خربت الدور التي كانت هناك من جهة الطريق الشارع من باب اللوق إلى الدكة وأما بركة قرموط‏:‏ فإنها من حقوق بستان ابن ثعلب ولما حفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخللناصريّ رمى فيها ما خرج عند حفره من الطين وأدركناها من أعمر بقعة في أرض مصر وهي الآن خراب كما ذكر عند ذكر البرك من هذا الكتاب‏.‏

 

 

وما الخور‏:‏ فإن الخور في اللغة مصبّ الماء وهو هنا اسم للأرض التي ما بين الخليج الناصريّ والخليج الذي يُعرف بفم الخور وجميع هذه الأرض من جلة بستان ابن ثعلبة وكان يُعرف بالخور الصعبيّ لأنه كانت به مناظر تعرف بمناظر الصعبيّ تُشرف على النيل وكان على شاطىء اليج الكبير في هذا الجانب الغربيّ الذي نحن في ذكره بجوار بستان الخشاب الذي كان يتوصل إليه من قنطرة السدّ وبعضه الآن الميدان السلطانيّ بستان يُعرف بالجزيرة المعروف بالعصبيّ وكان من البساتين الجليلة‏.‏

 

 

وهذا الصعبيّ‏:‏ هو الشيخ كريم الدولة عبد الواحد بن محمد بن عليّ الصعبيّ مات في شهر رمان سنة ثلاث وستمائة بمصر وكان له أخ يُعرف بعبد العظيم بن محمد الصعبيّ‏

 

 

ولما أنحسر ماء النيل عن الرملة التي قيل لها منية بولاق تجاه المقس وعمرت هناك الدور اتصلت من قبليها بالخور وأنشيء بشاطىء النيل الذي بالخور دور تجلّ عن الوصف وانتظمت صفًا واحدًا من بولاق إلى منشأة المهرانيّ وموردة الحلفاء ومن موردة الحلفاء على ساحل مصر الجديد إلى دير الطين غربيّ بركة الحبش لو أُحصي ما أنفق على بناء هذه الدور لقام بخراج مصر أيام كانت عامرة وقد خرب معظمها من سنة ست وثمانمائة وقد تقدّم ذكر منشأة الفاضل‏.‏

 

 

وأما حكر الساباط وحكر كريم الدين الصغير وحكر المطوع وحكر المطوع وحكر العين الزرقاء فإنها بالقرب من الميدان الكبير السلطانيّ وقد خربت بعدما كانت عامر بالدور والمنتزهات‏.‏

 

 

بستان العدّة‏:‏ هذا المكان من جملة الأحكار التي في غربيّ الخليج وهو بجوار قنطرة الخرق وبجوار حكر النوبيّ قريب من باب اللوق تجاه الدور المطلة على الخليج من شرقيه المقابلة لباب سعادة وحارة الوزيرية‏

 

 

كان بستانًا جليلًا وقفه الأمير فارس المسلمين بدر بن رزيك أخو الصالح طلائع بن رزيك صاحب جامع الصالح خارج باب زويلة ثم أنه خرب فحكر وبُني عليه عدّة مساكن وحكره يتعاطاه ورثة فارس المسلمين‏.‏

 

 

حكر جوهر النوبي‏:‏ هذا الحكر تجاه الحارة الوزيرية من برّ الخليج الغربيّ في شرقيّ بستان العدّة ويُسلك منه إلى قنطرة أمير حسين من طريق تجاه باب جامع أمير حسين الذي تعلوه المئذنة وما زال بستانًا إلى نحو سنة ستين وستمائة فحكر وبني فيه الدور في أيام الظاهر بيس وعُرف بجوهر النوبيّ أحد الأمراء في الأيام الكاملية وقد تقدّم بديار مصر تقدّمًا زائدًا‏.‏

 

 

وكان خصيًا وهو ممن ثار على الملك العادل أبي بكر بن الكامل وخلع فلما كان ملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل بعد أخيه العادل قبض على جوهر في سنة ثمان وثلاثين وستمائة‏.‏

 

 

حكر خزائن السلاح‏:‏ هذا الحكر كان يعرف قديمًا بحكر الأوسية وهو فيما بين الدكة وقنطرة الموسكي وقفه السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب على مصالح خزائن السلاح وهو وعدّة أماكن بمدينة مصر مع مدينة قليوب وأراضيها في جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وستمائة وظهر كت الوقف المذكور من الخزائن السلطانية في جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون وقد خرب أكثر هذا الحكر وصار كيمانًا‏.‏

 

 

حكر تكان‏:‏ هذا الحكر بجوار سويقة العجميّ الفاصلة بينه وبين حكر خزائن السلاح وكان يُعرف قديمًا بحرك كوبيج‏

 

 

وحدّه القبليّ ينتهي إلى حكر ابن الأسد جفريل والحدّ البحري ينتهي إلى حكر العلائيّ والحدّ الشرقيّ ينتهي إلى حكر البغدادية والحدّ الغربيّ ينتهي إلى حكر خزائن السلاح وسويقة العجميّ‏.‏

 

 

وتكان هو المير سيف الدين تكان ويقال تكام بالميم عوضًا عن النون وهذا الحكر استقرّ أخيرًا في أوقاف خواندارد وتكين ابنه نوكيه السلاح دار زوجة الملك الأشرف خليل بن قلاون على تربتها التي أنشأتها خارج باب القرافة التي تعرف اليوم بتربة الست وقد خرب هذا الحكر وبيعت أنقاضه في أعوام بضع وتسعين وسبعمائة وجعل بعضه بستانًا في سنة ست وتسعين وسعبمائة‏.‏

 

 

حكر ابن الأسد جفريل‏:‏ هذا الحكر في قبليّ حكر تكان كان بستانًا فحكر وعُرف بالأمير شمس الدين موسى بن الأمير أسد الدين جفريل أحد أمراء الملك الكامل محمد بن العادل ابي بكر بن أيوب بمصر‏

 

 

حكر البغدادية‏:‏ هذا الحكر بجوار خليج الذكر كان من أعظم البساتين في الدولة الفاطمية فأزال الملك العزير عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب أشجاره ونخله وجعله ميدانًا‏

 

 

ثم حُكر وصارت فيه عدّة مساكن وهو الآن خراب يباب لا يأوي إلاّ البوم والرخم‏.‏

 

 

حكر خطلبا‏:‏ هذا الحكر حدّه القبليّ إلى الخليج وحدّه البحريّ إلى الكوم الفاصل بينه وبين حكر الأوسية المعروف بالجاوليّ وحدّه الشرقيّ إلى بستان الجليس الذي عرف بابن منقذ والحدّ الغربيّ إلى زقاق هناك‏

 

 

وكان هذا الحكر بستانًا اشتراه جمال الدين الطواشيّ من جمال الدين عمر بن ناصح الدين داود بن إسماعيل الملكيّ الكامليّ في سنة ست عشرة وستمائة‏.‏

 

 

ثم ابتاعه منه الطواشيّ محي الدين صندل الكامليّ في سنة عشرين وستمائة وباعه الأمير بالفارس صارم الدين خطلبا الكامليّ في سنة إحدى وعشرين وستمائة فعرف به‏.‏

 

 

وهو خطلبا بن موسى الأمير صارم الدين الفارسيّ التبتي الموصليّ الكامليّ استقرّ في ولاية القاهرة سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ثم أضيفت له ولاية الفيوم في سنة سبع وسبعين وخمسمائة ثم صرف عنها وصار متسلمه إلى اليمن ليتسلمها فتسلمها في جمادى الأولى وسار هو في سادس شوال منها واليًا على مدينة زبيد باليمن ومعه خمسمائة رجل ورفيقه الأمير باخل فبلغت النفقة عليه عشرين ألف دينار وكتب للطواشية بنفقة عشرة دنانير لكل منهم على اليمن فأقام باليمن مدّة ثم قدم إلى القاهرة وصار من أصحاب الأمير فخر الدين جهاركس وتأخر إلى أيام الملك الكامل وصار من أمرائه بالقاهرة إلى أن مات في ثالث شعبان سنة خمس وثلاثين وستمائة‏.‏

 

 

حكر ابن منقذ‏:‏ هذا الحكر خارج باب القنطرة بعدوة خليج الذكر وكان بستانًا يُعرف ببستان الشريف الجليس ويُعرف أيضًا بالبطائحيّ ثم عرف بالأمير سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ نائب الملك المعز سيف الإسلام ظهير الدين طفتكين بن نجم الدين أيوب بن شادي على ملكة يمن وانتقل بعد ابن منقذ إلى الشيخ عبد المحسن بن عبد العزيز بن عليّ المخزوميّ المعروف بابن الصيرفيّ فوقفه على جهات تؤول أخيرًا إلى الفقراء والمساكين المقيمين بمشهد السيدة نفيسة والفقراء والمساكين المعتقلين في حبوس القاهرة في سنة ثلاث وأربعين وستمائة ثم أزيلت أنشاب هذا البستان وحكرت أرضه وبنيت الور والمساكن عليها وهو الآن خراب‏.‏

 

 

حكر فارس المسلمين بدر بن رزيك‏:‏ هذا الحكر الوظائف الخاصة بالخليفة‏

 

 

صبح الأعشى البركة المعروفة ببطن البقرة ثم نحكر وبني فيه وأكثره الآن خراب‏.‏

 

 

حكر شمس الخواص مسرور‏:‏ هذا الحكر فيما بين خليج الذكر وحكر ابن منقذ كان بستانًا لشمس الخواص مسرور الطواشي أحد الخدّام الصالحية مات في نصف شوال سنة سبع وأربعين وستمائة بالقاهرة ثم حكر وبني فيه الدور وموضعه الآن كيمان‏

 

 

حكر العلائي‏:‏ هذا الحكر يجاور حكر تكان من بحري وكان بستانًا جليل القدر ثم حكر وصار بعضه وقف تذكاريي خاتون ابنة الملك الظاهر بيبرس وقفته في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة على نفسها ثم من بعدها على الرباط الذي أنشأته داخل الدرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس وهو الرط المعروف برواق البغدادية وعلى المسجد الذي بحكر سيف الإسلام خارج باب زويلة وعلى تربتها التي بجوار جامع ابن عبد الظاهر بالقرافة وصار بعض هذا الحكر في وقف الأمير سيف الدين بهادر العلائي متولى البهنساء وكان وقفه في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة فعرف بالحكر العلائي المذكور وأدركت هذا الحكر وهو من أعمر الأحاكر وفيه درب الأمير عز الدين أيدمر الزرّاق أمير جاندار ووالي القاهرة وداره العظيمة ومساكنه الكثيرة فلما حدثت فلما حدثت المحن منذ سنة ست وثمانمائة خرب هذا الحكر وأُخذت أنقاضه وبقيت دار الزرّاق إلى سنة سبع عشرة وثمانمائة فشرع في الهدم فيها لأجل أنقاضها الجليلة‏.‏

 

 

حكر الحريري‏:‏ هذا الحكر بجوار حكر العلائيّ المذكور من حدّه البحريّ وهو من جملة الأرض المعروفة بالأرض البيضاء وكان بستانًا ثم حكر وصار في وقف خزائن السلاح وأدركناه عامرًا وفيه سوق يُعرف بالسويقة البيضاء كانت بها عدّة حوانيت وقد خرب هذا الحكر وهذا الحريريهو الصاحب محيي الدين‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 حكر المساح

 

 

 

‏:‏ عُرف بالأمير شمس الدين سنقر المساح أحد أمراء الظاهر بيبرس قبض عليه في عدّة من الأمراء في ذي الحجة سنة تسع وستين وستمائة‏

 

الدكة‏:‏ هذا المكان كان بستانًا من أعظم بساتين القاهرة فيما بين أراضي اللوق والمقس وبه منظرة للخلفاء الفاطميين تشرف طاقاتها على بحر النيل الأعظيم ولا يحول بينها وبني برّ الجيزة شيء فلما زالت الدولة الفاطمية تلاشى أمر هذا البستان وخرب فحكر موضعه وبنى النافيه فصار خطة كبيرة كأنه بلد جليل وصار به سوق عظيم وسكنه الكتاب وغيرهم من الناس وأدركته عامرًا ثم إنه خرب منذ سنة ست وثمانمائة وبه الآن بقية عما قليل تدثر كما دثر ما هنالك وصار كيمانًا‏.‏

 

 

المقس وفيه الكلام على المكس وكيف كان أصله في أوّل الإسلام اعلم أن المقس قديم وكان في الجاهلية قرية تعرف بأمّ دنين وهي الآن محلة بظاهر القاهرة في برّ الخليج الغربيّ وكان عند وضع القاهرة هو ساحل النيل وبه أنشأ الإمام المعز لدين الله أبو معدّ الصناعة التي ذكرت عند ذكر الصناعات من هذا الكتاب وبه أيضًا أنشأ الإمام الحاكم بأمر الله أبو عليّ منصور جامع المقس الذي تسميه عامّة أهل مصر في زمننا بجامع المقسيّ وهو الآن يطلّ على الخليج الناصريّ‏.‏

 

 

قال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر وقد ذكر مسير عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى فتح مصر‏:‏ فتقدّم عمرو بن العاص رضي الله عنه ولا يدافع إلاّ بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس فقاتلوه بها نحوًا من شهر حتى فتح الله سبحانه وتعالى عل ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى أمّ دنين فقاتلوه بها قتالًا شديدًا وأبطأ عليه الفتح فكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يستمدّ فأمدّه بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف فقاتلهم وذكر تمام الخبر‏.‏

 

 

وقال القاضي أبو عبد الله القضاعيّ‏:‏ المقس كانت ضيعة تعرف بأمّ دنين وإما سُمّيَت المقس لأنّ العاشر كان يقعد بها وصاحب المكس فقيل المكس فقُلب فقيل المقس‏

 

 

قال المؤلف رحمه الله‏:‏ الماكس هو العشار وأصل المكس في اللغة الجباية‏

 

 

قال ابن سيدة في كتاب المحكم‏:‏ المكس الجباية مكسه يمكسه مكسًا والمكسُ دراهِمُ كانت تُؤخذ من بائع السلع في الأسواق في الجاهلية ويقال للعشار صاحب مكس والمكس انتقاصُ الثمن في البياعة‏.‏قال الشاعر‏:‏ أفي كلِّ أسواقِ العراقِ أتاوةٌ وفي كلِّ ما باب أمرؤ مكمِ ألا ينتهي عنا رجالٌ وتُتَّقى محارمنا لا يَدرأ الدّمُّ بالدَّمِّ الأتاوة الخراج ومِكسُ درهم أي نقص درهم في بيع ونحوه‏.‏

 

 

قال‏:‏ وعشر القوم يعشرهم عشرًا وعشورًا وعشرهم أخذ عِشْرَ أموالهم وعِشْرُ المال نفسه وعشره كذلك والعشّار قابض العِشر

 

 

ومنه قول عيسى بن عمرو لابن هبيرة وهو يُضرب بين يديه بالسياط‏:‏ تالله إن كانت إلاّ ثيابًا في أسفاط قبضها عشَّاروك

 

 

وقال الجاحظ‏:‏ ترك الناس مما كان مستعملًا في الجاهلية أمورًا كثيرة فمن ذلك تسميتهم للأتاوة بالخراج وتسميتهم لما يأخذه السلطان من الحلوان والمكس بالرشوة وقال الخارجيّ‏:‏ أفي كلّ أسواق العراقِ أتاوة‏:‏ البيت وكما قال العبديّ في الجارود‏:‏ اكابن المعلأما حسبتنا صواريّ نُعطي الماكسينّ مكوسا الصواريّ‏:‏ الملاحون والمكس‏:‏ ما يأخذ العشار انته

 

 

ويقال أن قوم شُعيب عليه السلام كانوا مكاسين ولا يَدَعون شيئًا إلا مكّسوه‏.‏

 

 

ومنه قيل للمكس النجس لقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ‏"‏ وذكر أحمد بن يحيى البلاذريّ عن سفيان الثوريّ عن إبراهيم بن مهاجر قال‏:‏ سمعت زياد بن جرير يقول‏:‏ أنا أوّل من عشَّر في

 

 

وكان سفيان عن عبد الله بن خالد عن عبد الرحمن بن معقل قال سألت زياد بن جرير من كنتم تعشرون فقال‏:‏ ما كنا نعشر مسلمًا ولا معاهدًا بل كنا نعشر تجار أهل الحرب كما كانوا يعشرونا إذا أتيناهم‏

 

 

وقال عبد الملك بن حبيب السلميّ في كتاب سيرة الإمام العدل‏.‏

 

 

في مال الله عن السائب بن يزيد أنه قال‏:‏ كنت على سوق المدينة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكنا نأخذ من القبط العشر‏

 

 

وقال ابن شهاب‏:‏ كان ذلك يؤخذ منهم في الجاهلية فألزمهم ذلك عمر بن الخطاب وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال‏:‏ إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأخذ بالمدينة من القبط من الحنطة والزبيب نصف العشر يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة من الحوالزبيب وكان يأخذ من القطنية العشر‏.‏

 

 

وقال مالك رحمه الله‏:‏ والسِّنَّة أنَّ ما أقام الذمّة في بلادهم التي صالحوا عليها فليس عليهم فيما إلاّ الجزية إلاّ أنْ يتجروا في بلاد المسلمين ويختلفوا فيها فيؤخذ منهم العشر فيما يديرون من التجارة وإن اختلفوا في بلاد المسلمين ويختلفوا فيها فيؤخذ منهم الع فيما يديرون من التجارة وإن اختلفوا في العام الواحد مرارًا إلى بلاد المسلمين فعليهم كلما اختلفوا العشر وإذا اتجر الذميّ في بلاده من اعلاها إلى اسفلها ولم يخرج منها إلى غيرها فليس عليه شيء مثل أن يتجر الذميّ الشامي في جميع الشام أو الذميّ المصريّ في جميع مصر أو الذميّ العراقيّ في جميع العراق وليس العمل عندنا على قول عمر بن عبد العزيز لزريق بن حيان‏:‏ واكتب لهم بما يؤخذ منهم كتابًا إلى مثله من الحول ومن مرّ بك من أهل الذمّة فخذ ما يديرون من التجارات من كل عشرين دينارًا دينارًا فما نقص فبحساب ذلك حتى تبلغ عش دنانير فإن نقص منها ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئًا والعمل على أن يأخذ منهم العشر وإن خرجوا في السنة مرارًا من كلّ ما أتجروا به قل أو كثر وهذا قول ربيعة وابن هرمز‏.‏

 

 

وقال القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الحضرميّ أحد أصحاب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في كتاب الرسالة إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد وهو كتاب جليل القدر حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر قال‏:‏ سمعت أبي يذكر قال‏:‏ سمعت زياد بن جرير قال‏:‏ أوّل معمر بن الخطاب رضي الله عنه منا على العشور أنا فأمرني أن لا أفتش أحدًا وما مرّ عليّ من شيء أخذتُ من حساب أربعين درهمًا درهمًا من المسلمين وأخذت من أهل الذمّة من عشرين واحدًا وممن لا ذمّة له العشر وأمرني أن أغُلّطَ على نصارى بني تغلب قال‏:‏ إنهم قوم من الع وليسوا من أهل الكتاب فلعلهم يُسلمون‏.‏

 

 

قال‏:‏ وكان عمر رضي الله عنه قد اشترط على نصارى بني تغلب أن لا يُنَصِّروا أولادهم‏

 

 

وحدّثنا أبو حنيفة عن الهيثم عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ بعثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه على العشور وكتب لي عهدًا أن آخذ من المسلمين مما اختلفوا به لتجاراتهم ربع العشر ومن أهل الذمّة نصف العشر ومن أهل الحرب العشر‏

 

 

وحدّثنا عاصم بن سلميان الأحول عن الحسن قال‏:‏ كتب أبو موسى الأشعريّ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنّ تجارًا من قبلنا من المسلمين يأتون أهل الحرب فيأخذون منهم العشر فكتب إليه عمر رضي الله عنه فخذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين وخذ من أهل الذمّة ف العشر ومن المسلمين من كلّ أربعين درهمًا درهمًا وليس فيما دون المائتين شيء فإذا كانت مائتين ففيها خمسة دراهم فما زاد فبحسابه‏.‏

 

 

وحدّثنا عبد الملك بن جريج عن عمرو بن شعيب قال‏:‏ إنّ أهل منبج قومًا من أهل الشرك وراء البحر كتبوا إلى عمر بالخطاب رضي الله عنه دعنا ندخل أرضك تجارًا وتعشرنا قال فشاور عمر رضي الله عنه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فأشاروا عليه به فكانوا أول من عش من أهل الحرب‏.‏

 

 

وحدّثنا السدّيّ بن إسماعيل عن عامر الشعبيّ عن زياد بن جرير الأسديّ قال‏:‏ إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعثه إلى عشور العراق والشام وأمره أن يأخذ من المسلمين ربع العشر ومن أهل الذمّة نصف العشر ومن أهل الحرب العشر فمرّ عليه رجل من بني تغلب من نصارى العرب عه فرس فقوّمها بعشرين ألفًا فقال أمسك الفرس وأعطني ألفًا أو خذ مني تسعة عشر ألفًا وأعطني الفرس‏.‏

 

 

قال‏:‏ فأعطاه الفًا وأمسك الفرس‏

 

 

قال‏:‏ ثم مرّ عليه راجعًا في سنته فقال‏:‏ أعطني ألفًا أخرى فقال له التغلبيّ‏:‏ كلّما مررتُ بك تأخذ مني ألفاّ قال نعم فرجع التغلبيّ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فوافها بمكة وهو في بيت له فاستأذن عليه فقال‏:‏ من أنت فقال‏:‏ أنا رجل من نصارى العرب قصته‏.‏

 

 

فقال له عمر رضي علله عنه كفيتَ ولم يزده على ذلك‏.‏

 

 

قال‏:‏ فرجع الرجل إلى زياد بن جرير وقد وطن نفسه على أن يعطيه ألفًا فوجد كتاب عمر رضي الله عنه قد سبق إليه‏:‏ من مرّ عليك فأخذت منه صدقة فلا تأخذ منه شيئًا إلى مثل ذلك اليوم من قابل إلاّ أن تجد فضلً

 

 

قال‏:‏ فقال الرجل قد والله كانت نفسي طيبة أن أعطيك ألفًا وأني أشهد الله تعالى أني بريء من النصرانية وأني على دين الرجل الذي كتب إليك هذا الكتاب‏

 

 

وحدّثني يحيى بن سعيد عن زريق بن حيان وكان على مكس مصر فذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه أن أنظر من مرّ عليك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم وما ظهر لك من التجارات من كلّ أربعين دينارًا دينارًا فما نقص فبحسابه حتى تبلغ عشرين دينارًا فإن نقصت فدعها ولا تأخذ منها وإذا مرّ عليك أهل الذمة فخذ مما يديرون من تجاراتهم من كل عشرين دينارًا دينارًا فما نقص فبحساب ذلك حتى تبلغ عشرة دنانير ثم دعها لا تأخذ منها شيئًا واكبت لهم كتابا بما تأخذ منهم إلى مثلها من الحول‏.‏

 

 

وحدّثني أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال‏:‏ إذا مرّ أهل الذمّة بالخمر للتجارة أُخذ من قيمتها نصف العشر ولا يقبل قول الذميّ في قيمتها حتى يؤتى برجلين من أهل الذمّة يقوّمانها عليه فيؤخذ نصف العشر من الذميّ‏

 

 

وحدّثنا قيس بن الربيع عن أبي فزارة عن يزيد بن الأصم عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه قال‏:‏ إن هذه المعاصر والقناطر سُحْت لا يحلّ أخذها‏

 

 

فبعثَ عمالًا إلى اليمن ونهاهم أن يأخذوا من عاصر أو قنطرة أو طريق شيئًا‏.‏

 

 

فقدموا فاستقلّ المال فقالوا‏:‏ نهيتنا‏

 

 

فقال‏:‏ خذوا كما كنتم تأخذون‏

 

 

وحدّثنا محمد بن عبيد الله عن أنس بن سيرين قال‏:‏ أرادوا أن يستعملوني على عشور الأبلة فأبيت فلقيني أنس بن مالك رضي الله عنه فقال‏:‏ ما يمنعك قلت العشور أخبث ما عَمِلَ عليه النا

 

 

قال‏:‏ فقال لي لم لا تفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه صنعه فجعل على أهل الإسلام ربع العشر وعلى أهل الذمّة نصف العشر وعلى أهل المنزل ممن ليس له ذمة العشر‏

 

 

وقال أبو الحسن المسعوديّ أنّ كيقباذ أحد ملوك الفرس أوّل من أخذ العشر من الأرض وعمر بلاد بابل ومملكة الفرس ورأيت في التوراة التي في يد اليهود أنّ أوّل من أخرج العشر من مواشيه وزروعه وجميع ما له خليل الله إبراهيم عليه السلام وكان يدفع ذلك إلى ملك أورشليم التي هي أرض القدس واسمه ملكي صادق فلما مات الخليل إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه اقتدى به بنوه في ذلك من بعده وصاروا يدفعون العشر من أموالهم إلى أن بعث الله تعالى موسى عليه السلام فأوجب على بني إسرائيل إخراج العشر في كل ما ملكت أيمانهم من جميع أموالهم بأنواعها وجعل ذلك حقًا لسبط لاوي الذين هم قربة موسى عليه السلام‏.‏

 

 

وقال ابن يونس في تاريخ مصر‏:‏ كان ربيعة بن شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه أحد من شهد فتح مصر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واليًا لعمر بن العاص رضي الله عنه على المكس وكان زريق بن حيان على مكس إبلة في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه‏

 

 

قال مؤلفه رحمه الله‏:‏ ومع ذلك فقد كان أهل الورع من السلف يكرهون هذا العمل‏

 

 

روى ابن قتيبة في كتاب الغريب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ لعن الله سهيلًا كان وروى ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن ميمون عن أبي إبراهيم المعافريُّ عن خالد بن ثابت‏:‏ أنّ كعبًا أوصاه وتقدّم إليه حين مخرجه مع عمرو بن العاص أن لا يقرب ال

 

 

فهذا أعزَّك الله معنى المكس عند هل الإسلام لا ما أحدثه الظالم هبة الله بن صاعد الفائزيّ وزير الملك المعز ايبك التركمانيّ أوّل من أقام من ملوك الترك بقلعة الجبل من المظالم التي سمّاها الحقوق السلطانية والمعاملات الديوانية وتعرف اليوم بالمكوس فذلك الرجس النجس الذي هو أقبح المعاصي والذنوب والموبقات لكثرة مطالبات الناس له وظلاماتهم عنده وتكرّر ذلك منه وانهاكه للناس وأخذ أموالهم بغير حقها وصرفها في غير وجهها وذلك الذي لا يُقِرُّ به متقِ‏.‏

 

 

وعلى آخذه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين‏.‏

 

 

ولنرجع إلى الكلام في المقس فنقول‏:‏ من الناس من يسميه المقسم بالميم بعد السين‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر في كتاب خطط القاهرة‏:‏ وسمعت من يقول أنه المقسم قيل لأن قسمة الغنائم عند الفتوح كانت به ولم أره مسطورًا‏

 

 

وقال العماد محمد بن أبي الفرج محمد بن حامد الكاتب الأصفهانيّ في كتاب سنا البرق الشاميّ‏:‏ وجلس الملك الكامل محمد بن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب في البرج الذي بجوار جامع المقس في السابع والعشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة وهذا المقسم على شاطىالنيل يُزار وهناك مسجد يتبرّك به الأبرار وهو المكان الذي قسمت فيه الغنائم عند استيلاء الصحابة وهناك مسجد يتبرّك به الأبرار وهو المكان الذي قسمت فيه الغنائم عند استيلاء الصحابة رضي الله عنهم على مصر فلما أمر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بإدارة السور على مصر والقاهرة تولى ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش وجعل نهايته التي تلي القاهرة عند المقسم وبنى فيه برجًا مشرفًا على النيل وبنى مسجدًا جامعًا واتصلت العمارة منه إلى البلد وجامعه تقام فيه الجمعة والجماعات وهذا البرج عُرف بقلعة قراقوش وما برح هنالك إلى أن هدمه الصاحب الوزير شمس الدين عبد الله المقسيّ وزير الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون في سنة بضع وسبعين وسبعمائة عندما جُدِّدَ جامع المقس الذي أنشأه الخليفة الحاكم بأمر الله فصار يُعرف بجامع المقسيّ هذا إلى اليوم وما برح جامع المقس هذا يُشرف على النيل الأعظم إلى ما بعد سنة سبعمائة بعدّة أعوام‏.‏

 

 

قال جامع السيرة الطولونية‏:‏ وركب أحمد بن طولون في غداة باردة إلى المقس فأصاب بشاطىء النيل صيادًا عليه خلق لا يواريه منه شيء ومعه صبيّ له في مثل حاله وقد ألقى شبكته في البحر فلما رآه رقّ لحاله وقال‏:‏ يا نسيم ادفع إلى هذا عشرين دينارًا فدفعها إليه ولحق طولون فسار أحمد بن طولون ولم يبعد ورجع فوجد الصياد ميتًا والصبيّ يبكي ويصيح فظن ابن طولون أن بعض سودانه قتله وأخذ الدنانير منه فوقف بنفسه عليه وسأل الصبيّ عن أبيه فقال له‏:‏ هذا الغلام وأشار إلى نسيم الخادم دفع إلى أبي شيئًا فلم يزل يقلِّبه حتى وقع ميت.‏  

 

فقال‏:‏ فتشه يا نسيم فنزل وفتشه فوجد الدنانير معه بحالها فحرّض الصبيّ أن يأخذها فأبى وقال‏:‏ هذه قتلت أبي وإن أخذتها قتلتني فأحضر ابن طولون قاضي المقس وشيوخه وأمرهم أن يشتروا للصبيّ دارًا بخمسمائة دينار تكون لها غلة وأن تحبس عليه وكتب اسمه في أصحاب الجت وقال‏:‏ أنا قتلت أباه لأنّ الغني يحتاد إلى تدريج وإلاّ قتل صاحبه هذا كان يجب أن يُدفع إليه دينارًا بعد دينار حتى تأتيه هذه الحملة على تفرقة فلا تكثر في عينه‏

 

 

وقال القاضي الفاضل عبد الرحيم البيسانيّ رحمه الله في تعليق المتجدّدات لسنة سبع وسبعين وخمسمائة وفيه يعني يوم الثلاثاء لستٍ بقين من المحرّم ركب السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أعز الله نصره لمشاهدة ساحل النيل وكان قد انحسر وتشمر عن المقس وما يليه وبعد عن السور والقلعة المستجدّين بالمقس وأحضر أرباب الخبرة واستشارهم فأشير عليه بإقامة الجراريف لرفع الرمال التي قد عارضت جزائرها طريق الماء وسدّته ووقفت فيه وكان الأفضل بن أمير الجيوش لما تربى قدّام دار الملك جزيرة رمل كما هي اليوم أراد أن يقرب البحر وينقل الجزيرة فأشير عليه بأن يبني مما يلي الجزيرة أنفًا خارجًا في البحر ليلقى التيار وينقل الرمل فعسر هذا وعظمت غرامته فأشار عليه ابن سيد بأن يأخذ قصاري فخار تثقب ويعمل تحتها رؤوس برابخ وتلطخ بالزفت وتُكّبُّ القصاري عليها وتدفن في الرمل فإذا أراد النيل وركبها نزل من خروق القصاري إلى الرؤوس فأدارها الماء ومنعتها القاصري أن تنحدر ودامت حركة الرمل بتحريك الماء للرؤوس فانتقل الرمل وذكر أنّ للزفت خاصية في تحويل الرمل قال‏:‏ وفي هذا الوقت احترق النيل وصار البحر مخايض يقطعها الراجل وتوحل فيه المراكب وتشمر الماء على ساحل المقسمصر وربّى جزائر رملية أشفق منها على المقياس لئلا يتقلص النيل عنه ويحتاج إلى عمل غيره وخشي منها أيضًا على ساحل المقس لكون بنيان السور كان اتصل بالماء وقد تباعد الآن عن السور وصار المدّقوّتة من برّ الغرب ووقع النظر في إقامة جراريف لقطع الجزائر التي رباها البحر وعمر أنوف خارجة في بر الجيزة ليميل بها الماء إلى هذا الجانب ولم يتم شيء من ذلك‏.‏

 

 

وقال ابن المتوّج في سنة خمسين وستمائة‏:‏ انتهى النيل في احتراق إلى أربعة أذرع وسبعة عشر أصبعًا وانتهى في زيادته إلى ثمانية عشر ذراعًا وكان مثل ذلك في دولة الملك الأشرف خليل بن قلاون وكان نيلًا عظيمًا سدّ فيه باب المقس يعني الباب الذي يعرف اليوم بباب البحعند المقس وفي سنة اثنتين وستين وستمائة أحضر إلى الملك الأشرف خليل بن قلاون وكان نيلًا عظيمًا سدّ فيه باب المقس يعني الباب الذي يعرف اليوم بباب البحر عند المقس وفي سنة اثنتين وستين وستمائة أحضر إلى الملك الظاهر بيبرس طفل وجد ميتًا بساحل المقس له رأسان وأربعة أعين وأربعة أرجل وأربعة أيد وأخبرني وكيل أبي الشيخ المعمر حسام الدين حسن بن عمر السهروديّ رحمه الله ومولده سنة اثنتين وسبعمائة بالمقس أنه يعَرِفُ باب البحر هذا إذا خرج منه الإنسان فأنه يرى برّ الجيزة لا يحول بينه وبينها حال فإذا زاد ماء النيل صار الماء عند الوكالة التي هي الآن خارج باب البحر المعروفة بوكالة الجبن وإذا كان أيام احتراق النيل بقيت الرمال تجاه باب البحر وذلك قبل أن يحفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخليج الناصريّ فلما حفر الخليج المذكور أنشأ الناس البساتين والدور كما يجيء إن شاء الله تعالى ذكره وأدركنا المقس خطة في غاية العمارة بها عدّة أسواق ويسكنها أمم من الأكراد والأجناد والكتاب وغيرهم وقد تلاشت من بعد سنة سبع وسبعين وسبعمائة عند حدوث الغلاء بمصر في ايام الملك الأشرف شعبان بن حسين فلما كانت المحن منذ سنة ست وثمانمائة خربت الأحكار والمقس وغيره وفيه إلى الآن بقية صالحة وبه خمسة جوامع تقام بها الجمعة وعدّة أسواق ومعظمه خراب‏.‏

 

 

ميدان القمح هذا المكان خارج باب القنطرة يتصل من شرقية بعدوة الخليج ومن غربيه بالمقس وبعضهم يسميه ميدان الغلة وكان موضعًا للغلال أيام كان المقس ساحل القاهرة وكانت صبر القمح وغيره من الغلال توضع من جانب المقس إلى باب القنطرة عرضًا وتقف المراكب من جامع المقس إلى منية الشيرج طولًا ويصير عند باب القنطرة في أيام النيل من مراكب الغلة وغيرها ما يستر الساحل كله‏.‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ المكان المعروف بميدان الغلة وما جاوره إلى ما وراء الخليج لما ضعف أمر الخلافة وهجرت الرسوم القديمة من التفرّج في اللؤلؤة وغيرها بنت الطائفة الفرحية الساكنون بالمقس لأنهم ضاق بهم المقس قبالة اللؤلؤة حارة سُميت بحارة اللصوص بسبب تعدّيهفيها مع غيرهم إلى أن غيروا تلك المعالم وقد كان ذلك قديمًا بستانًا سلطانيًا يُسمّى بالمقسي أمر الظاهر بن الحاكم بنقل أنشابه وحفره وجعله بركة قدّام اللؤلؤة مختلطة بالخليج وكان للبستان المقدّم ذكره ترعة من البحر يدخل منها الماء إليه وهو خليج الذكر الآن فأمر بإبقائها على حالها مسلطة على البركة والخليج يستنقع الماء فيها فلما نسى ذلك على ما ذكرناه عمد المذكورون وغيرهم إلى اقتطاع البركة من الخليج وجعلوا بينها وبين الخليج جسرًا وصار الماء يصل إليها من الترعة دن الخليج وصارت منتزهًا للسودان المذكورين في أيام النيل والربيع ولما كانت الأيام الآمرية أحبّ إعادة النزهة فتقدّم وزيره المأمون بن البطائحيّ بإحضار عرفاء السودان المذكورين وأنكر عليهم ذلك فاعتذروا بكثرة الرمال فأمر بنقل ذلك وأعطاهم أنعامًا فبنوا حارة بالقرب من دار كافور التي أسكنت بها الطائفة المأمونية قبالة بستان الوزير ومن المساجد الثلاثة المعلقة في شرقيها ثم أحضر الأبقار من البساتين والعدد والآلات ونقض الجسر الذي بين البركة والخليج وعمّق البرة إلى أن صار الخليج مسلطًا عليها‏.‏

 

 

قال مؤلفه رحمه الله تعالى هذه البركة عُرفت ببطن البقرة وقد ذكر خبرها عند ذكر البرك من هذا الكتاب وقد صار هذا الميدان اليوم سوقًا تباع فيه القشة من النحاس العتيق والحصر وغير ذلك وفي بعضه سوق الغزل وبه جامع يُشرف على الخليج وسكن هناك طائفة من المشارقة الحياك وفيه سوق عامر بالمعايش‏.‏

 

 

ذكر أرض الطبالة هذه الأرض على جانب الخليج الغربيّ بجوار المقس كانت من أحسن منتزهات القاهرة يمرّ النيل الأعظم من غربيها عندما يندفع من ساحل المقس حيث جامع المقس الآن إلى أن ينتهي إلى الموضع الذي يعرف بالجرف على جانب الخليج الناصريّ بالقرب من بركة الرطليّ ويمرّ من الجرف إلى غربيّ البعل فتصير أرض الطبالة نقطة وسط من غربيها النيل الأعظم ومن شرقيها الخليج ومن قبالتها البركة المعروفة ببطن البقرة والبساتين التي آخرها حيث الآن باب مصر بجوار الكبارة وحيث المشهد النفيسيّ ومن بحريها أرض البعل ومنظرة البعل ومنظرة التاج والخمس وجوه وقبة الهواء فكانت رؤية هذه الأرض شيئًا عجيبًا أيام الربيع وفيها يقول يوسف الدين علي بن قزل المشدّ‏:‏ إلى طبالةٍ يُعزون أرضًا لها من سندسِ الريحان بُسْطُ وقد كتب الشقيق بها سطورًا وأحسنَ شكلها للطلِ نِقْطُ رياض كالعرائس حين تُجلى يزينُ وجهها جٌ وقرْطُ وإنما قيل لها أرض الطبالة‏:‏ لأنّ الأمير أبا الحارث أرسلان البساسيري لما غاضب الخليفة القائم بأمر الله العباسيّ وخرج من بغداد يريد الانتماء إلى الدولة الفاطمية بالقاهرة أمدّه الخليفة المستنصر بالله ووزيره الناصر لدين الله عبد الرحمن البازوريّ ح استولى على بغداد وأخذ قصر الخلافة وأزال دولة بني العباس منها وأقام الدولة الفاطمية هناك وسيّر عمامة القائم وثيابه وشباكه الذي كان إذا جلس يستند إليه وغير ذلك من الأموال والتحف إلى القاهرة في سنة خمسين وأربعمائة فلما وصل ذلك إلى القاهرة سرّ الخليفة المستنصر سرورًا عظيمًا وزُينت القاهرة والقصور ومدينة مصر والجزيرة فوقفت نسب طبالة المستنصر وكانت امرأة مرجلة تقف تحت القصر في المواسم والأعياد وتسير أيام الموكب وحولها طائفتها وهي تضرب بالطبل وتنشد فأنشدت وهي واقفة تحت القصر‏:‏ يا بني العباس ردّوا ملك الأمر معد مِلَّكُكُم مِلكُ مُعارٌ والعواري تُستردُّ فأعجب المستنصر ذلك منها وقال لها تمني فسألت ان تقطع الأرض المجاورة للمقس فأقطعها هذه الأرض‏.‏

 

 

وقيل لها من حينئذ أرض الطبالة وأنشأت هذه الطبالة تربة بالقرافة الكبرى تعرف بتربة نسب مغنية المستنصر‏.‏

 

 

قال‏:‏ أرض الطبالة منسوبة إلى امرأة مغنية تعرف بنسب وقيل بطرب مغنية المستنصر‏

 

 

قال‏:‏ فوهبها هذه الأرض المعروفة بأرض الطبالة وحكرت وبنيت آدارًا وبيوتًا وكانت من ملح القاهرة وبهجتها انتهى‏

 

 

ثم أن أرض الطباة خربت في سنة ست وتسعين وستمائة عند حدوث الغلاء والوباء في سلطنة الملك العادل كتبغا حتى لم يبق فيها إنسان يلوح وبقيت خرابًا إلى ما بعد سنة إحدى عشرة وسبعمائة فشرع الناس في سكناها قليلًا قليلًا فلما حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليج الناصريّ في سنة خمس وعشرين وسبعمائة كانت هذه الأرض بيد الأمير بكتمر الحاجب فما زال بالمهندسين حتى مرّوا بالخليج من عند الجرف على بركة الطوّابين التي تعرف اليوم ببركة الحاجب وببركة الرطليّ فمرّوا به من هناك حتى صبّ في الخليج الكبير من آخر أرض الطبالة فعمر الأمير بكتمر المذكور هناك القنطرة التي تعرف بقنطرة الحاجب على الخليج الناصريّ وأقام جسرًا من القنطرة المذكورة إلى قريب من الجرفن فصار هذا الجسر فاصلًا بين بركة الحاجب والخليج الناصريّ وأذن للناس في تحكيره فبنوا عليه وعلى البركة الدور وعمرت بسبب ذلك أرض الطبالة وصار بها عدّة حارات منها‏:‏ حارة العرب وحارة الأراد وحارة البزازرة وحارة العياطين وغير ذلك‏

 

 

وبقي فيها عدّة اسواق وحمّام وجوامع تقام بها الجمعة وأقبل الناس على التنزه بها ايام النيل والربيع وكثرت الرغبات فيها لقربها من القاهرة وما برحت على غاية من العمارة إلى أن حدث الغلاء في سنة سبع وسبعين وسبعمائة ايام الأشرف شعبان بن حسينن فخرب كثير من حارات ارض الطبالة وبقيت منها إلى أن دُثرت منذ سنة ست وثمانمائة وصارت كيمانًا وبقي فيها من العامر الآن الاملاك المطلة على البركة التي ذكرت عند ذكر البرك من هذا الكتاب وفيها بقعة تعرف بالجنينة تصغير جنة من أخبث بقاع الأرض يُعمل فيها بمعاصي الله عز وجلّ وتعرف ببيع الحشيشة التي يبتلعها اراذل الناس وقد فشت هذه الشجرة الخبيثة في وقتنا هذا فشوًّا زائدًا وولع بها أهل الخلاعة والسخف ولعًا كثيرًا وتظاهروا بها من غير احتشام بعدما أدركنا تعدّ من أرذل الخبائث وأقبح القاذورات وما شيء في الحقيقة افسد لطباع البشر منها ولاشتهارها في وقتنا هذا عند الخاص والعام بمصر والشام والعراق والروم تعين ذكرها والله تعالى أعلم‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 حشيشة الفقراء

 

 

 

قال الحسن بن محمد في كتاب السوانح الأدبية في مدائح القنبية‏:‏ سألت الشيخ جعفر بن محمد الشيرازيّ الحيدريّ ببلدة تستر في سنة ثمان وخمسين وستمائة عن السبب في الوقوف على هذا العقار ووصوله إلى الفقراء خاصة وتعدّيه إلى العوام عامّة فذكر لي أن شيخه شيخ الشيوخ حرًا رحمه الله كان كثير الرياضة والمجاهدة قليل الاستعمال للغذاء قد فاق في الرهادة وبرز في العبادة وكان مولده بنشاور من بلاد خراسان ومقامه بجبل بين نشاور ومارماه وكان قد اتخذ بهذا الجبل زاوية وفي صحبته جماعة من الفقراء وانقطع في موضع منها ومكث بها أكثر من عشر سنين لا يخرج منها ولا يدخل عليه أحد غيري للقيام بخدمته‏.‏

 

 

قال‏:‏ ثم أن الشيخ طلع ذات يوم وقد اشتدّ الحرّ وقت القائلة منفردًا بنفسه إلى الصحراء ثم عاد وقد علا وجهه نشاط وسرور بخلاف ما كنا نعهده من حاله قبل وأذن لأصحابه في الدخول عليه وأخذ يحادثهم فلما رأينا الشيخ على هذه الحالة من المؤانسة بعد إقامته تلك المدّة طويلة في الخلوة والعزلة سألناه عن ذلك فقال‏:‏ بينما أنا في خلوتي إذ خطر ببالي الخروج إلى الصحراء منفردًا فخرجت فوجدت كل شيء من النبات ساكنًا لا يتحرك لعدم الريح وشدّة القيظ ومررت بنبات له ورق فرأيته في تلك الحال يميس بلطف ويتحرّك من غير عنف كالثمل النشوافجعلت أقطف منه أوراقًا وآكلها فحدث عندي الارتياح ما شاهدتموه وقوموا بنا حتى أوقفكم عليه لتعرفوا شكله‏.‏

 

 

قال‏:‏ فخرجنا إلى الصحراء فأوقفنا على النبات فلما رأيناه قلنا هذا نبات يُعرف بالقنب فأمرنا أن نأخذ من ورقه ونأكله ففعلنا ثم عدنا إلى الزاوية فوجدنا في قلوبنا من السرور والفرح ما عجزنا عن كتمانه فلما رآنا الشيخ على الحالة التي وصفنا أمرنا بصيانة هذا العقاوأخذ علينا الأيمان أن لا يعلم به أحدًا من عوّام الناس وأوصانا أن لا نخفيه عن الفقراء وقال أن الله تعالى قد خصكم بسرّ هذا الورق ليُذهِبَ بأكله همومكم الكثيفة ويجلو بفعله أفكاركم الشريفة فراقبوه فيما أودعكم وراعوا فيما استرعاكم‏.‏

 

 

قال الشيخ جعفر‏:‏ فزرعتها بزاوية الشيخ حيدر بعد أن وقفنا على هذا السرّ في حياته وأمرنا بزرعها حول ضريحه بعد وفاته وعاش الشيخ حيدر بعد ذلك عشر سنين وأنا في خدمته لم أره يقطع أكلها في كل يوم وكان يأمرنا بتقليل الغذاء وأكل هذه الحشيشة وتوفي الشيخ حيدر سنة ثن عشرة بزاويته في الجبل وعمل على ضريحه قبة عظيمة وأتته النذور الوافرة من أهل خراسان وعظموا قدره وزاروا قبره احترموا أصحابه وكان قد أوصى أصحابه عند وفاته أن يوقفوا ظرفاء قال‏:‏ ولم تزل الحشيشة شائعة ذائعة في بلاد خراسان ومعاملات فارس ولم يكن يِعرف أكلها أ العراق حتى ورد إليها صاحب هرمز ومحمد بن محمد صاحب البحرين وهما من ملوك سيف البحر المجاور لبلاد فارس في أيام الملك الإمام المستنصر بالله وذلك في سنة ثمان وعشرين وستمائة فحملها أصحابهما معهم وأظهروا للناس أكلها فاشتهرت بالعراق ووصل خبرها إلى أهل الشام ومصر والروم فاستعملوها‏.‏

 

 

قال‏:‏ وفي هذه السنة ظهرت الدراهم ببغداد وكان الناس ينفقون القراضة وقد نسب إظهار الحشيشة إلى الشيخ حيدر الأديب محمد بن عليّ بن الأعمى الدمشقيّ في أبيات وهي‏:‏ دع الخمر من مدامه حيدر معنبرةً خضراء مثل الزبرجد يعاطيكها ظبيٌ من الترك أغيدٌ يميس على غصنٍ مبان أملد فنحسبها في كفه إذ يُديرها كرقم عذارِ فوق خدٍّ مورَّد يرنحها أدنى نسيم تنسَّمتْ فتهفو إلى برد النسيم المردِّدِ وتشدو على أغصانها الورقِ في الضحى فيطربها سجعُ الحمامُ المغرِّدِ وفيها معانْ ليس في الخمرِ مثلها فلا تستمع فيها مقالًا مفند هي البكرُ لم تُنكحْ بماءِ سحابةٍ ولا عُصرت يومًا برجْلٍ ولا يدِ ولا نصّ في تحريمها عند مالكٍ ولا حدّ عند الشافعيّ وأحمدِ ولا أثبت النعمانُ تنجيسَ عينها فخذها بحدِّ المشرفيّ المهندِ وكفٌ أكفَّ الهمَّ بالكفِ واسترحَ ولا تطرحْ يومًا السرورِ إلى غدِ وكذلك نُسب إظهارها إلى الشيخ حيدر الأديب أحمد بن محمد بن الرسَّام الحلبيّ فقال‏:‏ ومهفهفٌ بادي النفار عَهَدْتُهُ لا ألتقيه فطُ غيرَ معبسٍ فرأيته بعضُ الليالي ضاحكًا سهلُ العريكةِ ريضًا في المجلسِ فقضيتُ منه مآربي وشكرتُهُ إذ صارَ من عبد التنافرِ مؤنسي فأجابني لا تشكرنَّ خلائقياشكر شفيعُكَ فهو خمُر المفلسِ فحشيشَةُ الأفراحِ تشفعُ عندنا للعاشقينَ ببسطها للأنفُسِ وذا هممتَ بصيد ظبي نافرِ فاجهدّ بأن يرعى حشيشَ القنبُسِ واشكر عصابة حيدرِ إذ أظهروا لذوي الخلاعةِ مذهبَ المتخمِّسِ ودع المعطِّلِ للسرورِ وخلني من حسنُ ظنِّ الناسِ بالمنمّسِ بزمان طويل وذلك أنه كان بالهند شيخ يُسمى بيررطن هو أوّل من أظهر لأهل الهند أكلها ولم يكونوا يعرفونها قبل ذلك ثم شاع أمرها في بلاد الهند حتى ذاع خبرها ببلاد اليمن ثم فشا إلى أهل فرس ثم ورد خبرها إلى أهل العراق والروم والشام ومصر في السنة التي قدّمت ذكرها‏.‏

 

قال‏:‏ وكان بيررطن في زمن الأكاسرة وأدرك الإسلام وأسلم وأنّ الناس من ذلك الوقت يستعملونها وقد نَسب إظهارها إلى أهل الهند عليّ بن مكيّ في أبيات أنشدنيها من لفظها وهي‏:‏ ألا فأكْفِفِ الأحزانَ عن مع الضرِّ بعذراءّ زُفَّتْ في ملاحفها الخضرِ تجلتّ لنا لما ت بسندسٍ فجلّت عن التشبيهِ في النظمِ والنثرِ بدت تملأُ الأبصارَ نورًا بحسنها فأخجل نورُ الروضِ والزهرُ بالزهرِ عروسٌ يُسرُّ النفسُ مكنون سُرِّها وتصبحُ في كل الحواسِ إذا تسري فللذّوقِ منها مطعم الشهدِ رائقًا وللشمِ منها فائقُ المسكِ بالنشرِ وفي لونها للطرفِ أحسنُ نزهةٍ يميلُ إلى رؤياهُ من سائرِ الزهرِ تركَّبُ من قانِ وأبيضَ فانثنتْ تتيهُ على الأزهار عاليةَ القدرِ فيكسفُ نور الشمس حمرةُ لونها وتخجلُ من مبيضِّهِ طلعةُ البدرِ تبدّتْ فأبدتْ ما أجنَّ من الهوى وجاءت فولتْ جندُ همي والفِكْرِ جميلةُ أوصافٍ جليلةُ رتبةٍ تغالتْ فغالى في مدائحها شعري فَقُمْ فانفِ جيشَ الهمِّ واكفِفْ يد العِنا بهنديةٍ أمضى من البيضِ والسُمرِ بنهديةٍ في أصل إظهار أكلها إلى الناسِ لا هندية اللونُ كالسُّمْرِ تُزيلُ لهيبَ الهمِّ عنّا بأكلِها وتُهدي لنا الأفراحَ في السرِّ والجهرِ قال‏:‏ وأنأقول إنه قديم معروف منذ أوجد الله تعالى الدنيا وقد كان على عهد اليونانيين والدليل على ذلك ما نقله الأطباء في كتبهم عن بقراط وجالينوس من مزاج هذا العقار وخواصه ومنافعه ومضارّه قال ابن جزلة في كتاب منهاج البيان‏:‏ القنب الذي هو ورق الشهدانج منه بستانيٌّ وم برّيٌّ والبستانيُّ أجوده وهو حار يابس في الدرجة الثالثة وقيل حرارته في الدرجة الأولى ويقال أنه بارد يابس في الدرجة الأولى والبريّ منه حار يابس في الدرجة الرابعة‏.‏

 

 

قال‏:‏ ويُسمى بالكفِّ‏

 

 

أنشدني تقيّ الدين الموصلي‏:‏ كفٌ كفَّ الهمومَ بالكفِّ فالك - فُّ شفاءٌ للعاشقِ المهمومِ بابنةِ القنَّبِ الكريمةِ لا بابن - ةِ كرمٍ بعد البنتِ الكُرومِ قال‏:‏ والفقراءإنما يقصدون استعماله مع ما يجدون من اللذة تجففًا للمنيّ وفي إبطاله قطعٌ لشهوة الجماع ك تميل نفوسهم إلى ما يوقع في الزنا‏.‏

 

 

وقال بعض الأطباء‏:‏ ينبغي لمن يأكل الشهدانج أو ورقه أن يأكله مع اللوز أو الفستق أو السكر أو العسل أو الخشخاش ويُشرب بعده الكسنجبين ليدفع ضرره وإذا قلي كان أقلُّ لضرره ولذلك جرت العادة قبل أكله أن يُقلى وإذا أُكل غير مقليّ كان كثير الضرر وأمزجة الناس تختلفي أكله فمنهم من لا يقدر أن يأكله مضافًا إلى غيره ومنهم من يضيف إليه السكر أو العسل أو غيره من الحلاوات‏.‏

 

 

وقرأت في بعض الكتب أن جالينوس قال إنها تبرىء من التخمة وهي جيدة للهضم وذكر ابن جزلة في كتاب المنهاج أن برز شجر القنب البستانيّ هو الشهدانج وثمره يشبه حب السمنة وهو حب يُعصر منه الدهن‏.‏

 

 

وحكي عن حنين بن إسحاق أنّ شجرة البري تخرج في القفار المنقطعة على قدر ذراع وورقه يغلب عليه البياض‏.‏

 

 

وقال يحيى بن ماسويه في كتاب تدبير أبدان الأصحاء‏:‏ أنّ من غلب على بدنه البلغم ينبغي أن تكون أغذيته مسخنة مجففة كالزبيب والشهدانج‏

 

 

وقال صاحب كتاب إصلاح الأدوية‏:‏ أنّ الشهدانج يُدرُّ البول وهو عسر الانهضام رديء الخلط للمعدة‏

 

 

قال‏:‏ ولم أجد لإزالة الزفر من اليد أبلغ من غسلها بالحشيشة ورأيت من خواصها أن كثيرًا من ذوات السموم كالحية ونحوها إذا شمت ريحها هربت ورأيت أن الإنسان إذا أكلها ووجد فعلها في نفسه وأحبّ أن يفارقه فعلها قطر في منخريه شيئًا من الزيت وأكل قال مؤلفه رحمه اللهعالى‏:‏ دع نزاهة القوم فما بُليّ الناس بأفسد من هذه الشجرة لأخلاقهم ولقد حدّثني القاضي الرئيس تاج الدين إسماعيل بن عبد الوهاب بن الخطباء المخزوميّ قبل اختلاطه عن الرئيس علاء الدين بن نفيس‏:‏ أنه سئل عن هذه الحشيشة فقال‏:‏ اعتبرتها فوجدتها تورث السفالالة وكذلك جرّبنا في طول عمرنا من عاناها فإنه ينحط في سائر أخلاقه إلى ما لا يكاد أن يبقى له من الإنسانية شيء البتة‏.‏

 

 

وقد قال ابن البيطار في كتاب المفردات‏:‏ ومن القنب نوع ثالث يقال له القنب الهنديّ ولم اره بغير مصر ويزرع في البساتين ويقال له الحشيشة عندهم أيضًا وهوي سكر جدًّا إذا تناول منه الإنسان قدر درهم أو درهمين حتى أنّ من أكثر منه يخرجه إلى حدّ الرعونة وقد استعملهوم فاختلت عقولهم وأدّى بهم الحال إلى الجنون وربما قَتَلتْ‏.‏

 

 

ورأيت الفقراء يستعملونها على أنحاء شتى فمنهم من يطبخ الورق طبخًا بليغًا ويدعكه باليد دعكًا جيدًا حتى يتعجن ويعمل منه أقراصًا ومنهم من يجففه قليلًا ثم يحمصه ويفركه باليد ويخلط به قليل سمسم مقشور وسكَّر ويستفه ويطيل مضغه فإنهم يطربون عليه ويفرحون كثيرًا وربما أسكرهم فيخرجون به إلى الجنون أو قريب منه وهذا ما شاهدته من فعلها وإذا خيف من الإكثار منه فليبادر إلى القيء بسمن وماء سخن حتى تُبقى منه المعدة وشراب الحامض لهم فيغاية النفع فانظر كلام العارف فيها واحذر من إفساد بَشَريَّتِكَ وتلاف اخلاقك باستعمالها ولقد عهدناها وما يرمى بتعاطيها إلاّ أرذل الناس ومع ذلك فيأنفون من انتسابهم لها لما فيها من الشنعة وكان قد تتبع الأمير سودون الشيخونيّ رحمه الله الموضع الذي يُعرف بالجنينة من أرض الطبالة وباب اللوق وحكر واصل ببولاق وأتلف ما هنالك من هذه الشجرة الملعونة وقبض على من كان يبتلعها من أطراف الناس ورذلائهم وعاقب على فعلها بقلع الأضراس فقلع أضراس كثير من العامّة في نحو سنة ثمانين وسبعمائة وما برحت هذه الخبيثة تعدّ من القاذورات حتى قدم سلطان فتظاهر أصحابه بأكلها وشنع الناس عليهم واستقبحوا ذلك من فعلهم وعابوه عليهم فلما سافر من القاهرة إلى بغداد وخرج منها ثانيًا وأقام بدمشق مدّة تعلم أهل دمشق من أصحابه التظاهر بها‏.‏

 

 

وقدم إلى القاهرة شخص من ملاحدة العجم صنع الحشيشة بعسل خلط فيها عدّة أجزاء مجففةَ كعرف اللفاح ونحوه وسمَّاها العقدة وباعها بخفية فشاع أكلها وفشا في كثير من الناس مدّة أعوام فلما كان في سنة خمس وعشرة وثمانمائة شنع التجاهر بالشجرة الملعونة فظهر أمرها واشتهر أكلها وارتفع الاحتشام من الكلام بها حتى لقد كادت أن تكون من تحف المترفين وبهذا السبب غلبت السفالة على الأخلاق وارتفع ستر الحياء والحشمة من بين الناس وجهروا بالسوء من القول وتفاخروا بالمعايب وانحطوا عن كل شرف وفضيلة وتحلوا بكل ذميمة من الأخلاق ورذيلة فلولا الشكل لم تقض لم بالإنسانية ولولا الحس لما حكمت عليهم بالحيوانية وقد بدأ المسخ في الشمائل والأخلاق المنذر بظهوره على الصور والذوات عافانا الله تبارك وتعالى من بلائه وأرض الطبالة الآن بيد ورثة الحاجب‏.‏

 

 

أرض البعل والتاج قال ابن سيده‏:‏ البعل الأرض المرتفعة التي لا يصيبها المطر إلاّ مرّة واحدة في السنة‏

 

 

وقيل‏:‏ البعل كلُّ شجر أو زرع لايُسعى‏

 

 

وقيل‏:‏ البعل‏:‏ ما سقته السماء وقد استبعل الموض

 

 

والبعل‏:‏ من النخل ما شربَ بعروقه من غير سقي ولا ماء سماء‏

 

 

وقيل هو ما اكتفى بماء السماء والبعل ما أعطِيّ من الأتاوة على سقي النخل واستبعل الموضع والنخل صار بعلًا‏.‏

 

 

وأرض البعل هذه بجانب الخليج تتصل بأرض الطبالة كانت بستانًا يُعرف بالبعل وفيه منظرة أنشأه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ وجعل على هذا البستتان سورًا ولى جانب بستان البعل هذا بستان التاج وبستان الخمس وجوه وقد ذكرت مناظر هذه البساتين وما كان فيها للخلفاء الفاطميين من الرسوم عند ذكر المناظر من هذا الكتاب‏.‏

 

 

وأرض البعل في هذا الوقت مزرعة تجاه قنطرة الأوز التي على الخليج‏.‏

 

 

يخرج الناس للتنزه هناك أيام النيل وايام الربيع وكذلك أرض التاج فإنها اليوم قد زالت منها الأشجار واستقرّت من أراضي المنية الخراجية وفي أيام النيل ينبت فيها نبات يعرف بالبشنين له ساق طويل وزهره شبه اللينوفر وإذا أشرقت الشمس انفتح فصار منظرًا أنيقًا وإذا غربت الشمس انضم‏.‏

 

 

ويذكر أنّ من العصافير نوعًا صغيرًا يجلس العصفور منه في دار البشنينة فإذا أقبل الليل انضمت عليه وغطست في الماء فبات في جوفها آمنًا إلى أن تُشرق الشمس فتصعد البشنينة وتنفتح فيطير العصفور وهو شيء ما برحنا نسمعه‏.‏

 

 

وهذا البشنين يُصنع من زهره دهن يُعالج به في البرسام وترطيب الدماغ فينجع وأصله يُعرف بالبيارون يجمعه الأعراب ويأكلونه نيئًا ومطبوخًا وهو يميل إلى الحرارة يسيرًا ويزيد في الباه ويسخِّن المعدة ويقوّيها ويقطع الزحير ذكل ذلك ابن البيطار في كتاب المفردات وفي أيام الربيع تزرع هذه الأراضي فتذكِّر بحسنها ونضارتها جنة الخلد التي وعد المتقون‏.‏

 

 

وأدركتُ بهذه الأرض بقايا نخل وأشجار وقد تلفت‏.‏

 

 

ضواحي القاهرة قال ابن سيده‏:‏ ضواحي كل شيء نواحيه البارزة للشمس والضواحي من النخيل ما كان خارج السور على صفة عالية لأنها تضحى للشمس‏

 

 

وفي كتاب النبيّ صلى الله عليه وسلم لأهل بدر‏:‏ ‏"‏ لكم الصامتة من النخل ولنا الضاحية من البعل ‏"‏ يعني بالصامتة‏:‏ ما أطاف به سور المدينة وضواحي الروم ما ظهر من بلادهم

 

 

ويقال في زماننا لما خرج عن القاهرة مما هو في جنبتي الخليج من القرى ضواحي القاهرة وقد عرفت أصل ذلك من اللغة وتُعرف البلاد التي من الضواحي في غربيّ الخليج من القرى ضواحي القاهرة وقد عرفت أصل ذلك من اللغة وتُعرف البلاد التي من الضواحي في غربيّ الخليج بالحبس الجيوشيّ وهي‏:‏ بهتين والأميرية والمنية‏

 

 

وكان أيضًا بناحية الجيزة من جملة الحبس الجيوشيّ ناحية سفط ونهيًا ووسيم حَبَس هذه البلاد أمير الجيوش بدر الجماليّ على عقبه‏.‏

 

 

فلما زالت الدولة الفاطمية جعل السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أمر الأسطول لأخيه الملك العادل أبي بكر بن أيوب وسلّمه له في سنة سبع وثمانين وخمسمائة وأفرد لديوان الأسطول من الأبواب الديوانية الزكاة التي كانت تُجبى من الناس بمصر والحبس الجيوشي بالبرّين والنطرون والخراج وما معه من ثمن القرظ وساحل السنط والمراكب الديوانية وأشنأ وطنتدي وأحيل ورثة أمير الجيوش على غير الحبس الذي لهم ثم افتى الفقهاء ببطلان الحبس وقبضت النواحي وصارت من جملة أموال الخراج فعرفت ببلاد الملك وهذه الضواحي الآن منها ما هو وقف ومنها ما هو في الديوان السلطانيّ وخراجها يتميز على غيرها من النواحي ويُزرع أكثرها من الكتان والمقاثي وغيرها‏.‏

 

 

منية الأمراء قال ياقوت في كتاب المشترك‏:‏ المنية ثلاثة وأربعون موضعًا وجميعها بمصر غير واحدة وبمصر من القرى المسماة بهذا الإسم ما يقارب المائتين‏

 

 

قال‏:‏ ومنية الشيرج ويقال لها منية الأمير ومنية الأمراء بُليدة فيها أسواق على فرسخ من القاهرة في طريق الإسكندرية‏

 

 

وذكر الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ النسابة‏:‏ أن قتلى أهل الشام الذين قُتلوا في وقعة الخندق بين مروان بن الحكم وعبد الرحمن بن جحدم أمير مصر في سنة خمس وستين من الهجرة دفنوا حيث موضع منية الشيرج هذه وكانوا نحوًا من الثمانمائة‏

 

 

وقال ابن عبد الظاهر‏:‏ منية الأمراء من الحبس الجيوشيّ الشرقيّ الذي كان حبسه أمير الجيوش ثم ارتجع‏

 

 

وفي كل سنة يأكل البحر منها جانبًا ويُجّدَّدُ جامعها ودورها حتى صار جامعها القديم ودورها في برّ الجيزة وغلب البحر عليها وهذه المنية من محاسن منتزهات القاهرة وكانت قد كثرت العمائر بها واتخذها الناس منزل قصف ودار لعب ولهو ومغنى صبابات وبها كان يُعمل عيد الشهيد الذي تقدّم ذكره عند ذكر النيل من هذا الكتاب لقربها من ناحية شبرا وبها سوق في كل يوم أحد يباع فيه البقر والغنم والغلال وهو من أسواق مصر المشهورة وأكثر من كان يسكن بها النصارى وكانت تُعرف بعصر الخمر وبيعه حتى أنه لما عظمت زيادة ماء النيل في سنة ثمان عشرة وسبعمائة وكانت الغرقة المشهورة وغرقت شبرا والمنية تلف فيها من جرار الخمر ما ينيف على ثمانين ألف جرّة مملوءة بالخمر وباع نصرانيّ واحد مرّة في يوم عيد الشهيد بها خمرًا باثني عشر ألف درهم فضة عنها يومئذٍ نحو الستمائة دينار وكسر منها الأمير بلبغا السالميّ في صفر سنة ثلاث وثمانمائة ما ينيف على أربعين ألف جرّة مملوءة بالخمر‏.‏

 

 

وما برحت تَغرق في الأنيال العالية إلى أن عمل الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة الجسر من بولاق إلى المنية كما ذُكر عند ذكر الجسور من هذا الكتاب‏.‏

 

 

فأَمِنً أهلها من الغرق وأدركناها عامرة بكثرة المساكن والناس والأسواق والمناظر وتقصد للنزهة بها أيام النيل والربيع ولا سيما في يومي الجمعة والأحد فإنه كان للناس بها في هذين اليومين مجتمع ينفق فيه مال كثير ثم لما حدثت المحن من سنة ست وثمانمائة الحّ المناسر بالهجوم عليها في الليل وقتلوا من أهلها عدّة فارتحل الناس منها وخلت أكثر دورها وتعطلت حتى لم يبق بها سوى طاحون واحدة لطحن القمح بعدما كان بها ما ينيف على ثمانين طاحونة وبها الآن بقية وهي جارية في الديوان السلطاني المعروف بالمفرد‏.‏

 

 

كرم الريش هذا اسم لبلد فيما بين أرض البعل ومنية الشيرج‏.‏

 

 

كان النيل يمرّ بغربيها بعد مروره بغربيّ أرض البعل وأدركت آثار الجروف باقية من غربيّ البعل وغربيّ كوم الريش إلى أطراف المنية حتى تغيرت الأحوال من بعد سنة ست وثمانمائة ففاض ماء النيل في أيام الزيادة ونزل في الدرب الذي كان يُسلك فيه من أرض الطبالة إلى المنية فانقطع هذا الدرب وترك الناس سلوكه وكان كوم الريش من أجلِّ منتزهات القاهرة ورغب أعيان الناس في سكناها للتنزه بها‏.‏

 

 

وأخبرني شيخنا قاضي القضاة مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم الحنفي وخال أبي تاج الدين إسماعيل بن أحمد بن الخطباء أنهما أدركا بكوم الريش عدّة أمراء يسكون فيها دائمًا وأنه كان من جملة من يسكن فيها دائمًا نحو الثمانمائة من الجند السلطاني وأنا أدركت بها سوقًا عامرًا بالمعايش بأنواعها من المآكل لا أعرف اليوم بالقاهرة مثله في كثرة المآكل وأدركت بها حمّامًا وجامعين تقام بهما الجمعة وموقف مكارية ومنارة لا يقدر الواصف أني عبر عن حسنها لما اشتملت عليه من كل معنى رائق بهج وما بَرِحَتْ على ذلك إلى أن حدثت المحن من سنة ست وثمانمائة فطرقها أنواع الرزايا حتى صارت بلاقع وجُهلت طرقها وتغيرت معاهدها ونزل بها من الوحشة ما أبكاني وأنشدت في رؤيتها عندما شاهدتها خرابًا‏:‏ قفرًا كأنَكَ لم تكنْ تلهو بها في نعمةٍ وأوانسٍ أترابِ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إنّ أخذ أليم شديد‏

 

 

 

 

بولاق قد تقدّم في غير موضع من هذا الكتاب أن ساحل النيل كان بالمقس وأن الماء انحسر بعد سنة سبعين وخمسمائة عن جزيرة عرفت بجزيرة الفيل وتقلص ماء النيل عن سور القاهرة الذي ينتهي إلى المقس وصارت هناك رمال وجزائر ما من سنة إلاّ وهي تكثر حتى بقي ماء النيل لا يمرّ بها إلا أيام الزيادة فقط‏.‏

 

 

وفي طول السنة ينبت هناك البوص والحلفاء وتنزل المماليك السلطانية لرمي النشاب في تلك التلال الرمل‏.‏

 

 

فلما كان سنة ثلاث عشرة وسبعمائة رغب الناس في العمارة بديار مصر لشغف السلطان الملك الناصر بها ومواظبته عليها فكأنما نودي في القاهرة ومصر أن لا يتأخر أحد من الناس عن إنشاء عمارة وجدّ الأمراء والجند والكتّاب والتجّار والعامّة في البناء وصارت بولاق حينئذٍ تجاه بولاق التكرور فعمّر هناك رجل من التجار منظرة وأحاط جدارًا على قطعة أرض غرس فيها عدّة أشجار وتردّد إليها للنزهة‏.‏

 

 

فلما مات انتقلت إلى ناصر الدين محمد بن الجوكندار فعمر الناس بجانبها دورًا على النيل وسكنوا ورغبوا في السكنى هناك فامتدّت المناظر على النيل من الدار المذكورة إلى جزيرة الفيل وتفاخروا في إنشاء القصور العظيمة هناك وغرسوا من ورائها البساتين العظيمة وأنشأ القاضي ابن المغربيّ رئيس الأطباء بستانًا اشتراه منه القاضي كريم الدين ناظر الخاص للأمير سيف الدين طشتمر الساقي بنحو مائة ألف درهم فضة‏.‏

 

 

وكثر التنافس بين الناس في هذه الناحية وعمروها حتى انتظمت العمارة في الطول على حافة النيل من منية الشيرج إلى موردة الحلفاء بجوار الجامع الجديد خارج مصر وعمر في العرض على حافة النيل الغربية من تجاه الخندق بحريّ القاهرة إلى منشأة المهرانيّ‏.‏

 

 

وبقيت هذه المسافة العظيمة كلها بساتين وأحكارًا عامرة بالدور والأسواق والحمّامات والمساجد والجوامع وغيرها وبلغت بساتين جزيرة الفيل خاصة ما ينيف على مائة وخمسين بستانًا بعدما كانت في سنة أحدى عشرة وسبعمائة نحو العشرين بستانًا‏.‏

 

 

وأنشأ القاضي الفاضل جلال الدين القزوينيّ وولده عبد الله دارًا عظيمة على شاطيء النيل بجزيرة الفيل عند بستان الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب‏.‏

 

 

وأنشأ الأمير عز الدين الخطيريّ جامعة ببولاق على النيل وأنشأ بجواره رُبعين‏.‏

 

 

وأنشأ القاضي شرف الدين بن زنبور بستانًا وأنشأ القاضي فخر الدين المعروف بالفخر ناظر الجيش بستانًا وحكر الناس حول هذه البساتين وسكنوا هناك ثم حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليج الناصريّ سنة خمس وعشرين وسبعمائة فعمر الناس على جانبي هذا الخليج وكان أوّل من عمر بعد حفر الخليج الناصريّ المهاميزي أنشأ بستانًا ومسجدًا هما موجودان إلى اليوم وتبعه الناس في العمارة حتى لم يبق في جميع هذه المواضع مكان بغير عمارة وبقي من يمرّ بها يتعجب إذ ما بالعهد من قِدّمٍ بينما هي تلال رمل وحلافي إذ صارت بساتين ومناظر وقصورًا ومساجد وأسواقًا وحمامات وأزقة وشوارع وفي ناحية بولاق هذه كان خص الكيالة الذي يؤخذ فيه مكس الغلة وأنشأ القاضي الفاضل جلال الدين القزوينيّ وولده عبد الله دارًا عظيمة على شاطيء النيل بجزيرة الفيل عند بستان الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب‏.‏

 

 

وأنشأ الأمير عز الدين الخطيريّ جامعة ببولاق على النيل وأنشأ بجواره رُبعين‏.‏

 

 

وأنشأ القاضي شرف الدين بن زنبور بستانًا وأنشأ القاضي فخر الدين المعروف بالفخر ناظر الجيش بستانًا وحكر الناس حول هذه البساتين وسكنوا هناك ثم حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليج الناصريّ سنة خمس وعشرين وسبعمائة فعمر الناس على جانبي هذا الخليج وكان أوّل من عمر بعد حفر الخليج الناصريّ المهاميزي أنشأ بستانًا ومسجدًا هما موجودان إلى اليوم وتبعه الناس في العمارة حتى لم يبق في جميع هذه المواضع مكان بغير عمارة وبقي من يمرّ بها يتعجب إذ ما بالعهد من قِدّمٍ بينما هي تلال رمل وحلافي إذ صارت بساتين ومناظر وقصورًا ومساجد وأسواقًا وحمامات وأزقة وشوارع وفي ناحية بولاق هذه كان خص الكيالة الذي يؤخذ فيه مكس الغلة إلى أن أبطله الملك الناصر محمد بن قلاوون كما ذكر في الروك الناصريّ من هذا الكتاب‏.‏

 

 

ولما كانت سنة ست وثمانمائة انحسر ماء النيل عن ساحل بولاق ولم يزل يبعد حتى صار على ما هو عليه الآن وناحية بولاق الآن عامرة وتزايدت العمائر بها وتجدّد فيها عدّة جوامع وحمّامات ورباع وغيرها‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 ما بين بولاق ومنشأة المهراني

 

 

 

وكان فيما بين بولاق ومنشأة المهراني خط فم الخور وخط حكر ابن الأثير وخط زريبة قوصون وخط الميدان السلطانيّ بموردة الملح وخط منشأة الكتبة‏.‏

 

 

فأمّا فم الخور فكان فيه من المناظر الجليلة الوصف عدّة تشرف على النيل ومن ورائها البساتين ويفصل بين البساتين والدور المطلة على النيل شارع مسلوك وأنشيء هناك حمّام وجامع وسوق وقد تقدّم ذكر الخور وأنشأ هناك القاضي علاء الدين بن الأثير دارًا على النيل وكان إذ ذاك كاتب السرّ وبنى الناس بجواره فعُرف ذلك الخط بحكر ابن الأثير واتصلت العمارة من بولاق إلى فم الخور ومن فم الخور إلى حكر ابن الأثير وما برح فيه من مساكن الأكابر من الوزراء والأعيان ومن الدور العظيمة ما يتجاوز الوصف‏.‏

 

 

وأما الزريبة فإن الملك الناصر محمد بن قلاوون لما وهب البستان الذي كان الميدان الظاهريّ للأمير قوصون أنشأ قدّامه على النيل زريبة ووقفها فعمر الناس هناك حتى انتظمت العمارة من حكر ابن الأثير إلى الزريبة وعمر هناك حمّام وسوق كبير وطواحين وعدّة مساكن اتصلت باللوق‏.‏

 

وأما زريبة السلطان فإن الملك الناصر محمد بن قلاوون لما مر ميدان المهاري المجاور لقناطر السباع الآن أنشأ زريبة في قبليّ الجامع الطيبرسيّ وحفر لأجل بناء هذه الزريبة البركة المعروفة الآن بالبركة الناصرية حتى استعمل طينها في البناء‏.‏

 

 

وأنشأ فوق هذه الزريبة دار وكالة وربعين عظيمين جعل أحدهما وقفًا على الخانقاه التي أنشأها بناحية سرياقوس وأنعم بالآخر على الأمير بكتمر الساقي فأنشأ الأمير بكتمر بجواره حمّامين إحداهما برسم الرجال والأخرى برسم النساء فكثر بناء الناس فيما هنالك حتى اتصلت العمارة من بحريّ الجامع الطيبرسيّ بزريبة قوصون وصار هناك أزقة وشوارع ودروب ومساكن من وراء المناظر المطلة على النيل تتصل بالخليج‏.‏

 

 

وأكثر الناس من البناء في طريق الميدان السلطانيّ فصارت العمائر منتظمة من قناطر السباع إلى الميدان من جهاته كلها وتنافس الناس في تلك الأماكن وتغالوا في أجرها‏.‏

 

 

وعمر المكين براهيم بن قزوينة ناظر الجيش في قبليّ زريبة السلطان حيث كان بستان الخشاب دارًا جليلة‏.‏

 

 

وعمر أيضًا صلاح الحدين الكحال والصاحب أمين الدين عبد الله بن الغنام وعدّة من الكتاب فقيل لهذه الخطة منشأة الكتاب وأنشأ فيها الصاحب أمين الدين خانقاه بجوار داره وعمر أيضًا كريم الدين الصغير حتى اتصلت العمارة بمنشة المهراني فصار ساحل النيل من خط دير الطين قبليّ مدينة مصر إلى منية الشيرج بحريّ القاهرة مسافة لا تقصر عن أزيد من نصف بريد بكثير كلها منتظمة بالمناظر العظيمة والمساكن الجليلة والجوامع والمساجد والخوانك والحمامات وغيرها من البساتين لا تجد فيما بين ذلك خرابًا البتة وانتظمت العمارة من وراء الدور المطلة على النيل حتى أشرفت على الخليج‏.‏

 

 

فبلغ هذا البرّ الغربيّ من وفور العمارة وكثرة الناس وتنافسهم في الإقبال على اللذات وتأنقهم في الانهماك في المسرّات ما لا يمكن وصفه ولا يتأتى شرحه حتى إذا بلغ الكتاب أجله وحدثت المحن من سنة ست وثمانمائة وتقلص ماء النيل عن البرّ الشرقيّ وكثرت حاجات الناس وضروراتهم وتساهل قضاة المسلمين في الاستبدال في الأوقاف وبيع نقضها اشترى شخص الربعين والحمامين ودار الوكالة التي ذكرت على زريبة السلطان بجوار الجامع الطيبرسيّ في سنة سبع وثمانمائة وهدم ذلك كله وباع أنقاضه وحفر الأساسات واستخرج ما فيها من الحجر وعمله جيرًا فنال من ذلك ربحًا كثيرًا وتتباع الهدم في شاطىء النيل وباع الناس انقاض الدور فرغب في شرائها الأمراء والأعيان وطلاب الفوائد من العامة حتى زال جميع ما هنالك من الدور العظيمة والمناظر الجليلة وصار الساحل من منشأة المهرانيّ إلى قريب من بولاق كيمانًا موحشة وخرائب مقفرة كأن لم تكن مغنى صبابات وموطن أفراح وملعب أتراب ومرتع غزلان تفتن النساك هناك وتعيد الحلم سفيهًا سنة الله في الذين خلوا من قبل وإني إذا سلامٌ على تلكَ المعاهدِ والرُبا سلامَ وداعٍ لا سلامَ قدومِ وصار بهذا العهد ما بين أوّل بولاق من قبليه إلى أطراف جزيرة الفيل عامرًا من غربيه المفضي إلى النيل ومن شرقيه الذي ينتهي إلى الخليج إلاّ أنّ النيل قد نشأت فيه جزائر ورمال بعد بها الماء عن البرّ الشرقيّ وكثر العناء لبعده وفي كل عام تكثر الرمال ويبعد الماء عن البرّ ولله عاقب الأمور‏.‏

 

 

فهذا حال الجهة الغربية من ظواهر القاهرة في اتبداء وضعها وإلى وقتنا هذا وبقي من ظواهر القاهرة الجهة القبلية والجهة البحرية وفيهما أيضًا عدّة اخطاط تحتاج إلى شرح وتبيان والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

 

 

خارج باب زويلة اعلم أنّ خارج باب زويلة جهتان جهة تلي الخليج وجهة تلي الجبل‏.‏

 

 

فأما الجهة التي تلي الخليج فقد كانت عند وضع القاهرة بساتين كلها فيما بين القاهرة إلى مصر‏.‏

 

 

وعندي فيما ظهر لي أنّ هذه الجهة كانت في القديم غامرة بماء النيل وذلك أنه لا خلاف بين أهل مصر قاطبة أنّ الأراضي التي هي من طين أبليز لا تكون إلاّ من أرض ماء النيل فإن أرضّ مصر تربة رملة سبخة وما فيها من الطين طرح بعلوها عند زيادة ماء النيل مما يحمله من البلاد الجنوبية من مسيل الأودية فلذلك يكون لون الماء عند الزيادة متغيرًا فإذا مكثر على الأرض قعد ما كان في الماء من الطين على الأرض فسماه أهل مصر إبليز وعليه تُزرع الغلال وغيرها وما لا يشمله ماء النيل من الأرض لا يوجد فيه هذا الطين البتة وأنت إن عرفت أخبار مصر بتأمُّلك ما تضمنه هذا الكتاب ظهر لك أ موضع جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه كان كرومًا مشرفة على النيل وأن النيل انحسر بعد الفتح عما كان تجاه الحصن الذي يقال له قصر الشمع وعما هو الآن تجاه الجامع ومازال ينحسر شيئًا بعد شيء حتى صار الساحل بمصر من عند سوق المعاريج الآن إلى قريب من السبع سقايات وجميع الأراضي التي فيها الآن المراغة خارج مصر إلى نحو السبع سقايات وما يقابل ذلك من برّ الخليج الغربيّ كان غامرًا بالماء كما تقدّم وكان في الموضع الذي تجاه المشهد المعروف بزيد وتسميه العامة الآن مشهد زين العابدين بساتينٌ شرقيها عند المشهد النفيسيّ وغربيها عند السبع سقيات منها بساتين عُرفت بجنان بني مسكين وعندها بني كافور الأخشيدي دار على البركة التي تجاه الكبش وتعرف اليوم ببركة قارون ومنها بستان عُرف آخرًا بجنان الحارة وهو من حوض الدمياطي الذي بقرب قنطرة السدّ الآن إلى السبع سقايات وبقرب السبع سقايات بركة الفيل ويشرف على بركة الفيل بساتين من دائرها وإلى وقتنا هذا عليها بستان يُعرف بالحبانية وهم بطن من درما بن عمرو بن عوف بن ثعلبة بن سلامان بن بعل بن عمرو بن الغوث بن طي فدرما فخذ من طيّ والحبانيون بطن من درما وبستان الحبانية فصل الناس بينه وبين البركة بطريق تسلك فيها المارة وكان من شرقيّ بركة الفيل أيضًا بساتين منها بساتين سيف الإسلام فيما بين البركة والجبل الذي عليه الآن قلعة الجبل وموضعه الآن المساكن التي من جملتها درب ابن البابا إلى زقاق حلب وحوض ابن هنس وعدّة بساتين أخر إلى باب زويلة‏.‏

 

 

وكذلك شقة القاهرة الغربية كانت أيضًا بساتين فوضع حارة الوزيرية إلى الكافوريّ كان ميدان الأخشيد وبجانب الميدان بستانه الذي يقال له اليوم الكافوري وما خرج عن باب الفتوح إلى منية الأصبغ الذي يعرف اليوم بالخندق كان ذلك كله بساتين على حافة الخليج الشرقية وقد ذُكرت هذه المواضع في هذا الكتاب مبينة وعند التأمل يظهر أن الخليج الكبير عند ابتداء حفره كان أوّله إمّا عند مدينة عين شمس أو من بحريها لأجل أن القطعة التي بجانب هذا الخليج من غربيه والقطعة التي هي بشرقية فيما بين عين شمس وموردة الحلفاء خارج مدينة فسطاط مصر جميعهما طين إبليز والطين المذكور لا يكون إلا من حيث يمرّ ماء النيل فتعين أنّ ماء النيل كان في القديم على هذه الأرض التي بجانبي الخليج فينتج أن أوّل الخليج كان عند آخر النيل من جهة البحرية وينتهي الطين إلى نحو مدينة عين شمس من الجانب الشرقيّ ويصير ما بعد الخندق في الجهة البحرية رملًا لا طين فيه وهذا بين لمن تأمله وتدبره وفي هذه الجهة التي تلي الخليج خار باب زويلة حارات قد ذكرت عند ذكر الحارات من هذا الكتاب وبقيت هناك أشياء نحتاج أن نعرّف بها وهي‏:‏ حوض ابن هنس‏:‏ وهو حوض ترده الدواب وينقل إليه الماء من بئر صارت تلك الخطة تعرف وهي تلي حارة حلب ويُسلك إليها من جانب وهو وقف الأمير سعد الدين مسعود بن الأمير بدر الدين هنس بن عبد الله أحد الحجاب الخاص في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب في سلخ شعبان سنة سبع وأربعين وستمائة وعمل بأعلاه مسجدًا مرتفاعًا وساقية ماء على بئر معين ومات يوم السبت عاشر شوّال سنة سبع واربعين وستمائة ودفن بجوار الحوض كان هذا الحوض قد تعطل في عصرنا فجدّده الأمير تتر أحد الأمراء الكبار في الدولة المؤيدية في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة ومات هنس أمير جندار السلطان الملك العزيز عثمان في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة‏.‏

 

 

مناظر الكبش‏:‏ هذه المناظر آثارها الآن على جبل يشكر بجوار الجامع الطولونيّ مشرفة على البركة التي تعرف اليوم ببركة قارون عند الجسر الأعظم الفاصل بين بركة الفيل وبركة قارون أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن وب في أعوام بضع وأربعين وستمائة‏.‏

 

 

وكان حينئذ ليس على بركة الفيل بناء ولا في المواضع التي في برّ الخليج الغربيّ من قنطرة السباع إلى المقس سوى البساتين وكانت الأرض التي من صليبة جامع ابن طولون إلى باب زويلة بساتين وكذلك الأرض التي من قناطر السباع إلى باب مصر بجوار الكبارة ليس فيها إلاّ البساتين وهذه المناظر تشرف على ذلك كله من أعلى جبل يشكر وترى باب زويلة والقاهرة وترى باب مصر ومدينة مصر وترى قلعة الروضة وجزيرة الروضة وترى بحر النيل الأعظيم وبرّ الجيزة‏.‏

 

 

فكانت من أجلّ منتزهات مصر وتأنق في بنائها أو سماها الكبش فعرفت بذلك إلى اليوم‏.‏

 

 

وما زالت بعد الملك الصالح من المنازل الملوكية وبها أنزل الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسيّ لما وصل من بغداد إلى قلعة الجبل وبايعه الملك الظاهر ركن الدين بيبرس بالخلافة فأقام بها مدّة ثم تحوّل منها إلى قلعة الجبل وسكن بمناظر الكبش أيضًا الخليفة المستكفي بالله أبو الربيع سليمان في أوّل خلافته وفيها أيضًا كانت ملوك حماه من بني أيوب تنزل عند قدومهم إلى الديار المصرية وأوّل من نزل منهم فيها الملك المنصور ولما قدم على الملك الظاهر بيبرس في المحرّم سنة ثلاث وسبعين وستمائة ومعه ابنه الملك الأفضل نور الدين عليّ وابنه الملك المظفر تقيّ الدين محمود فعندما حلّ بالكبش أتاه الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقاني بالسماط فمدّه بين يديه ووقف كما يفعل بين يدي الملك الظاهر فامتنع الملك المنصور من الرضى بقيامه على السماط وما زال به حتى جلس‏.‏

 

 

ثم وصلت الخلع والمواهب إليه وإلى ولده وخواصه‏.‏

 

 

وفي سنة ثلاث وتسعين وستمائة أُنزل بهذه المناظر نحو ثلاثمائة من مماليك الأشرف خليل بن قلاوون عندما قبض عليهم بعد قتل الأشرف المذكور ثم إن الملك الناصر محمد بن قلاوون هدم هذه المناظر المذكورة في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة وبناها بناء آخر وأجرى الماء إليها وجدّد بها عدّة مواضع وزاد في سعتها وأنشأ بها اصطبلًا تربط فيه الخيول وعمل زفاف ابنته على ولد الأمير أرغون نائب السلطنة بديار مصر بعدما جهزها جهازًا عظيمًا منه‏:‏ بشخاناه وداير بيت وستارات طرّز ذلك بثمانين ألف مثقال ذهب مصريّ سوى ما فيه من الحرير وأجرة الصناععمل سائر الأواني من ذهب وفضة فبلغت زنة الأواني المذكورة ما ينيف على عشرة آلاف مثقال من الذهب وتناهى في هذا الجهاز وبالغ في الإنفاق عليه حتى خرج عن الحدّ في الكثرة فإنها كانت أوّل بناته ولما نصب جهازها بالكبش نزل من قلعة الجبل وصعد إلى الكبش وعاينه ورتبه بنفسه واهتم في عمل العرس اهتمامًا ملوكيًا وألزم الأمراء بحضوره فلم يتأخر أحد منهم عن الحضور ونقط الأمراء الأغاني على مراتبهم من أربعمائة دينار كل أمير إلى مائتي دينار سوى الشقق الحرير واستمرّ الفرح ثلاثة أيام بلياليها فذكر الناس حنيئذ أنه لم يعمل فيما سلف عرس أعظم منه حتى صل لكل جوقة من جوق الأغاني اللاتي كنّ فيه خمسمائة دينار مصرية ومائة وخمسون شقة حرير وكان عدّة جوق الأغاني التي قسم عليهنّ ثمان جوق من أغاني القاهرة سوى جوق الأغاني السلطانية وأغاني الأمراء وعدّتهن عشرون جوقة لم يُعرف ما حصل لهذه العشرين جوقة من كثرة ما حصل ولما انقضت أيام العرس أنعم السلطان لكل امرأة من نساء الأمراء بتعبية قماش على مقدارها وخلع على سائر أرباب الوظائف من الأمراء والكتاب وغيرهم فكان مهمًا عظيمًا تجاوز المصروف فيه حدّ الكثرة‏.‏

 

 

وسكن هذه المناظر أيضًا الأمير صرغتمش في أيام السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون وعمر الباب الذي هو موجود الآن وبدنتي الحجر اللتين بجانبي باب الكبش بالحدرة ثم أن الأمير بلبغا العمري المعروف بالخاصكيّ سكنه إلى أن قتل في سنة ثمان وستين وسبعمائة فسكنه من بعده الأمير استدمر إلى أن قبض عليه الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون وأمر بهدم الكبش فهدم وأقام خرابًا لا ساكن فيه إلى سنة خمس وسبعين وسبعمائة فحكره الناس وبنوا في مساكن وهو على ذلك إلى اليوم‏.‏

 

 

خط درب ابن البابا‏:‏ هذا الخط يتوصل إليه من تجاه المدرسة البندقدارية بجوار حمام الفارقاني ويَسلك فيه إلى خط واسع يشتمل على عدّة مساكن جليلة ويتوصل منه إلى الجامع الطولونيّ وقناطر السباع وغير ذلك وكان هذا الخط بستانًا يعرف ببستان أبي الحسين بن مرشد الطائيثم عُرف ببستان تامش ثم عرف أخيرًا ببستان سيف الإسلام صفتكين بن أيوب وكان يشرف على بركة الفيل وله دهاليز واسعة عليها جواسق تنظر إلى الجهات الأربع ويقابله حيث الدرب الآن المدرسة البندقدارية وما في صفها إلى الصليبة بستان يُعرف ببستان الوزير ابن المغربيّ وفيه حمّام مليحة ويتصل ببستان ابن المغربيّ بستان عُرف أخيرًا ببستان شجر الدر وهو حيث الآن سكن الخلفاء بالقرب من المشهد النفيسيّ ويتصل ببستان شجر الدر بساتين إلى حيث الموضع المعروف اليوم بالبكارة من مصر ثم أن بستان سيف الإسلام حكره أمير يُعرف بعلم الدين الغتمي فبنى الناس فيه الدور في الدولة التركية وصار يعرف الغتمي وهو الآن يُعرف بدرب ابن البابا وهو الأمير الجليل الكبير جنكلي بن محمد بن البابا بن جنكلي بن خليل بن عبد الله بدر الدين العجليّ رأس الميمنة وكبير الأمراء الناصرية محمد بن قلاون بعد الأمير جمال الدين نائب الكرك قدم إلى مصر في أوائل سنة أربع وسبعمائة بعدما طلبه الملك الأشرف خليل بن قلاوون ورغبه في الحضور إلى الديار المصرية وكتب له منشورًا باقطاع جيد وجهزه إليه فلم يتفق حضوره إلى في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون وكان مقامه بالقرب من آمد فاكرمه وعظمه وأعطاه أمرة ولم يزل مكرّمًا معظمًا وفي آخر وقته بعد خروج الأمير أرغون النائب من مصر كان السلطان يبعث إليه الذهب مع الأمير بكتمر الساقي وغيره ويقول له لا تبس الأرض على هذا ولا تنزله في ديوانك وكان أوّلًا جنكلي رأس الميمنة وزوّج السلطان ابنه إبراهيم بن محمد بن قلاوون بابنة الأمير بدر الدين وما زال معظمًا في كل دولة بحيث أن الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون كتب له عند الأتابكي الوالدي البدري وزادت وجاعته في أيامه إلى أن مات يوم الاثنين سابع عشر ذي الحجة سنة ست وأربعين وسبعمائة‏.‏

 

 

وكان شكلًا مليحًا حليمًا كثير المعروف والجود عفيفًا لا يستخدم مملوكًا أمرد البتة واقتصر من النساء على امرأته التي قدمت معه إلى مصر ومنها أولاده وكان يحب العلم وأهله ويطارح بمسائل علمية ويعرف ربع العبادات ويجيده ويتكلم على الخلاف فيه ويميل إلى الشيخ تقيّ الدين أحمد بن تيمية ويعادي من يعاديه ويكرم أصحابه ويكتب كلامه مع كثرة الإحسان إلى الناس بماله وجاهه وكان ينتسب إلى إبراهيم بن أدهم وهو من محاسن الدولة التركية رحمه الله‏.‏

 

 

حكر الخازن‏:‏ هذا المكان فيما بين بركة الفيل وخط الجامع الطولوني كان من جملة البساتين ثم صار إصطبلًا للجوق الذي فيه خيول المماليك السلطانية فلما تسلطن الملك العادل كتبغا اخرج منه الخيول وعمله ميدانًا يشرف على بركة الفيل في سنة خمس وتسعين وستمائة ونزل إلهولعب فيه بالاكرة أيام سلطنته كلها إلى أن خلعه الملك المنصور لاجين وقام في الملك من بعده فأُهمل أمره وعمر فيه الأمير علم الدين سنجر الخازن وإلى القاهرة بيتًا فعرف من حينئذ بحكر الخازن وتبعه الناس في البناء هناك وأنشأوا فيه الدور الجليلة فصار من أجلّ الأخطاط وأعمرها وأكثر من يسكن به الأمراء والمماليك‏.‏

 

 

سنجر الخازن‏:‏ الأمير علم الدين الأشرفيّ أحد مماليك الملك المنصور قلاوون وتنقل في أيام ابنه الملك الأشرف خليل وصار أحد الخزان فعرف بالخازن‏

 

 

ثم ولي وشدّ الدواوين مع الصاحب أمين الدين وانتقل منها إلى ولاية البهنسا ثم إلى ولاية القاهرة وشدّ الجهات‏.‏

 

 

فباشر ذلك بعقل وسياسة وحسن خلق وقلة ظلم ومحبة للستر وتغافل عن مساويء الناس وإقالة عثرات ذوي الهيآت مع العصبية والمعرفة وكثرة المال وسعة الحال واقتناء الأملاك الكثيرة ثم أنه صرف عن ولاية القاهرة بالأمير قدادار في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبعمائة فوجد الناس من عزله بقدادار شدّة وما زال بالقاهرة إلى أن مات ليلة السبت ثامن جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة فوجد له أربعة عشر ألف أردب غلة عتيقة وأموال كثيرة وله من الآثار مسجد بناه فوق درب استجدّه بحرك الخازن وخانقاه بالقرافة دفن فيها عفا الله عنه‏.‏

 

 

ربع البزادرة‏:‏ هذا الربع تحت قلعة الجبل بسوق الخيل عمر بعد سنة ثلاث عشرة وسبعمائة وكان مكانه لا عمارة فيه فبنى الأجناد بجواره عدّة مساكن واستجدّوا حكرين من جواره فامتدّت العمائر إلى تربة شجر الدر حيث كان البستان المعروف بشجر الدر وهناك الآن سكن الخلفاء متدّت العمائر من تربة شجر الدر إلى المشهد النفيسيّ ومرّوا من تجاه المشهد بالعمائر إلى أن اتصلت بعمائر مصر وباب القرافة‏.‏

 

 

خط قناطر السباع‏:‏ كان هذا الخط في أوّل الإسلام يُعرف بالحمراء نزل فيه طائفة تعرف ببني الأزرق وبني روبيل ثم دئرت هذه الخطة وبقيت صحراء فيها ديارات وكنائس للنصارى تعرف بكنائس الحمراء فلما زالت دولة بني أمية ودخل أصحاب بني العباس إلى مصر في مصر اثنتين وثلان ومائة نزلوا في هذه الخطة وعمروا بها فصارت تتصل بالعسكر وقد تقدّم خبر العسكر في هذا الكتاب فلما خرب العسكر وصار هذا المكان بساتين وغيرها إلى أن حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون البركة الناصرية وانشأ ميدان المهاري والزريبة والربعين بجوار الجامع الطيبرسيّ على شاطىء النيل بنى الناس في حكر أقبغا واتصلت العمائر من خط السبع سقايات وخط قناطر السباع حتى اتصلت بالقاهرة ومصر والقرافة وذلك كله من بعد سنة عشرين وسبعمائة‏.‏

 

 

بئر الوطاويط‏:‏ هذه البئر أنشأها الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن الفرات المعروف بابن خترابه لينقل منها لاماء إلى السبع سقايات التي أنشأها وحبسها لجميع المسلمين التي كانت بخط الحمراء وكتب عليها بسم الله الرحمن الرحيم لله الأمر من قبل ومن بعد ولهلشكر وله الحمد ومنه المن على عبده جعفر بن الفضل بن جعفر بن الفرات وما وفقه له من البناء لهذه البئر وجريانها إلى السبع سقايات التي أنشأها وحبسها لجميع المسلمين وحبسه وسبله وقفًا مؤبدًا لا يحل تغييره ولا العدول بشيء من مائه ولا ينقل ولا يبطل ولا يساق إلاّ إلى حيث مجراه إلى السقايات المسبلة فمن بدّله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدّلونه إن الله سميع عليم‏.‏

 

 

وذلك في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وصلى الله على نبيه محمد وآله وسلم فلما طال الأمر خربت السقايات وإلى اليوم يُعرف موضعها بخط السبع سقايات وبنى فوق البئر الأماكن في أيام الناصر محمد بن قلاوون عمر هذا المكان وعرف إلى اليوم بخط بئر الوطاويط وهو خط خامر فهذا ما في جهة الخليج مما خرج عن باب زويلة‏.‏

 

 

وأما جهة الجبل فنها كانت عند وضع القاهرة صحراء وأوّل من أعلم أنه عمر خارج باب زويلة من هذه الجهة الصالح طلائع بن رزيك فإنه أنشأ الجامع الذي يقال له جامع الصالح ولم يكن بين هذا الجامع وبين هذا الشرف الذي عليه الآن قلعة الجبل بناء البتة إلاّ أن هذا الموضع الآن عمل الناس فيه مقبرة فيما بين جامع الصالح وبين هذا الشرف من حين بنيت الحارات خارج باب زويلة فلما عمرت قلعة الجبل عمر الناس بهذه شيئًا بعد شيء وما برح من بنى هناك يجد عند الحفر رمم الأموات وقد صارت هذه الجهة في الدولة التركية لا سيما بعد سنة ثلاث عشرة وسبعمائة من أعمر الأخطاط وأنشأ الأمراء الجوامع والدور الملوكية وتحدّدت هناك عدّة أسواق وصار الشارع خارج باب زويلة يفصل بين هذه الجهة وبين الجهة التي من حدّ الخليج وكلتا هاتين الجهتين الآن عامرة وفي جهة الجبل خط البسطيين وخط الدرب الأحمر وخط سوق الغنم وخط جامع المارديني وخط التبانة وخط باب الوزير وخط المصنع وخط سويقة العزي وخط مدرسة الجابي وخط الرميلة وخط القبيبات وخط باب القرافة‏.‏

 

 

خارج باب الفتوح اعلم أن خارج باب الفتوح إلى الخندق كان كله بساتين وتمتدّ البساتين من الخندق بحافتي الخليج إلى عين شمس فيقابل باب الفتوح من خارجه المنظرة المقدّم ذكرها عند ذكر المناظر التي كانت للخلفاء من هذا الكتاب ويلي هذه المنظرة بستان كبير عُرف بالبستان الجيوشيّ أوّله من عند زقاق الكحل إلى المطرية ويقابله في برّ الخليج الغربيّ بستان آخر يتوصل إليه من باب القنطرة وينتهي إلى الخندق وقد ذكر خبر هذين البستانين عند ذكر مناظر الخلفاء وكان بين هذين البستانين بستان الخندق وكان على حافة الخليج من شرقيه فيما بين زقاق الحكل وباب القنطرة حيث المواضع التي تعرف اليوم ببكرة جناق بالكداسين إلى قريب من حارة بهاء الدين حارة تُعرف بحارة البيازرة اختطت في نحو من سنة عشرين وخمسمائة وكانت مناظرها تُشرف على الخليج وبجوارها بستان مختار الصقلبيّ وعرف بعد ذلك ببستان ابن صيرم الذي حكر وبنيت فيه المساكن الكثيرة بع ذلك وكان أيضاَ خارج باب الفتوح حارة الحسينية وهم الريحانية إحدى طوائف عسكر الخلفاء الفاطميين وهذه الحارة اختطت بعد الشدّة العظمة التي كانت بمصر في خلافة المستنصر فصارت على يمين من خرج من باب الفتوح إلى صحراء الهليلج ويقابلها حارة أخرى تنتهي إلى بركة الأرمن التي عند الخندق وتعرف اليوم ببركة قراجًا وقد ذكرت هذه الحارات عند ذكر حارات القاهرة وظواهرها من هذا الكتاب‏.‏

 

 

 

 

       

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 الخندق

 

 

 

هذا الموضوع قرية خارج باب الفتوح كانت تعرف أوّلًا بمنية الإصبغ ثم لما اختط القائد جوهر القاهرة أمر المغاربة أن يحفروا خندقًا من جهة الشام من الجبل إلى الإبليز عرضه عشرة أذرع في عمق مثلها فبُديء به يوم السبت حادي عشري شعبان سنة ستين وثلاثمائة وفرغ في أيام يسيرة وحفر خندقًا آخر قدّامه وعمقه ونصب عليه باب يدخل منه وهو الباب الذي كان على ميدان البستان الذي للأخشيد وقصد أن يقاتل القرامطة من وراء هذا الخندق فقيل له من حينئذ الخندق وخندق العبيد والحفرة ثم صاب بستانًا جليلًا من جملة البساتين السلطانية في أيام الخلفاء الفاطميين وأدركناها من منتزهات القاهرة البهجة إلى أن خربت‏.‏

 

 

قال ابن عبد الحكم‏:‏ وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أقطع ابن سندر منية الأصبغ فحاز لنفسه منها ألف فدّان كما حدّثنا يحيى بن خالد عن الليث بن سعد رضي الله عنه ولم يبلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقطع أحدًا من الناس شيئًا من أرض مصر إلاّ ابن سندر فه أقطعه منية الأصبغ فلم تزل له حتى مات فاشتراها الأصبغ بن عبد العزيز من ورثته فليس بمصر قطيعة أقدم منها ولا أفضل وكان سبب إقطاع عمر رضي الله عنه ما أقطعه من ذلك كما حدّثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيبة عن أبيه عن جدّه أنه كان لزنباع بن روح الجذاميّ غلام يقال له سندر فوجده يقبل جارية له فجبه وجدع أنفه وأذنه فأتى سندر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى زنباع فقال‏:‏ ‏"‏ لا تحملوهم من العمل ما لا يطيقون وأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون فن رضيتم فأمسكوا وإن كرهتم فبيعوا ولا تعذخلق الله ومن مثّل به أو أحرق بالنار فهو حرّ وهو مولى الله ورسوله فأعتق سندر فقال‏:‏ أوص بي يا رسول الله‏

 

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أوصي بك كل مسلم ‏"‏ فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سندر أبا بكر رضي الله عنه فقال‏:‏ احفظ فيّ وصية رسول الله صلى الله عليه

 

 

فعاله أبو بكر رضي الله عنه فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ نعم إن رضيت أ تقيم عند أجريت عليك ما كان يُجرى عليك أبو بكر رضي الله عنه وإلا فانظر أيّ موضع أكتب لك‏

 

 

فقال سندر‏:‏ مصر لأنها أرض ريف فكتب له إلى عمرو بن العاص‏:‏ احفظ فيه وصية رسول الله صلى الله عليه وسل

 

 

فلما قدم إلى عمرو رضي الله عنه أقطع له أرضًا واسعة ودارًا فجعل سندر يعيش فيها فلما مات قبضت في مال الله تعالى‏.‏

 

 

قال عمرو بن شعيب‏:‏ ثم اقطعها عبد العزيز بن مروان الأصبغ بعد فهي من خير أموالهم‏

 

 

قال‏:‏ ويقال سندر وابن سندر وقال ابن يونس مسروح بن سندر الخصيّ مولى زنباع بن روح بن سلامى الجذاميّ يُكنّى أبا الأسود له صحبة قدم مصر بعد الفتح بكتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالوصاة فأقطع منية الأصبغ بن عبد العزيز‏

 

 

روى عنه أهل مصر حديثين روى عنه مزيد بن عبد الله البرنيّ وربيعة بن لقيط التجيبيّ ويقال سندر الخصيّ وابن سندر أثبت توفي بمصر في أيام عبد العزيز بن مروان‏.‏

 

 

ويقال كان مولاه وَجَدَهُ يقبِّل جارية له فجبه وجدع أنفه وأذني فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا ذلك إليه فارسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زنباع فقال‏:‏ لا تحملوهم يعني العبيد ما لا يطيقون وأطعموهم مما تأكلون‏

 

 

فذكر الحديث بطوله وذُكر عن عثمان بن سويد بن سندر أنه أدرك مسروح بن سندر الذي جدعه زنباع بن روح وكان جدّه لأمه فقال‏:‏ كان ربما تغدّى معي بموضوع من قرية عثمان واسمها سمسم وكان لابن سندر إلى جانبها قرية يقال لها قلون قطيعة وكان له مال كثير من رقيق وغير ذلككان ذا دهاء منكرًا جسيمًا وعمر حتى أدرك زمان عبد الملك بن مروان وكان لروح بن سلامة الخصيّ ويكنى أبا الأسود له صحبة ويقال له سندر ودخل مصر بعد الفتح سنة اثنتين وعشرين‏.‏

 

 

وقال الكنديّ في كتاب الموالي قال‏:‏ أقبل عمرو بن العاص رضي الله عنه يومًا يسير وابن سندر معه فكان ابن سندر ونفر يسيرون بين يدي عمرو بن العاص رضي الله عنه وأثاروا الغبار فجعل عمرو عمامته على طرف أنفه ثم قال‏:‏ اتقوا الغبار فإنه أوشك شيء دخولًا وأبعده خر وإذا وقع على الرثة صار نسمة‏.‏

 

 

فقال بعضهم لأولئك النفر تنحوا ففعلوا إلاّ ابن سندر فقيل له ألا تتنحى يا ابن سندر فقال عمرو‏:‏ دعوه فإن غبار الخصي لا يضرّ فسمعها ابن سندر فغضب وقال‏:‏ أما والله لو كنت من المؤمنين ما آذيتن

 

 

فقال عمرو‏:‏ يغفر الله لك أنا بحمد الله من المؤمنين‏

 

 

فقال ابن سندر‏:‏ لقد علمت أني سألت رسول اله صلى الله عليه وسلم أن يوصي بي فقال‏:‏ أوصي بك كل مؤم

 

 

وقال ابن يونس‏:‏ اصبغ بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم يكنى أبا ريان حكى عنه أبو حبرة عبد الله بن عباد المغافريّ وعون بن عبد الله وغيره توفي ليلة الجمعة لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وثمانين وقبل أبيه‏

 

 

وقال أبو الفجر علي بن الحسين الأصبهانيّ في كتاب الأغاني الكبير عن الرياشيّ أنه قال عن سكينة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام أن أبا عذرتها عبد الله بن الحسين بن علي ثم خلفه عليها العثماني ثم مصعب بن الزبير ثم الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان‏.‏

 

 

قال‏:‏ وكان يتولى مصر فكتبت إلهي سكينة أنّ مصر أرض وخمة فبنى لها مدينى تسمى بمدينة الأصبغ وبلغ عبد الملك تزوّجه أباها فنفس بها عليه وكتب إليه‏:‏ اختصر مصرًا وسكينة فبعث إليه بطلاقها ولم يدخل بها ومتعها بعشرين ألف دينا

 

 

قلت في هذا الخبر أوهام منها أن الأصبغ لم يل مصر وإنما كان مع أبيه عبد العزيز بن مروان ومنها أنّ الذي بناه الأصبغ لسكينة منية الأصبغ هذه وليست مدينة ومنها أن الأصبغ لم يطلّق سكينة وإنما مات عنها قبل أن يدخل عليها‏.‏

 

 

وقال ابن زولاق في كتاب إتمام كتاب الكنديّ في أخبار أمراء مصر‏:‏ وفي شوّال يعني من سنة ستين وثلاثمائة كثر الأرجاف بوصول القرامطة إلى الشام ورئيسهم الحسن بن محمد الأعسم وفي هذا الوقت ورد الخبر بقتل جعفر بن فلاح قتله القرامطة بدمشق ولما قُتل ملكت القرامطة دق وصاروا إلى الرملة فانحاز معاذ بن حيان إلى يافا متحصنًا بها وفي هذا الوقت تأهب جوهر القائد لقتال القرامطة وحفر خندقًا وعمل عليه بابًا ونصب عليه بابي الحديد اللذين كانا على ميدان الإخشيد وبنى القنطرة على الخليج وحفر خندق السري بن الحكم وفرّق السلاح على رجال المغاربة والمصريين ووكل بأبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات خادمًا يبيت معه في داره ويركب معه حيث كان وأنفذ إلى ناحية الحجاز فتعرّف خبر القرامطة وفي ذي الحجة كبس القرامط القلزم وأخذوا واليها ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائةن وفي المحرّم بلغت الرامطة عين شمس فاستعدّ جوهر للقتال لشعر بقين من صفر غلق أبواب الطابية وضبط الداخل والخارج وأمر الناس بالخروج إليه وأن يخرج الأشراف كلهم فخرج إليه أبو جعفر مسلم وغير المضارب وفي مستهلّ ربيع الأول التحم القتال مع القرامطة على باب القاهرة وكان يوم جمعة فقتل من الفريقين جماعة وأسر جماعة وأصبحوا يوم السبت متكافئين ثم غدوا يوم الأحد للقتال وسار الحسن الأعسم بجميع عساكره ومشى للقتال على الخندق والباب مغلق فلما زالت الشمس فتح جوهر الباب واقتتلوا قتالًا شديدًا وقتل خلق كثير ثم ولى الأعسم منهزمًا ولم يتبعه القائد جوهر ونهب سواد الأعسم بالجب ووجدت صناديقه وكتبه وانصرف في الليل على طريق القلزم ونهب بنو عقيل وبنو طيّ كثيرًا من سواده‏.‏

 

 

وهومشغول بالقتال وكان جميع ما جرى على القرمطي بتدبير جوهر وجوائز أنفذها ولو أراد أخذ الأعسم في انهزامه لأخذه ولكن الليل حجز فكره جوهر اتباعه خوفًا من الحيلة والمكيدة وحضر القتال خلق من رعية مصر وأمر جوهر بالنداء في المدينة من جاء بالقرمطيّ أو برأسه فله ثلاثمائة ألف درهم وخمسون خلعة وخمسون سرجًا محلى على دوابها وثلاث جوائز ومدح بعضهم القائد جوهرًا بأبيات منها‏:‏ كأنّ طراز النصرُ فوقَ جبينَهُ يلوحُ وأرواحُ الورى بمينِهِ ولم يتفق على القرامطة منذ ابتداء أمرهم كسرة أقبح من هذه الكسرة ومنها فارقهم من كان قد اجع إليهم من الكافورية والإخشيدية فقبض جوهر على نحو الألف منهم وسجنهم مقيدين‏.‏

 

 

وقال ابن زولاق في كتاب سيرة الإمام المعز لدين الله ومن خطِّه نقلتُ وفي هذا الشهر يعني المحرّم سنة ثلاث وستين وثلاثمائة تبسطت المغاربة في نواحي القرافة والمغاير وما قابرها فنزلوا في الدور وأخرجوا الناس من دورهم ونقلوا السكان وشرعوا في السكنى في المدينة وكان المعز قد أمرهم أن يسكنوا أطراف المدينة فخرج الناس واستغاثوا بالمعز فمرهم أن يسكنوا نواحي عين شمس وركب المعز بنفسه حتى شاهد المواضع التي ينزلون فيها وأمر لهم بمال يبنون به وهو الموضع الذي يُعرف اليوم بالخندق والحفرة وخندق العبيد وجعل لهم واليًا وقاضيًا ثم سكن أكثرهم بالمدينة مخالطين لأهل مصر ولم يكن القائد جوهر يبيحهم سكنى المدينة ولا المبيت بها وحظر ذلك عليهم وكان مناديه ينادي كل عشية لا يبيتن أحد في المدينة من المغاربة‏.‏

 

 

وقال ياقوت‏:‏ منية الأصبغ تنسب إلى الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان ولا يعرف اليوم بمصر موضع يعرف بهذا الاسم وزعموا أنها القرية المعروفة بالخندق قريبًا من شرقيّ القاهرة

 

 

وقال ابن عبد الظاهر‏:‏ الخندق هو منية الأصبغ وهو الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان‏

 

 

قال مؤلفه رحمه الله‏:‏ وقد وهم ابن عبد الظاهر فجعل أن الخندق احتفره العزيز بالله وإنما احتفره جوهر كما تقدّم وأدركت الخندق قرية لطيفة يبرز الناس من القاهرة إليها ليتنزهوا بها في أيام النيل والربيع ويسكنها طائفة كبيرة وفيها بساتين عامرة بالنخيل الفخر والثر وبها سوق وجامع تقام به الجمعة وعليه قطعة أرض من أرض الخندق يتولاها خطيبة فلما كانت الحوادث والمحن من سنة ست وثمانمائة خربت قرية الخندق ورحل أهلها منها ونقلت الخطبة من جامعه إلى جامع بالحسينية وبقي معطلًا من ذكر الله تعالى وإقامة الصلاة مدّة ثم في شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة هدمه الأمير طوغان الدوادار وأخذ عمده وخشبه فلم يبق إلا بقية أطلاله وكانت قرية الخندق كأنها من حسنها ضرّة لكوم الريش وكانت تجاهها من شرقيها فخربتا جميعًا‏.‏

 

 

صحراء الأهليلج‏:‏ هذه البقة شرقيّ الخندق في الرمل وإليها كانت تنتهي عمارة الحسينية من جهة باب الفتوح وكان بها شجر الإهليلج الهنديّ فعرفت بذلك وأظن أن هذا الإهليلج كان من جملة بستان ريدان الذي يُعرف اليوم موضعه بالريدانية‏

 

 

خارج باب النصر أما خارج القاهرة من جهة باب النصر فإنه عندما وضع القائد جوهر القاهرة كان فضاء ليس فيه سوى مُصلّى العيد الذي بناه جوهر وهذا المُصلى اليوم يُصلّى على من مات فيه وما برح ما بين هذا المصلى وبستان ريدان الذي يُعرف اليوم بالريدانية لا عمارة فيه إلى أن مات أمير الجيوش بد الجماليّ في سنة سبع وثمانين وأربعمائة فدفن خارج باب النصر بحريّ المصلى وبني على قبره تربة جليلة وهي باقية إلى اليوم ناك فتتابع بناء الترب من حينئذٍ خارج باب النصر فيما بين التربة الجيوشية والريدانية وقبر النصر موتاهم هناك لاسيما أهل الحارات التي عُرفت خارج باب الفتوح بالحسينية وهي الريدانية وحارة البزادرة وغيرها ولم تزل هذه الجهة مقبرة إلى ما بعد السبعمائة بمدّة فرغب الأمير سيف الدين الحاج آل ملك في البناء هناك وأنشأ الجامع المعروف به في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وعمر دارًا وحمّامًا فاقتدى الناس به وعمروا هناك وكان قد بنى تجاه المصلى قبل ذلك الأمير سيف الدين كهرداس المنصوري دارًا تُعرف اليوم بدار الحاجب فسكن في هذه الجهة أمراء الدولة وعملوا فيما بين الريدانية والخندق مناخات الجمال وهي باقية هناك فصارت هذه الجهة في غاية العمارة وفيها من باب النصر إلى الريدانية سبعة أسواق جليلة يشتمل كل سوق منها على عدّة حوانيت كثيرة فمنها‏:‏ سوق اللفت وهو تجاه باب بيت الحاجب الآن عند البئر كان فيه من جانبيه حوانيت يباع فيها اللفت ومن هذا السوق يشتري أهل القاهرة هذا الصنف والكرنب وتعرف هذه البئر إلى يوم ببئر اللفت ويليها سويقة زاوية الخدّام وأدركت بهذه السويقة بقية صالحة ويلي ذلك سوق جامع آل ملك وكان سوقًا عامرًا فيه غالب ما يُحتاج إليه من المآكل والآدوية والفواكه والخضر وغيرها وأدركته عامرًا‏.‏

 

 

ويليه سويقة السنابطة عُرفت بقوم من أهل ناحية سنباط سكنوا بها وكانت سوقًا كبيرًا وأدركته عامرًا‏.‏

 

 

ويليها سويقة أبي ظهير وأدركتها عامرة ويليها سويقة العرب وكانت تتصل بالريدانية وتشتمل على حوانيت كثيرة جدًّا أدركتها عامرة وليس فيها سكان وكانت كلها من لبن معقدو عقودًا وكان بأوّل سويقة العرب هذه فرن أدركته عامرًا آهلًا بلغني أنه كان يُخبز فيه أيام عمارة هذا السوق وما حوله كل يوم نحو السبعة آلاف رغيف وكان من وراء هذا السوق أحواش فيها قباب معقودة من لبن أدركتها قائمة وليس فيها سكان وكان من جملة هذه الأحواش حوش فيه أربعمائة قبة يسكن فيها البزادرة والمكارية أجرة كل قبة درهمان في كل شهر فيتحصل من هذا الحوش في كل شهر مبلغ ثمانمائة درهم فضة وكان يُعرف بحوض الأحمديّ‏.‏

 

 

فلما كان الغلاء في زمن الملك الأشرف شعبان بن حسين سنة سبع وسبعين وسبعمائة خرب كثير مما كان بالقرب من الريدانية واختلَّت أحوال هذه الجهة إلى أن كانت المحن من سنة ست وثمانمائة فتلاشت وهُدمت دورها وبيعت أنقاضها وفيها بقية آيلة إلى الدثور‏.‏

 

 

الريدانية كانت بستانًا لريدان الصقلبيّ أحد خدّم العزيز بالله نزار بن المعز كان يحمل المظلة على رأس الخليفة واختص بالحاكم ثم قتله في يوم الثلاثاء لعشر بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وريدان إن كان إسمًا عربيًا فإنه من قولهم ريحٌ ريدةٌ واردةٌ وريدانةٌ أي لينة الهبوب وقيل ريحٌ ريدة كثيرةُ الهبوب‏.‏

 

 

الخلجان التي بظاهر القاهرة اعلن أن الخليج جمعه خلجان وهونهر صغير يختلج من نهر كبير و من بحر وأصل الخلج الانتزاع‏.‏

 

 

خلجتُ الشيءَ من الشيء إذا انتزعته وبأرض مصر عدّة خلجان منها بظاهر القاهرة خليج مصر وخليج فم الخور وخليج الذكر والخليج الناصريّ وخليج قنطرة الفخر وسترى من أخبارها ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

هذا الخليج بظاهر مدينة فسطاط مصر ويمرّ من عربيّ القاهرة وهو خليج قديم احتفره بعض قدماء ملوك مصر بسب بهاجر أم إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله وسلامه عليهما حين أسكنها وابنها إسماعيل خليل الله إبراهيم عليهما الصلاة والسلام بمكة ثم تمادت الدهور والأعوام فجدّد حفره ثانيًا بعض من ملك مصر من ملوك الروم بعد الإسكندر فلما جاء الله سبحانه بالإسلام وله الحمد والمنة وفتحت أرض مصر في عام الرمادة وكان يصب في بحر القلزم فتسير فيه السفن إلى البحر الملح وتمرّ في البحر إلى الحجاز واليمن والهند ولم يزل على ذلك إلى أن قام محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب بالمدينة النبوية والخيفة حينئذٍ بالعراق أبو جعفر عبد الله بن محمد المنصور فكتب إلى عامله على مصر يأمره بطمّ خليج القلزم حتى لا تُحمل الميرة من مصر إلى المدينة فطمّه وانقطع من حينئذٍ اتصاله ببحر القلزم وصار على ما هو عليه الآن وكان هذا الخليج أولًا يُعرف بخليج مصر فلما أنشأ جوهر القائد القاهرة بجانب هذا الخليج من شرقيه صار يُعرف بخليج القاهرة وكان يُقال له أيضًا خليج أمير المؤمنين يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه الذي أشار بتجديد حفره والآن تسميه العامة بالخليج الحاكميّ وتزعم أن الحاكم بأمر الله أبا عليّ منصورًا احتفره وليس هذا بصحيح‏.‏

 

 

فقد كان هذا الخليج قبل الحاكم بمدد متطاولة ومن العامة من يسميه وسأقص عيك من أخبار هذا الخليج ما وقفت عليه من الأنباء‏.‏

 

 

قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه في أخبار طيطوس بن ماليا بن كلكن بن خربتا بن ماليف بن تدارس بن صابن مرقونس بن صابن قبطيم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح وجلس على سرير الملك بعد أبيه ماليا وكان جبارًا جريئًا شديد البأس مهابًا فدخل عليه الأشراف وهنوه ودعوا له فأمرهم بالإقبال على مصالحهم وما يعنيهم ووعدهم بالإحسان والقبط تزعم أنه أوّل الفراعنة بمصر وهو فرعون إبراهيم عليه السلام وأن الفراعنة سبعة هو أوّلهم وأنه استخف بأمر الهياكل والكهنة وكان من خبر إبراهيم عليه السلام معه أن إبراهيم لما فارق قومه أشفق من المقام بالشام لئلا يتبعه قومه ويردّوه إلى النمرود لأنه كان من أهل كونا من سواد العراق فخرج إلى مصر ومعه سارّة امرأته وترك لوطًا بالشام‏.‏

 

 

وسار إلى مصر وكانت سارّة أحسن نساء وقتها ويُقال أنّ يوسف عليه السلام ورث جزًا من جمالها فلما سار إلى مصر رأى الحرس المقيمون على أبواب المدينة سارة فعجبوا من حسنها ورفعوا خبرها إلى طيطوس الملك وقالوا‏:‏ خل إلى البلد رجل من أهل الشرق معه امرأة لم يُر أحسن ها ولا أجمل‏.‏

 

 

فوجّه الملك إلى وزيره فأحضر إبراهيم صلوات الله عليه وسأله عن بلده فأخبره‏.‏

 

 

وقال‏:‏ ما هذه المرأة منك فقال أختي‏

 

 

فعرّفَ الملك بذلك فقال‏:‏ مره أن يُجئني بالمرأة حتى أراها‏

 

 

فعرّفه ذلك فامتغص منه ولم تمكنه مخالفته وعلم أن الله تعالى لا يسوؤه في أهلهن فقال لسارة‏:‏ قومي إلى الملك فإنه قد طلبك مني‏

 

 

قالت‏:‏ وما يصنع بي الملك وما رآني قبل قال‏:‏ أرجوا أن يكون لخي

 

 

فقامت معه حتى أتوا قصر الملك فأدخلت عليه فنظر منها منظرًا راعه وفتنته فأمر بإخراج إبراهيم عليه السلام فأُخرج وندم على قوله إنها أخته وإنما أراد أنها أخته في الدين ووقع في قلب إبراهيم عليه السلام ما يقع في قلب الرجل على أهله وتمنى أنه لم يدخل مصر فقال‏:‏ لهم لا تفضح نبيك في أهله‏.‏

 

 

فراودها الملك عن نفسها فامتنت عليه فذهب ليمدّ يده إليها فقالت‏:‏ إنك إن وضعت يدك عليّ أهلكت نفسك لأنّ لي ربًا يمنعني منك‏

 

 

فلم يلتفت إلى قولها ومدّ يده إليها بجفت يده وبقي حائرًا‏.‏

 

 

فقال لها‏:‏ أزيلي عني ما قد أصابني‏

 

 

فقالت‏:‏ على أن لا تعاود مثل ما أتيت‏

 

 

قال‏:‏ نعم‏

 

 

فدعت الله سبحانه وتعالى فزال عنه ورجعت يده إلى حالها‏.

 

 

فلما وثق بالصحة راودها ومناها ووعدها بالإحسان فامتنعت وقالت‏:‏ قد عرفت ما جرى‏

 

 

ثم مدّ يده إليها فجفت وضربت عليه أعضاؤه وعصبه‏.‏

 

 

فاستغاث بها واقسم بالآلهة أنها إن أزالت عنه ذلك فإنها لا يعاودها‏.‏

 

 

فسألت الله تعالى فزال عنه ذلك ورجع إلى حاله فقال‏:‏ إنّ لك لربًا عظيمًا لايضيعك فأعظم قدرها وسألها عن إبراهيم فقالت‏:‏ هو قريبي وزوج

 

 

قال‏:‏ فإنه قد ذكر أنك أخته‏

 

 

قالت‏:‏ صدق ووجه إلى ابنته جوريا وكانت من الكمال والعقل بمكان كبير فألقى الله تعالى محبة سارة في قلبها فكانت تعظمها وأضافتها أحسن ضيافة ووهبت لها جوهرًا ومالًا‏

 

 

فأتت به إبراهيم عليه السلام فقا لها‏:‏ ردّيه فلا حاجة لنا به‏

 

 

فردّته وذكرت ذلك جوريا لأبيها‏.‏

 

 

فعجب منهما وقال‏:‏ هذا كريم من أهل بيت الطهارة فتحيلي في برّها بكل حيلة فوهبت لها جارية قبطية من أ سن الجواري يقال لها آجر وهي هاجر أم إسماعيل عليه السلام وجعلت لها سلالًا من الجلود وجعلت فيها زاد وحلوى وقال‏:‏ يكون هذا الزاد معك وجعلت تحت الحلوى جوهرًيسًا وحليًا مكللًا‏.‏

 

 

فقالت سارة‏:‏ أشاور صاحبي‏

 

 

فأتت إبراهيم عليه السلام واستأذنته فقال‏:‏ إذا كان مأكولًا فخذيه‏

 

 

فقبلته منها‏.‏

 

 

وخرج إبراهيم فلما مضى وأمعنوا في السير أخرجت سارة بعض تلك السلال فأصابت الجوهر والحلي فعرّفت إبراهيم عليه السلام ذلك فباع بعضه وحفر من ثمنه البئر التي جعلها للسبيل وفرّق بعضه في وجوه البرّ وكان يُضيف كل من مرّ به وعاش طيطوس إلى أن وجهت هاجر من مكة تعرّفه أنها بمكان جدب وتستغيثه فأمر بحفر نهر في شرقيّ مصر بسفح الجبل حتى ينتهي إلى مرقى السفن في البحر الملح فكان يحمل إليها الحنطة وأصناف الغلات فتصل إلى جدّة وتُحمل من هناك على المطايا فأحيا بلد الحجاز مدّة ويقال إنما حُلّيت الكعبة في ذلك العصر ما أهداه ملك مصر وقيل أنه لكثرة ما كان يحمله طوطيس إلى الحجاز سمته العرب وجرهم الصادوق ويقال أنه سأل إبراهيم عليه السلام أني بارك له في بلده فدعا بالبركة لمصر وعرّفه أن ولده سيملكها ويصير أمرها إليهم قرنًا بعد قرن‏.‏

 

 

وطوطيس أوّل فرعون كان بمصر وذلك أنه أكثر من القتل حتى قتل قراباته وأهل بيته وبني عمه وخدمه ونساءه وكثيرًا من الكهنة والحكماء وكان حريصًا على الولد فلم يرزق ولدًا غير ابنته جوريا أو جورياق وكانت حكيمة عاقلة تأخذ على يده كثيرًا وتمنعه من سفك الدماء فأبغضته ابنته أبغضه جميع الخاصة والعامة فلما رأت أمره يزيد خافت على ذهاب ملكهم فسمته وهلك وكان ملكه سبعين سنة واختلفوا فيمن يملك بعده وأرادوا أني قيموا واحدًا من ولد اتريب فقال بعض الوزراء ودعا لجورياق فتمَّ لها الأمر وملكت‏.‏

 

 

فهذا كان أوّل أمر هذا الخليج‏.‏

 

 

ثم حفره مرّة ثانية أدريان قيصر أحد ملوك الروم ومن الناس من يسميه أندرويانوس ومنهم من يقول هوريانوس قال في تاريخ مدينة رومة وولي الملك أدريان قيصر أحد ملوك الروم وكانت ولايته إحدى وعشرين سنة وهو الذي درس اليهود مرّة ثانية إذ كانوا راموا النفاق عليه وهو الذي جدّد مدينة يورشالم يني مدينة القدس وأمر بتبديل اسمها وأن تسمى إيليا‏.‏

 

 

وقال علماء أهل الكتاب عن أدريان هذا‏:‏ وغزا القدس وأخربه في الثانية من ملكه وكان ملكه في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة من سني الإسكندر وقتل عامة أهل القدس وبنى على باب مدينة القدس منارًا وكتب عليه‏:‏ هذه مدينة إيليا وتُسمى موضع هذا العمود الآن محراب داو

 

 

ثم سار من القدس إلى باب فحارب ملكها وهزمه وعاد إلى مصر فحفر خليجًا من النيل إلى بحر القلزم وسارت فيه السفن وبقي رسمه عند الفتح الإسلاميّ فحفره عمرو بن العاص وأصاب أهل مصر منه شدائد وألزمهم بعبادة الأصنام ثم عاد إلى بلاده بممالك الروم فابتلي بمرض أعيى الأطباء فخرج يسير في البلاد يبتغي من يداويه فمرّ على بيت المقدس وكان خرابًا ليس فيه غير كنيسة للنصارى فأمر ببناء المدينة وحصنها وأعاد إليها اليهود فأقاموا بها وملّكوا عليهم رجلًا منهم‏.‏

 

 

فبلغ ذلك أدريان قيصر فبعث إليهم جيشًا لم يزل يحاصرهم حى مات أكثرهم جوعًا وعطشًا وأخذها عنوة فقتل من اليهود ما لايُحصى كثرة وأخرب المدينة حتى صارت تلالالً عامرة فيها البتة وتبع اليهود يريد أن لايدع منهم على وجه الأرض أحدًا ثم أمر طائفة من اليونايين فتحوّلوا إلى مدينة القدس وسكنوا فيها فكان بين خراب القدس الخراب الثاني على يد طيطوس وبين هذا الخراب ثلاث وخمسون سنة فعمرت القدس باليونان ولم يزل قيصر هذا ملكًا حتى مات فهذا خبر حفر هذا الخليج في المرّة الثانية فلما جاء الإسلام جدّد عمرو بن العاص حفره‏.‏

 

 

قال ابن عبد الحكم ذكر حفر خليج أمير المؤمنين رضي الله عنه‏:‏ حدّثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد قال‏:‏ إنّ الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنة الرمادة فكتب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص وهو بمصرعبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاصي ابن العاصي سلام‏.‏

 

 

أما بعد‏:‏ فلعمري يا عمرو ما تبلي إذا شبعت أنت ومن معك أن أهلك أنا ومن معي فيا غوثاه ثم يا غوثاه يردّد ذلك‏

 

 

فكتب إليه عمرو‏:‏ من عبد الملك عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين أما بعد‏:‏ فيا لبيك ثم يا لبيك قد بعثتُ إليك بعير أوّلها عندك وآخرها عندي والسلام عليك ورحمة الله وبركات

 

 

فبعث إليه بعير عظمة فكان أوّلها بالمدينة وآخرها بمصر يتبع بعضها بعضًا‏.‏

 

 

فلما قدمت على عمر رضي الله عنه وسَع بها على الناس ودفع إلى أهل كل بيت بالمدينة وما حولها بعيرًا بما عليه من الطعام وبعث عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوّام وسعد بن أبي وقاص يُقسِّمونها على الناس فدفعوا إلى أهل كل بيت بعيرًا بما عليه من الطعام ليأكلوا الطعام ويأتدموا بلحمه ويحتذوا بجلده وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطعام فيما أرادوا من لحاف أو غيره‏.‏

 

 

فوسّع الله بذلك على الناس فلما رأى ذلك عمر ري الله عنه حمد الله وكتب إلى عمرو بن العاص أن يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر معه فقدموا عليه‏.‏

 

 

فقال عمرك يا عمرو بن العاص إن الله قد فتح على المسلمين مصر وهي كثيرة الخير والطعام وقد ألقى في روعي لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين والتوسعة عليهم حين فتح الله عليهم مصر وجعلها قوّة لهم ولجميع المسلمين أنْ أحفر خليجًا من نيلها حتى يسيل في البحر فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة فإن حمله الطهر يبعد ولا نبلغ به ما نريد فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم فانطلق عمرو فأخبر من كان معه من أهل مصر فثقل ذلك عليهم وقالوا‏:‏ نتخوف أن يجخل من هذا ضرر على مصر فنرى أ تُعظِّمَ ذلك علىمير المؤمنين وتقول له‏:‏ إنّ هذا أمر لا يعتدل ولا يكون ولا نجد إليه سبيلًا‏

 

 

فرجع عمرو بذلك إلى عمر فضحك عمر رضي الله عنه حين رآه وقال‏:‏ والذي نفسي بيده لكأني أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرنا به من حفر الخليج فثقل ذلك عليهم وقالوا يدخل من هذا ضرر على أهل مصر فنرى أن تُعظِّم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له إنّ ه أمر لايعتدل ولا يكون ولا نجد إليه سبيلًا‏.‏

 

 

فعجب عمرو من قول عمر قال‏:‏ صدقت والله يا أمير المؤمنين لقد كان الأمر على ما ذكرت‏

 

 

فقال له عمر رضي الله عنه‏:‏ انطلق بعزيمة مني حتى تجدّ في ذلك فانصرف عمرو ومع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد ثم احتفر الخليج في حاشية الفسطاط الذي يقال له خليج أمير المؤمنين فساقه من النيل إلى القلزم فلم يأت الحول حتى جرت فيه السفن فحمل فيه ما أراد من طعام حتى حمل فيه بعد مر بن عبد العزيز ثم ضيعه الولاة بعد ذلك فترك وغلب عليه الرمل فانقطع فصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية بطحاء القلزم‏.‏

 

 

قال‏:‏ ويقال إنّ عمر رضي الله عنه قال لعمرو حين قدم عليه‏:‏ يا عمرو إنّ العرب قد تشاءمت بي وكادت أن تغلب علي رحلي وقد عرفت الذي أصابها وليس جند من الأجناد أرجى عندي أن يغيث الله بهم أهل الحجاز من جندك فإن استطعت أن تحتال لهم حيلة حتى يغيثهم الله تعال

 

 

 

 

فقال عمرو‏:‏ ما شئت يا أمير المؤمنين قد عرفت أنه كانت تأتينا سفن فيها تجار من أهل مصر قبل الإسلام فلما فتحنا مصر انقطع ذلك الخليج واستدّ وتركه التجار فإن شئت أن نحفره فننشيء فيه سفنًا يُحمل فيها الطعام إلى الحجاز فعلته‏

 

 

فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ نعم فافعل‏

 

 

فلما خرج عمر من عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكر ذلك لرؤساء أهل أرضه من قبط مصر فقالوا له‏:‏ ماذا جئت به أصلح الله الأمير تريد أن تُخرج طعام أرضك وخصبها إلى الحجاز وتخرب هذه فإن استطعت فاستقل من ذلك‏

 

 

فلما ودّع عمر رضي الله عنه قال‏:‏ يا عمرو انظر إلى ذلك الخليج ولا تنسين حفره‏

 

 

فقال له‏:‏ يا أمير المؤمنين إنه قد انسدذ وتدخل فيه نفقات عظيمة‏

 

 

فقال له‏:‏ أمّا والذي نفسي بيده إني لأظنك حين خرجت من عندي حدّثت بذلك أهل أرضك فعظموه عليك وكرهوا ذلك أعزم عليك إلاّ ما حفرته وجعلت فيه سفنًا‏

 

 

فقال عمرو‏:‏ يا أمير المؤمنين إنه متى ما يجد أهل الحجاز طعام مصر وصبها مع صحة الحجاز لا يخفوا إلى الجهاد‏

 

 

قال‏:‏ فإني سأجعل من ذلك أمرًا لا يُحمل في هذا البحر إلاّ رزق أهل المدينة وأهل مكة‏

 

 

فحفره عمرو وعالجه وجعل فيه السفن‏.‏

 

 

قال‏:‏ ويقال أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عمرو بن العاص‏:‏ إلى العاصي ابن العاصي فإنك لعمري لا تبالي إذا سمنت أنت ومن معك أن أعجف أنا ومن مع فيا غوثاه ويا غوثا

 

 

فكتب إليه عمرو‏:‏ أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك أتتك عير أوّلها عندك وآخرها عندي مع أني أرجوا أن أجد السبيل إلى أن أحمل إليك في البحر ثم إن عمرًا ندم على كتابه في الحمل إلى المدينة في البحر‏

 

 

وقال‏:‏ إن أمكنت عمر من هذا خرّب مصر ونقلها إلى المدينة‏

 

 

فكتب إليه‏:‏ إني نظرت في أمر البحر فإذا هو عسر ولا يلتأم ولا يُستطاع‏

 

 

فكتب إليه عمر رضي الله عنه‏:‏ إلى العاصي ابن العاصي قد بلغني كتابك تعتلّ في الذي كنت كتبت إليّ به من أمر البحر وأيم الله لتفعلنّ أو لأفعلن بأذنك ولأبعثن من يفعل ذلك‏

 

 

فعرف عمرو أنه الجدّ من عمر رضي الله عنه ففعل‏.‏

 

 

فبعث إليه عمر رضي الله عنه أن لا ندع بمصر شيئًا من طعامها وكسوتها وبصلها وعدسها وخلها إلاّ بعثت إليها منه‏.‏

 

 

قال‏:‏ ويقال إن الذي دل عمرو بن العاص على الخليج رجل من القبط فقال لعمرو‏:‏ أرأيت إن دللتك على مكان تجري فيه السفن حتى تنتهي إلى مكة والمدينة أتضع عني الجزية وعن أهل بيتي فقال‏:‏

 

 

فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏

 

 

فكتب إليه أن افعل فلما قدمت السفن خرج عمر رضي الله عنه حاجًا أو معتمرًا فقال للناس‏:‏ سيروا بنا ننظر إلى السفن التي سيرها الله تعالى إلينا من أرض فرعون حتى أتتنا‏

 

 

فأتى الجار وقال‏:‏ اغتسلوا من مار البحر فإنه مبارك فلما قدمت السفن الجار وفيها الطعام صك عمر رضي الله عنه للناس بذلك الطعام صكوكًا فتبايع التجار الصحوك بينهم قبل أن يقبضوها فلقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه العلاء بن الأسود رضي الله عنه فقال‏:‏ كم ربح حكن حزام فقال‏:‏ ابتاع من صكوك الجار بمائة ألف درهم وربح عليها مائة ألف فلقيه عمر رضي الله عنه فقال له‏:‏ يا حكيم كم ربحت فأخبره بمثل خبر العلا

 

 

قال عمر رضي الله عنه‏:‏ فبعته قبل أن تقبضه قال نعم‏

 

 

قال عمر رضي الله عنه‏:‏ فإنّ هذا بيع لا يصح فاردده‏

 

 

فقال حكيم‏:‏ ما علمت أن هذا بيع لا يصح وما أقدر على ردّه‏

 

 

فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ لا بدّ‏

 

 

فقال حكيم‏:‏ والله ما أقدر على ذلك وقد تفرّق وذهب ولكن رأس مالي وربحي صدقة‏

 

 

وقال القضاعيّ في ذكر الخليج‏:‏ أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن العاص عام الرمادة بحفر الخليج الذي بحاشية الفسطاط الذي يقال له خليج أمير المؤمنين فساقه من النيل إلى القلزم فلم يأت عليه الحول حتى جرت فيه السفن وحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة كة فنفع الله تعالى بذلك أهل الحرمين فسُميَ خليج أمير المؤمنين‏.‏

 

 

وذكر الكنديّ في كتاب الجند العربيّ أن عمرًا حفره في سنة ثلاث وعشرين وفرغ منه في ستة أشهر وجرت فيه السفن ووصلت إلى الحجاز في الشهر السابع ثم بنى عليه عبد العزيز بن مروان قنطرة في ولايته على مصر‏.‏

 

 

قال‏:‏ ولم يزل يُحمل فيه الطعام حتى حمل فيه عمر بن عبد لعزيز ثم أضاعته الولاة بعد ذلك فتُرك وغلب عليه الرمل فانقطع وصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية بطحاء القلزم‏

 

 

 

 

 

 

   

  

 

 وقال ابن قديد‏:‏ أمر أبو جعفر المنصور بسدّ الخليج حين خرج عليه محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة ليقطع عنه الطعام فسُدّ إلى الآن‏

 

 

وذكر البلادري أن أبا جعفر المنصور لما ورد عليه قيام محمد بن عبد الله قال‏:‏ يُكتب الساعة وقال ابن الطوير وقد ذكر ركوب الخليفة لفتح الخليج وهذا الخليج هو الذي حفره عمرو بن العاص لما ولي على مصر في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من بحر فسطاطصر الحلو وألحقه بالقلزم بشاطيء البحر الملح فكانت مسافته خمسة أيام لتقرب معونة الحجاز من ديار مصر في أيام النيل فالمراكب النيلية تفرّغ ما تحمله من ديار مصر بالقلزم فإذا فرغت حملت ما في القلزم مما وصل من الحجاز وغيره إلى مصرن وكان مسلكًا للتجار وغيرهم في وقته المعلوم وكان أوّل هذا الخليج من مصر يشق الطريق الشارع المسلوك منه اليوم إلى القاهرة حافًا بالقريوص الذي عليه البستان المعروف بابن كيسان مادًا وآثاره اليوم مادة باقية إلى الحوض المعروف بسيف الدين حسين صار ابن رزيك والبستان المعروف بالمشتهى وفيه آثار المنظرة التي كانت معدّة لجلوس الخليفة لفتح الخليج من هذا الطريق ولم تكن الآدر المبنية على الخليج ولا شيء منها هناك وما برح هذا الخليج منتزهًا لأهل القاهرة يعبرون فيه بالمراكب للنزهة إلى أن حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليج المعروف الآن بالخليج الناصريّ‏.

 

 

 

قال المسبحيّ‏:‏ وفي هذا الشهر يعني المحرّم سنة إحدى وأربعمائة منع الحاكم بأمر الله من الركوب في القوارب إلى القاهرة في الخليج وشدّد في المنع وسدّت أبواب القاهرة التي يتطرّق منها إلى الخليج وأبواب الطاقات من الدور التي تشرف على الخليج وكذلك أبواب الدور قاالقاضي الفاضل في متجدّدات حوادث سنة أربع وتسعين وخمسائة‏:‏ ونهى عن ركوب المتفرّجين في المراكب في الخليج وعن إظهار المنكر وعن ركوب النساء مع الرجال وعلّق جماعة من رؤساء المراكب بأيديهم‏

 

 

قال‏:‏ وفي يوم الأربعاء تاسع عشر رمضان ظهر في هذه المدّة من المنكرات ما لم يعهد في مصر في وقت من الأوقات ومن الفواحش ما خرج من الدور إلى الطرقات وجرى الماء في الخليج بنعمة الله تعالى بعد القنوط ووقوف الزيادة في الذراع السادس عشر فركب أهل الخلاعة وذوو البلة في مراكب في نهار شهر رمضان ومعهم النساء الفواجر وبأيديهن المزاهر يضربن بها وتسمع اصواتهن ووجوههن مكشوفة وحرفاؤهن من الرجال معهنّ في المراكب لا يمنعون عنهنّ الأيدي ولا الأبصار ولا يخافون من أمير ولا مأمور شيئًا من أسباب الإنكار وتوقع أهل المراقبة ما يتلوا هذا الخطب من المعاقبة‏.‏

 

 

وقال جامع سيرة الناصر محمد بن قلاوون‏:‏ وفي سنة ست وسبعمائة رسم الأميران بيبرس وسلار بمنع الشخاتير والمراكب من دخول الخليج الحاكميّ والتفرّج فيه بسبب ما يحصل من الفساد والتظاهر بالمنكرات اللاتي تجمع الخمر آلات الملاهي والنساء المكشوفات الوجوه المتزينات بخر زينة من كوافي الزركش والقنابيز والحلي العظيم ويُصرف على ذلك الأموال الكثيرة ويُقتل فيه جماعة عديدة ورسم الأميران المذكوران لمولي الصناعة بمصر أن يمنع المراكب من دخول الخليج المذكور إلاّ ما كان فيه غلة أو متجرًا وما ناسب ذلك فكان هذا معدودًا من حسناتهما ومسطورًا في صحائفهما‏.‏

 

 

قال مؤلفه رحمه الله تعالى‏:‏ أخبرني شيخ معمر ولد بعد سنة سبعمائة يعرف بمحمد المسعودي أنه أدرك هذا الخليج والمراكب تمرّ فيه بالناس للنزهة وأنها كانت تعبر من تحت باب القنطرة غادية ورائحة والآن لا يمرّ بهذا الخليج من المراكب إلاّ ما يحمل متاعًا من متجر أو نه وصارت مراكب النزهة والتفرج إنما تمرّ في الخيج الناصريّ فقط وعلى هذا الخليج الكبير في زماننا هذا أربع عشرة قنطرة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في القناطر وحافتا هذا الخليج الآن معمورتان بالدور وسيأتي إن شاء الله ذكر ذلك في مواضعه من هذا الكتاب‏.‏

 

 

وقال ابن سعد‏:‏ وفيها خليج لايزال يضعُفُ بين خضرتها حتى يصير كما قال الرصافي‏:‏ ما زالتِ الأنحاء تأخُذُهُ حتى غدا كذؤابةِ النَجْمِ وقال في نور الكتان الذي على جانبي هذا الخليج‏:‏ انظر إلى النهرِ والكتانُ يرمُقُهُ مِنْ جانبيهِ بأجفانٍ لها حدقُ قدْ سلّا عليه للصِبا شطبُ فقابَلَتْهُ بأحداقٍ بها أرقُ وأصبحت في يد الأرواح تنسُجُها حتى غدتْ حَلَقًا من فوقها حلقُ قال وقد ذكر مصر ولا ينكر فيها إظهار أواني الخمر ولا آلات الطرب ذوات الأوتار ولا تبرّج النساء العواهر ولا غير ذلك مما ينكر في غيرها وقد دخلت في الخليج الذي بين القاهرة ومصر ومعظم عمارته فيما يلي القاهرة فرأيت فيه من ذلك العجائب وربما وقع فيها قتل بسب بالسكر فيمنع فيه الشرب وذلك في بعض الأحيان وهو ضيق وعليه من الجهتين مناظر كثيرة العمارة بعالم الطرب والتحكم والمجانة حتى أن المحتشمين والؤساء لا يجيزون العبور به في مركب وللسُرُجِ في جانبيه بالليل منظر فتَّانٌ وكثيرًا ما يتفرّج فيه أهل الستر وفي ذلك أقول‏:‏ لا تركبنَّ في خليج مصر إلاّ إذا يُسدل الظلامُ فقد علمتُ الذي عليه من عالمٍ كلهُمُ طِغَامُ صفانِ للحربِ قد أظلاّ سلاحَ ما بينهم كلامُ يا سيدي لا تسر إه إلاّ إذا هوَم النيامُ والليلُ سترٌ على التصابي عليهِ من فضلهِ الثامُ والسُرُجُ قد بدّدت عليه منها دنانيرُ لا ترامُ وهو قد امتدّ والمباني عليهِ في خدمةِ قيامُ لله كم دوحة جنينا هناكَ أثمارَها الآثامُ وقال ابن عبد الظاهر عن مختصر تاريخ ابن المأمون أنّ أوّل من رتب حفر خليج القاهرة على الناس المأمون بن البطائحيّ وكذلك على أصحاب البساتين في دولة الأفضل وجعل عليه واليًا بمفرد ولله در الأسعد بن خطير المماتي حيث يقول‏:‏ خليجٌ كالحسام له صقالٌ ولكنْ فيهِ للرائي مسرّهْ رأيتُ به الملاحُ تُجيدُ عومًا كأنهُمْ نجومٌ  مجرّهْ وقال بهاء الدين أبو الحسن عليّ بن الساعاتي في يوم كسر الخليج‏:‏ إنّ يومَ الخليجِ يومٌ من الحس - نِ بديعُ المرئيّ والمسموعِ كم لديه من ليثٍ غابَ صؤولٌ ومهاةٌ مثلُ الغزالِ المروعِ وعلى السدّ عزةٌ قبلَ أن تم - لِكُهُ ذلةُ المحبِ الخضوعِ كسروا جسرهُ اكَ فحاكى كسرَ قلبٍ يتلوهُ فيضُ دموعِ خليج فم الخور وخليج الذكر قاب ابن سيده في كتاب المحكم‏.‏

 

 

في اللغة الخور مصب الماء في البحر وقيل هو خليج من البحر والخور المطمئن من الأرض وخليج فم الخور يخرج الآن من بحر النيل ويصب في الخليج الناصريّ ليقوّي جري الماء فيه ويغزره وكان قبل أن يُحفر الخليج الناصريّ يمدّ خليج الذكر وكان أصله ترعة يدخل منها ماء النيل للبستان الذي عُرف بالمقسي ثم وُسِّع‏.‏

 

 

قال ابن عبد الظاهر‏:‏ وكان يخرج من البحر للمقسيّ الماء في البرابخ فوسَّعه الملك الكامل وهو خليج الذكر‏

 

 

ويقال أن خليج الذكر حفره كافور الأخشيدي فلما زال البستان المقسيّ في أيام الخليفة الظاهر بن الحاكم وجعله بركة قدّام المنظرة المعروفة باللؤلؤة صار يدخل الماء إليها من هذا الخليج وكان يُفتح هذا الخليج قبل الخليج الكبير ولم يزل حتى أمر الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة أربع وعشرين وسبعمائة بحفره فحفر وأوصل بالخليج الكبير وشرع الأمراء والجند في حفره من أخريات جمادى الآخرة فلما فُتح كادت القاهرة أن تغرق فسدّت القنطرة التي عليه فهدمها الماء ومن حينئذٍ عزم السلطان على حفر الخليج الناصري وأنا أدركت آثاره وفيه ينبت القصب المسمى بالفارسيّ‏.‏

 

 

وأخبرني الشيخ المعمر حسام الدين حسين بن عمر الشهرزوريّ أنه يعرف خليج الذكر هذا وفيه الماء وسبح فيه غير مرّة وأراني آثاره وكان الماء يدخل إليه من تحت قنطرة الدكة الآتي ذكرها في القناطر إن شاء الله تعالى وعلى خليجفم الخور الآن قنطرة وعلى خليج الذكر قنطرة يأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى عند ذكر القناطر وإنما قيل له خليج الذكر لأن بعض أمراء الملك الظاهر ركن الدين بيبرس كان يعرف بشمس الدين الذكر الكركيّ كان له فيه أثر من حفره فعرف به وكان للناس عند هذا الخليج مجتمع يكثر فيه لهوهم ولعبهم‏.‏

 

 

قال المسبحيّ وفي يوم الثلاثاء لخمس بقين منه يعني المحرّم سنة خمس عشرة وأربعمائة كان ثالث الفتح فاجتمع بقنطرة المقس عند كنيسة المقس من النصارى والمسلمين في الخيام المنصوبة وغيرها خلق كثير للأكل والشرب واللهو ولم يزالوا هناك إلى أن انقضى ذلك اليوم وركب أمير المؤمنين يعني الظاهر لاعزاز دين الله أبا الحسن عليّ بن الحاكم بأمر الله في مركبه إلى المقس وعليه عمامة شرب مفوّطة بسواد وثوب ديبقي من شكل العمامة ودار هناك طويلًا وعاد إلى قصره سالمًا وشوهد من سكر النساء وتهتكهن وحملهن في قفاف الحمالين سكارى واجتماعهن مع الرجال أمر يقبح ذكره‏.‏

 

 

الخليج الناصريّ هال الخليج يخرج من بحر النيل ويصب في الخليج الكبير وكان سبب حفره أنَّ الملك الناصر محمد بن قولان لما أنشأ القصور والخانقاه بناحية سرياقوس وجعل هناك ميدانًا يسرح إليه وأبطل ميدان القبق المعروف بالميدان الأسود ظاهر باب النصر من القاهرة وترك المسطبة التي بناها بالقرب من بركة الحبش لمطعم الطيور والجوارح اختار أن يُحفر خليجًا من بحر النيل لتمرّ فيه المراكب إلى ناحية سرياقوس لحمل ما يحتاج إليه من الغلال وغيرها فتقدّم إلى الأمير سيف الدين أرغون نائب السلطنة بديار مصر بالشكف عن عمل ذلك فنزل من قلعة الجبل بالمهندسين وأرباب الخبرة إلى شاطىء النيل وركب النيل فلم يزل القوم في فحص وتفتيش إلى أن وصلوا بالمراكب إلى موردة البلاط من أراضي بستان الخشاب فوجدوا ذلك الموضع أوطأ مكان يمكن أن يحفرو إلاّ أن فيه عدّة أراضي بستان الخشاب فوجدوا ذلك الموضع أوطأ مكان يمكن أن يحفر إلاّ أن فيه عدّة دور فاعتبروا فم الخليج من موردة البلاط وقدّروا أنه إذا حُفر مرّ الماء فيه من موردة البلاط إلى الميدان الظاهريّ الذي أنشأه الملك الناصر بستانًا ويمرّ من البستان إلى بركة قرموط حتى ينتهي إلى ظاهر باب البحر ويمرّ من هناك على أرض الطبالة فيصب في الخليج الكبير فلما تعين لهم ذلك عاد النائب إلى القلعة وطالعه بما تقرّر فبرز أمره لسائر أمراء الدولة بإحضاء الفلاحين من البلاد الجارية في إقطاعاتهم وكتب إلى ولاة الأعمال بجمع الرجال لحفر الخليج فلم يمض سوى أيام قلائل حتى حضر الرجال من الأعمالن وتقدّم إلى النائب بالنزول للحفر ومعه الحجاب فنزل لعمل ذلك وقاس المهندسون طول الحفر من موردة البلاط حيث تعين فم الخليج إلى أن يصب في الخليج الكبير وألزم كل أمير من الأمراء بعمل أقصاب فرضت له فلما أهلّ شهر جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة وقع الشروع في العمل فبدأوا بهدم ما كان هناك من الأملاك التي من جهة باب اللوق إلى بركة قرموط وحصل الحفر في البستان الذي كان للنائب فأخذوا منه قطعة ورُسم أن يُعطى أرباب الأملاك أثمانها فمنهم من باع ملكه وأخذ ثمنه من مال السلطان ومنهم من هدم داره ونقل أنقاضها فهدمت عدّة دور ومساكن جليلة وحفر في عدّة بساتين فانتهى العمل في سلخ جمادى الآخرة على رأس شهرين وجرى الماء فيه عند زيادة النيل فأنشأ الناس عدّة سواق وجرت فيه السفن بالغلال وغيرها فسَر السلطان بذلك وحصل للناس رفق وقويت رغبتهم فيه فاشتروا عدّة أراض من بيت المال غرست فيها الأشجار وصارت بساتين جليلة وأخذ الناس في العمارة على حافتي الخليج فعمر ما بين المقس وساحل النيل ببولاق وكثرت العمائر على الخليج حتى اتصلت من أوّله بموردة البلاط إلى حيث يصب في الخليج الكبير بأرض الطبالة وصارت البساتين من وراء الأملاك المطلة على الخليج وتنافس الناس في السكنى هناك وأنشأوا الحمّامات والمساجد والأسواق وصار هذا الخليج مواطن أفراح ومنازل لهو ومغنى صبابات وملعب أتراب ومحل تيه وقصف فيما يمرّ فيه من المراكب وفيما عليه من الدور وما برحت مراكب النزهة تمرّ فيه بأنواع الناس على سبيل اللهو إلى أن مُنعت المراكب منه بعد قتل الأشراف كما يرد عند ذكر القناطر إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

خليج قنطرة الفخر هذا الخليج يبتدىء من الموضع الذي كان ساحل النيل ببولاق وينتهي إلى حيث يصب في الخليج الناصريّ ويصب أيضًا في خليج لطيف تُسقى منه عدّة بساتين وكان من هذين الخليجين معمور الجانبين بالأملاك المطلق عليه والبساتين وجميع المواضع التي يمرّ فيها الخليج الناصريّ وأرض هذين الخليجين كانت غامرة بالماء ثم انحسر عنها الماء شيئًا بعد شيء كما ذكر في ظواهر القاهرة وهذا الخليج حفر بعد الخليج الناصريّ‏.‏

 

 

القناطر اعلم أن قناطر الخليج الكبير عدّتها الآن أربع عشرة قنطرة وعلى خليج فم الخور قنطرة واحدة وعلى خليج الذكر قنطرة واحدة وعلى الخليج الناصريّ خمس قناطر وعلى بحر أبي المنجا قنطرة عظيمة وبالجيزة عدّة قناطر‏.‏

 

 

 

 

 

 

 

 

قناطر الخليج الكبير

 

 

 

قال القضاعي‏:‏ القنطرتان اللتان على هذا الخليج يعني خليج مصر الكبير أما التي في طرف الفسطاط بالحمراء القصوى فإن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بناها في سنة تسع وستين وكتب عليها اسمه وابتنى قناطر غيرها وكتب على هذه القنطرة المذكورة هذه القنطرة أمر بها عبد ازيز بن مروان الأمير اللهمّ بارك له في أمره كله وثبت سلطانه على ما ترضى وأقرّ عينه في نفسه وحشمه أمين‏.‏

 

 

وقام ببنائها سعد أبو عثمان وكتب عبد الرحمن في صفر سنة تسع وستين ثم زاد فيها تكين أمير مصر في سنة ثمان عشرة ثلثمائة ورفع سمكها ثم زاد عليها الأخشيد في سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة ثم عمرت في أيام العزيز بالله‏.‏

 

 

وقال ابن عبد الظاهر‏:‏ وهذه القنطرة ليس لها أثر في هذا الزمان قلت موضعها الآن خلف خط السبع سقايات وهذه القنطرة هي التي كانت تُفتح عند وفاء النيل في زمن الخلفاء فلما انحسر النيل عن ساحل مصر اليوم أُهملت هذه القنطرة وعُملت قنطرة السدّ عند فم بحر النيل فإنايل كان قد ربى الجرف حيث غيط الجرف الذي على يُمنة من سلك من المراغة إلى باب مصر بجوار الكبارة‏.‏

 

 

قنطرة السد هذه القنطرة موضعها مما كان غامرًا بماء النيل قديمًا وهي الآن يتوصل من فوقها إلى منشأة المهرانيّ وغيرها من برّ الخليج الغربيّ وكان النيل عند إنشائها يصل إلى الكوم الأحمر الذي هو جانب الخليج الغربيّ الآن تجاه خط بين الزقاقين فإن النيل كان قد ربى جرفًا قدّام الساحل القديم كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب فأُهملت القنطرة الأولى لبعد النيل وقدّمت هذه القنطرة إلى حيث كان النيل ينتهي وصار يتوصل منها إلى بستان الخشاب الذي موضعه اليوم يعرف بالمريس وما حوله وكان الذي أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب في أعوام بضع وأربعين وستمائة ولها قوسان وعُرفت الآن بقنطرة السدّ من أجل أن النيل لما انحسر عن الجانب الشرقيّ وانكشفت الأراضي التي عليها الآن خُط بين الزقاقين إلى موردة الحلفاء وموضع الجامع الجديد إلى دار النحاس وما وراء هذه الأماكن إلى المراغة وباب مصر بجوار الكبارة وانكشف من أراضي النيل أيضًا الموضع الذي يعرف اليوم بمنشأة المهرانيّ وصار ماء النيل إذا بدت زيادته يُجعل عند هذه القنطرة سدّ حينئذ من التراب حتى يُسند الماء إليه إلى أن تنتهي الزيادة إلى ست عشرة ذراعًا فيفتح السدّ حينئذ ويمرّ الماء في الخليج الكبير كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب والأمر على هذا إلى اليوم‏.‏

 

 

قناطر السباع هذه القناطر جانبها الذي يلي خط السبع سقايات من جهة الحمراء القصوى وجانبها الآخر من جهة جنان الزهريّ وأوّل من أنشأها الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ ونصب عليها سباعًا من الحجارة فإن رنكه كان على شكل سبع فقيل لها قناطر السباع من أجل ذلك وكانت علية مرتفعة فلما أنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون الميدان السلطانيّ في موضع بستان الخشاب حيث موردة البلاط وتردّد إليه كثيرًا وصار لا يمرّ إليه من قلعة الجبل حتى يركب قناطر السباع فتضرّر من علوّها وقال لو مراء انّ هذه القنطرة حين اركب الميدان وأركب عليها يتألم ظهري من علوّها ويقال أنه أشاع هذا والقصد إنما هو كراهته لنظر أثر أحد من الملوك قبله وبغضه أن يذكر لأحد غيره شيء يُعرف به وهو كلما يمرّ بها يرى السباع التي هي رنك الملك الظاهر فأحب أن يزيلها لتبقى القنطرة منسوبة إليه ومعروفة به كما كان يفعل دائمًا في محو آثار من تقدّمه وتخليد ذكره ومعرفة الآثار به ونسبتها له فاستدعى الأمير علاء الدين عليّ بن حسن المروانيّ والي القاهرة وشادّ الجهات وأمره بهدم قناطر السباع وعمارتها أوسع مما كانت بعشرة أذرع وأقصر من ارتفاعها الأوّل فنزل ابن المروانيّ وأحضر الصناع ووقف بنفسه حتى انتهى في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة في أحسن قالب على ما هي عليه الآن ولم يضع سباع الحجر عليها وكان الأمير الطنبغا الماردينيّ قد مرض ونزل إلى الميدان السلطانيّ فأقام به ونزل إليه السلطان مرارًا فبلغ الماردينيّ ما يتحدّث به العامّة من أن السلطان لم يخرّب قناطر السباع إلا حتى تبقى باسمه وأنه رسم لابن المروانيّ أن يكسر سباع الحجر ويرميها في البحر واتفق أنه عوفي عقيب الفراغ من بناء القنطرة وركب إلى القلعة فسرّبه السلطان وكان قد شغفه حبًان فسأله عن حاله وحادثه إلى أن جرى ذكر القنطرة فقال له السلطان‏:‏ أعجبتك عمارتها فقال والله يا خوند‏:‏ لم يُعمل مثلها ولكن ما كمل

 

 

فقال كيف قال السباع التي كانت عليها لم توضع مكانها والناس يتحدّثون أن السلطان له غرض في إزالتها لكونها رنك سلطان غيره فامتعض لذلك وأمر في الحال بإحضار ابن المروانيّ وألزمه بإعادة السباع على ما كانت عليه فبادر إلى تركيبها في أماكنها وهي باقية إلى يومنا هذا إلاّ أنّ الشيخ محمدًا المعروف بصائم الدهر شوّه صورتها كما فعل بوجه أبي الهول ظنًا منه أن هذا الفعل من جملة القربات ولله در القائل‏:‏ وإنما غايةُ كلّ مَن وَصَلَ صيدًا بنى الدنيا بأنواعِ الحيل قنطرة عمر شاه‏:‏ هذه القنطرة على الخليج الكبير يُتوصل منها إلّ الخليج الغربيّ‏.‏

 

 

قنطرة طقزدمر‏:‏ هذه القنطرة على الخليج الكبير بخط المسجد المعلق يتوصل منها إلى برّ الخليج الغربيّ وحكر قوصون وغيره‏

 

 

قنطرة آق سنقر هذه القنطرة على الخليج الكبير يتوصل إليها من خط قبو الكرمانيّ ومن حارة البديعيين التي تعرف اليوم بالحبانية ويمرّ من فوقها إلى برّ الخليج الغربيّ وعُفت بالأمير اق سنقر شادّ العمائر السلطانية في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون عمرها لما أنشأ الجامع بالبركة الناصرية ومات بدمشق سنة أربعين وسبعمائة‏.‏

 

 

قنطرة باب الخرق يقال للأرض البعيدة التي تخرُقُها الؤيح لاستوائها الخرق‏.‏

 

 

وهذه القنطرة على الخليج الكبير كان موضعها ساحلًا وموردة للسقائين في أيام الخلفاء الفاطميين فلما أنشأ الملك الصالح نجم الدين ايوب الميدان السلطانيّ بأرض اللوق وعمريه المناظر في سنة تسع وثلاثين وستمائة أنشأ هذه القنطرة ليمرّ عليها إلى الميدان المذكور وقيل قنطرة باب الخرق‏.‏

 

 

قنطرة الموسكي هذه القنطرة على الخليج الكبير يتوصل إليها من باب الخوخة وباب القنطرة ويمرُّ فوقها إلى برّ الخليج الغربيّ أنشأها الأمير عز الدين موسك قريب السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وكان خيّرًا يحفظ القرآن الكريم ويواظب على تلاوته ويحب أهل العلم والصلاح ويؤثرهم ومات بدمش يوم الأرعاء ثامن عشري شعبان سنة أربع وثمانين وخمسمائة‏.‏

 

 

قنطرة الأمير حسين هذه القنطرة على الخليج الكبير ويتوصل منها إلى برّ الخليج الغربيّ فلما أنشأ الأمير سيف الدين حسين بن أبي بكر بن إسماعيل بن حيدر بك الروميّ الجامع المعروف بجامع الأمير حسين في حكر جوهر النوبيّ انشأ هذه القنطرة ليصل فوقها إلى الجامع المذكور وكن يُتوصل إليها من باب القنطرة فثقل عليه ذلك واحتاج إلى أن فتح في سور الخوخة المعروفة بخوخة الأمير حسين من الوزيرية فصارت تجاه هذه القنطرة وذكر خبرها عند ذكر الخوخ من هذا الكتاب والله تعالى أعلم‏.‏

 

 

قنطرة باب القنطرة‏:‏ هذه القنطرة على الخليج الكبير يُتوصل إليها من القاهرة ويمرّ فوقها إلى المقس وأرض الطبالة وأوّل من بناها القائد جوهر لما نزل بمناخه وأدار السور عليه وبنى القاهرة ثم قدم عليه القرطميّ فاحتاج إلى الاستعداد لمحاربته فحفر الخندق وبنى هذه قنطرة على الخليج عند باب جنان أبي المسك كافور الإخشيديّ الملاصق للميدان والبستان الذي للأمير أبي بكر محمد الأخشيد ليتوصل من القاهرة إلى المقس وذلك في سنة ثنتين وستين وثلثمائة وبها تسمى باب القنطرة وكانت مرتفعة بحيث تمرّ المراكب من تحتها وقد صارت في هذا الوقت قريبة من أرض الخليج لا يمكن المراكب العبور من تحتها وتُسدّ بأبواب خوفًا من دخول الزعار إلى القاهرة‏.‏

 

 

قنطرة باب الشعيرية‏:‏ هذه القنطرة على الخليج الكبير يُسلك غليها من باب الفتوح ويُمشي من فوقها إلى أرض الطبالة وتعرف اليوم بقنطرة الخرّوبيّ‏

 

 

القنطرة الجديدة‏:‏ هذه القنطرة على الخليج الكبير يُتوصل إليها من زقاق الكحل وخط جامع الظاهر ويتوصل منها إلى أرض الطبالة وإلى منية الشيرج وغير ذلك أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة خمس وعشرين وسبعمائة عندما انتهى حفر الخليج الناصريّ وكان ما على جان الخليج من القنطرة الجديدة هذه إلى قناطر الإوز عامرًا بالأملاك ثم خربت شيئًا بعد شيء من حين حدث فصل الباردة بعد سنة ستين وسبعمائة وفحش الخراب هناك منذ كانت سنة الشراقي في زمن الملك الأشرف شعبان بن حسين في سنة سبع وسبعين وسعمائة فلما غرقت الحسينية بعد سنة الشراقي خربت المساكن التي كانت في شرقيّ الخليج ما بين القنطرة الجديدة وقناطر الإوز وأُخذت أنقاضها وصارت هذه البرك موجودة الآن‏.‏

 

 

قناطر الإوز‏:‏ هذه القناطر على الخليج الكبير يُتوصل إليها من الحسينية ويُسلك من فوقها إلى أراضي البعل وغيرها وهي ايضًا مما أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة خمس وعشرين وسبعمائة وأدركت هناك أملاكًا مُطلّة على الخليج بعد سنة ثمانين وسبعمائة وهذه القنر من أحسن منتزهات أهل القاهرة أيام الخليج لما يصير فيه من الماء ولما على حافته الشرقية من البساتين الأنيقة إلاّ أنها قد خربت‏.‏

 

 

وتجاه هذه القنطرة منظرة البعل التي تقدّم ذكر مناظر الخلفاء وبقيت آثارها إلى الآن أدركناها يعطن فيها الكتان وبها عُرفت الأرض التي هناك فسميت إلى الآن بأرض البعل وكان هناك صف من شجر السنط قد امتدّ من تجاه قناطر الإوز إلى منظرة البعل وصار فاصلًا بين مزرعتين يجلس الناس تحته في يومي الأحد والجمعة للنزهة فيكون هناك من أصناف الناس رجالهم ونسائهم ما لا يقع عليه بصر ويباع هناك مآكل كثيرة وكان هناك حانوت من طين تجاه القنطرة يباع فيها السمك أدركتها وقد استؤجرت بخمس آلاف درهم في السنة عنها يومئذ نحو مائتين وخمسين مثقالًا من الذهب على أنه لا يباع فيما السمك إلاّ نحو ثلاثة اشهر أو دون ذلك ولم يزل هذا السنط إلى نحو سنة تسعين وسبعمائة فقّطع‏.‏

 

 

وغلى اليوم تجتمع الناس هناك ولكن شتان بين ما أدركنا وبين ما هو الآن وقيل لها قناطر الإوز‏.‏

 

 

قناطر بني وائل‏:‏ هذه القناطر على الخليج الكبير تجاه التاج أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة خمس وعشرين وسبعمائة وعُرفت بقناطر بني وائل من أجل أنه كان بجانبها عدّة منازل يسكنها عرب ضعاف بالجانب الشرقيّ يُقال لهم بنو وائل ولم يزالوا هناك إلى نحو سنتسعين وسبعمائة وكان بجانب هذه القناطر من الجانب الغربيّ مقعد أحدثه الوزير الصاحب سعد الدين نصر الله بن البقريّ لأخذ المكوس واستمرّ مدّة ثم خرب ولم ير أحسن منظرًا من هذه القنطرة في أيام النيل وزمن الربيع‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 قنطرة الأميرية

 

 

 

‏:‏ هذه القنطرة هي آخر ما على الخليج الكبير من القناطر بضواحي القاهرة وهي تجاه الناحية المعروفة بالأميرية فيما بينها وبين المطرية أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة خمس وعشرين وسبعمائة وعند هذه القنطرة ينسدّ ماء النيل إذا فتح الخليج عند وفاء زيادة نيل ست عشرة ذراعًا فلا يزال الماء عند سدّ الأميرية هذا إلى يوم النوروز فيخرج والي القاهرة إليه ويشهد على مشايخ أهل الضواحي بتغليق أراضي نواحيم بالريّ ثم يُفتح هذا السدّ فيمرّ الماء إلى جسر شيبين القصر ويسدّ عليه حتى يروى ما على جانبي الخليج من البلاد فلا يزال الماء واقفًا عند سدّ شيبين إلى يوم عيد الصليب وهو اليوم السابع عشر من النوروز فيفتح حينئذ بعد شمول الريّ جميع تلك الأراضي وليس بعد قنطرة الأميرية هذه قنطرة ناحية سرياقوس وهي أيضًا إنشاء الملك الناصر محمد بن قلاون وبعد قنطرة سرياقوس جسر شيبين القصر وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى عند ذكر الجسور من هذا الكتاب‏.‏

 

 

قنطرة الفخر‏:‏ هذه القنطرة بجوار موردة البلاط من أراضي بستان الخشاب برأس الميدان وهي أوّل قنطرة عمرت على الخليج الناصريّ على فمه أنشأها القاضي فخر الدين محمد بن فضل الله بن خروف القبطيّ المعروف بالفخر ناظر الجيش في سنة خمس وعشرين وسبعمائة عند انتهاء حفر خليج الناصري ومات في رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وقد أناف على السبعين سنة وتمكن في الرياسة تمكنًا كبيرًا‏.‏

 

 

قنطرة قدادار‏:‏ هذه القنطرة على الخليج الناصريّ يتوصل إليها من اللوق ويُمشي فوقها إلى برّ الخليج الناصريّ مما يلي الفيل وأوّل ما وضعت كانت تجاه البستان الذي كان ميدانًا في زمن الملك الظاهر ركن الدين بيبرس إلى أن أنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون الميدان الجود الآن بموردة البلاط من جملة أراضي بستان الخشاب فغرس في الميدان الظاهريّ الأشجار وصار بستانًا عظيمًا كما ذكر ذلك في موضعه من هذا الكتاب وعُرفت هذه القنطرة بالأمير سيف الدين قدادار مملوك الأمير برلغي وكان من خبره أنه تنقل في الخدم حتى وليَّ الغريبة من أراضي مصر في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة فلقي أهل البلاد منه شرًّا كثيرًا ثم انتقل إلى ولاية البحيرة فلما كان في سنة أربع وعشرين كثرت الشناعة في القاهرة بسبب الفلوس وتعنت الناس فيها وامتنعوا من أخذها حتى وقف الحال وتحسن السعر وكان حينئذ يتقلد الوزارة الأمير علاء الدين مغلطاي الجماليّ ويتقلد ولاية القاهرة الأمير علم الدين سنجر الخازن فلما توجه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون من قلعة الجبل لى السرحة بناحية سرياقوس بلغه توقف الحال وطمع السوقة في الناس وأن متولي القاهرة فيه لين وانه قيل الحرمة على السوقة وكان السلطان كثير النفور من العامّة شديد البغض لهم ويريد كل وقت من الخازن أن يبطش بالحرافيش ويؤثر فيهم آثارًا قبيحة ويشهر منهم جماعة فلم يبلغ من ذلك غرضه فكرهه واستدعى الأمير أرغون نائب السلطنة وتقدّم إليه بالأغلاظ في القول على الخازن بسبب فساد حال الناس وهمّ ببروز أمره بالقبض عليه وأخذ ماله فما زال به النائب حتى عفا عنه‏.‏

 

 

وقال السلطان يعزله ويولي من ينفع في مثل هذا الأمر فاختار ولاية قدادار عوضه لما يُعرف من يقظته وشهامته وجراءته على سفك الدماء فاستدعاه من البحيرة وولاه ولاية القاهرة في أوّل شهر رمضان من السنة المذكورة‏.‏

 

 

فأوّل ما بدأ به أن أحضر الخبازين والباعة وضرب كثيرًا منهم بالمقارع ضربًا مبرّحًا وسمر عدّة منهم في دراريب حوانيتهم ونادى في البلد من ردّ فلسًا سُمِّر ثم عرض أهل السجن ووسط جماعة من المفسدين عند باب زويلة فهابته العامّة وذعروا منه وأخذ يتتبع من عَصَرَ خمرًا وأحضر عريف الحمالين وألزمه بإحضار من كان يحمل العنب فلما حضروا عنده استملاهم أسماء من يشتري العنب ومواضع مساكنهم ثم أحضر خفارء الحارات والأخطاط ولم يزل بهم حتى دلوه على سائر من عصر الخمر فاشتهر ذلك بين الناس وخافوه فحوّل أهل حارة وزيلة وأهل حارتي الروم والديلم وغير ذلك من الأماكن ما عندهم من الخمر وصبوها في البلاليع والأقنية وألقوها في الأزقة وبذلوا المال لمن يأخذها منهم فحصل لكثير من العامّة والأطراف منها شيء كثير حتى صارت تباع كل جرّة خمر بدرهم ويمرّ الناس بأبواب الدور والأزقة فترى من جرار الخمر شيئًا كثيرًا ولا يقدر أحد أن يتعرّض لشيء منها ثم ركب وكبس خط باب اللوق وأخذ منه شيئًا كثيرًا من الحشيش وأحرقه عند باب زويلة واستمرّ الحال مدّة شهر ما من يوم إلاّ ويهرق فيه خمر عند باب زويلة ويحرق حشيش فطهر الله به البلد من ذلك جميعه وتتبع الزعَار وأهل الفساد فخافوه وفرّوا من البلد فصار السلطان يشكره ويثني عليه لما يبلغه من ذلك وأما العامّة فإنه ثقل عليها وكرهته حتى أنه لما تأمّر ابن الأمير بكتمر الساقي وركب إلى القبة المنصورية على العادة ومعه أبوه النائب وسائر الأمراء صاحت العامّة للأمير بكتمر الساقي يا أمير بكتمر بحياة ولدك أعزل هذا الظالم ورد علينا وإلينا يعنون الخازن فلما عرّف بكتمر السلطان ذلك أعجبه وقال‏:‏ يا أمير ما تخشى العامّة والسوقة إلاَّ ظالمًا مثل هذا ما يخاف الله تعالى وزاد إعجاب السلطان به حتى قال له‏:‏ لا تشاور في أمر المفسدين فلم يغترّ بذلك ورفع  جميع ما يتفق له وشاوره في كل جليل وحقير وقال له إن جماعة من الكتاب والتجار قد عصر والخمر واستأذنه في طلبهم ومصادرتهم فتقدّم له بمشاورة النائب في ذلك وإعلامه أن السلطان قد رسم بالكشف عمن عصر من الكتاب والتجار الخمر فلما صار إلى النائب وعرّفه الخبر أهانه وقال‏:‏ إن السلطان لا يرضى بكبس بيوت الناس وهتك حرمهم وسترهم وإقامة الشناعات وقام من فوره إلى السلطان وعرّفه ما يكون في فهل ذلك من الفساد الكبير وما زال به حتى صرف رأيه عما أشار به قدادار من كبس الدور وأخذ الناس في مماقتته والإخراق به في كل وقت فإنه كان يع بالخازن ولم يعجبه عزله عن الولاية فكثر جورقدادار وزاد تتبعه للناس ونادى أن لا يعمل أحد حلقة فيما بين القصرين ولا يَسْمَر هناك وأمر أن لا يخرج أحد من بيته بعد عشاء الآخرة وأقام عنه نائبًا من بطالي الحسينية ضمن المسطبة منه في كل يوم بثلثمائة درهم وانحصر الناس منه وضاقوا به ذرعًا لكثرة ما هتك أستارهم وخرق بكثير من المستورين وتسلطت المستصنعة وأرباب المظالم على الناس وكانوا إذا رأوا سكران أوشموا منه رائحة خمر أحضروه إليه فتوقى الناس شرّه وشكاه الأمراء غير مرّة إلى السلطان فلم يلتفت لما يُقال فيه والنائب مستمرّ على الإخراق به إلى أن قبض عليه السلطان فخلا الجوّ لقدادار وأكثر من سفك الدماء وإتلاف النفوس والتسلط على العامّة لبغضهم إياه والسلطان يعجبه منه ذلك بحيث أنه أبرز مرسومًا لسائر عماله وولاته إن أحدًا منهم لا يقتص ممن وجب عليه القصاص في النفس أو القطع إلا أن يشاور فيه ويطالع بأمره ما خلا قدادار مستولي القاهرة فإنه لا يشاور على مفسد ولا غيره ويده مطلقة في سائر الناس فدهى الناس منه بعظائم وشرع في كبس بيوت السعداء ومشت جماعة من المستصنعين في البلد وكتبوا الأوراق ورموها في بيوت الناس بالتهديد فكثرت أسباب الضرر وكثر بلاء الناس به وتعنت على الباعة ونادى أن لا يفتح أحد حانوته بعد عشاء الآخرة فامتنع الناس من الخروج بالليل حتى كانت المدينة في الليل موحشة واستجدّ على كل حارة دربًا وألزم الناس بعمل ذلك فجبيت بهذا السبب دراهم كثيرة وصار الخفراء في الليل يدورون معهم الطبول في كل خط فظفر بإنسان قد سرق شيئًا من بيت في الليل وتزيا بزي النساء فسمَّرَهُ على باب زويلة وما زال على ذلك حتى كثرت الشناعة فعزله السلطان في سنة تسع وعشرين بناصر الدين بن الحسنيّ فأقام إلى أيام الحج وسافر إلى الحجاز ورجع وهو ضعيف فمات في سادس عشر صفر سنة ثلاثين وسبعمائة‏.‏

 

 

قنطرة الكتبة‏:‏ هذه القنطرة على الخليج الناصريّ بخط بركة قرموط عُرفت بذلك لكثرة من كان يسكن هناك من الكتاب أنشأها القاضي شمس الدين عبد الله بن أبي سعيد بن أبي السرور الشهير بغبريال بن سعيد ناصر الدولة وولي نظر الدواوين بدمشق في سنة ثلاث عشرة وسبعمائة إلي من نظر البيوت بديار مصر ثم استُدعي من دمشق وقُرر في وظيفة ناظر النظار شريكًا للقاضي شهاب الدين الأفقهسيّ واستقرّ كريم الدين الصغير مكانه ناظرًا بدمشق وذلك في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبعمائة ثم صرف غبريال من النظر بديار مصر وسفر إلى دمشق في ثامن عشر صفر سنة ست وعشرين وطُلب كريم الدين الصغير من دمشق ثم قُرّر في مكان غبريال في وظيفة النظر بديار مصر الخطير كاتب أرغون أخو لموفق وأُعيد غبريال إلى نظر دمشق ومات بدمشق بعدما صودر وأخذ منه نحو ألفي درهم في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وادركنا الأملاك منتظمة بجانبي هذه الخليج من أوّله بموردة البلاد إلى هذه القنطرة ومن هذه القنطرة إلى حيث يصب في الخليج الكبير فلما كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة شرع الناس في هدم ما علي هذا الخليج الكبير فلما كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة شرع الناس في هدم ما على هذا الخليج من المناظر البهجة والمساكن الجليلة وبيع أنقاضها حتى ذهب ما كان على هذا الخليج من المنازل ما بين قنطرة الفخر التي تقدّم ذكرها وآخر خط بركة قرموط واصبحت موحشة قفراء بعدما كانت مواطن أفراح ومغنى صبابات لايأويها إلاّ الغربان والبوم سنة الله في الذين خلوا من قبل‏.

 

 

 

قنطرة المقسيّ‏:‏ هذه القنطرة على خليج فم الخور وهو الذي يخرج من بحر النيل ويلتقي مع الخليج الناصريذ عند الدكة فيصيران خليجًا واحدًا يصب في الخليج الكبير كان موضعها جرسًا يستند عليه الماء إذا بدت الزيادة إلى أن تكمل أربعة عشر ذراعًا فيفتح ويمرّ الماء فيه ى الخليج الناصريّ وبركة الرطليّ ويتأخر فتح الخليج الكبير حتى يرقي الماء ستة عشر ذراعًا فلما انطرد ماء النيل عن البرّ الشرقيّ بقي تاجه هذا الخليج في أيام احتراق النيل رملة لا يصل إليها الماء إلاّ عند الزيادة وصار يتأخر دخول الماء في الخليج مدّة وإذا كُسر سدّ الخليج الكبير عند الوفاء مرّ الماء هذا الخليج مرورًا قليلًا وما زال موضع هذه القنطرة سدًّا إلى أن كانت وزارة الصاحب شمس الدين أبي الفرج عبد الله المقسيّ في أيام السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين فأنشأ بهذا المكان القنطرة فعرفت به واتصلت العمائر أيضًا بجانبي هذا الخليج من حيث يبتدىء إلى أن يلتقي مع الخليج الناصريّ ثم خرب أكثر ما عليه من العمائر والمساكن بعد سنة ست وثمانمائة وكان للناس بهذا الخليج مع الخليج الناصريذ في أيام النيل مرور في المراكب للنزهة يخرجون فيه عن الجدّ بكثرة التهتك والتمتع بكل ما يُلهي إلى أن ولي أمر الدولة بعد قتل الملك الأشرف شعبان بن حسين الأميران برقوق وبركة فقام الشيخ محد المعروف بصائم الدهر في منع المراكب من المرور بالمتفرّجين في الخليج واستفتى شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقينيّ فكتب له بوجوب منعهم لكثرة ما ينتهك في المراكب من الحرمات ويتجاهر به من الفواحش والمنكرات فبرز مرسوم الأميرين المذكورين بمنع المراكب من الدخول إلى الخليج وركّبت سلسلة على قنطرة المقسيّ هذه في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وسبعمائة فامتنعت المراكب بأسرها من عبور هذا الخليج إلاّ أن يكون فيها غلة أو متاع فقلق الناس لذلك وشق عليهم وقال الشهاب أحمد بن العطار الدنيسريّ في ذلك‏:‏ حديثُ فم الخورِ المُسلسلِ ماؤهُ بقنطرةِ المقسيّ قدْ سارَ في الخلقِ ألا فاعجبوا من مُطَلَقٍ ومسلسلٍ يقول لقد أوقفتهم الماء في حلقي وقال‏:‏ تسلسلتْ قنطرةُ المقسيّ مم - ا قد جرلمنعُ أضحى شاملًا وقالّ أهلُ طبنة في مجنهم قوموا بناء نقطَعُ السلاسلا ولم تزل مراكب الفرجة ممتنعة من عبور الخليج إلى أن زالت دولة الظاهر برقوق في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة فأذن في دخولها وهي مستمرّة إلى وقتنا هذا‏.‏

 

 

قنطرة باب البحر‏:‏ هذه القنطرة على الخليج الناصريُ يتوصل إليها من باب البحر ويمرّ الناس من فوقها إلى بولاق وغيره وهي مما أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاوون نعند انتهاء حفر الخليج الناصريّ في سنة خمس وعشرين وسبعمائة وقد كان موضعها في القديم غامرًا بالماء عما كان جامع المقس مطلًا على النيل فلما انحسر الماء عن برّ القاهرة صار ما قدّام باب البحر رملة فإذا وقف الإنسان عند باب البحر رأى البرّ الغربيّ لا يحول بينه وبين رؤيته بُنيان ولا غيره فإذا كان أوان زيادة ماء النيل صار الماء إلى باب البحر وربما جلفط في بعض السنين خوفًا من غرق المقس ثم لما طال المدى غرق خارج باب البحر بأرض باطن اللوق وغرس فيه الأشجار فصار بساتين ومزارع وبقي موضع هذه القنطرة جرفًا ورمى الناس عليه التراب فصار كومًا يشنق عليه أرباب الجرائم ثم نُقل ما هنالك من التراب وأنشئت هذه القنطرة ونودي في الناس بالعمارة فأوّل ما بُني في غربيّ هذه القنطرة مسجد المهاميزيّ وبستانه ثم تتابع الناس في العمارة حتى انتظم ما بين شاطيء النيل ببولاق وباب البحر عرضًا وما بين منشأة المهراني ومنية الشيرج طولًا وصار ما بجانبي الخليج معمورًا بالدور ومن ورائها البساتين والأسواق والحمّامات والمساجد وتقسمت الطرق وتعدّدت الشوارع وصارت خارج القاهرة من الجهة الغربية عدّة مدائن‏.‏

 

 

قنطرة الحاجب‏:‏ هذه القنطرة على الخليج الناصري يُتوصل إليها من أرض الطبالة ويسير الناس عليها إلى منية الشيرج وغيرها أنشأها الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب في سنة ست وعشرين وسبعمائة وذلك أنه كانت أرض الطبالة بيده فلما شرع السلطان الملك الناصر محمد بن قلاووني حفر الخليج الناصريّ التمس بكتمر من المهندسين إذا وصلوا بالحفر إلى حيث الجرف أني مرّوا به على بركة الطوّابين التي تعرف اليوم ببركة الرطليّ وينتهوا من هناك إلى الخليج الكبير ففعلوا ذلك وكان قصدهم أولًا أنه إذا انتهى الحفر إلى الجرف مرّوا فيه إلى الخليج الكبير من طرف البعل فلما تهيأ لبكتمر ذلك عمرت له أراضي الطبالة كما يتي ذكرها إن شاء الله تعالى عند ذكر البرك فعمرت هذه القنطرة في سنة خمس وعشرين وسبعمائة وأسند إليها جسرًا عمله حاجزًا بين بركة الحاجب المعروفة ببركة الرطليّ وبين الخليج الناصريّ وسيرد ذكره إن شاء الله تعالى عن ذكر الجسور ولما عمرت هذه القنطرة اتصلت العمائر فيما بينها وبين كوم الريش وعمر قبالتها ربع عرف بربع الزيتيّ وكان على ظهر القنطرة صفان من حوانيت وعليها سقيفة تقي حرّ الشمس وغيره فلما غرق كوم الريش في سنة بضع وستين وسبعمائة صار هذا الكوم الذي خارج القنطرة ومن تحت هذه القنطرة يصب الخليج الناصريّ في الخليج الكبير ويمرّ إلى حيث القنطرة الجديدة وقناطر الأوز وغيرها كما تقدّم ذكره‏.‏

 

 

قنطرة الدكة‏:‏ هذه القنطرة كانت تُعرف بقنطرة الدكة ثم عُرفت بقنطرة التركمانيّ من أجل أن الأمير بدر الدين التركمانيّ عمرها وهذه القنطرة كانت على خليج الذكر وقد انطم ما تحتها وصارت معقودة على التراب لتلاف خليج الذكر ولله در ابراهيم المعمار حيث يقول‏:‏ يابَ الدَّكَّةِ نلتَ المنى وفزتَ منها ببلوغ الوطَرِ قنطرةٌ من فوقها دِكَّةٌ من تحتها تلقى خليج الذكرِ قناطر بحر أبي المنجا‏:‏ هذه القناطر من أعظم قناطر مصر وأكبرها أنشأها السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري في سنة خمس وستين وستمائة وتولى عمارتهالأمير عز الدين أيبك الأقرم‏.‏

 

 

قناطر الجيزة‏:‏ قال في كتاب عجائب البنيان‏:‏ أن القناطر الموجودة اليوم في الجيزة من الأبنية العجيب

 

 

ومن أعمال الجبارين وهي نيف وأربعون قنطرة عمرها الأمير قراقوش الأسديّ وكان على العمائر في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بما هدمه من الأهرام التي كانت بالجيزة وأخذ حجرها فبنى منه هذه القناطر وبنى سور القاهرةومصر وما بينهما وبنى قلعة الجبل وكان خصيًا روميًا سامي الهمة وهو صاحب الأحاكم المشهورة والحكايات المذكورة وفيه صنف الكتاب المشهور المسمى بالفاشوش في أحكام قراقوش وفي سنة تسع وتسعين وخمسمائة تولى أمر هذه القناطر من لا بصيرة عنده فسدّها رجاء أن يحبس الماء فقويت عليها جرية الماء فقويت عليها جرية الماء فزلزلت منها ثلاث قناطر وانشقت ومع ذلك فما روى ما رجا أن يروي وفي سنة ثمان وسبعمائة رسم الملك المظفر بيبرس الجاشنكير برمّها فعمر ما خرب منها وأصلح ما فسد فيها فحصل النفع بها‏.‏

 

 

وكان قراقوش لما أراد بناء هذه القناطر بنى رصيفًا من حجارة ابتدأ به من حيز النيل بإزاء مدينة مصر كأنه جبل ممتدّ على الأرض مسيرة ستة أميال حتى يتصل بالقناطر‏.‏

 

 

البرك قال ابن سيده‏:‏ البركة مستنقع الماء والبركة شبه حوض يُحفر في الأرض‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

وقد رأيت بخط معتبرٍ ما مثاله‏:‏ وملؤا البَرَكَة مَاء فنصب الماء وكسر الراء وفتح الكاف والتار‏

 

 

بركة الحبش هذه البركة كانت تعرف ببكرة المغافر وتعرف ببركة حمير وتعرف أيضًا باصطبل قرّة وعُرفت أيضًا باصطبل قامش وهي من أشهر برك مصر وهي في ظاهر مدينة الفسطاط من قبليها فيما بين الجبل والنيل وكانت من الموات فاستنبطها قرّة بن شريك العنبسيّ أمير مصر وأحياها وغرسها قصبًا فعرفت باصطبل قرّة وعرفت أيضًا باصطبل قامش وتنقلت حتى صارت تعرف ببركة الحبش‏.‏

 

 

ودخلت في ملك أبي بكر الماردانيّ فجعلها وقفًا ثم أرصدت لبني حسن وبني حسين ابني عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم فلم تزل جارية في الأوقاف عليهم إلى وقتنا هذا‏.‏

 

 

قال أبو بكر الكنديّ في كتاب الأمراء‏:‏ وقدِم قرّة بن شريك من وفادته في سنة ثلاث وتسعين فاستبنط الإصطبل لنفسه من الموات وأحياه وغرسه قصبًا فكان يُسمى اصطبل قرّة ويُسمى أيضًا اصطبل القامش يعنون القصب كما يقولون قامش مروان‏

 

 

وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر‏.‏

 

 

وكان الإصطبل للأزد فاشتراه منهم الحكم بن أبي بكر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم فبناه وكان يجري على الذي يقرأ في المصحف الذي وضعوه في المسجد الذي يقال له مصحف أسماء من كراه في كل شهر ثلاثة دنانير فلما حيزت أموالهم يعني أموال بني أمية وضمت إلى مال الله حيز الأصطبل فيما حيز وكتب بأمر المصحف إلى أيمر المؤمنين أبي العباس السفاح فكتب أن أقرّوا مصحفهم في مسجدهم على حاله وأجروا على الذي يقرأ فيه ثلاثة دنانير في كل شهر من مال الله تعالى‏.‏

 

 

وقال القضاعيّ‏:‏ بركة الحبش كان تعُرف ببركة المغافر وحمير وتعرف باصطبل قامش وكانت في ملك أبي بكر محمد بن عليّ الماردانيّ بجميع ما تشتمل عليه من المزارع والجنان خلا الجنان التي في شرقيها وأظنها الجنان المنسوبة إلى وهب بن صدقة وترعف بالحبش فإني رأيت في شرطذه البركة أن الحدّ الشرقيّ ينتهي إلى الفضاء الفاصل بينها وبين الجنان المعروفة بالحبش فدلّ على أن الجنان خارجة عنها‏.‏

 

 

وذكر ابن يونس في تاريخه‏:‏ أن في قبليّ بركة الحبش جنانًا تُعرف بقتادة بن قيس بن حبشيّ الصدفيّ شهد فتح مصر والجنان تُعرف بالحبش وبه تعرف بركة الحبش وذكر بعض هذا الشرط أنّ الحدّ البحري ينتهي إلى البئر الطولونية وإلى البئر المعروفة بموسى بن أبي خليد وهذه الر هي البئر المعروفة بالنعش‏.‏

 

 

ورأيت في كتاب شرط هذه البركة أنها محبسة على البئرين اللتين استنبطهما أبو بكر الماردانيّ في بني وائل بحضرة الخليج والقنطرة المعروفة أحدهما بالفندق والأخرى بالعتيق وعلى السرب الذي يدخل منه الماء إلى البئر الحجارة المعروفة بالروا التي في بني وائل ذات القناطر التي يجري فيها الماء إلى المصنعة التي بحضرة العقبة التي يصار منها إلى يحصب وهي المصنعة المعروفة بدليلة وعلى القنوات المتصلة بها التي تصب في المصنعة ذات العمد الرخام القائمة فيها المعروفة بسمينة وهي التي في وسط يحصب‏.‏

 

 

ويقال أ هناك كانت سوق ليحصب وذكر في هذا الشرط دارًا له في موضع السقاية المعروفة زوف وشرط أن تنشأ هذه الدار مصنعة على مثل هذه المصنعة المقدّم ذكرها المعروف بسمينة وهي سقاية زوف اليوم وعلى القناة التي يجري فيها الماء إلى مصنعة ذكر أنّه أنشأها عند البئر المعروفة اليوم ببئر القبة والحوض الذي هناك بحضرة المسجد المعروف بمسجد القبة وكانت هذه المصنة تسمى ريًا وجعل هذا الحبس أيضًا على البئر التي لها بالحبانية بحضرة الخندق وذكر أنها تعرف بالقبانية وأن ماءها يجري إلى المصنعة المقابلة للميدان من دار الإمارة في طريق المصلى القديم ثم إلى المصنعة التي تحت مسجد المقابل لدار عبد العزيز ثم إلى المصنعة المقابلة لمسجد التربة المجاورة لمسجد الأخضر وتاريخ هذا الشرط شهر رمضان سنة سبع وثلاثمائة وجعل ما يفضل عن جميع ذلك مصروفًا في ابتياع بقر وكباش تذبح ويطبخ لحمها ويُبتاع أيضًا معها خبز برّ ودراهم وأكسية وأعبية ويتصدّ بذلك على الفقراء والمساكين بالمغافر وغيرها من القبائل بمصر وكان بناؤه السقايتين اللتين بالموقف والسقايات التي بالمغافر وبزوف وبيحصب وبني وائل وعمل المجاري في سنة أربع وقيل في سنة ثلاثمائة وقد حبس أبو بكر على الحرمين ضياعًا كان ارتفاعها نحو مائة ألف دينار ومنها سيوط وأعمالها وغيرها‏.‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

وفي تواريخ النصارى‏:‏ أن الأمير أحمد بن طولون صادر البطريق ميخائيل بطرك اليعاقبة على عشرين ألف دينار فباع النصارى رباع الكنائس بالاسكندرية وأرض الحبش بظاهر مصر والكنيسة المجاورة للمعلقة بقصر الشمع بمصر لليهود‏

 

 

قلت هكذا في تواريخهم ولا أعلم كيف ملكوا أرض الحبش فلعلّ الماردانيّ هو الذي اشتراها ثم وقفها‏.‏

 

 

وقال ابن المتوج‏:‏ بركة الحبش هذه البركة مشهورة في مكانها وقد اتصل ثبوت وقفها عند قاضي القضاة بدر الدين أبي عبد الله محمد بن سعد الله بن جماعة رحمة الله عليه على أنها وقف على الأشراف الأقارب والطالبيين نصيف بينهما بالسوية النصف الأوّل على الأقارب والنصف آخر على الطالبيين وثبت قبله عن قاضي القضاة بدر الدين أبي المحاسن يوسف بن الحسن السنجاويّ أن النصف منها وقف على الأشراف الأقارب بالاستفاضة بتاريخ ثالث عشر ربيع الأوّل سنة أربعين وستمائة وهم الأقارب الحسينيون وهو إذ ذاك قاضي القضاة بالقاهرة والوجه البحريّ وما مع ذلك من البلاد الشامية المضافة إلى مُلك الملك الصالح نجم الدين أيوب وثبت عند قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله تعالى وكان قاضي القضاة بمصر والوجه القبليّ خطيب مصر بالاٍستفاضة أيضًا أن البركة المذكورة وقف على الأشراف الطالبيين بتاريخ التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة أربعين وستمائة وبعدهما قاضي القضاة وجيه الدين البهنسيّ في ولايته ثم نفذهما بعد تنفيذ وجيه الدين المذكور في شعبان سنة ثلاث عشرة وسبعمائة قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن جماعة وهو حاكم الديار المصرية خلا ثغر الإسكندرية ويأتي أصل خبر هذه البركة مبينًا مشروحًا من أصلها في مكانه إن شاء الله تعالى‏.‏

 

 

 

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 قال‏:‏ فمن جملة الأوقاف بركة الأشراف المشهورة ببركة الحبش وهذه البركة حدودها أربعة الحدّ القبليّ ينتهي بعضه إلى أرض العدوية يفصل بينهما جسر هناك وباقيه إلى غيطان بساتين الوزير والحدّ البحريّ ينتهي بضعه إلى أبنية الآدر التي هناك المطلة عليها وإلى الطريق لى الجسر الفاصل بينها وبين بركة الشعيبية‏.‏

 

 

والحدّ الشرقيّ إلى حدّ بساتين الوزير المذكورة والحدّ الغربيّ ينتهي إلى بعضه إلى بحر النيل وإلى أراضي دير الدين وإلى بعض حقوق جزيرة ابن الصابونيّ وجسر بستان المعشوق الذي هو من حقوق الجزيرة المذكورة وهذه البركة وقف الأشراف الأقارب والطالبيين نصفين بينهما بالسوية والذي شاهدته من أمرها أني وقفت على أسجال قاضي القضاة بدر الدين أبي المحاسن يوسف السنجاريّ رحمة الله تعالى عليه تاريخه ثاني عشر ربيع الآخر سنة أربعين وستمائة وهو حين ذاك حاكم القاهرة والوجه البحريّ على محضر شهد فيه بالاستفاضة أن نصف هذه البركة وقف على الأشراف الأقارب الحسينيين وثبت ذلك عنده ورأيت أسجال الشيخ قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله على محضر شهد فيه بالاستفاضة وهو حين ذلك قاضي مصر والوجه القبليّ وأشهد عليه أن ثبت عنده أن البركة المذكورة جميعها وقف على الأشراف الطالبيين وتاريخ اسجالة التاسع والعشرون من شهر ربيع الآخر سنة أربعين وستمائة ثم نفذهما قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن جماعة وهو قاضي القضة بالديار المصرية واستقرّ النصف من ربع هذه البركة على الأشراف الأقارب مع قلتهم والنصف على الأشراف الطالبيين مع كثرتهم وتنازعوا غير مرّة على أن تكون بينهم الجميع بالسوية فلم يقدروا على ذلك وعقد لهم مجل غير مرّة فلم يقدروا على تغييره وأحسن ما وصفت به بركة الحبش قول عيسى بن موسى الهاشميّ أمير مصر وقد خرج إلى الميدان الذي بطرف المقابر فقال لمن معه‏:‏ أتتأملون الذي أرى قالوا و الذي يرى الأمير قال‏:‏ أرى ميدان رهان وجنان نخل وبستان شجر ومنزل سكنى وذروة جبل وجبانة أموات ونهر أعجاجا وأرض زرع ومراعي ماشية ومرتع خيل وساحل بحر وصائد نهر وقانص وحش وملاح سفينة وحادي بل ومفازة رمل وسهلًا وجبلًا فهذه ثمانية عشر منتزهًا في أقلّ من ميل فميل وأين هذه الأوقاف من وصف بعضهم قصر أنس بالبصرة في قوله‏:‏ زر وادي القصرِ نعضم القصرَ والوادي لا بدّ من زورةٍ من غيرِ ميعاد زره فليس له شيء يشكلهُ من منزلٍ حاضر إن شئت أوبادي تلقى به السفنُ والأعياسُ حاضرةٌ والضبُ والنونُ والملاحُ والحادي وقال‏:‏ زر َ القصر نعمّ القصرَ والوادي وحبذا أهله من حاضرٍ بادي هكذا أنشدهما أبو الفرج الأصبهانيّ رحمه الله تعالى في كتاب الأغاني ونسبهما لابن عيينه بن المنهال بن محمد بن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة شاعر من ساكني البصرة وقيل أن اسمه عذرة وقيل اسمه عيينة وكنيته أبو المنهال وكان بعد المائتين وأنشد أبو العلاء المعريّ في رسالة الصاهل والساحج‏:‏ يا صاحِ بأهلِ القصرِ والوادي وحبذا أهلُهُ من حاضر بادي ترى قراقرة والعيسُ واقفةً والضبُ والنونُ والملاحُ والحاديُ وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسيّ‏

 

 

وفي هذا الوقت من السنة يعني أيام النيل تكون أرض مصر أحسن شيء منظرًا ولا سيما منتزهاتها المشهورة ودياراتها المطروقة كالجزيرة والجيزة وبركة الحبش وما جرى مجراها من المواضع التي يطرقها أهل الخلاعة والقصف ويتناوبها ذوو الآداب والطرف واتفق أن خرجنا في مثل هذا الزمان إلى بركة الحبش وافترشنا من زهرها أحسن بساط واستظللنا من دوحها بأوفى رواق فظللنا نتعاطى من زجاجات الأقدام شموسًا في خلع بدور وجسوم نار في غلائل نور إلى أن جرى ذهب الأصيل على لجين الماء‏.‏

 

 

ونشبت نار الشفق بفحمة الظلماء فقال بعضهم‏:‏ وهو أمية المذكور من قوله المشهور‏:‏ لله يومي ببركةِ الحبشِ واوفق بين الضياءِ والغبشِ ونحن في روضة مفوّفة دُبّجِ بالنَّورِ عطفها ووشي قد نسجتها يد الغمام لِنا فنحنُ من نسجها على فرشِ فعاطني الراحَ إنَّ تاركها ورة الهمّ غيرَ منتعشِ وأثقَلُ الناسِ كلهم رجلٌ دعاهُ داعي الهوى فلم يطشِ فأسقني بالكبار مترعةً فهنّ أشفى لشدّةِ العطشِ وقال أيضًا‏:‏ علل فؤادك باللذاتِ والطربِ وباكرِ الرّاحَ بالباناتِ والنخبَ أما ترى البركةَ الغناءَ لابسةً وشيًا من النورِ حاكَتْهُ يدُ احبِ وأصبحتْ من جديدِ الروض في حِل - لٍ قد أبرز القطرُ منها كل محتجبِ من سوسنٍ شرقٍ بالطلِّ محجرهُ وأقحوانٍ شهيِّ الظلمُ والشنبِ فانظر إلى الورد يحكي خدّ محتشمٍ ونرجسٍ ظلّ يُبدي لحظَ مرتقبِ والنيلُ من ذهبٍ يطفو على ورقٍ والرامحُ من ورقٍ يطفو على ذهبَ فاطرُبْ ودونكَها فاشربء فقد بَعَثَتْ على التصابي دواعي اللهوِ والطربِ وقال‏:‏ يا نزهة الرصد المصري قد جمعت من كلّ شيء حلا في جانب الوادي فذا غديرٌ وذا روضٌ وذا جبلٌ والضبُ والنونُ والملاحُ والحادي وقال ابراهيم بن الرفيق في تاريخه‏:‏ حدّثني محمد الكهينيّ وكانبًا فاضلًا قد سافر ورأى بلدان المشرق قال‏:‏ ما رأيتُ قطُّ أجمل من أيام النوروز والغيطاس والميلاد والمهرجان وعيد الشعانين وغير ذلك من أيام اللهو التي كانوا يسخون فيها بأموالهم رغبة في القصف والعزف وذلك أنه لا يبقى صغير ولا كبير إلاّ خرج إلى بركة الحبش متنًا فيضربون عليها المضارب الجليلة والسرادقات والقباب والشراعات ويخرجون بالأهل والولد ومنهم من يخرج بالقينات المسمعات المماليك والمحرّرات فيأكلون ويشربون ويسمعون ويتفكهون وينعمون فإذا جاء الليل أمر الأمير تميم بن المعز مائتي فارس من عبيده بالعسس عليهم في كل ليلة إلى أن يقضوا من اللهو والنزهة أربهم وينصرفون فيسكرون وينامون كما ينام الإنسان في بيته ولا يضيع لأحد منهم ما قيمته حبة واحدة ويركب الأمير تميم في عشاري ويتبعه أربعة زواريق مملوءة فاكهة وطعامًا ومشروبًا فإن كانت الليالي مقمرة وإلاّ كان معه من الشموع ما يعيد الليل نهارًا فيأمر لهم به ويأمر لمن يغني لهم‏.‏

 

 

وينتقل منهم إلى غيرهم بمثل هذا الفعل عامّة ليله ثم ينصرف إلى قصوره وبساتينه التي على هذه البركة فلا يزال على هذه الحال حتى تنقضي هذه الأيام ويتفرّق الناس‏.‏

 

 

وقال محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي الحنفيّ وتوفي بدمشق سنة إحدى وخمسين وستمائة يصف بركة الحبش في أيام الربيع‏:‏ إذا زيّنَ الحسنَاءَ قِرْطٌ فهذهِ يزينها من كلِّ ناحيةٍ قِرْطُ رقرقَ فيها أدمعُ الطلِّ غدرة فقلتُ لآلِ قد تضمنها قرطُ وقال ابن سعيد في كب المغرب‏:‏ وخرجتُ مرَّةً حيث بركة الحبش التي يقول فيها أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسيّ عفا الله عنه‏:‏ لله يومي ببركة الحبشِ والأفقُ بين الضياءِ والغبشِ والنيلُ تحتَ الرياحِ مضطربٍ كصارمٍ في يمين مرتعشِ عانيتُ من هذه البركة أيام فيض النيل عليهاج منظر ثم زرتها أيام غاص الماء وبقيت فيها مقطعات بين خضر من القرط والكتان تفتن الناظر وفيها أقول‏:‏ يا بركة الحبشِ التي يومي بها طولُ الزمانِ مباركٌ وسعيدُ يا حسن ما يبدو بكِ الكتانُ في نوارِهِ أوزرّهِ معقودُ والماءُ منكِ سيوفهُ مسلولةٌ والقرطُ فيكِ رواق ممدودُ وكأنَّ ابراجًا عليكِ عرائسٌ جُليتْ وطيركُ حولها غرّيدُ يا ليتَ شعري هل زمانكِ عائدٌ فالشوقُ فيه مبدىءٌ ومعيدُ وكان ماء النيل يدخل إلى بركة الحبش من خليج بني وائل وكان خليج بني وائل مما يلي باب مصر من الجهة القبلية الذي يُعرف إلى يومنا هذا بباب القنطرة من أجل أن هذه القنطرة كانت هناك‏.‏

 

 

قال ابن المتوج‏:‏ ورأيت ماء النيل في زمن النيل يدخل من تحته إلى خليج بني وائل‏

 

 

قلتُ وفي أيام الناصر محمد بن قلاون استولى النشو ناظر الخاص على بركة الحبش وصار يدفع إلى الأشراف من بيت المال مالًا في كل سنة فلما مات الناصر وقام من بعده ابنه المنصور أبو بكر أعيدت لهم‏.‏

 

 

الماردانيّ هو أبو بكر محمد بن عليّ بن محمد بن رستم بن أحمد‏.‏

 

 

وقيل محمد بن عليّ بن أحمد بن عيسى بن رستم‏.‏

 

 

وقيل محمد بن عليّ بن أحمد بن إبراهيم بن الحسين بن عيسى بن رستم الماردانيَ أحد عظماء الدنيا‏.‏

 

 

ولد بنصيبين لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين ومائتين وقدم إلى مصر في سنة اثنتين وسبعين ومائتين وخلف أباه عليّ بن أحمد الماردانيّ أيام نظره في أمور أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون وسنّه يومئذ خمس عشرة سنة وكان معتدل الكتابة ضعيف الحظ من النحو واللغة ومع ذلك فكان يكتب الكتب إلى الخليفة فمن دونه على البديهة من غير نسخة فيخرج الكتاب سليمًا من الخلل‏.‏

 

 

ولما قُتل أبوه في سنة ثمانين ومائتين استوزره هارون بن خماريه فدبَّر أمر مصر إلى أن قدم محمد بن سليمان الكاتب من بغداد إلى مصر وأزال دولة بني طولون وحمل رجالهم إلى العراق فكان أبو بكر ممن حمله فأقام ببغداد إلى أن قدم صحبة العساكر لقتال خباسة فدبر أمر البلد وأمر ونهى وحدّث بمصر عن أحمد بن عبد الجبار العطارديّ وغيره بسماعه منهم في بغداد وكان قليل الطلب للعلم تغلب عليه محبة الملك وطلب السيادة ومع ذلك كان يلازم تلاوة القرآن الكريم ويكثر من الصلاة ويواظب على الحج وملك بمصر مع الضياع الكبار ما لم يملكه أحد قبله وبلغ ارتفاعه في كل سنة أربعمائة ألف دينار سوى الخراج ووهب وأعطى وولى وصرف وأفضل ومنع ورفع ووضع وحج سبًا وعشرين حجة أنفق في كل حجة منها مائة وخمسين ألف دينار وكان تكين أمير مصر يشيعه إذا خرج للحج ويتلقاه إذا قدم وكان يحمل إلى الحجاز جميع ما يحتاج إليه ويفرّق بالحرمين الذهب والفضة والثياب والحلوى والطيب والحبوب ولا يفارق أهل الحجاز إلاّ وقد أغناهم‏.‏

 

 

وقيل مرّة وهو بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ما بات في هذه الليلة أحد بمكة والمدينة وأعمالهما إلاّ وهو شعبان من طعام أبي بكر الماردانيّ‏.‏

 

 

ولما قدم الأمير محمد بن طفج الإخشيد إلى مصر استتر منه فإنه كان منعه من دخول مصر وجمع العساكر لقتاله فاجتمع له زيادة على ثلاثين ألف مقاتل وحارب بهم بعد موت تكين أمير مصر ومرّت به خطوب لكثرة فتن مصر إذ ذاك وأحرقت دوره ودور أهله ومجاوريه وأُخذت أمواله واستتر فقُبض على خليفته وعماله فكتب إلى بغداد يسأل إمارة مصر وكتب محمد بن تكين بالقدس يسأل ذلك فعاد الجواب بإمارة ابن تكين وأن يكون المارداني يدبر أمر مصر ويولي من شاء فظهر عند ذلك ن الاستتار وأمر ونهى ودبر أمر البلد وصار الجيش بأسره يغدو إلى بابه فانفق في جماعة واصطنع قومًا وقتل عدّة من أصحاب ابن تكين وكان محمد بن تكين بالقدس وأمر مصر كله للماردانيّ بمفرده ومعه أحمد بن كيغلغ وقد قدم من بغداد بولاية ابن تكين على مصر وولاية أبي بكر الماردانيّ تدبير الأمور فاستمال أبو بكر أحمد بن كيغلغ حتى صار معه على ابن تكين وحاربه وكان من أمره ما كان إلى أن قدمت عساكر الإخشيد فقام أبو بكر لمحاربتهم ومنع الإخشيد من مصر فكان الإخشيد غالبًا له ودخل البلد فاستتر منه أبو بكر إلى أن دُلّ علهي فأخذ وسلمه إلى الفضل بن جعفر بن الفرات فلما صار إلى ابن الفرات قال له‏:‏ إش هذا الاستيحاش والتر وأ ت تعلم أن الحج قد أظلّ ويحتاج لإقامة الحج فقال به أبو بكر‏:‏ إن كان إليّ فخمسة عشر ألف دينار فقال ابن الفرات‏:‏ أيش خمسة عشر ألف دينار قال ما عندي غير هذا فقال ابن الفرات‏:‏ بهذا ضربت وجه السلطان بالسيف ومنعت أمير البلد من الد

 

 

ثم صاح يا شادن خذه إليك فأقيم وأُدخل إلى بيت وكان يومئذ صائمًا فامتنع من تناول الطعام والشراب ولزم تلاوة القرآن والصلاة طول يومه وليلته وأصبح فامتنع ابن الفرات من الأكل إجلالًا له فلما كان وقت الفطر من الليلة الثانية امتنع أبو بكر من الفطر كما امتنع في الليلة الأولى فامتنع ابن الفرات أيضًا من الأكل وقال‏:‏ لا آكل أبدًا أو يأكل أبو بكر فلما بلغ ذلك أبا بكر أكل فأخذ ابن الفرات في مصادرته وقبض على ضياعه التي بالشام ومصر وتتبع أسباب‏

 

 

ثم خرج به معه إلى الشام وعاد به إلىمصر ثم خرج به ثانيًا إلى الشام فمات الفضل بن الفرات بالرملة ورجع أبو بكر إلى مصر فردّ إيه الإخشيد أمور مصر كلها وخلع على ابنه وتقلد السيف ولبس المنطقة ولبس أبو بكر الدراعة تنزهًا ثم تنكر عليه الإخشيد وقبضه في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وجعله في دار وأعدّ له فيها من الفرض والآلات والأواني والملبوس والطيب والطرائف وأنواع المآكل والمشارب ما بلع فيه الغاية وتفقدها بنفسه وطافها كلها فقيل له علمت هذا كله لمحمد بن عليّ الماردانيّ فقال‏:‏ نعم هذا ملك وأردت أ لا يحتقر بشيء لنا وليحتاج أن يطلب حاجة إلاّ وجدها فإنه إن فقد عندنا شيئًا ما يريده استدعى به من داره فنسقط نحن من عينيه عند ذلك فلم يزل معتقلًا حتى خرج الإخشيد إلى لقاء أمير المؤمنين المتقي لله فحمله معه ولما مات الإخشيد بدمشق كان أبو بكر بمصر فقام بأمر أونوجور بن الإخشيد وقبض على محمد بن مقاتل وزير الإخشيد وأمر ونهى وصرف الأور إلى أن كانت واقعة غلبون واتصال أبي بكر به فلما عادت الإخشيدية قُبض على أبي بكر ونُهبت دوره وأُحرق بعضها وأُخذ ابنه وقام أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات بأمر الوزارة فعندما قدم كافور الإخشيدي من الشام بالعساكر التي كانت مع الإخشيد أطلق أبا بكر وأكرمه وردّ ضياعه وضياع ابنه فلما ماتت أمّ ولده لحقه كافور ومعه الأمير أونوجور عند المقابر وترجلا له وعزياه ثم ركبا معه حتى صليا عليها فلما مرض موته عاده كافور مرارًا له وعزياه ثم ركبا معه حتى صليا عليها فلما مرض موته عاده كافور مرارًا إلى أن مات في شهر شوال سنة خمس وأربعين وثلاثمائة فدفن بداره‏.‏

 

 

ثم نقل إلى المقابر بكرة وعشية فيقف له الموكب حتى يمضي إلى تربة أولاده وأهله فيقرأ عندهم ويدعو لهم وينصرف إلى المساجد في الصحراء فيصلى بها والناس وقوف له إلاَّ أنه كان في غاية العجلة لا يراجع فيما يريده ولو كان ما كان ولما أراد المقتدر أن يقيم وزيرًا كتبت رقعة فيها أسماء جماعة وأنفذت إلى عليّ بن عيسى ليشير بواحد منهم وكان أبو بكر ممن كتب معهم اسمه فكتب تحت كل اسم واحد منهم ما يستحقه من الوصف وكتب تحت اسم أبي بكر محمد بن عليّ الماردانيّ‏:‏ مترف عجول وبنى أبو بكر السقايات والمساجد في المغافر وفي يحصب وبني وا وليس لشيء منها اليوم أثر يُعرف ومرّت به في هذا الكتاب أخبار وقد أفرد له ابن زولاق سيرة كبيرة وهذا منها والله أعلم‏.‏

 

 

بساتين الوزير هذه البساتين في الجهة القبلية من بركة الحبش وهي قرية فيها عدّة مساكن وبساتين كثيرة وبها جامع تقام فيه الجمعة وعرفت بالوزير أبي الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن محمد المغربيّ وبنو المغربيّ أصلهم من البصرة وصاروا إلى بغداد وكان أبو الحسن عليّ بن محمد تخلف على ديوان المغرب ببغداد فنسب به إلى المغرب وولد ابنه الحسين بن عليّ ببغداد فتقلد أعمالًا كثيرة منها‏:‏ تدبير محمد بن ياقوت عند استيلائه على أمر الدولة ببغداد وكان خال ولده عليّ وهو أبو عليّ هارون بن عبد العزيز الأوراجيّلذي مدحه أبو الطيب المتنبي من أصحاب أبي بكر محمد بن رائق فلما لحق بن رائق ما لحقه بالموصل صار الحسين بن عليّ بن المغربي إلى الشام ولقي الإخشيد وأقام عنده وصار ابنه أبو الحسن عليّ بن الحسين ببغداد فأنفذ الإخشيد غلام فاتك المجنون فحمله ومن يليه إلى مصر ثم خرج ابن المغربيّ من مصر إلى حلب ولحق به سائر أهله ونزلوا عند سيف الدولة أبي الحسن عليّ بن عبد الله بن حمدان مدّة حياته وتخصص به الحسين بن عليّ بن محمد المغربيّ ومدحه أبو نصر بن بناته وتخصص أيضًا عليّ بن الحسين بسعد الدولة بن حمدان ومدحه أبو العباس النامي ثم شجر بينه وبين ابن حمدان ففارقه وصار إلى بكجور بالرقة فحسن له مكاتبة العزيز بالله نزار والتحيز إليه فلما وردت على العزيز مكاتبة بكجور قبله واستدعاه وخرج من الرقة يريد دمشق فوافاه عبد العزيز بولاية دمشق وخلفه فتسلمها وخرج لمحاربة ابن حمدان بحلب بمشورة عليّ بن المغربيّ فلم يتم له أمر وتأخر عنه من كاتبه فقال لابن المغربيّ‏:‏ غررتني فيما أشرت به عليّ‏

 

 

وتنكر له ففرّ منه إلى الرقة وكانت بين بكجور وبين ابن حمدان خطوب آلت إلى قتل ابن بكجور ومسير ابن حمدان إلى الرقة ففرّ ابن المغربيّ منها إلى الكوفة وكاتب العزيز بالله يستأذنه في القدوم فأذن له وقدم إلى مصر في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وخدم بها وتقدّم في الخدم فحرّض العزيز على أخذ حلب فقلد ينجوتكين بلاد الشام وضم إليه أبا الحسن بن المغربيّ ليقوم بكتابته ونظر الشام وتدبير الرجال والأموال فسار إلى دمشق في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وخرج إلى حلب وحارب أبا الفضائل بن حمدان وغلامه لؤلؤ فكاتب لؤلؤ أبا الحسن بن المغربيّ واستماله حتى صرف ينجوتكين عن محاربة حلب وعاد إلى دمشق وبلغ ذلك العزيز بالله فاشتدّ حنقه على ابن المغربيّ وصرفه بصالح بن عليّ الروذباديّ واستقدم ابن المغربيّ إلى مصر ولم يزل بها حتى مات العزيز بالله وقام من بعده ابنه الحاكم بأمر الله أبو عليّ منصور فكان هو وولده أبو القاسم حسين من جلسائه فلما شرع الحاكم بأمر الله في قتل رجال الدولة من القوّاد والكتاب والقضاة قبض على عليّ ومحمد ابني المغربيّ وقتلهما ففرّ منه أبو القاسم حسين بن عليّ بن المغربيّ إلى حسان بن مفرّج بن الجرّاح فأجاره وقلد الحاكم يارجتكين الشام فخافه ابن جرّاح لكثرة عساكره فحسن له ابن المغربيّ مهاجمته فطرق يارجتكين في مسيره على غفلة وأسره عاد إلى الرملة فشن الغارات على رساتيقها وخرج العسكر الذي بالرملة فقاتل العرب قتالًا شديدًا كادت العرب أن تنهزم لولا ثبّتها ابن المغربيّ وأشار عليهم بإشهار النداء بإباحة النهب والغنيمة فثبتوا ونادوا في الناس فاجتمع لهم خلق كثير وزحفوا إلى الرملة فملكوها وبالغوا في النهب والهتك والقتل فانزعج الحاكم لذلك انزعاجًا عظيمًا وكتب إلى مفرّج بن جرّاح يحذره سوء العاقبة ويلزمه بإطلاق يارجتكين من يد حسان ابنه‏‏

 

 

وإرساله إلى القاهرة ووعده على ذلك بخمسين ألف دينار فبادر ابن المغربيّ لما بلغه ذلك إلى حسان ومازال يغريه بقتل يارجتكين حتى أحضره وضرب عنقه فشق ذلك على مفرّج وعلم أنه فسد ما بينهم وبين الحاكم فأخذ ابن المغربيّ يحسن لمفرّج خلع طاعة الحاكم والدعاء لغيره إلى أن استجاب له فراسل أبا الفتوح الحسن بن جعفر العلويّ أمير مكة يدعوه إلى الخلافة وسهل له الأمر وسير إليه بابن المغربيّ يحثه على المسير وجرّأه على أخذ مال تركه بعض المياسير ونزع المحاريب الذهب والفضة المنصوبة على الكعبة وضربها دنانير دراهم وسماها الكعبية وخرج ابن المغربيّ من مكة فدعا العرب من سليم وهلال وعوف بن عامر ثم سار به وبمن اجتمع عليه من العرب حتى نزل الرملة فتلقاه بنو الجرّاح وقبلوا له الأرض وسلموا عليه بإمرة المؤمنين ونادى في الناس بالأمان وصلّى بالناس الجمعة فامتغص الحاكم لذلك وأخذ في استمالة حسان ومفرّج وغيرهما وبذلك لهم الأموال فتنكروا على أبي الفتوح وقلد أيضًا مكة بعض بني عمّ أبي الفتوح فضعف أمره وأحس من حسان بالغدر فرجع إلى مكة وكاتب الحاكم واعتذر إليه فقبل عذره وأما ابن المغربيّ فإنه لما انحلّ أمر أبي الفتوح ورأى ميل بني الجرّاح إلى الحاكم كتب إليه‏:‏ وأنتَ حسبي أنتَ تعلم أنَّ لي لسانًا أمامَ المجد يبني ويهدمُ وليسَ حليمًا من تُباسُ يمينُهُ فيرضى ولكنْ من تعُضُ فيحلُمُ فسير إليه أمانًا بخطه وتوجه ابن المغربيّ قبل وصول أمان الحاكم إليه إلى بغداد وبلغ القادر بالله خبره فاتهمه بأنه قدم في فساد الدولالعباسية فخرج إلى واسط واستعطف القادر فعطف عليه وعاد إلى بغداد ثم مضى إلى قرواش بن المقلد أمير العرب وسار معه إلى الموصل فأقام بها مدّة وخافه وزير قرواش فأخرجه إلى ديار بكر فأقام عند أميرها نصير الدولة أبي نصر أحمد بن مروان الكرديّ وتصرّف له وكان يلبس في هذه المدّة المرقة والصوف فلما تصرّف غير لباسه وانكشف حاله فصار كمن قيل فيه ابتاع غلامًا تركيًا كان يهواه قبل أن يبتاعه‏:‏ تبدّلَ من مرقعةٍ نسكٍ بأنواعِ الممسّكِ والشفوفِ وعنَّ لهُ غزالٌ ليس يحوي هواهُ ولا رضاهُ بلبسِ صوفِ فعاد أشدّ ما كان انتهاكًا كذاك الرِ مختلفِ الصروفِ وأقام هناك مدّة طويلة في أعلى حال وأجل رتبة وأعظم منزلة ثم كوتب بالمسير إلى الموصل ليستوزره صاحبها فسار عن ميافارقين وديار بكر إلى الموصل فتقلد وزارتها وتردّد إلى بغداد في الوساطة بين صاحب الموصل وبين السلطان أبي عليّ بن سلطان الدولة أبي شجاع بن بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة أبي شجاع بن ركن الدولة أبي عليّ بن بوي واجتمع برؤساء الديلم والأتراك وتحدّث في وزارة الحضرة حتى تقلدها بغير خلع ولا لقب ولا مفارقة الدراعة في شهر رمضان سنة خمس عشرة وأربعمائة فأقام شهورًا وأغرى رجال الدولة بعضهم ببعض وكانت أمور طويلة آلت إلى خروجه من الحضرة لى قرواش فتجدّد للقادر بالله فيه سواء ظنّ بسبب ما أثار من الفتنة العظيمة بالكوفة حتى ذهبت فيها عدّة نفوس وأموال ففرّ إلى أبي نصر بن مروان فأكره وأقطعه ضياعًا وأقام عنده فكوتب من بغداد بالعود إليها فبرز عن ميافارقين يريد المسير إلى بغداد فسُمَّ هناك وعادى إلى المدينة فمات بها لأيام خلت من شهر رمضان سنة ثمان عشرة وأربعمائة ومولده بمصر ليلة الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة‏.‏

 

 

وكان أسمر شديد السمرة بساطًا عالمًا بليغًا مترسلًا متفننًا في كثير من العلوم الدينية والأدبية والنحوية مشارًا إليه في قوّة الذكاء والفطنة وسرعة الخاطر والبديهة عظيم القدر صاحب سياسة وتدبير وحيل كثيرة وأمور عظام دوّخ الممالك وقلَّب الدول وسمع الحديث وروى وصنف عدّة تصانيف وكان ملولًا حقودًا لا تلين كبه لا تنحلّ عقده‏.‏

 

 

ولا يحني عوده ولا ترجى وعوده وله رأي يزين له العقوق ويبغض إليه رعاية الحقوق كأنه من كبره قد ركب الفلك واستولى على ذات الحبك وكان بمصر من بني المغربيّ أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين المغربيّ قد قتل الحاكم جدّه محمدًا مع أبيه عليّ بن الحسين كما تقدّم فلما نشأ أبو جعفر سار إلى العراق وخدم هناك وتنقلت به الأحوال ثم عاد إلى مصر واصطنعه الوزير البارزيّ وولاه ديوان الجيش وكانت السيدة أم المستنصر بالله تعني به فلما مات الزير البارزيّ واعتقله فتقرّرت له الوزارة وهو في الاعتقال وخلع عليه في الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمسين وأربعمائة ولقب بالوزير الأجل الكامل الأوحد صفيّ أمير المؤمنين وخالصته فما تعرّض لأحد ولا فعل في البابليّ ما فعله البابليّ فيه وفي أصحاب البارزيّ فأقام سنتين وشهورًا وصُرف في تاسع شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة وكان الوزراء إذا صرفوا لم يتصرّفوا فاقترح أبو الفرج بن المغربيّ لما صرف أن يتولى بعض الدواوين فوليَ ديوان الإنشاء الذي يعرف اليوم بوظيفة كاتب السرّ وهو الذي استنبط هذه الوظيفة بديار مصر واستحدث استخدام الوزراء بعد صرفهم عن الوزارة ولم يزل نابه القدر إلى أن توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة‏.‏

 

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 بركة الشعيبية

 

 

 

هذه البركة موضعها خلف جسر الأفرم فيما بينه وبين الجرف الذي يعرف اليوم بالرصد وكانت تجاور بركة الحبش من بحريها وقد انقطع عنها الماء وصارت بساتين ومزارع وغير ذلك‏.‏

 

 

قال ابن المتوج‏:‏ بركة الشعيبية بظاهر مصر كان يدخل إليها ماء النيل وكان لها خليجان أحدهما من قبليها وهو الآن بجوار منظرة الصاحب تاج الدين بن حنا المعروفة بمنظرة المعشوق والثاني من بحريها ويقال له خليج بني وائل عليه قنطرة بها عُرف باب القنطرة بمصر وكان يج فيها الماء من النيل إليها فكان الماء يجخل إليها في كل سنة ويعمها ويدخل إليها الشخاتير وكان بدائرها من جانبها الشرقيّ أدر كثرة وكانت نزهة المصريين فلما استأجرها الأمير عز الدين أيبك الأفرم من الناظر عليها من جهة الحكم العزيزي حازها بالجسور عن الماء وغرس فيها الأشجار والكروم وحفر الآبار وهذه البركة مساحتها أربعة وخمسين فدّانًا ولها حدود أربعة الحدّ القبليّ ينتهي بعضه إلى بعض أرض المعشوق الجاري في وقف ابن الصابوني وإلى الجسر الفاصل بينها وبين بركة الحبش وفي هذا الجسر الآن قنطرة يدخل إليها الماء من خليج بركة الأشراف والحدّ البحريّ كان ينتهي بعضه إلى منظرة قاضي القضاة بدر الدين السنجاريّ وإلى جسره‏.‏

 

 

والحدّ الشرقي‏:‏ ينتهي إلى الآدر التي كانت مطلة عليها وقد خرب أكثرها وكانت مسكن أعيان المصريين من القضاة والكتاب‏

 

 

والحدّ الغربيّ‏:‏ ينتهي إلى جرف النيل ولما استأجرها الأفرم شرط له خمسة أفدنة يعمر عليها ويؤجرها لمن يعمر عليها منها فدّان واحد من بحريها وفدّانان من غربيها ملاصقان لجدار البساتين وفدّانان بالجرف الذي من حقوقها‏

 

 

فلما مات الأفرم طمع الأمير علم الدين الشجاعي في ورثته وفي الوقف وأربابه فغضب أرض الجرف وجملتها فدّانان ثم تركها فلما كان في أثناء دولة الناصر محمد بن قلاون ووزارة الأعسر بيعت أرضها لأرباب الأبنية التي عليها وهذه البركة وقفها الخطير بن مماتي ودخل معهم بنو الشعيبية لاختلاط أنسابهم بالتناسل‏.‏

 

 

وقال في موضع آخر‏:‏ ومن جملة الأوقاف بركة الخطير بن مماتي المشهورة ببركة الشعيبية ومساحة أرضها أربعون وخمسون فدّانًا وربع ولها حدود أربعة القبليّ‏:‏ من البركة الصغرى منها إلى الجسر الفاصل بينها وبين بركة الحبش وفيه قنطرة يمرّ منها الماء إلى هذه البركة ي هذا الحدّ إلى بعض أبنية مناظر المعشوق ومن جملة حقوق هذا الوقف المجاز المستطيل المسلوك فيه إلى المنظرة المذكورة ومنه دهليزها الإيوان البحري وهذا جميعه رأيته ترعة من تراع هذه البركة المذكورة يمرّ الماء فيها في زمن النيل إليها وكان باقي هذه المنطرة دارًا مطلة على بحر النيل من شرقيها على هذه الترعة من بحريها ثم ملكها الصاحب تاج الدين بن حنا وهدمها وردم الخليج وعمر المنظرة والحمام والبيوت الموجودة الآن وباقي ذلك كله في أرض ابن الصابونيّ‏.‏

 

 

وحدّ هذه البركة من الجهة البحرية‏:‏ إلى الطريق الآن وكان فيه جسر يُعرف بجسر الحيات كان يفصل بين هذه البركة وبين بركة شطا وكان فيه قنطرة يجري الماء فيها من هذه البركة إلى بركة شطا وكان في هذا الحدّ ترعة أخرى يجري الماء فيها في زمن النيل من البحر إلى هذه اركة ورأيته يجري فيها ورأيت الشخاتير تدخل فيها إلى هذه البركة وأما حدّها الشرقي‏:‏ فإنه كان إلى أبنية الآدر المطلة على هذه البركة وأمّا حدّها الغربي فإنه كان إلى بحر النيل ولم تزل كذلك إلى أن استأجرها الأمير عز الدين أيبك الأفرم فردم هذه الترعة وبنى حيطانذا البستان وجسر عليه وزرع فيه الشتول والخضروات وأقام على ذلك عدّة سنين ثم استأجره إجارة ثانية واشترط البناء على ثلاثة أفدنة في جانبه الغربيّ وفدّان في جانبه البحريّ فعمر الناس واستغنى عن الجسور ورخص على الناس حتى رغبوا في العمارة وآجر كل مائة ذراع من ذلك بعشرة دراهم نقرة وعمر البئر المشهور السواقي فعمرت أحسن عمارة فلما توفي توفي الأفرم طمع الشجاعيّ في أرباب الوقف وفي ورثته ونزع منهم الفدادين المطلة على بحر النيل وابتاع ذلك من وكيل بيت المعشوق اعلم أنَّ المعشوق اسم لمكان فيه أشجار بظاهر مصر من جملة خطة راشدة عُرف أوَّلًا بجنان كهمس بن معمر ثم عرف بجنان المارداني ثم عرف بجنان الأمير تميم بن المعز لدين الله ثم جدّده الأفضل بن أمير الجيوش فعرف به وأجرًا صار من وقف ابن الصابونيّ فأخذه الصاحب تاج الدين محمد بن حنا وعمر به مناظر وأوصى بعمارة رباط للآثار النبوية وأن توقف عليه‏.‏

 

 

فلما أُنشيء الرباط المذكور أرصد لمصالحه‏.‏

 

 

وهو الآن وقف عليه وأرض هذا البستان مما وقفه ابن الصابونيّ على بنيه وعلى رباطه المجاور لقيه الإمام الشافعيّ رضي الله تعالى عنه بالقرافة وبنو الصابونيّ يستأدون من المتحدّث على رباط الآثار شيئًا في كل سنة عن حكر أرض بستان المعشوق‏.‏

 

 

قال القضاعيّ في ذكر خطة راشدة‏:‏ ومنها المقبرة المعروفة بمقبرة راشدة والجنان المعروفة كانت تعرف بكهمس بن معمر ثم عرفت بالماردانيّ وهو المعروف الآن بالأمير تميم بن المعز‏

 

 

هذا وقد بنى المعتمد على الله أحمد بن المتوكل في الجانب الشرقيّ من سرّ من رأى قصر أسماه المعشوق وأقام به وبين بغداد وتكريت منزلة فيها آثار بناء وقصور تسمى العاشق والمعشوق وفيه أنشد الشريف زهرة بن عليّ بن زهرة بن الحسن الحسينيّ وقد اجتاز به يريد الحج‏:‏ ز  رأيتُ المعشوقَ وهو من الهج - ر بحالٍ تنبو النواظرُ عنهُ أثرّ الدهرُ فيه آثار سوءٍ قد أدالت يد الحوادث منهُ وقال ابن يونس‏:‏ كهمس من معمر بن محمد بن حبيب يُكنَّى أبا القاسم كان أبوه بصريًا وولد هو بمصر وكان عاقلًا كانت القضاة تقبله حدّث عن محمد بن رمح وعى بن حماد زغبة وسلمة بن شبيب ونحوهم توفي في يوم الإثنين لأربع خلون من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة وثلاثمائة‏.‏

 

 

قال ابن خلكان‏:‏ تميم بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهديّ كان أبوه صاحب الديار المصرية والمغرب وهو الذي بنى القاهرة المعزية وكان تميم فاضلًا شاعرًا ماهرًا لطيفًا ظريفًا ولم يل المملكة لأنّ ولاية العهد كانت لأخيه العزيز فوليها بعد أبيه وأشعاره كلها حة وكانت وفاته في ذي القعدة سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وقد ذكر كلًا من الماردانيذ وابن حنا والأفضل‏.‏

 

 

وأما ابن مماتي فنه أسعد بن مهذب بن زكريا بن قدامة بن نينا شرف الدين مماتي أبي المكارم بن سعيد بن أبي المليح الكاتب المصري فأصله من نصارى أسيوط من صعيد مصر واتصل جدّه أبو المليح بأمير الجيوش بدر الجماليّ وزير مصر في أيام الخليفة المستنصر بالله وكتب في ديوان مصر وولي استيفاء الديوان وكان جوادًا ممدوحًا انقطع إليه أبو الطاهر إسماعيل بن محمد المعروف بابن مكيسة الشاعر فمن قوله فيه لما مات‏:‏ طويتْ سماءُ المكرما - تِ وكوّرتْ شمسُ المديحِ وتناثرتْ شهبُ العُلا من بعدِ موتِ أبي المليحِ ما كان بالنكس الدن - يء من اجالِ ولا الشحيحِ كفر النصارى بعدما عذروا به دونَ المسيحِ ورثاه جماعة من الشعراء ولما مات ولي ابنه المهذب بن أبي المليح زكريا ديوان الجيش بمصر في آخر الفاطمية فلما قدم الأمير أسد الدين شيركوه وتقلد وزارة الخليفة العاضد شدّد على النصارى وأمرهم بشدّ الزنانير على أوساطهم ومنعهم من إرخاء الذؤابة التي تسمى اليوم بالعذبة فكتب لأسد الدين‏:‏ يا أسدَ الدين ومن عدله يحفظُ فينا سنَّةَ المصطفى كفى غيارًا شَدَّ أوساطنا فما الذي أوجبَ كشفَ القفا فلم يسعفه بطلبته ولا مكنه من إرخاء الذؤابة وعندا آيس من ذلك أسلم فقُدِّم علالدواوين حتى مات فخلفه ابنه أبو المكارم أسعد بن مهذب الملقب بالخير على ديوان الجيش واستمرّ في ذلك مدّة أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وايام ابنه الملك العزيز عثمان وولي نظر الدواوين أيضًا واختص بالقاضي الفاضل وحظي عنده وكان يسميه بلبل المجلس لما يرى من حسن خطابه وصنف عدّة مصنفات منها‏:‏ تلقين اليقين فيه الكلام على حديث بني الإسلام على خمس‏

 

 

وكتاب حجة الحق على الخلق في التحذير من سوء عاقبة الظلم‏.‏

 

 

وهو كبير وكان السلطان صلاح الدين يُكثر النظر فيه وقال فيه القاضي الفاضل‏:‏ وقفت من التاب على ما لا تحصى عدّته فما رأيت والله كتابًا يكون قبالة باب منه وإنه والله من أهمّ ما طالعه الملوك وكتاب قوانين الدواوين صنفه للملك العزيز فيما يتعلق بدواوين مصر ورسوم وأصولها وأحوالها وما يجري فيها وهو أربعة أجزاء ضخمة والذي يقع في أيدي الناس جزء من واحد اختصره منه غير المصنف فإنْ ابن مماتي ذكر فيه أربعة آلاف ضيعة من أعمال مصر ومساحة كل ضيعة وقانون ريها ومتحصلها من عين وغلة ونظَّم سيرة السلطان صلاح الدين يوسف ونظم كليلة ودمنة وله ديوان شعر ولم يزل بمصر حتى ملك السلطان العادل أبو بكر بن أيوب ووزر له صفيّ الدين عليّ بن عبد الله بن شكر فخافه الأسعد لما كان يصدر منه في حقه من الإهانة وشرع الوزير ابن شكر في العمل عليه ورتب له مؤامرات ونكبه وأحال عليه الأجناد ففرّ من القاهرة وسقط في حلب فخدم بها حتى مات في يوم الأحد سلخ جمادى الأولى سنة ست وستمائة عن اثنتين وستين سنة‏.‏

 

 

وكان سبب تلقيب أبي مليح بمماتي أنه كان عنده في غلاء مصر في أيام المستنصر قمح كثير وكان يتصدّق على صغار المسلمين وهو إذ ذاك نصرانيّ وكان الصغار إذا رأوه قالوا مماتي فلقب بها ومن شعره‏:‏ تعاتُبني وتُنهي عن أمورٍ سبيلُ الناسِ أنْ ينهوكَ عنها اتقدرُ أن تكونَمثلِ عيني وحقكَ ما عليّ أضرُّ منها وقال في اترجة كانت بين يدي القاضي الفاضل وهو معنى بديع‏:‏ للهِ بلء للحُسنِ أترجةٌ تذكر الناسَ بأمرِ النعيمِ كأنها قَدْ جَمعت نفسها من هيبةِ الفاضلِ عبد الرحيمِ بركة شطا هذه البركة موضعها الآن كيمان على يُسرة من يخرج من ب القنطرة بمدينة مصر طالبًا جسر الأفرم ورباط الآثار كان الماء يعبر إليها من خليج بني وائل وموضعه على يُمنة من يخرج من باب القنطرة المذكورة وكان عليه قنطرة بناها العزيز بالله بن المعز وبها سمي باب القنطرة هذا‏.‏

 

 

قال ابن المتوج‏:‏ بركة شطا بظاهر مصر على يسرة من مرّ من باب القنطرة وكان الماء يدخل إليها من خليج بني وائل من برابخ بالسور المستجدّ ومن بركة الشعيبية من قنطرة في وسط الجسر المعروف بجسر الحيات الذي كان يفصل بين البركتين المذكورتين وكان بوسطها مسجد يُعرف بجد الجلالة بقناطر بوسطها كان يُسلك عليها إليه وكان يُطلْ على بركة شطا آدر خربت بانقطاع الماء عنها وكان إلى جانبها بستان فيه منظرة ودرابة وطاحون وحمّام وبظاهر بابه حوض سبيل وقف ذلك المخلص الموقع وقد خرب‏.‏

 

 

بركة قارون هذه البركة موضعها الآن فيما بين حدرة ابن قميحة خلف جامع ابن طولون وبين الجسر الأعظم الفاصل بين هذه البركة وبركة الفيل وعليها الآن عدّة آدر وتعرف ببركة قراجا وكان عليها عدّة عمائر جليلة في قديم الزمان عندما عمّر العسكر والقطائع لما خرب العسكر والقطائع فلما خرب العسكر والقطائع كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب خرب ما كان من الدور على هذه البركة أيضًا حتى أنه كان من خرج من مصلى مصر القديم وموضعه الآن الكوم الذي يطلّ على قبر القاضي بكار بالقرافة الكبرى يرى بركة الفيل وقارون والنيل ولم يزل ما حول هذه البركة خرابًا إلى أن حفر الملك الناصر محمد بن قلاون البركة الناصرية في أراضي الزهري وكانت واقعة الكنائس في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة فصار جانب هذه البركة الذي يلي خط السبع سقايات مقطع طريق فيه مركز يقيم فيه من جهة متولى مصر من يحرس المارة من القاهرة إلى مصر ولم يكن هناك الأساري على يُمنة من خرج وسلك من السبع سقايات إلى قنطرة السدّ ويُشرف هذا البستان على هذه البركة فَحَكر أقبغا عبد الواحد مكانه وصارت فيه الدور الموجودة الآن كما ذكر عند حكر أقبغا في ذكر الأحكار‏.‏

 

 

قال القضاعيّ‏:‏ دار الفيل هي الدار التي على بركة قارون ذكر بنو مسكين أنها من حبس جدّهم وكان كافور أمير مصر اشتراها وبنى فيها دارًا ذكر أنه أنفق عليها مائة ألف دينار ثم سكنها في رجب سنة ست وأربعين وثلاثمائة وذكر اليمنيّ أنه انتقل إليها في جمادى الآخرة من سنة المذكورة وأنه كان أدخل فيها عدّة مساجد ومواضع اغتصبها من أربابها ولم يقم فيها غير أيام قلائل ثم أرسل إلى أبي جعفر مسلم الحسينيّ ليلًا فقال له‏:‏ امض بي إلى دارك فمضى به فمرّ على دار فقال‏:‏ لمن هذه فقال‏:‏ لغلامك نحرير التربية فدخلها وأقام فيها شإلى أن عمروا له دار خمارويه المعروفة بدار الحرم وسكنها وقيل أن سبب انتقاله من جنان بني مسكين بخار البركة‏.‏

 

 

وقيل وباء وقع في غلمانه وقيل ظهر له بهاجان‏.‏

 

 

وكانت دار الفيل هذه ينظر منها جزيرة مصر التي تعرف اليوم بالروضة‏.‏

 

 

قال أبو عمر الكنديّ في كتاب الموالي‏:‏ ومنهم أبو غنيم مولى مسلمة بن مخلد الأنصاريّ كان شريفًا في الموالي وولاه عبد العزيز بن مروان الجزيرة ثم عزله عنها وكان يجلس في دار التي يقال لها دار الفيل فينظر إلى الجزيرة فيقول لإخوانه‏:‏ أخبروني بأعجب شيء في ال.‏  

 

قالوا‏:‏ منارة الإسكندرية‏

 

 

قال‏:‏ ما أصبتم شيئًا‏

 

 

قال‏:‏ فيقولون له فقناة قرطاجنة‏

 

 

فيقول‏:‏ ما صنعتم شيئًا‏

 

 

قالوا‏:‏ فما تقول أنت قال‏:‏ العجب أني أنظر إلى الجزيرة ولا أقدر أدخلها وعلى هذه البركة الآن عدّة آدر جليلة وجامع وحمام وغير ذلك والله تعالى أعلم بالصوا

 

 

بركة الفيل‏:‏ هذه البركة فيما بين مصر والقاهرة وهي كبيرة جدًّا ولم يكن في القديم عليها بنيان ولما وضع جوهر القائد مدينة القاهرة كانت تجاه القاهرة ثم حدثت حارة السودان وغيرها خارج باب زويلة وكان ما بين حارة السودان وحارة اليانسية وبين بركة الفيل فضاء ثم ق ابن سعيد وقد ذكر القاهرة‏:‏ وأعجبني في ظاهرها بركة الفيل لأنها دائرة كالبدر والمناظر فوقها كالنجوم وعادة السلطان أن يركب فيها بالليل وتسرج أصحاب المناظر على قدر هممهم وقدرتهم فيكون بذلك لها منظر عجيب‏

 

 

وفيها أقول‏:‏ انظر إلى بركةِ الفيل التي اكتنفتْ بها المناظرُ كالأهدابِ للبصرِ كأنما هي والأبصارُ ترمقعها كواكبُ قد أدوارها على القمرِ ونظرت إليها وقد قابلتها الشمس الغدوّ فقلت‏:‏ انظر إلى بركةِ الفيلِ التي نحرتْ لها الغزالةُ نحرًا من مطالِعِها وخلِّ طر محفوفًا ببهجتها تهيمُ وجدًا وحبًا في بدائِعِها وماء النيل يدخل إلى بركة الفيل من الموضع الذي يعرف اليوم بالجسر الأعظم تجاه الكبرش وبلغني أنه كان هناك قنطرة كبيرة فهدمت وعمل مكانها هذه المجاديل الحجر التي يمرّ عليها الناس ويعبر ماء النيل إلى هذه البركة أيضًا من الخليج الكبير من تحت قنطرة تعرف قديمًا وحديثًا بالمجنونة وهي الآن لا تشبه القناطر وكأنها سرب يعبر منه الماء وفوقه بقية عقد من ناحية الخليج كان قد عقده الأمير الطيبرس وبنى فوقها منتزهًا فقال فيه علم الدين بن الصاحب‏:‏ عقدوا عُقودًا لا تصحُّ لأنهم عقا لمجنونٍ على مجنونهْ وكان الطيبرس هذا يعتريه الجنون واتفق أنّ هذا العقد لم يصحر وهدم وآثاره باقية إلى اليوم‏.‏

 

 

بركة الشقاف هذه البركة في برّ الخليج الغربيّ بجوار اللوق وعليها الجامع المعروف بجامع الطباخ في خط باب اللوق وكانت هذه البركة من جملة أراضي الزهريّ كما ذكر في حكر الزهريّ عند ذكر الأحكار وكان عليها في القديم عدّة مناظر منها‏:‏ منظرة الأمير جمال الدين موسىن يغمور وذلك أيام كانت أراضي اللوق مواضع نزهة قبل أن تُحتكر وتُبنى دورًا وذلك بعد سنة ستمائة‏.‏

 

 

والله تعالى أعلم‏.‏

 

 

بركة السباعين عُرفت بذلك لأنه اتخذ عليها دار للسباع وهي موجودة هناك إلى يومنا هذا وهي من جملة حكر الزهريّ وعليها الآن دور‏.‏

 

 

ولم تحدث بها العمارة إلا بعد سنة سبعمائة وإنما كان جميع ذلك الخط وما حوله من منشأة المهرانيّ إلى المقس بساتين ثم حكرت‏.‏

 

 

بركى الرطلي‏:‏ هذه البركة من جملة أرض الطبالة عرفت ببركة الطوّابين من أجل أنه كان يعمل فيها الطوب فلما حفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخليج الناصريّ التمس الأمير بكتمر الحاجب من المهندسين أن يجعلوا حفر الخليج على الجرف إلى أن يمرّ بجانب بركة الطوّابين ه ويصب من بحريّ أرض الطبالة في الخليج الكبير فوافقوه على ذلك ومرّ الخليج من ظاهر هذه البركة كما هو اليوم فلما جرى ماء النيل فيه روى أرض البركة فعُرفت ببركة الحاجب‏.‏

 

 

فإنها كانت بيد الأمير بكتمر الحاجب المذكور وكان في شرقيّ هذه البركة زاوية بها نخل كثير وفيها شخص يصنع الأرطال الحديد التي تزن بها الباعة فسماها الناس بركة الرطليّ نسبة لصانع الأرطال وبقيت نخيل الزاوية قائمة بالبركة إلى ما بعد سنة تسعين وسبعمائة فلما جرى الماء في الخليج الناصريّ ودخل منه إلى هذه البركة عُمل الجسر بين البركة والخليج فحكره الناس وبنوا فوقه الدور ثم تتابعوا في البناء حول البركة حتى لم يبق بدائرها خلو وصارت المراكب تعبر إليها من الخليج الناصريّ فتدورها تحت البيوت وهي مشحونة بالناس فتمّر هنالك للناس أحوال من اللهو يقصر عنها الوصف وتظاهر الناس في المراكب بأنواع المنكرات من شرب المسكرات وتبرّج النساء الفاجرات واختلاطهنّ بالرجال من غير إنكار فإذا نضب ماء النيل زرعت هذه البركة بالقرط وغيره فيجتمع فيها من الناس في يومي الأحد والجمعة عالم لا يحصى لهم عدد وأدركتُ بهذه البركة من بعد سنة سبعين وسبعمائة إلى سنة ثمانمائة أوقاتًا انكفت فيها عمن كان بها أيدي الغير ورقدت عن أهاليها أعين الحوادث وساعدهم الوقت إذ الناس ناس والزمان زمان ثم لما تكدّر جوّ المسرّات وتقلص ظل الرفاهة وانهلت سحائب المحن من سنة ست وثمانمائة تلاشى أمرها وفيها إلى الآن بقية صبابة ومعالم أنس وآثار تنبىء عن حسن عهد ولله در القائل‏:‏ في أرضِ طبالتنا بركةٌ مدهشةٌ للعينِ والعقلِ ترجح في ميزان عقلي على كلِّ بحارِ الأرض بالرطلِ البركة المعروفة ببطن البقرة هذه البركة كانت فيما بين أرض الطبالة وأرا اللوق يصل إليها ماء النيل من الخور فيعبر في خليج الذكر إليها وكانت تجاه قصر اللؤلؤة ودار الذهب في برّ الخليج الغربيّ وأوّل ما عرفتُ من خبر هذه البركة أنها كانت بستانًا كبيرًا فيما بين المقس وجنان الزهريّ عُرف بالبستان المقسيّ نسبة إلى المقس ويُشرف على بحر النيل من غربيه وعلى الخليج الكبير من شرقيه فلما كان في أيام الخليفة الظاهر لاعزاز دين الله أبي هاشم عليّ بن الحاكم بأمر الله أمر بعد سنة عشر واربعمائة بإزالة إنشاب هذا البستان وأن يُعمل بركة قدّام المنظرة التي تُعرف باللؤلؤة فلما كانت الشدّة العظمى في زمن الخليفة المستنصر بالله هجُرت البركة وبني في موضعها عدّة أماكن عرفت بحارة اللصوص إذ ذاك فلما كان في أيام الخليفة الآمر بأحكام الله ووزارة الأجل المأمون محمد بن فاتك البطائحي أزيلت الأبنية وعمق حفر الأرض وسلط عليها ماء النيل من خليج الذكر فصارت بركة عرفت ببطن البقرة وما برحت إلى ما بعد سنة سبعمائة وكان قد تلاشى أمرها منذ كانت الغلوة في زمن الملك العادل كتبغا سنة سبع وتسعين وستمائة فكان من خرج من باب القنطرة يجد عن يمينه أرض الطبالة من جانب الخليج الغربيّ إلى حدّ المقس ويجد بطن البقرة عن يساره من جانب الخليج الغربيّ إلى حدّ المقس وبحر النيل الأعظم يجري في غربيّ بطن البقرة على حافة المقس إلى غربيّ أرض الطبالة ويمرّ من حيث الموضع المعروف اليوم بالجرف إلى غربيّ البعل ويجري إلى منية الشيرج فكان خارج القاهرة أحسن منتزه في مصر من الأمصار وموضع بطن البقرة يُعرف اليوم بكوم الجاكي المجاور لميدان القمح وما جاور تلك الكيمان والخراب إلى نحو باب اللوق وحدّثني غير واحد ممن لقيت من شيوخ المقس عن مشاهدة آثار هذه البركة وأخبرني عمن شاهد فيها الماء وإلى زمننا هذا موضع من غربيّ الخليج فيما يلي ميدان القمح يُعرف ببطن البقرة بقية من تلك البركة يجتمع فيه الناس للنزهة‏.‏

 

 

بركة جناق هذه البركة خارج باب الفتوح كانت بالقرب من منظرة باب الفتوح التي تقدّم ذكرها في المناظر وكان من حولها بساتين ولم يكن خارج باب الفتوح شيء من هذه الأبنية وإنما كان هناك بساتين فكانت هذه البركة فيما بين الخليج الكبير وبستان ابن صيرم فلما حكر بستان ابن صيرم وعمر في مكانه الآدر وغيرها وعمر الناس خارج ابن الفتوح عمر ما حول هذه البركة بركة الحجاج هذه البركة في الجهة البحرية من القاهرة على نحو بريد منها عُرفت أوّلًا بجب عميرة ثم قيل لها أرض الجب وعرفت إلى اليوم ببركة الحجاج من أجل نزول حجاج البرّ بها عند مسيرهم من القاهرة وعند عودهم وبعض من لا معرفة له بأحوال أرض مصر يقول‏:‏ جب يوسف عليه السلام وهو خطأ لا أصل له وما برحت هذه البركة منتزهًا لملوك القاهرة‏

 

 

قال ابن يونس عميرة ابن تميم بن جزيء التجيبيّ‏:‏ من بنى القرناء صاحب الجب المعروف بجب عميرة في الموضع الذي يبرز إليه الحاج من مصر لخروجهم إلى مكة وقال أبو عمر الكنديّ في كتاب الخندق‏:‏ أن فرسن الخندق من جب عميرة بن تميم بن جزء وصاحب جب عميرة من بني القرطعن في تلك الأيام فارتث فمات بعد ذلك‏.‏

 

 

وقال في كتاب الأمراء‏:‏ ثم أن أهل الحوف خرجوا على ليث بن الفضل أمير مصر وكان السبب في ذلك أن ليثًا بمُساح يمسحون عليهم أراضي زرعهم فانتقصوا من القصب أصابع فتظلم الناس إلى ليث فلم يسمع منها فعسكروا وساروا إلى الفسطاط فخرج إليهم ليث في أربعة آلاف من جند مصليومين بقيا من شعبان سنة ست وثمانين ومائة فالتقى مع أهل الحوف لاثنتي عشرة خلت من شهر رمضان فانهزم الجيش عن ليث وبقي في مائتين أو نحوها فحمل عليهم بمن معه فهزمهم حتى بلغ بهم غيفة وكان التقاؤهم في أرض جب عميرة وبعث ليث إلى الفسطاط بثمانين رأسًا ورجع إلى الفسطاط‏.‏

 

 

وقال‏:‏ المسبحيّ ولاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة عرض أمير المؤمنين العزيز بالله عساكره بظاهر القاهرة عند سطح الجب فنصب له مضرب ديباج روميّ فيه ألف ثوب مفوّفة فضة ونصبت له فازة مستقلة وقبة مثقلة بالجوهر وضرب لابنه المنصور مضرب آخرعرضت العساكر فكانت عدّتها مائة عسكر وأقبلت أسارى الروم وعدّتها مائتان وخمسون فطيف بهم وكان يومًا عظيمًا حسنًا لم تزل العساكر تسير بين يديه من ضحوة النهار إلى صلاة المغرب‏.‏

 

 

وقال ابن ميسر‏:‏ كان من عادة أمير المؤمنين المستنصر بالله أن يركب في كل سنة على النجب مع النساء والحشم إلى جب عميرة وهو موضع نزهة بهيئة أنه خارج للحج على سبيل الهزؤ والمجانة ومعه الخمر في الروايا عوضًا عن الماء ويسقيه الناس‏

 

 

وقال أبو الخطاب بن دحية وخطب لبني عبيد ببغداد أربعين جمعة وذلك للمستنصر بل للبطال المستهتر أنشده العقيليّ صبيحة يم عرفة‏:‏ قمْ فانحرِ الراحَ يومَ النحرِ بالماءِ ولا تُضحّي ضُحى إلاّ بصهباءِ ووصل ألف القطع للضرورة وهو جائز فخرج في ساعته بروايا الخمر تُزجىنغماتِ حُداة الملاهي وتساق حتى أناخ بعين شمس في كبكبة من الفساق فأقام بها سوق الفسوق على ساق وفي ذلك العام أخذ الله وأخذ أهل مصر بالسنين حتى بيع القرص في أيامن بالثمن الثمين‏.‏

 

 

وقال القاضي الفاضل في حوادث المحرّم سنة سبع وسبعين وخمسمائة وفيه خرج السلطان يعني صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى بركة لجب للصيد ولعب الأكرة وعاد إلى القاهرة في سادس يوم من خروجه وذكر من ذلك كثيرًا عن السلطان صلاح الدين وابنته الملك العزيز عثمان‏.‏

 

 

وقال جامع سيرة الناصر محمد بن قلاون‏:‏ وفي حوادث صفر سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة وفهي ركب السلطان إلى بركة الحجاج للرمي على الكراكي وطلب كريم الدين ناظر الخاص ورسم أن يعمل فيها أحواشًا للخير والجمال وميدانًا وللأمير بكتمر الساقي مثله فأقام كريم الدين بنفسفي هذا العمل ولم يدع أحدًا من جميع الصناع المحتاج إليهم يعمل في القاهرة عملًا فكان فيها نحو الألفي رجل ومائة زوج بقر حتى تمت المواضع في مدّة قريبة وركب السلطان إليها وأمر بعمل ميدان لنتاج الخيل فعُمل وما برح الملوك يركبون إلى هذه البركة لرمي الكراكي وهم على ذلك إلى هذا الوقت وقد خربت المباني التي أنشأها الملك الناصر وأدركنا بهذه البركة مراحًا عظيمًا للأغنام التي يعلفها التركمانيّ حب القطن وغيره من العلف فتبلغ الغاية في السمن حتى أنه يدخل بها إلى القاهرة محمولة على العجل لعظم جنتها وثقلها وعجزها عن المشي وكان يقال كبش بركاويّ نسبة إلى هذه البركة وشاهدت مرّة كبشًا من كباش هذه البركة وزنت شقته اليمنى فبلغت زنتها خمسة وسبعين رطلًا سوى الإلية وبلغني عن كبش أنه وزن ما في بطنه من الشحم خاصة فبلغ أربعين رطلًا وكانت ألايا تلك الكباش تبلغ الغاية في الكبر وقد بطل هذا من القاهرة منذ كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة حتى لا يكاد يعرفه اليوم إلا أفراد من الناس‏.‏

 

 

وبركة الحجاج اليوم أرباب دركها قوم من العرب يعرفون ببني صبرة وقال الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ في كتاب الجوهر المكنون في معرفة القبائل والبطون‏:‏ بنو بطيخ بطن من لخم وهم ولد بطيخ بن مغالة بن دعجمان بن عميث بنكليب بن أبي الحارث بن عمرو بن رميمة بن جدس بن يش بن أراش بن جديلة بن لخم وفخذها بنو صبرة بن بطيخ ولهم حارة مجاورة للخطمة المعروفة اليوم بكوم دينار السايس وصبرة في خندف وفي قيس ونزار ويمن فالتي في خندف في بني جعفر الطيار بنو صبرة بن جعفر بن داود بن محمد بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فخذ والتي في قيس بنو صبرة بن بكر بن أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان فخذ وأما التي في نزار ففي شيبان بنو صبرة بن عوف بن محكم بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربية بن نزار فخذ وما التي في يمن ففي لخم وجذام فأما التي في لخم‏:‏ فبنو صبرة بن بطيخ جدس بن أريش بن أراش بن جديلة بن لخم وأما التي في جذام فبنو صبرة بن نصيرة بن عطفان بن سعد بن إياس بن حرام بن جذام وإليه يرجع الصبريون وهم بالشام والله تعالى أعلم‏

 

 

 

 

       

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 بركة قرموط

 

 

 

‏:‏ هذه البركة فيما بين اللوق والمقس كانت من جملة بستان ابن ثعلب فلما حفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخليج الناصري من موردة البلاط رمى ما خرج من الطين في هذه البركة وبنى الناس الدور على الخليج فصارت البركة من ورائها وعُرفت تلك الخطة كلها ببركة قرموط وأدنا بها ديارًا جليلة تناهى أربابها في أحكام بنائها وتحسين سقوفها وبالغوا في زخرفتها بالرخام والدهان وغرسوا بها الأشجار وأجروا إليها المياه من الآبار فكانت تعدّ من المساكن البديعة النزهة وأكثر من كان يسكنها الكتاب مسلموهم ونصاراهم وهم في الحقيقة المترفون أولو النعمة فكم حوت تلك الديار من حسن ومستحسن وأني لأذكرها وما مررت بها قد إلاّ وتبين لي من كل دار هناك آثار النعم أما روائح تقالي المطابخ أو عبير بخور العود والندّ أو نفحات الخمر أو صوت غناء أو دقِّ هاون ونحو ذلك ما يبين عن ترف سكان تلك الديار ورفاهة عيشهم وغضارة نعمهم ثم هي الآن موحشة خراب قد هُدمت تلك المنازل وبيعت أنقاضها منذ كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة فزالت الطرق وجهلت الأزقة وانكشفت البركة وبقي حولها بساتين خراب وبلغني أن المراكب كانت تعبر إلى هذه البركة للتنزه وما أحسب ذلك كان فإنها كانت من جملة البستان ولم ينقل إنه كان يقربها خليج سوى الخور ويُبعد ن يصل إليها والله أعلم‏.‏

 

 

وقرموط هذا هو أمين الدين قرموط مستوفي الخزانة السلطانية‏.‏

 

 

بركة قراجا‏:‏ هذه البركة خارج الحسينية قريبًا من الخندق عرفت بالأمير زين الدين قراجا التركماني أحد أمراء مصر أنعم عليه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون بالأمرة في سنة سبع عشرة وسبعمائة‏

 

 

البركة الناصرية‏:‏ هذه البركة من جملة جنان الزهريّ فلما خربت جنان الزهريذ صار موضعها كوم تراب إلى أن أنشأ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون ميدان المهاري في سنة عشرين وسبعمائة وأراد بناء الزريبة بجانب الجامع الطبرسيّ احتاج في بنائها إلى طين فركب وعين مك هذه البركة وأمر الفخر ناظر الجيش فكتب أوراقًا بأسماء الأمراء وانتدب الأمير بيبرس الحاجب فنزل بالمهندسين فقاسوا دور البركة ووزع على الأمراء بالأقصاب فنزل كل أمير وضرب خيمة لعمل ما يخصه فابتدؤا العمل في يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وسبعمائة فتمادى الحفر إلى جانب كنيسة الزهريّ وكان إذ ذاك في تلك الأرض عدّة كنائس ولم يكن هناك شيء من العمائر التي هي اليوم حول البركة الناصرية ولا من العمائر التي في خط قناطر السباع ولا في خط السبع سقايات إلى قنطرة السدّ وإنما كانت بساتين وكنائس وديورة للنصارى فاستولى الحفر على ما حول كنية الزهريّ وصارت في وسط الحفر حتى تعلقت وكان القصد أن تسقط من غير تعمد هدمها فأراد الله تعالى هدمها على يد العامّة كما ذكر في خبرها عند ذكر كنائس النصارى من هذا الكتاب فلما تمّ حفر البركة نقل ما خرج منها من الطين إلى الزريبة وأجرى إليها الماء من جوار الميدان السلطانيّ الكائن بأراضي بستان الخشاب عند موردة البلاط فلما امتلأتا بالماء صارت مساحتها سبعة أفدنة فحكر الناس ما حولها وبنوا عليها الدور العظيمة وما برح خط البركة الناصرية عامرًا إلى أن كانت الحوادث من سنة ست وثمانمائة فشرع الناس في هدم ما عليها من الدور فهدم كثيرًا مما كان هناك والهدم مستمرّ إلى يومنا هذا‏.‏

 

 

الجسور الجسر بفتح الجيم الذي تسميه العامّة جِسرًا عن ابن دريد وقال الخليل‏:‏ الجَسر والجِسر لغتان وهو قنطرة ونحوها مما يعبر عليه‏

 

 

وقال ابن سيده‏:‏ والجسر الذي يعبر عليه والجمع القليل أجسر‏

 

 

قال‏:‏ أنّ فراخًا كفراخِ الأوكر بأرضِ بغدادَ وراء الأجسرِ والكثير جسور

 

 

جسر الأفرم هذا الجسر بظاهر مدينة مصر فيما بين المدرسة المعزية برحبة الحناء قبليّ مصر وبين رباط الآثار النبوية كان موضعه في أوّل الإسلام غامرًا بماء النيل ثم انحسر عنه الماء فصار فضاء إلى بحريّ خليج بني وائل ثم ابتنى الناس فيه مواضع وكان هناك الهري قريبًا من الخليج ثم صار موضع جسر الأفرم هذا ترعة يدخل منها ماء النيل إلى البركة الشعيبية فلما استأجر الأمير عز الدين أيبك الأفرام بركة الشعيبية وجعلها بستانًا كما تقدّم ذكره في البرك ردم هذه الترعة وبنى حيطان البستان وجسر عليه فأقام على ذلك سنين ثم لما استأجر أرض البركة بعدما غرسها بالأشجار إجارة ثانية اشترط البناء على ثلاثة أفدنة في جانب البستان الغربيّ وفدّان في جانبه البحريّ ونادى في الناس بتحكيره وأرخص سعر الحكر وجعل حكر كلّ مائة ذراع عشرة دراهم فهرع الناس إليه واحتكروا مه المواضع وبنوا فيها الدور المطلة على النيل فاستغنى بالعمائر عن عمر الجسر في كلّ سنة بين البحر والبستان الذي أنشأه وبقى اسم الجسر عليه إلى يومنا هذا إلا أن الآدر التي كانت هناك خربت منذ انطرد النيل عن البرّ الغربيّ بعدما بلغ ذلك الخط الغاية في العمارة وكان سكن الوزراء والأعيان من الكتاب وغيرهم‏‏

 

 

الجسر الأعظم هذا الجسر في زماننا هذا قد صار شارعًا مسلوكًا يُمشى فيه من الكبش إلى قناطر السباع وأصله جسر يفصل بين بركة قارون وبركة الفيل وبينهما سرب يدخل منه الماء وعليه أحجار يراها من يمرّ هناك وبلغني أنه كان من قنطرة مرتفعة فلما أنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون الميدان السلطانيّ عند موردة لبلاط أمر بهدم القنطرة فهُدمت ولم يكن إذ ذاك على بركة الفيل من جهة الجسر الأعظم مبان وإنما كانت ظاهرة يراها المارّ ثم أمر السلطان بعمل حائط قصير بطولها فأقيم الحائط وصفر بالطين الأصفر ثم حدثت الدور هناك‏.‏

 

 

الجسر بأرض الطبالة‏:‏ هذا الجسر يفصل بين بركة الرطليّ وبين الخليج الناصريّ أقامه الأمير الوزير سيف الدين بكتمر الحاجب في سنة خمس وعشرين وسبعمائة لما انتهى حفر الخليج الناصريّ وأذن للناس في البناء عليه فحكر وبنيت فوقه الدور فصارت تشرف على بركة الرطليّ وعلالخليج وتجتمع العامّة تحت مناظر الجسر وتمرّ بحافة الخليج للنزهة فكثر اغتياط غوغاء الناس وفساقهم بهذا الجسر إلى اليوم وهو من أنزه فرج القاهرة لولا ما عرف به من القاذورات الفاحشة‏.‏

 

 

الجسر من بولاق إلى منية الشيرج كان السبب في عمل الجسر أن ماء النيل قويت زيادته في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة حتى أخرق من ناحية بستان الخشاب ودخل الماء إلى جهة بولاق وفاض إلى باب اللوق حتى اتصل بباب البحر وبساتين الخور فهدمت عدّة دور كانت مطلة على البحر وكثير من بيوت الحكورة وامتدّ الماء إلى ناحية منية الشيرج فقام الفخر ناظر الجيش بهذا الأمر وعرّف السلطان الملك الناصر إلى البحر ومعه الأمراء فرأى ما هاله وفكر فيما يدفع ضرر النيل عن القاهرة فاقتضى رأيه عمل جسر عند نزول الماء وانصرف فقويت الزيادة وفاض الماء على منشأة المهرانيّ ومنشأة الكتبة وغرّق بساتين بولاق والجزيرة حتى صار ما بين ذلك ملقة واحدة وركب الناس المراكب للفرجة ومرّوا بها تحت الأشجار وصاروا يتناولون الثمار بأيديهم وهم في المراكب فتقدّم السلطان المتولى القاهرة ومتولى مصر يبث العوان في القاهرة ومصر لردّ الحمير والجمال التي تنقل التراب إلى الكيمان وألزمهم بإلقاء التراب بناحية بولاق ونودي في القاهرة ومصر من كان عنده تراب فليرمه بناحية بولاق وفي الأماكن التي قد علا عليها الماء فاهتمّ الناس من جهة زيادة الماء اهتمامًا كبيرًا خوفًا أن يخرق الماء ويدخل إلى القاهرة وألزم أرباب الأملاك التي ببولاق والخور والمناشيء أن يقف كلّ واحد على إصلاح مكانه ويحترس من عبور الماء على غفلة فتطلب كلّ أحد من الناس الفعلة من غوغاء الناس لنقل التراب حتى عدمت الحرافيش ولم تكن توجد لكثرة ما أخذهم الناس لنقل التراب ورميه وتضرّرت الآدر القريبة من البحر بنززها وغرقت الأقصاب والقلقاس والنيلة وسائر الدواليب التي بأعمال مصر فلما انقضت أيام الزيادة ثبت الماء ولم ينزل في أيام نزوله ففسدت مطامير الغلات ومخازنها وشونها وتحسن سعر السكَّر والعسل وتأخر الزرع عن أوانه لكثرة ما مكث الماء فكتب لولاة الأعمال بكسر الترع والجسور كي ينصرف الماء عن أراضي الزرع إلى البحر الملح واحتاج الناس إلى وضع الخراج عن بساتين بولاق والجزيرة ومسامحتهم بنظير ما فسد من الغرق وفسدت عدّة بساتين إلى أن أذن الله تعالى بنزول الماء فسقط كثير من الدور وأخذ السلطان في عمل الجسور واستدعى المهندسين وأمرهم بإقامة جسر يصدج الماء عن القاهرة خشية أن يكون نيل مثل هذا وكتب بإحضار خولة البلاد فلما تكاملوا أمرهم فساروا إلى النيل وكشفوا الساحل كله فوجدوا ناحية الجزيرة مما يلي المنية قد صارت أرضها وطيئة ومن هناك يخاف على البلد من الماء فلما عرّفوا السلطان بذلك أمر بإلزام من له دار على النيل بمصر أو منشأة المهرانيّ أو منشأة الكتاب أو بولاق أن يعمر قدّامها على البحر زريبة وأنه لا يطلب منهم عليها حكر ونودي بذلك وكتب مرسوم بمسامحتهم من الحكر عن ذلك فشرع الناس في عمل الزرابي وتقدّم إلى الأمراء بطلب فلاحي بلادهم وإحضارهم بالبقر والجراريف لعمل الجسر من بولاق إلى منية الشيرج ونزل المهندسون فقاسوا الأرض وفرضوا لكل أمير أقصابًا معينة وضرب كلّ أمير خيمته وخرج لمباشرة ما عليه من العمل فأقاموا في عمله عشرين يومًا حتى فرغ ونصبت عندهم الأسواق فجاء ارتفاعه من الأرض أربع قصبات في عرض ثماني قصبات فانتفع الناس به انتفاعًا كبيرًا وقدّر الله سبحانه وتعالى أن الزرع في تلك السنة حَسُنَ إلى الغاية وأفلح فلاحًا عجيبًا وانحط السعر لكثرة ما زرع من الأراضي وخصب السنة وكان قد اتفق في سنة سبع عشرة وسبعمائة غرق ظاهر القاهرة أيضًا وذلك أن النيل وفي ستة عشر ذراعًا في ثالث عشر جمادى الأولى وهو التاسع والعشرون من شهر أبيب أحد شهور القبط ولم يعهد مثل ذلك فإن الأنيال البدرية يكون وفاؤها في العشر الأول من مسى فلما كسر سدّ الخليج توقفت الزيادة مدّة أيام ثم زاد وتوقف إلى أن دخل تاسع توت والماء على سبعة عشر ذراعًا وتسعة أصابع ففاض الماء وانقطع طريق الناس فيما بين القاهرة ومصر وفيما بين كوم الريش والمنية وخرج من جانب المنية وغرّقها فكتب بفتح جميع الترع والجسور بسائر الوجه القبليّ والبحريّ وكُسر بحر أبي المنجا وفُتح سدّ بلبيس وغيره قبل عيد الصليب وغرقت الأقصاب والزراعات الصيفية وعمّ الماء ناحية منية الشيرج وناحية شبر فخربت الدور التي هناك وتلف للناس مال كثير من جملته زيادة على ثمانين ألف جرّة خمر فارغة تكسرت في ناحية المنية وشبرًا عند هجوم الماء وتلفت مطامير الغلة من الماء حتى بيع قدح القمح بفلس والفلس يومئذ جزء من ثمانية وأربعين جزأ من درهم وصار من بولاق إلى شبرا بحرًا واحدًا تمرّ فيه المراكب للنزهة في بساتين الجزيرة إلى شبرا وتلفت الفواكه والمشمومات وقلت الخضر التي يُحتاج إليها في الطعام وغرقت منشأة المهرانيّ وفاض الماء من عند خانقاه رسلان وأفسد بستان الخشاب واتصل الماء بالجزيرة التي تعرف بجزيرة الفيل إلى شبرا وغرقت الأقصاب التي في الصعيد فإن الماء أقام عليها ستة وخمسيو يومًا فعصرت كلها عسلًا فقط وخربت سائر الجسور وعلاها الماء وتأخر هبوطه عن الوقت المعتاد فسقطت عدّة دور بالقاهرة ومصر وفسدت منشأة الكتاب المجاورة لمنشأة المهرانيّ فلذلك عمل السلطان الجسر المذكور خوفًا على القاهرة من الغرق‏.‏

 

 

الجسر بوسط النيل وكان سبب عمل هذا الجسر أن ماء النيل قوي رميه على ناحية بولاق وهدم جامع الخطيري ثم جدّد وقوّيت عمارته وتيار البحر لا يزداد من ناحية البرّ الشرقيّ إلاّ قوة فأهمّ الملك الناصر أمره وكتب في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة بطلب المهندسين من دمشق وحلب والبلاد الفراتية وجمع المهندسين من أعمال مصر كلها قبليها وبحريها فلما تكاملوا عنده ركب بعساكره من قلعة الجبل إلى شاطيء النيل ونزل في الحراقة وبين يديه الأمراء وسائر أرباب الخبرة من المهندسين وجولة الجسور وكشف أمر شطوط النيل فاقتضى الحال أن يعمل جسرًا فيما بين بولاق وناحية أنبوبة من البرّ الغربي ليردّ قوّة التيار عن البرّ الشرقيّ إلى البرّ الغربيّ وعاد إلى القلعة فكتبت مراسيم إلى ولاة الأعمال بإحضار الرجال صحبة المشدّين واستدعى شادّ العمائر السلطانية وأمره بطلب الحجارين وقطع الحجر من الجبل وطلب رئيس البحر وشادّ الصناعة لإحضار المراكب فلم يمض سوى عشرة أيام حتى تكامل حضور الرجال مع الشادّين من الأقاليم وندب السلطان لهذا العمل الأمير أقبغا عبد الواحد والأمير برصبغا الحاجب فبرز لذلك وأحضر والي القاهرة ووالي مصر وأُمرا بجمع الناس وتسخير كل أحد للعمل فركبا وأخذا الحرافيش من الأماكن المعروفة بهم وقبضا على من وجد في الطرقات وفي المساجد والجوامع وتتبّعاهم في الأسحار ووقع الاهتمام الكبير في العمل من يوم الأحد عاشر ذي القعدة وكانت أيام القيظ فهلك فيه عدّة من الناس والأمير أقبغا في الحراقة يستحث الناس على إنجاز العمل والمراكب تحمل الحجر من الفص الكبير إلى موضع الجسر وفي كل قليل يركب السلطان من القلعة ويقف على العمل ويهين أقبغا ويسبه ويستحثه حتى تمّ العمل للنصف من ذي الحجة وكانت عدّة المراكب التي غرقت فيه وهي مشحونة بالحجارة اثني عشر مركبًا كل مركب منها تحمل ألف مركب سوى ما عمل فيه من آلات الخشب والسرياقات وحفر في الجزيرة خليج وطيء فلما جرى النيل في أيام الزيادة مرّ في ذلك الخليج ولم يتأثر الجسر من قوّة التيار وصارت قوّة جري النيل من ناحية أنبوبة بالبرّ الغربيّ ومن ناحية التكروريّ أيضًا فسرّ السلطان بذلك وأعجبه إعجابًا كثيرًا وكان هذا الجسر سبب انطراد الماء عن برج القاهرة حتى صار إلى ما صار إليه الآن‏.‏

 

 

الجسر فيما بين الجيزة والروضة‏:‏ كان السبب المقتضى لعمل هذا الجسر أن الملك الناصر لما عمل الجسر فيما بين بولاق وناحية أنبوبة وناحية التكروريّ انطرد ماء النيل عن برّ القاهرة وانكشفت أراض كثيرة وصار الماء يحاض من برّ مصر إلى المقياس وانكشف من قبالة منشأة اهرانيّ إلى جزيرة الفيل وإلى منية الشيرج وصار الناس يجدون مشقّة لبعد الماء عن القاهرة وغلت روايا الماء حتى بيعت كلّ رواية بدرهمين بعدما كانت بنصف وربع درهم فشكا الناس ذلك إلى الأمير أرون العلائيّ والي السلطان الملك الكامل شعبان بن الملك الناصر محمد بن قلاون فطلب المهندسين ورئيس البحر وركب السلطان بأمرائه من القلعة إلى شاطيء النيل فلم يتهيأ عمل لما كان من اتبداء زيادة النيل إلاّ أنّ الرأي اقتضى نقل التراب والشقاف من مطابخ السكّر التي كانت بمصر وإلقاء ذلك بالروضة‏.‏

 

 

لعمل الجسر فنقل شيء عظيم من التراب في المراكب إلى الروضة وعُمل جسر من الجزيرة إلى نحو المقياس في طول نحو ثلثي ما بينهما من المسافة فعاد الماء إلى جهة مصر عودًا يسيرًا وعجزوا عن إيصال الجسر إلى المقياس لقلة التراب وقويت الزيادة حتى حلا الماء الجسر بأسره واتفق قتل الملك الكامل بعد ذلك وسلطنة أخيه الملك المظفر حاجي بن محمد بن قلاون أول جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وسبعمائة‏.‏

 

 

فلما دخلت سنة ثمان وأربعين وقف جماعة من الناس للسلطان في أمر البحر واستغاثوا من بعد الماء وانكشاف الأراضي من تحت البيوت وغلاء الماء في المدينة فأمر بالكشف عن ذلك فنزل المهندسون واتفقوا على إقامة جسر ليرجع الماء عن برّ الجيزة إلى برّ مصر والقاهرة وكتبوا تقدير ما يُصرف فيهمائة وعشرين ألف درهم فضة فأمر بجبايتها من أرباب الأملاك التي على شط النيل وأن يتولى القاضي ضياء الدين يوسف بن أبي بكر المحتسب جبايتها واستخراجها فقيست الدور وأخذ عن كل ذراع من أراضيها خمسة عشر درهمًا وتولى قياسها أيضًا المحتسب ووالي الصناعة فبلغ قياسها سبعة آلاف وستمائة ذراع وجبي نحو السبعين ألف درهم فاتفق عزل الضيّاء عن الحسبة ونظر المارستان المنصوريّ ونظر الجوالي وولاية ابن الأطروش مكانه ثم قتل الملك المظفر وولاية أخيه الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون سلطنة مصر بعده في شهر رمضان منها فلما كانت في سنة تسع وأربعين وسبعمائة وقع الاهتمام بعمل الجسر فنزل الأمير بلبغا أروس نائب السلطنة والأمير منجك الاستادار وكان قد عزل من الوزارة والأمير قيلاي الحاجب وجماعة من الأمراء ومعهم عدّة من المندسين إلى البحر في الحراريق والمراكب إلى برّ الجيزة وقاسوا ما بين برّ الجيزة والمقياس وكتب تقدير المصروف نحو المائة والخمسين ألف درهم وألف خشبة من الخشب وخمسمائة صار وألف حجر في طول ذراعين وعرض ذراعين وخمسة آلاف شنفة وغير ذلك من أشياء كثيرة‏.‏

 

 

فركب النائب والوزير والأمير شيخو والأمراء إلى الجيزة وأعادواالنظر في أمر الجسر ومعهم أرباب الخبرة فالتزم الأمير منجك بعمل الجسر وأن يتولى جباية المصروف عليه من سائر الأمراء والأجناد والكتاب وأرباب الأملاك بحيث أن لا يبقى أحد حتى يؤخذ منه فرسم لكتاب الجيش بكتابة أسماء الجند وقرّر على كلّ مائة دينار من الإقطاعات درهم واحد وعلى كلّ أمير من خمسة آلاف درهم إلى أربعة آلاف درم وعلى كلّ كاتب أمير ألف مائتا درهم وكاتب أمير الطبلخانات مائة درهم وعلى كلّ حانوت من حوانيت التجار درهم وعلى كلّ دار درهمان وعلى كلّ بستان الفدّان من عشرين درهمًا إلى عشرة دراهم وعلى كلّ طاحون خمسة دراهم‏.‏

 

 

عن الحجر وعلى كلّ صهريج في تربة بالقرافة أو في ظاهر القاهرة أو في مدرسة من عشرة دراهم إلى خمسة دراهم وعلى كل تربة من ثلاثة دراهم إلى درهمين وعلى أصحاب المقاعد والمتعيشين في الطرقات شيء وكشفت البستاين والدور التي استجدّت من بولاق إلى منية الشيرج والتي استجدّت في الحكورة والتي استجدّت على الخليج الناصريّ وعلى بركة الحاجب وفي حكر أخي صاروجا وقيست أراضيها كلها وأخذ عنكلّ ذراع منها خمسة عشر درهمًا وأخذ عن كلّ قمين من أقمنة الطوب شيء وعن كلّ فاخورة من الفواخير شيء وفرض على كلّ وقف بالقاهرة ومصر والفرافتين من الجوامع والمساجد والخوانك والزوايا والربط شيء وكتب إلى ولاة الأعمال بالجباية من ديورة النصارى وكنائسهم مائتي درهم إلى مائة درهم وقرّر على الفنادق والخانات التي بالقاهرة ومصر شيء وقرّر على ضامنة الأغاني مبلغ خمسين ألف درهم وأقيم لكل جهة شادّ وصيرفي وكتّاب وغير ذلك من المستحثين من الأعوان فنزل من ذلك بالناس بلاء كبير وشدّة عظيمة فإنه أخذ حتى من الشيخ والعجوز والأرملة وجبى الماء منهم بالعسف وأبطل كثير منهم سببه لسعيه في الغرامة ودهي الناس مع الغرامة يتسلط الظلمة من العرفاء والضمان والرسل فكثر كلام الناس في الوزير حتى صاروا يلهجون بقولهم هذه سخطة مرصص نزلت من السماء على أهل مصر وقاسوا شدّة أخرى في تحصيل الأصناف التي يحتاج إليها ونزل الوزير منجك وضرب له خيمة على جانب الروضة ونادى في الحرافيش والفعلة من أراد العمل يحضر ويأخذ أجرته درهمًا ونصفًا وثلاثة أرغفة فاجتمع إليه عالم كثير وجعل لهم شيئًا يستظلون به من حرّ الشمس وأحسن إليهم ورتب عدّة مراكب لنقل الحجر وأقام عدة من الحجارين في الجبل لقطع الحجر وجمالًا وحميرًا تنقلها من الجبل إلى البحر ثم تحمل من البرّ في المراكب إلى برّ الجيزة وابتدأ بعمل الجسر من الروضة إلى سقاية علم الدين زنبور وعارضه بجسر آخر من بستان التاج إسحاق إلى ساقية ابن زنبور وأقام أخشابًا من الجهتين وردم بينهما بالتراب والحجر والحلفاء ورتب الجمال السلطانية لقطع الطين من برّ الروضة وحمله إلى وسط الجسر وأمر أن لا يبقى بالقاهرة ومصر صانع إلا حضر العمل وألزم من كان بالقرب من دار كوم تراب أن ينقله إلى الجسر فغرم كل واحد من الناس في نقل التراب من ألف درهم درهم إلى خمسمائة درهم وكان كلّ ما ينقل في المراكب من الحجر وغيره يرمى في وسط جسر المقياس وتحمله الجمال إلى الجسر ثم اقتضى الرأي حفر خليج يجري الماء فيه عند زيادة النيل لتضعف قوّة التيار عن الجسر فأحضرت الأبقار والجراريف والرجال لأجل ذلك واتبدؤوا حفره من رأس موردة الحلفاء تحت الدور إلى بولاق وكانت الزيادة قد قرب أوانها فما انتهى الحفر حتى زاد ماء النيل وجرى فيه فسرّ الناس به سرورًا كبيرًا وانتهى مر الجسر في أربعة أشهر‏.‏

 

 

إلا أنّ الشناعة قويت على الوزير وبلّغ الأمراء النائب ما يقال عن منجك من كثرة جباية الأموال فحدّثه في ذلك ومنعه فاعتذبر بأنه لم يسخر أحدًا ولا استعمل الناس إلاّ بالأجرة وأن في هذا العمل للناس عدّة منافع وما عليّ من قول أصحاب الأغراض الفاسدة ونحو ذلك وتمادى على ما هو عليه فلما جرى الماء في الخليج الذي حفر تحت البيوت من موردة الحلفاء إلى بولاق مرّت فيه المراكب بالناس للفرجة واحتاج منجك إلى نقل خيمته من برّ الروضة إلى برّ الجيزة وأحضر المراكب الكبار وملأها بالحجارة وغرّق منها عشر مراكب في البحر وردم التراب عليها إلى أن كمل نحو ثلث العمل فقويت زيادة الماء وبطل العمل‏.‏

 

 

فلما كثرت الزيادة جمع منجك الحرافيش والأسرى وردم على الجسر التراب وقوّاه فتحامل الماء عن البرّ الغربيّ إلى البرّ الشرقيّ ومرّ من تحت الميدان السلطانيّ وزريبة قوصون إلى بولاق فصار معظمه من هذه المواضع وحصل الغرض بكون الماء بالقرب من القاهرة وانتهى طول جسر منجك إلى مائتين وتسعين قصبة في عرض ثمان قصبات وارتفاع أربع قصبات والجسر الذي من الروضة إلى المقياس طوله مائتان وثلاثون قصبة وعدّة ما رمي في هذا العمل من المراكب المشحونة بالحجر اثنا عشر ألف مركب سوى التراب‏.‏

 

 

وغير ذلك وكان ابتداء العمل في مستهل المحرّم وانتهاؤه في سلخ ربيع الآخر ولم تنحصر الأموال التي جبيت بسببه فإنه لم يبق بالقاهرة ومصر دار ولا فندق ولا حمّام ولا طاحون ولا وقف جامع أو مدرسة أو مسجد أو زاوية ولا رزقة ولا كنيسة إلاّ وجبيّ منه فكان الرجل الواحد يغرم العشرة دراهم ومن خصه درهمان يحتاج إلى غرامة أمثالهما وأضعافهما وناهيك بمال يُجبى من الديار المصرية على هذا الحكم كثرة وقد بقيت من جسر منجك هذا بقية هي معروفة اليوم في طرف الجزيرة الوسطى‏.‏

 

 

جسر الخليلي‏:‏ هذا الجسر فيما بين الروضة من طرفها البحريّ وبين جزيرة أروى المعروفة بالجزيرة الوسطى تجاه الخور وكان سبب عمله أن النيل لما قوي رمى تياره على برّ القاهرة في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون وقام في عمل الجسر ليصير رمي التيار من جهة البرّ الغرّ كما تقدّم ذكره انطرد الماء عن برّ القاهرة وانكشف ما تحت الدور من منشأة المهرانيّ إلى منية الشيرج وعمل منجك الجسر الذي مرّ ذكره ليعود الماء في طول السنة إلى برّ القاهرة فلم يتهيأ كما كان أولًا وجرى في الخليج الذي احتفره تحت الدور من موردة الحلفاء بمصر إلى بولاق وصار تجاه هذا الخليج جزيرة والماء لا يزال ينطرد في كل سنة عن برّ القاهرة إلى أن استبدّ بتدبير مصر الأمير الكبير برقوق‏.‏

 

 

فلما دخلت سنة أربع وثمانين وسبعمائة قصد الأمير جهاركس الخليليّ عمل جسر ليعود الماء إلى برّ القاهرة ويصير في طول السنة هناك ويكثر النفع به فيرخص الماء المحمول في الروايا ويقرب مرسى المراكب من البلد وغير ذلك من وجوه النفع فشرع في العمل أوّل شهر ربيع الأوّل وأقام الخوازيق من خشب السنط طول كلّ خازوق منها ثمانية أذرع وجعلها صفين في طول ثلاثمائة قصبة وعرض عشر قصبات وسمر فيها أفلاق النخل الممتدّة وألقى بين الخوازيق ترابًا كثيرًا وانتصب هناك بنفسه ومماليكه ولميجب من أحد مالًا البتة فانتهى عمله في أُخريات شهر ربيع الآخر وحفر في وسط البحر خليجًا من الجسر إلى زريبة قوصون وقال شعراء العصر في ذلك شعرًا كثيرًا منهم عيسى بن حجاج‏:‏ جسرُ الخليليّ المقرّ لقد رسا كالطودِ وسط النيلِ كيف يُريدُ وقال الأديب شهاب الدين أحمد بن العطار‏:‏ شكتِ النيلُ أرضه للخليلي فأحصرهْ ورأى اَ خائفًا أنْ يطاها فجَسرَهْ وقال‏:‏ رأى الخليليُّ قلبَ الماءِ حين طغى بنى على قلبِهِ جسرًا وحيَّرَهُ رأى ترمُّلَ أرضيهِ ووحدَتَها والنيلُ قد خافَ يغشاها فجسَّرَهُ ومع ذلك ما ازداد الماء إلاّ انطرادًا عن برّ القاهرة ومصر حتى لقد انكشف بعد عمل هذا الجسر شيكثير من الأراضي التي كانت عامرة بماء النيل وبَعُدض النيل عن القاهرةُ بُعدًا لم يُعهد في الإسلام مثله قط‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 جسر شيبين

 

 

 

‏:‏ أنشأه الملك الناصر محمدبن قلاون في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة بسبب أنّ أقليم الشرقية كانت له سدود كلها موقوفة على فتح بحر أبي المنجا وفي بعض السنين تشرّق ناحية شيبين وناحية مرصفا وغير ذلك من النواحي التي أراضيها عالية فشكا الأمير بشتاك من تشريق بعض بلا التي في تلك النواحي فركب السلطان من قلعة الجبل ومعه المهندسون وخوله البلاد وكانت له معرفة بأمور العمائر وحدسٌ جيد ونظر سعيد ورأي مصيب فسار لكشف تلك النواحي حتى اتفق الرأي على عمل الجسر من عند شيبين القصر إلى بنها العسل فوقع الشروع في عمله وجمع له من رجال البلاد اثني عشر ألف رجل ومائتي قطعة جرّافة وأقام فيه القناطر فصار محبسًا لتلك البلاد وإذا فتح بحر أبي المنجا امتلأت الاملاق بالماء وأسند على هذا الجسر وفي أوّل سنة عمر هذا الجسر أبطل فتح بحر أبي المنجا تلك السنة فتح من جسر شيبين هذا وحصل هذا الجسر نفع كبير لبلاد العلو واستبحر منه عدّة بلاد وطيئة والعمل على هذا الجسر إلى يومنا هذا‏.‏

 

 

والله أعلم‏.‏

 

 

 جسرا مصر والجيزة‏:‏ اعلم أن الماء في القديم كان محيطًا بجزيرة مصر التي تعرف اليوم بالروضة طول السنة وكان فيما بين ساحل مصر وبين الروضة جسر من خشب وكذلك فيما بين الروضة وبرّ الجيزة جسر من خشب يمرّ عليهما الناس والدواب من مصر إلى الروضة ومن الروضة إلى الجة وكان هذان الجسران من مراكب مصطفة بعضها بحذاء بعض وهي موثقة ومن فوق المراكب أخشاب ممتدّة فوقها تراب وكان عرض الجسر ثلاث قصبات‏.‏

 

 

قال القضاعيّ‏:‏ وأما الجسر فقال بعضهم رأيت في كتاب ذكر أنه خط أبي عبد الله بن فضالة صفة الجسر وتعطيله وإزالته وأنه لم يزل قائمًا إلى أن قد المأمون مصر وكان غريبًا ثم أحدث المأمون هذا الجسر الموجود اليوم الذي تمرّ عليه المارّة وترجع من الجسر القديم فبعد أخرج المأمون عن البلد أتت ريح عاصفة فقطعت الجسر الغربيّ فصدمت سفنه الجسر المحدث فذهبا جميعًا فبطل الجسر القديم وأثبت الجديد ومعالم الجسر القديم معروفة إلى هذه الغاية‏.‏

 

 

وقال ابن زولاق في كتاب إتمام أمراء مصر‏:‏ ولعشر خلون من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة سارت العساكر لقتل القائد جوهر ونزلوا الجزيرة بالرجال والسلاح والعدّة وضبطوا الجسرين وذكر ما كان منهم إلى أن قال في عبور جوهر‏:‏ أقبلت العساكر فعبرت الجسر أفواجًا أفا وأقبل جوهر في فرسانه إلى المناخ موضع القاهرة‏.‏

 

 

وقال في كتاب سيرة المعز لدين الله‏:‏ وفي مستهلّ رجب سنة أربع وستين وثلاثمائة صلح جسر الفسطاط ومنع الناس من ركوبه وكان قد أقام سنين معطلًا‏

 

 

وقال ابن سعيد في كتاب المغرب‏:‏ وذكر ابن حوقل الجسر الذي يكون ممتدًّا من الفسطاط إلى الجزيرة وهو غير طويل ومن الجانب الآخر إلى البرّ الغربيّ المعروف ببرّ الجيزة جسر آخر من الجزيرة إليه وأكثر جواز الناس بأنفسهم ودوابهم في المراكب لأنّ هذين الجسرين قد احتر بحصولهما في حيز قلعة السلطان ولا يجوز أحد على الجسر الذي بين الفسطاط والجزيرة راكبًا احترامًا لموضع السلطان يعني الملك الصالح نجم الدين أيوب وكان رأس هذا الجسر الذي ذكره ابن سعيد حيث المدرسة الخرّوبية من إنشاء البدر أحمد بن محمد الخرّوبيّ التاجر على ساحل مصر قبليّ خط دار النحاس وما برح هذا الجسر إلى أن خرّب الملك المعز ايبك التركمانيّ قلعة الروضة بعد سنة ثمان وأربعين وستمائة فأهمل‏.‏

 

 

ثم عمره الملك الظاهر ركن الدين بيبرس على المراكب وعمله من ساحل مصر إلى الروضة ومن الروضة إلى الجيزة لأجل عبور العسكر عليه لما بلغه حركة الفرنج فعمل ذلك‏.‏

 

 

الجسر من قليوب إلى دمياط‏:‏ هذا الجسر أنشأه السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس المنصوريّ المعروف بالجاشنكير في أخريات سنة ثمان وسبعمائة وكان من خبره‏:‏ أنه ورد القصاد بموافقة صاحب قبرس عدّة من ملوك الفرنج على غزو دمياط وأنهم أخذوا ستين قطعة فاجتمع الء واتفقوا على إنشاء جسر من القاهرة إلى دمياط خوفًا من حركة الفرنج في أيام النيل فيتعذر الوصول إلى دمياط وعين لعمل ذلك الأمير أقوش الورميّ الحساميّ وكتب الأمراء إلى بلادهم بخروج الرجال والأبقار ورسم للولاة بمساعدة أقوش وأن يخرج كلّ وال إلى العمل برجال عمله وأبقارهم فما وصل أقوش إلى ناحية فارسكور حتى وجد ولاة الأعمال قد حضروا بالرجال والأبقار فرتب الأمور‏.‏

 

 

فعمل فيه ثلاثمائة جرّافة بستمائة رأس بقر وثلاثين ألف رجل وأقام أقوش الحرمة وكان عبوسًا قليل الكلام مهابًا إلى الغاية فجدّ الناس في العمل لكثرة من ضربه بالمقارع أو خزم أنفه أو قطع أذنه أو أخرق به إلى أن فرغ في نحو شهر واحد فجاء من قليوب إلى دمياط مسافة يومين في عرض أربع قصبات من أعلاه وست قصبات من أسفله ومشى عليه ستة رؤوس من الخيل صفًا واحدًا فعمّ النفع به وسلك عليه المسافرون بعدما كان يتعذر السلوك أيام النيل لعموم الماء الأراضي‏.‏

 

 

والله تعالى أعلم‏.‏

 

 

قد وجد بخط المصنف رحمه الله في أصله هنا ما صورته أمراء الغرب ببيروت بيت حشمة ومكارم ومقامهم بجبال الغرب من بلاد بيروت ولهم خدم على الناس وتفضيل وهم ينسبون إلى الحسين بن إسحاق بن محمد التنوخيّ الذي مدحه أبو الطيب المتنبي بقوله‏:‏ سدوا بابن إسحاق الحسينِ ففحت وقاربها كيزانها والنمَّارق ثم كان كرامة بن بجير بن عليّ بن إبراهيم بن الحسين بن إسحاق بن محمد بالتنوخيّ فهاجر إلى الملك العادل نور الدين الشهيد محمود بن زنكي فأقطعه الغرب وما معه بأمرته فسمِّيَ أمير الغرب وكان منشوره بخط العماد الأصفهانيّ الكاتب فتحضر الأمير كرامة بعد البداوة وسكن حصر بلجمور من نواحي إقطاعه ويعلو على تل أعمال بغير بناء ثم أنشأ أولاده هناك حصنًا وما زالوا به وكان كرامة ثقيلًا على صاحب بيروت وذلك أيام الفرنج فأراد أخذه مرارًا فلم يجد إليه سبيلًا فأخذ في الحيلة عليه وهادن أولاده وسألهم حتى نزلوا إلى الساحل وألفوا الصيد بالطير وغيره فراسلهم حتى صار يصطاد معهم وأكرمهم وحباهم وكساهم وما زال يستدرجهم مرّ بعد مرّة ثم أخرج ابنه معه وهو شاب وقال‏:‏ قد عزمت على زواجه ثم دعا ملوك الساحل وأولاد كرامة الثلاثة فأتوه وتأخر أصغر أولاد كرامة مع أمّه بالن في عدّة قليلة فامتلأ الساحل بالشواني والمدينة بالفرنج وتلقوهم بالشمع والأغاني فلما صاروا في القلعة وجلسوا مع الملوك غدر بهم وأمسكهم وأمسك غلمانهم وغرّقهم وركب بجموعه ليلًا إلى الحصن فأجفل الفلاحون والحريم والصبيان إلى الجبال والشعر والكوف وبلغ من بالحصن أن أولاد كرامة الثلاثة قد غرقوا ففتحوه وخرجت أمّهم ومعها ابنها حجي بن كرامة وعمره سبع سنين ولم يبق من بينهم سواه فأدرك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وتوجه إليه لما فتح صيدا وبيروت وباس رجله في ركابه فلمس بيده رأسه وقال له‏:‏ أخذنا نارك طيّب قلبك أنت مك أبيك‏.‏

 

 

وأمر له بكتابة أملاك أبيه بستين فارسًا‏.‏

 

 

فلما كانت أيام المنصور قلاون ذكر أولاد تغب بن مسعر الشجاعيّ أن بيد الخليقة أملًا كاعظيمة بغير استحقاق ومن جملتهم أمراء الغرب فحملوا إلى مصرن ورسم السلطان باقطاع أملاك الجبلية مع بلاد طرابلس لأمرائها وجندها فاقطعت لعشرين فارسًا من طرابلسن فلما كانت أيام الأشرف خليل بن قلاون قدموا مصر وسألوا أن يخدموا على أملاكهم بالعدّة فرسم لهم وأن يزيدوها عشرة أرماح فلما كان الروك الناصريّ ونيابة الأمير تنكر بالشام وولاية علاء الدين بن سعيد كشف تلك الجهات رسم السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون أن يستمرّ عليها بستين فارسًا فاستمرّت على ذلك‏.‏

 

 

ثم كان منهم الأمير ناصر الدين الحسين بن خضر بن محمد بن حجي بن كرامة بن بجير بن عليّ المعروف بابن أمير الغرب فكثرت مكارمه وإحسانه وخدمته كلّ من يتوجه إلى تلك الناحية وكانت إقامته بقرية أعبية بالجبل وله دار حسنة في بيروت واتصلت خدمته إلى كل غاد ورائح وباد الأكابر والأعيان مع رياسة كبيرة ومعرفة عدّة صنائع يتقنها وكتابة جيدة وترسل عدّة قصائد ومولده في محرّم سنة ثمان وستين وستمائة وتوفي للنصف من شوال سنة إحدى وخمسين وسبعمائة انتهى‏.‏

 

 

ووجد بخطه أيضًا من أخبار اليمن ما مثاله‏:‏ كان ابتداء دولة بني زياد أن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن زياد سلمه المأمون مع عدّة من بني أمية إلى الفضل بن سهل بن ذي الرياستين فورد على المأمون اختلال اليمن فثنى الفضل على محمد هذا فبعثه المأمون أميرًا على الن فحج ومضى إلى اليمن ونتج بها من بعد محاربته العرب وملك اليمن وبنى مدينة زبيد في سنة ثلاث ومائتين وبعث مولاه جعفرًا بهدية جليلة إلى المأمون في سنة خمس وعاد إليه في سنة ست ومعه من جهة المأمون ألفا فارس فقوي ابن زياد وملك جميع اليمن وقلد جعفر الجبال وبنى بها مدينة الدمجرة فطهرت كفاءة جعفر لكثرة دهائه فقتله ابن زياد ثم مات محمد بن زياد فملك بعده ابنه إبراهيم ثم ملك بعده ابنه أبو الجيش إسحاق بن إبراهيم وطالت مدّته ومات سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وترك طفلًا اسمه زياد فأقيم بعده وكفلته أخته هند ابنة إسحاق وتولى معها رشد عبد أبي الجيش حتى مات فولى بعد رشد عبده حسين بن سلامة وكان عفيفًا فوزر لهند ولأخيها حتى ماتا ثم انتقل المُلك إلى طفل من آل زياد وقام بأمره عمته وعبد الحسين بن سلامة اسمه مرجان وكان لمرجان عبدان قد تغلبا على أمره يقال لأحدهما قس وللآخر نجاح فتنافسا على الوزارة وكان قيس عسوفًا ونجاح رقيقًا وكان مرجان سيدهما يميل إلى قيس وعمة الطفل تميل إلى نجاح فشكا قيس ذلك إلى مرجان فقبض على الملك الطفل إبراهيم وعلى عمته تملك فبنى قيس عليهما جدارًا فكان إبراهيم آخر ملوك اليمن من آل زياد وكان القبض عليه وعلى عمته سنة سبع وأربعمائة فكانت مدّة بني زياد مائتي سنة وأربعًا وستين سنة فعظم قتل إبراهيم وعمته تملك على نجاح وجمع الناس وحارب قيسًا بزبيد حتى قتل قيس وملك نجاح المدينة في ذي القعدة سنة اثنتي عشرة وقال لسيده مرجان‏:‏ ما فعلت بمواليك وموالينا فقال‏:‏ هم في ذلك الجدأخرجهما وصلى عليهما ودفنهما وبنى عليهما مسجدًا وجعل سيده مرجان موضعهما في الجدار ووضع معه جثة قيس وبنى عليهما الجدار واستبدّ نجاح بمملكة اليمن وركب بالمظلة وضربت السكة باسمه ونجاح مولى مرجان ومرجان مولى حسين بن سلامة وحسين مولى رشد ورشد مولى بني زياد ولم يزل نجاح ملكًا حتى مات سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة سمته جارية أهداها إليه الصليحيّ وترك من الأولاد عدّة‏.‏

 

 

فملك منهم سعيد الأحوال وإخوته عدّة سنين حتى استولى عليهم الصليحيّ فهربوا إلى دهلك ثم قدم منهم جياش بن نجاح إلى زبيد متنكرًا وأخذ منها وديعة وعاد إلى دهلك فقدمها أخوه سعيد الأحوق بعد ذلك واختفى بها واستدعى أخاه جياشًا وسارا في سبعين رجلًا يوم التاسع من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وقصدوا الصليحيّ وقد سار إلى الحج فوافوه عند بئر أمّ معبد وقتله في ثاني عشري ذي القعدة المذكور وقتل معه ابنه عبد الله واحتز سعيد رأسيهما واحتاط على امرأته أسماء بنت شهاب وعاد إلى زبيد ومعه أخوه جياش والرأسان بين أيديهما على هودج أسماء وملك اليمن فجمع المكرم ابن أسماء في سنة خمس وسبعين وسار من الجبال إلى زبيد وقاتل سعيدًا ففرّ سعيد وملك المكرم واسمه أحمد وأنزل رأس الصليحيّ وأخيه ودفنهما وولي زبيد خاله أسعد بن شهاب وماتت أسماء أمّه بعد ذلك في صنعاء سنة سبع وسبعين‏.‏

 

 

ثم عاد ابنا نجاح إلى زبيد وملكاها في سنة تسع وسبعين ففرّ اسعد بن شهاب ثم غلبهما أحمد المكرم بن عليّ الصليحيّ وقتل سعيد بن نجاح في سنة إحدى وثمانين وفرّ أخوه جياش إلى الهند ثم عاد وملك زبيد في سنة إحدى وثمانين المذكورة فولدت له جاريته الهندية ابنه الفاتك بن جياش وبقي المكرم في الجبال يغير على بلاد جياش وجياش يملك تهامة حتى مات آخر سنة ثمان وتسعين فملك بعده ابنه فاتك وخالف عليه أخوه إبراهيم ومات فاتك سنة ثلاث وخمسمائة فملك بعده أبنه منصور بن فاتك وهو صغير فثار عليه عمه إبراهيم فلم يظفر وثار بزبيد عبد الواحد بن جياش وملكها فسار إليه عبد فاتك واستعادها ثم مات منصور وملك بعده ابنه فاتك بن منصور ثم ملك بعده ابن عمه فاتك بن محمد بن فاتك بن جياش في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة حتى قتل سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة وهو آخر ملوك بني نجاح فتغلب على اليمن عليّ بن مهديّ في سنة أربع وخمسين‏.‏

 

 

وأما الصليحيّ‏:‏ فإنه عليّ بن القاضي محمد بن علي كان أبوه في طاعته أربعون ألفًا فأخذ ابنه التشيع عن عامر بن عبد الله الرواحيّ أحد دعاة المستضيء وصحبه حتى مات وقد أسند إليه أمر الدعوة فقام بها وصار دليلًا لحاج اليمن عدّة سنين ثم ترك الدلالة في سنة تسع وعشن وأربعمائة وصعد رأس جبل مسار في ستين رجلًا وجمع حتى ملك اليمن في سنة خمس وخمسين وأقام على زبيد أسعد بن شهاب بن عليّ الصليحيّ وهو أخو زوجته وابن عمه ثم أنه حج فقتله بنو نجاح في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين واستقرّت التهائم لبني نجاح واستقرّت صنعاء لأحمد بن عليّ الصليحيّ المقتول وتلقب بالملك المكرم‏.‏

 

 

ثم جمع وقصد سعيد بن نجاح بزبيد وقاتله وهزمه إلى دهلك وملك زبيد في سنة خمس وسبعين فعاد سعيد وملك زبيد في سنة تسع وسبعين فأتاه المكرم فقتله في سنة إحدى وثمانين فملك جياش أخو سعيد ومات المكرم بصنعاء سنة أربعة وثمانين فملك بعده أبو حمير سبأ بن أحمد المظفر بن عليّ الصليحيّ في سنة أربع وثمانين حتى مات سنة خمس وتسعين وهو آخر الصليحيين فملك بعده عليّ بن إبراهيم بن نجيب الدولة فقدم من مصر إلى جبال اليمن في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة وقام بأمر الدعوة والمملكة التي كانت بيد سبأ ثم قبض عليه بأمر الخليفة الآمر بأحكام الله الفاطميّ بعد سنة عشرين وخمسمائة وانتقل الملك والدعوة إلى الزريع بن عباس بن المكرم وآل الزريع من آل عدن وهم من حمدان ثم من جشم وبنوا المكرم يُعرفون بآل الذنب‏.‏

 

 

وكانت عدن للزريع بن عباس وأحمد بن مسعود بن المكرم فقتلا على زبيد وولي بعدهما ولداهما أبو السعود بن زريع وأبو الغارات بن مسعود ثم استولى على الملك والدعوة سبأ بن أبي السعود بن زريع حتى مات سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة فولي بعده ولده الأعز عليّ بن سبأ وكان مقامه بالرمادة فمات بالسل وملك أخوه المعظم محمد في سنة ثمان وثلاثين‏.‏

 

 

وولي من الصليحيين أيضًا المملكة السيدة سنة بنت أحمد بن جعفر بن موسى الصليحيّ زوجة أحمد المكرم ولقبت بالحرّز ومولدها سنة أربعين وأربعمائة وربتها أسماء بنت شهاب وتزوّجها الملك المكرم أحمد بن أسماء وهو ابن علي الصليحيّ سنة إحدى وستين وولاه الأمر فيحياته فقامت بتدبير المملكة والحروب وأقبل زوجها على لذاته حتى مات وتولى ابن عمه سبأ فاستمرّت في الملك حتى مات سبأ وتولى ابن نجيب الدولة حتى ماتت سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة وشاركه في الملك المفضل أبو البركات بن الوليد الحميريّ وكان يحكم بين يدي الملكة الحرّة وهي وراء الحجاب ومات المفضل في رمضان سنة أربع وثلاثين وخمسمائة وملك بلاده ابنه الملك المنصور ومنصور بن المفضل حتى ابتاع منه محمد بن سبأ بن أبي السعود معاقل الصليحيين وعدّتها ثمانية وعشرون حصنًا بمائة ألف دينار في سنة سبع وأربعين وخمسمائة وبقي المنصور بعد حتى مات بعدما ملك نحو ثمانين سنة‏.‏

 

 

وأما عليّ بن مهديّ‏:‏ فإنه حميريٌّ من سواحل زبيد كان أبوه مهديّ رجلًا صالحًا ونشأ ابنه على طريقة حسنة وحج ووعظ وكان فصيحًا حسن الصوت عالمًا بالتفسير وغيره يتحدّث بالمغيبات فتكون كما يقول وله عدّة أتباع كثيرة وجموع عديدة ثم قصد الجبال وأقام بها إلى سنة إح وأربعين وخمسمائة ثم عاد إلى أملاكه ووعظ ثم عاد إلى الجبال ودعا إلى نفسه فأجابه بطن من خولان فسماهم الأنصاري وسُمّي من صعد معه من تهامة المهاجرين وولّى على خولان سبأ وعلى المهاجرين رجلًا آخر وسمّي كلًا منهما شيخ الإسلام وجعلهما نقيبين على طائفتيهما فلا يخاطبه أحد غيرهما وهما يوصلانا كلامه إلى من تحت أيديهما وأخذ يغادي الغارات ويراوحها على التهائم حتى أجلى البوادي ثم حاصر زبيد حتى قتل فاتك بن محمد آخر ملوك بني نجاح فحارب ابن مهديّ عبد فاتك حتى غلبهم وملك زبيد يوم الجمعة رابع عشر رجب سنة أربع وخمسين وخمسمائة فبقي على الملك شهرين وأحدًا وعشرين يومًا ومات‏.‏

 

 

فملك بعده ابنه مهديّ ثم عبد الغنيّ بن مهديّ وخرجت المملكة عن عبد الغنيّ إلى أخيه عبد الله ثم عادت إلى عبد الغنيّ واستقرّ حتى سار إليه توران شاه بن أيوب من مصر في سنة تسع وستين وخمسمائة وفتح اليمن وأسر عبد الغنيّ وهو آخر ملوك بني مهديّ يكفر بالمعاصي ويقتل من يخالف إعتقاده ويستبيح وطء نسائهم واسترقاق أولادهم وكان حنفي الفروع ولأصحابه فيه غلوّ زائد ومن مذهبه قتل من شرب الخمر ومن سمع الغناء‏.‏

 

 

ثم ملك توران شاه بن أيوب عدن من ياسر وملك بلاد اليمن كلها واستقرّت في ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وعاد شمس الدولة توازن شاه بن أيوب إلى مصر في شعبان سنة ست وسبعين واستخلف على عدم عز الدين عثمان بن الزنجيلي وعلى زبيد حطان بن كليل بن منقد الكافي فمات شمس الدولة بالإسكندرية فاختلف نوّابه فبعث السلطان صلاح الدين يوسف جيشًا فاستولى على اليمن ثم بعث في سنة ثمان وسبعين أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طفتكين بن أيوب فقدم إليها وقبض على حطان بن كليل بن منقد وأخذ أمواله وفيها سبعون غلاف زردية مملوءة ذهبًا عينًا وسجنه فكان آخر العهد به ونجا عثمان بن الزنجيليّ بأمواله إلى الشام فظفر بها سيف الإسلام وصفت له مملكة اليمن حتى مات بها في شوال سنة ثلاث وتسعين‏.‏

 

 

فأقيم بعده ابنه الملك المعز اسماعيل بن طفتكين بن أيوب فجعظ وادّعى أنه أمويّ وخطب لنفسه بالخلافة وعمل طول كمه عشرين ذراعًا فثار عليه مماليكه وقتلوه في سنة تسع وتسعين وأقاموا بعده أخاه الناصر ومات بعد أربع سنين فقام من بعده زوج أمّه غازي بن حزيل أحد الأمراء فقتله جماعة من العرب وبقي اليمن بغير سلطان فتغلبت أمّ الناصر على زبيد فقدم سليمان بن سعد الدين شاهنشاه بن أيوب إلى اليمن فعبر يحمل ركوته على كتفه فملكته أم الناصر البلاد وتزوّجت به فاشتدّ ظلمه وعتوّه إلى أن قدم الملك المسعود أقسيس بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب من مصر في سنة اثنتي عشرة وستمائة فقبض عليه وحمله إلى مصر فأجرى له الكامل ما يقوم بهّ من مصر في سنة اثنتي عشرة وستمائة فقبض عليه وحمله إلى مصر فأجرى له الكامل ما يقوم به إلى أن استشهد على المنصورة سنة سبع وأربعين وستمائة وأقام المسعود باليمن وحج ملك مكة أيضًا في شهر ربيع الأوّل سنة عشرين وستمائة وعاد إلى اليمن ثم خرج عنها واستخلف عليها استاداره عليّ بن رسول فمات بمكة سنة ست وعشرين فقام عليّ بن رسول على ملك اليمن حتى مات في سنة تسع وعشرين واستقرّ عوضه ابنه عمر بن عليّ بن رسول وتلقب بالمنصور حتى قتل سنة ثمان وأربعين واستقرّ بعده ابنه المظفر يوسف بن عمر بن عليّ بن رسول وصفًا له اليمن وطالت أيامه انتهى ما ذكره المصنف بخطه في تاريخه عفا الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مقرّة ومثواه‏.‏

 

 

ووجد بخطه أيضًا ما مثاله‏:‏ السلطان محمد بن طغلق شاه وطغلق يلقب غياث الدين وهو مملوك السلطان علاء الدين محمود بن شهاب الدين مسعود ملك الهند مقرّ ملكه مدينة دهلي وجميع البلاد برًّا وبحرًا بيده إلاّ الجزائر المغلغلة في البحر وأما الساحل فلم يبق منه قيد شبرلا وهو بيده وأوّل ما فتح مملكة تكنك عدّة قراها مائة ألف قرية وتسعمائة قرية فتح بلاد حاجنكيز وبها سبعون مدينة جليلة كلها بنادر على البحر فتح بلاد لنكوتي وهي كرسيّ تسعة ملوك ثم فتح بلا دواكير وبها أربع وثمانون قلعة كلها جليلات المقدار وبها ألف ألف قرية ومائتا ألف قرية ثم فتح بلاد ورسمند وكان بها ستة ملوك ثم فتح بلاد المعبر وهم أقليم جليل له سبعون مدينة بنادر على البحر وجملة ما بيده ثلاثة وعشرون إقليمًا وهي‏:‏ أقليم دهلي وأقليم الدواكير وإقليم الملثان وإقليم كهران وإقليم سامان وإقليم سوستان وإقليم وجا وإقليماسي وإقليم سرسيني وإقليم المعبر وإقليم تكنك كحرات وإقليم بدوان وإقليم عوض وإقليم التيوج وإقليم لنكوتي وإقليم بهار وإقليم كره وإقليم ملاوه وإقليم بهادر وإقليم كلافور وإقليم حاجنكيز وإقليم ورسمند‏.‏

 

 

وهذه الأقاليم تشتمل على ألف مدينة ومائتي مدينة دهلي دور عمراها أربعون ميلا وجملة ما يُطلق عليه اسم دهلي إحدى وعشرون مدينة وفي دهلي ألف مدرسة كلها للحنفية إلاّ واحدة فإنها للشافعية ونحو سبعين مارستان وفي بلادها من الخوانك والربط نحو ألفين وبها جامع ارتفاع مئذنته ستمائة ذراع في الهواء وللسلطان خدمة مرّتين في كلّ يوم بكرة وبعد العصر ورتب الأمراء على هذه الأنواع أعلاهم قدرا الخانات ثم الملوك ثم الأمراء ثم الأسفهسلارية ثم اجلند وفي خدمته ثمانون خانًا وعسكره تسعمائة ألف فارس وله ثلاثة آلاف فيل تلبس في الحروب البرك اصطونات الحديد المذهب وتلبس في أيام السلم جلال الديباج وأنواع الحرير وتزين بالقصور والأسرّة المصفحة ويشدّ عليها بروج الخشب يركب فيها الرجال للحرب فيكون على الفيل من عشرة رجال إلى ستة وله عشرون ألف مملوك أتراك وعشرة آلاف خادم خصيّ وألف خازندار وألف مشبقدار ومائتا ألف عبد ركابية تلبس السلاح وتمشي بركابه وتقاتل رجالة بين يديه والاسفهسلارية لا يؤهل منهم أحد لقرب السلطان وإنما يكون منهم نوع الولاة والخان يكون له عشرة آلاف فارس وللملك ألف وللأمير مائة فارس وللاسفسلار دون ذلك ولكلّ خان عبرة لكِّين كلّ لكٍ مائة ألف تنكة كلّ تنكة ثمانية دراهم ولكلّ ملك من ستين ألف تنكة إلى خمسين ألف تنكة ولكل أمير من أربعين ألف تنكة إلى ثلاثين ألف تنكة ولكلّ اسفهسلار من عشرين ألف تنكة إلى ما حولها ولكلّ جنديّ من عشرة آلاف تنكة إلى ألف تنكة ولكلّ مملوك من خمسة آلاف تنكة إلى ألف تنكة سوى طعامهم وكساويهم وعليهم ولكلّ عبد في الشهر منان من الحنطة والأرز في كل يوم ثلاثة أستار لحم وما يحتاج إليه وفي كلّ شهر عشر تنكات بيضاء وفي كلّ سنة أربع كساو‏.‏

 

 

وللسلطان دار طراز فيها أربعة آلاف قزّاز لعمل أنواع القماش سوى ما يُحمل له من الصين والعراق والإسكندرية ويُفرّق كلّ سنة مائتين ألف كسوة كاملة في فصل الربيع مائة ألف وفي فصل الخريف مائة ألف ففي الربيع غالب الكسوة من عمل الإسكندرية وفي الخريف كلها حرير من عمل دار الطراز بدهلي وقماش الصين والعراق ويفرّق على الخوانك والربط الكساوي وله أربعة آلاف زركشيّ تعمل الزركش ويفرّق كلّ سنة عشر آلاف فرس مسرجة وغير مسرجة سوى ما يُعطي الأجناد من البراذين فإنه بلا حساب يعطي جشارات ومع هذا فالخيل عنده غالية مطلوبة وللسلطان نائب من الخانات يُسمى ابريت اقطاعه قدر إقليم بحر العراق ووزير إقطاعه كذلك وله أربعة نوّاب مسمى كلّ واحد منهم ثلاثمائة كاتب ولكل كاتب إقليم عشرة آلاف تنكة ولصدر جهان وهو قاضي القضاة قرى يتحصل منهانحو ستين ألف تنكة ولصدر الإسلام وهو أكبر نوّاب القاضي ولشيخ الإسلام وهو شيخ الشيوخ مثل ذلك وللمحتسب ثمانية آلاف تنكة وله ألف طبيب ومائتا طبيب وعشرة آلاف بزدار تركب الخيل وتحمل طيور الصيد وله ثلاثة آلاف سوّاق لتحصيل الصيد وخمسمائة نديم وألفان ومائتان للملاهي سوى مماليكه وهم ألف مملوك وألف شاعر باللغات العربية والفارسية والهندية يجري عليهم ديوانه ومتى غنى أحد منهم لغيره قتله ولكلّ نديم قريتان أو قرية ومن أربعين ألف تنكة إلى ثلاثين ألف تنكة إلى عشرين ألف تنكة سوى الخلع والكساوي والافتقادات ويمدّ في وقت كلّ خدمة في المرتين من كلّ يوم سماط يأكل منه عشرون ألفًا مثل الخانات والملوك والأمراء والاسفهسلارية وأعيان الأجناد وله طعام خاص يأكل معه الفقهاء وعدّتهم مائتا فقيه في الغداء والعشاء فيأكلون ويتباحثون ين يديه ويُذبح في مطابخه كلّ يوم الفان وخمسمائة رأس من البقر وألفا رأس من الغنم سوى الخيل وأنواع الطير ولا يحضر مجلسه من الجند إلاّ الأعيان ومن دعته ضرورة إلى الحضور والندماء وأرباب الأغاني يحضرون بالنوبة وكذلك الربيسان والأطباء ونحوهم لكلّ طائفة نوبة تحضر فيها للخدمة والشعراء تحضر في العيدين والمواسم وأوّل شهر رمضان وإذا تجدّد نصر على عدوّ أو فتوح ونحو ذلك مما يُهنّى به السلطان‏

 

 

 

وأمور الجند والعامة ومرجعها إلى ابريت وأمر القضاة كلهم مرجعه إلى صدرجهان وأمر الفقهاء إلى شيخ الإسلام وأمر الواردين والوافدين والأدباء والشعراء إلى الربيسان وهم كتاب السرّ‏.‏

 

 

وجهز هذا السلطان مرّة أحد كتاب سرّ إلى السلطان أبي سعيد رسولًا وبعث معه ألف ألف تنكة ليتصدّق بها في مشاهد العراق وخمسمائة فرس فقدم بغداد وقد مات أبو سعيد وكان هذا السلطان ترعد الفرائص لمهابته وتزلزل الأرض لموكبه يجلس بنفسه لإنصاف رعيته ولقراءة القصص عليه جلوسًا عامًّا ولا يدخل أحد عليه ومعه سلاح ولو السكين ويجلس وعنده سلاح كامل لا يفارق أبدًا وإذا ركب في الحرب فلا يمكن وصف هيبته وله أعلام سود في وساطها تباين من ذهب تسير عن يمينه وأعلام حمر فيها تبابين من ذهب تسير عن يساره ومعه مائتا جمل نقارات وأربعون جملًا كوسات كبارًا وعشرون بوقًا وعشرة صنوج ويدق له خمس نوب كلّ يوم وإذا خرج إلى الصيد كان في جف وعدّة من معه زيادة على مائة ألف فارس ومائتي فيل وأربعة قصور خشب على ثمانمائة جمل كلّ قصر منها على مائتي جمل كلها ملبسة حريرًا مذهبًا كلّ قصر طبقتان سوى الخيم والجركاوات وإذا انتقل من مكان إلى مكان للنزهة يكون معه نحو ثلاثين ألف فارس وألف جنيب مسرجة ملجمة بالذهب المرصع بالجوهر والياقوت وإذا خرج في قصره من موضع إلى آخر يمرّ راكبًا وعلى رأسه الحبر والسلاح دارية وراءه بأيديهم السلاح وحوله نحو اثنا عشر ألف مملوك مشاة لا يركب منهم إلاّ حامل الحبر والسلاح دارية والجمدارية حملة القماش وإذا خرج للحرب أو سفرٍ طويل حمل على رأسه سبع حبورة منها اثنان مرصعان ليس لهما قيمة وله فخامة عظيمة وقوانين وأوضاع جليلة والخانات والملوك والأمراء لا يركب أحد منهم في السفر والحضر إلاّ بالأعلام وأكثر ما يحمل الخان سبعة أعلام وأكثر ما يمل الأمير ثلاثة وأكثر ما يجرّه الخان في الحضر عشرة جنائب وأكثر ما يجر الأمير في الحضر جنيبان وأما في السفر فحسبما يختار‏.‏

 

 

وكان للسلطان برّ وإحسان وفيه تواضع ولقد مات عنده رجل فقير فشهد جنازته وحمل نعشه على عنقه وكان يحفظ القرآن العزيز العظيم والهداية في فقه الحنفية ويجيد علم المعقول ويكتب خطًا حسنًا ولذته في الرياضة وتأديب النفس ويقول الشعر ويباحث العلماء ويأخذ بأطراف الكلام على كلّ من حضر على كثرة العلماء عنده والعلماء تحضر عند وتفطر في رمضان معه بتعيين صدرجهان لهم في كلّ ليلة وكان لا يترخص في محذور ولا يقرّ على منكر ولا يتجاسر أحد في بلاده أن يتظاهر بمحرّم وكان يشدّد في الخمر ويبالغ في العقوبة على من يتعاطاه من المقرّبين منه وعاقب بعض أكابر الخانات على شرب الخمر وقبض عليه وأخذ أمواله جملتها أربعمائة ألف ألف مثقال وسبعة وثلاثون ألف ألف مثقال ذهبًا أحمر زنتها ألف وسبعمائة قنطار بالمصريّ وله وجوه برّ كثيرة منها‏:‏ أنه يتصدّق في كل يوم بلكَّين عنهما من نقد مصر ألف ألف وستمائة أ درهم وربما بلغت صدقته في يوم واحد خمسين لِكًَّا ويتصدّق عند كلّ رؤية هلال شهر بلكين دائمًا وعليه راتب لأربعين ألف فقير كلّ واحد منهم درهم في كلّ يوم وخمسة أرطال برّ وأرز وقرّر ألف فقيه في مكاتب لتعليم الأطفال القرآن وأجرى عليهم الأرزاق وكان لا يدعي بدهلي سائلًا بل يجري على الجميع الأرزاق ويبالغ في الإحسان إلى الغرباء وقدم عليه رسول من أبي سعيد مرّة بالسلام والتودّد فخلع عليه وأعطاه حملًا من المال فلما أراد الانصراف أمره أن يدخل الخزانة ويأخذ ما يختار فلم يأخذ غير مصحف فسأله عن ذلك فقال‏:‏ قد أغناني السلط بفضله ولم أجد أشرف من كتاب الله فزاد إعجابه به وأعطاه مالًا جملته ثمانمائة تومان والتومان عشرة آلاف دينار وكلّ دينار ستة دراهم تكون جملة ذلك ثمانية آلاف ألف دينار عنها ثمانية وأربعون ألف أف درهم‏.‏

 

 

وقصده شخص من بلاد فارس وقدّم له كتابًا في الحكمة منها كتاب الشفاء لابن سينا فأعطاه جوهرًا بعشرين ألف مثقال من الذهب وقصده آخر من بخارى بحملي بطيخ أسف فتلف غالبه حتى لم يبق منه إلا اثنتان وعشرون بطيخة فأعطاه ثلاثة آلاف مثقال ذهبًا وكان قد التزم أن لاينطق في إطلاقاته بأقل من ثلاث آلاف مثقال ذهبًا وبعث ثلاث لكوك ذهبًا لى بلاد ما وراء النهر ليفرّق على العلماء لِكٌّ وعلى الفقراء لِكٌّ ويبتاع له حوائج بلِكٍ وبعث للبرهان الضياء عزه جي شيخ سمقرند بأربعين ألف تنكة وكان لا يفارق العلماء سفرًا وحضرًا ومنار الشرع في أيامه قائم والجهاد مستمرّ فبلغ مبلغًا عظيمًا في إعلاء كلمة الإيمان فنشر الإسلام في تلك الأقطار وهدم بيوت النيران وكسر الندود والأصنام واتصل به الإسلام إلى أقصى الشرق وعمر الجوامع والمساجد وأبطل التثويب في الآذان ولم يخل له يوم من الأيام من بيع آلاف من الرقيق لكثرة السبي حتى أن الجارية لا يتعدّة ثمنها بمدينة دهلي ثمان تنكات والسرّية خمس عشرة تنكة والعبد المراهق أربعة دراهم ومع رخص قيمة الرقيق فإنه تبلغ قيمة الجارية الهندية عشرين ألف تنكة لحسنها ولطف خلقها وحفظها القرآن وكتابتها الخط وروايتها الأشعار والأخبار وجودة غنائها وضربها بالعود ولعبها بالشطرنج وهن يتفاخرن فتقول الواحدة آخذ قلب سيدي في ثلاثة أيام فتقول الأخرى أنا آخذ قلبه في يوم فتقول الأخرى أنا أخذ قلبه في ساعة فتقول الأخرى أنا آخذ قلبه في طرفة عين وكان ينعم على جميع من في خدمته من أرباب السيوف والأقلام بكلّ جليل من البلاد والأموال والجواهر والخيول المجللة بالذهب وغير ذلك إلاّ الفيلة فإنه لا يشاركه فيها أحد وللثلاثة آلاف فيل راتب عظيم فأكثرها مؤنة له في كلّ يوم أربعون رطلًا من أرز وستون رطلًا من شعير وعشرون رطلًا من سمن ونصف حمل من حشيش وقيّمها جليل القدر إقطاعه مثل إقليم العراق وإذا وقف السلطان للحرب كان أهل العلم حوله والرماة قدّامه وخلفه وأمامه الفيلة كما تقدّم عليها الفيالة وقدّامها العبيد المشاة والخيل في الميمنة والميسرة فتهيأ له من النصر ما لا يهيأ لأحد ممن تقدّمه ففتح الممالك وهدم قواعد الكفار ومحا صورمعابدهم وأبطل فخرهم وكان يجلس كلّ يوم ثلاثاء جلوسًا عامًّا على تخت مصفح بالذهب وعلى رأسه حبر في موكب عظيم وينادي مناديه من له شكوى في شخص فينظر في ظلامات الناس وكان لا يوجد بدهلي في أيامه خمر البتة‏.‏

 

 

وأوّل من ملك مدينةن دهلي قطب الدين أيبك وذلك أن شهاب الدين محمد بن سالم بن الحسين أحد الملوك الغورية فتح الهند بعد عدّة حروب وأقطع مملوكه أيبك هذا مدينة دهلي فبعث أيبك عسكرًا عليه محمد بن بختاير فأخذ إلى تخوم الصين وذلك كله في سنة سبع وأربعين وخمسمائة ثم ولي بعده ايتمش بن أيبك أربعين سنة فقام بعده ابنه علاء الدين عليّ بن ايتمش بن أيبك ثم أخوه معز الدين بن أيتمش ثم أخته رضية خاتون فأقامت ثلاث سنين ثم أخوها ناصر الدين بن ايتمش فأقام أربعًا وعشرين سنة ثم قام بعده مملوكه غياث الدين بليان سبعًا وعشرين سنة ثم بعده معز الدين نيابًا خمس سنين ثم ابنه شمس الدين كيمورس سبعة أشهر ثم خرج الملك عن بيت السلطان شمس الدين أيتمش وقويت التركمان العلجية وكانوا أمراء يقال للواحد منهم خان واستبدّ كبيرهم جلال الدين فيروز سبع سنين ثم ابن أخيه علاء الدين محمود بن شهاب مسعود اثنتين وعشرين سنة ومات سنة خمس عشرة وسبعمائة ثم ابنه شهاب الدين عمرو بن محمود بن مسعود سنة واحدة ولقب غياث الدين ثم أخوه قطب الدين مبارك بن محمود أربع سنين وقتل سنة عشرين وسبعمائة ثم علاء الدين خسر ومملوك علاء الدين محمود سبعة أشهر وملك غياث الدين طغلق شاه مملوك السلطان علاء الدين محمود بن مسود في أوّل شعبان سنة عشرين وسبعمائة ثم ملك بعده ابنه محمد بن طغلق شاه صاحب الترجمة‏.‏

 

 

هذا آخر ما وجد بخطه رحمه الله تعالى‏.‏

 

 

مشت ايامكم لا بَلْ نراها جرت جريًا على غير اعتيادِ وما عُقدتْ نواصيها بحيرِ ولا كانت تُعدُّ من الجيادِ بخشان‏:‏ مدينة فيما وراء النهر بها معدن اللعل البدخشانيّ وهو المسمة بالبلخش وبها معدن اللازورد الفائق وهما في جبل بها يحفر عليهما في معادنهما فيوجد اللورد بسهولة ولا يوجد اللعل إلا بتعب كبير وإنفاق زائد وقد لا يوجد بعد التعب الشديد والنفقة الكثيرة ولهذا عز وجوده وغلت قيمته‏.‏

 

 

وأقصر ليل بلغار بالبحرين أربع ساعات ونصف وأقصر ليلٍ أفتكون ثلاث ساعات ونصف فهو أقصر من ليل بلغار بساعة واحدة وبين بلغار وأفتكون مسافة عشرين يومًا بالمسير المعتاد‏.‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

السلطانية من عراق العجم بناها السلطان محمد خدابنده أوكانيق بن أرغون بن ابغا بن هولاكو وخدابنده ملك بعد أخيه محمود غازان وملك بعد خدابنده ابنه السلطان أبو سعيد بهادرخان وكان الشيخ حسن بن حسين بن أقبغا مع قائد السلطان محمد بن طشتمر بن استيمر بن عترجي ومذ مات أبو سعيد لم يجمع بعده على طاعة ملك بل تفرّقوا وقام في كلّ ناحية قائم‏.‏

 

 

انتهى‏.‏

 

 

إذا كنتَ قد أيقنتَ أنكَ هالكٌ فمالك مما دون ذلكَ تُشفقِ ومما يشينُ المرءُ ذا الحلم أنّه يرى الأمر حتمًا واقعًا ثم يقلقِ وحيث يقول‏:‏ ومن طوى الخمسينَ من عمرِهِ لاقى أمورًا فيه مستنكرة وإن تخطاها رأى بعدها من حادثاتِ الدهرِ ما لم يرهْ انتهى ما وجد بخطه فيصله‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 الجزائر

 

 

 

اعلم أن الجزائر التي هي الآن في بحر النيل كلها حادثة في الملة الإسلامية ما عدا الجزيرة التي تعرف اليوم بالروضة تجاه مدينة مصر فإن العرب لما دخلوا مع عمرو بن العاص إلى مصر وحاصروا الحصن الذي يعرف اليوم بقصر الشمع في مصر حتى فتحه الله تعالى عنوة على المسلمين كانت هذه الجيرة حينئذٍ تجاه القصر ولم يبلغني إلى الآن متى حدثت وأما غيرها من الجزائر فكلها قد تجدّدت بعد فتح مصر‏.‏

 

 

ويقال والله أعلم أنّ بلهيت الذي يُعرف اليوم بأبي الهول طلسم وضعه القدماء لقلب الرمال عن برّ مصر الغربيّ الذي يُعرف اليوم ببرذ الجيزة وأنه كان في البرّ الشرقيّ بجوار قصر الشمع صنم من حجارة على مسامتة أبي الهول بحيث لو امتدّ خيط من رأس أبي الهول وخرج على استواء لسقط على رأس هذا الصنم وكان مستقبل المشرق وأنه وضع أيضًا لقلب الرمل عن البرّ الشرقيّ فقدّر الله سبحانه وتعالى أن كسر هذا الصنم على يد بعض أمراء الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة إحدى عشرة سبعمائة وحفر تحته حتى بلغ الحفر إلى الماء ظنًا أنه يكون هناك كنز فلم يوجد شيء وكان هذا الصنم يُعرف عند أهل مصر بسريّة أبي الهول فكان عقيب ذلك غلبة النيل على النيلّ الشرقيّ وصارت هذه الجزائر الموجودة اليوم وكذلك قام شخص من صوفية الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء يُعرف بالشيخ محمد صائم الدهر في تغيير المنكر أعوام بضع وثمانين وسبعمائة فشوّه وجوه سباع الحجر التي على قناطر السباع خارج القاهرة وشوّه وجه أبي الهول فغلب الرمل على أراضي الجيزة ولا يُنكر ذلك فللَّه في خليقته أسرار يُطلع عليها من يشاء من عباده والكلّ يخلقه وتقديره‏.‏

 

 

وقد ذكر الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه في كتاب أخبار مصر في خبر الواحات الداخلة أن في تلك الصحارى كانت أكثر مدن ملوك مصر العجيبة وكنوزهم إلا أن الرمال غلبت عليها‏.‏

 

 

قال‏:‏ ولم يبق بمصر ملك إلاّ وقد عمل للرمال طلسمًا لدفعها ففسدت طلسماتها لقدم الزمان‏

 

 

وذكر ابن يونس عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال‏:‏ إن لأعلم السنة التي تخرجون فيها من مصر قال ابن سالم‏:‏ فقلت له ما يخرجنا منها يا أبا محمد أعدوّ قال‏:‏ لا ولكنكم يخرجكم منها نيلكم هذا يغور فلا تبقى منه قطرة حتى تكون فيه الكثبان من الرمل وتأكل سبرض حيتانه‏.‏

 

 

وقال الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير قال‏:‏ إنّ الصحابيَّ حدّثه أنه سمع كعبًا يقول‏:‏ ستعرك العراق عرك الأديم وتفت مصر فت البعر

 

 

قال الليث‏:‏ وحدّثني رجل عن وهب المعارفيّ أنه قال‏:‏ وتشق الشام شق الشعرة وسأذكر من خبر هذه الجزائر المشهورة ما وصلت إلى معرفته إن شاء الله تعال

 

 

الروضة اعلم أنّ الروضة تُطلق في زماننا هذا على الجزيرة التي بين مدينة مصر ومدينة الجيزة وعرفت في أوّل الإسلام بالجزيرة وبجزيرة مصر ثم قيل لها جزيرة الحصن وعرفت إلى اليوم بالروضة وإلى هذه الجزيرة انتقل المقوقس لما فتح الله تعالى على المسلمين القصر وصار بها هو ومن معه من جموع الروم والقبط وبها أيضًا بني أحمد بن طولون الحصن وبها كانت الصناعة يعني صناعة السفن الحربية أي كانت بها دار الصناعة وبها كان الجنان والمختار وبها كان الهودج الذي بناه الخليفة الآمر بأحكام الله لمحبوبته البدوية وبها بنى الملك الصالح نجم الدين أيوب القلعة الصالحية وبها إلى اليوم مقياس النيل وسأورد من أخبار الروضة هنا ما لا تجده مجتمعًا في غير هذا الكتاب‏.‏

 

 

قال ابن عبد الحكم وقد ذكر محاصرة المسلمين للحصن‏:‏ فلما رأى القوم الجدّ من المسلمين على فتح الحصن والحرص ورأوا صبرهم على القتال ورغبتهم فيه خافوا أن يظهروا عليهم فتنحى المقوقس وجماعة من أكابر القبط وخرجوا من باب الحصن القبليّ ودونهم جماعة يقاتلون العرب فقوا بالجزيرة موضع الصناعة اليوم وأمروا بقطع الجسر وذلك في جري النيل وتخلف في الحصن بعد المقوقس الأعرج فلما خاف فتح باب الحصن خرج هو وهل القوّة والشرف وكانت سفنهم ملصقة بالحصن ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة‏.‏

 

 

قال‏:‏ وكان بالجزيرة يعني بعد فتح مصر في أيام عبد العزيز بن مروان أمير مصر خمسمائة فاعل معدّة لحريق يكون في البلد أو هدم‏

 

 

وقال القضاعيّ جزيرة فسطاط مصر‏.‏

 

 

قال الكنديّ‏:‏ بنيت بالجزيرة الصناعة في سنة أربع وخمسين وحصن الجزيرة بناه أحمد بن طولون في سنة ثلاث وستين ومائتين ليحرز فيه حرمه وماله وكان سبب ذلك مسير موسى بن بغا العراقيّ من العراق واليًا على مصر وجميع أمال ابن طولون وذلك في خلافة المعتمد على الله‏

 

 

فلما بلغ أحمد بن طولون مسيرة استعدّ لحربه ومنعه من دخول أعماله فلما بلغ موسى بن بغا إلى الرقة تثاقل عن المسير لعظم شأن ابن طولون وقوّته ثم عرضت لموسى علة طالت به وكان بها موته وثاوره الغلمان وطلبوا منه الأرزاق وكان ذلك سبب تركه المسير فلم يلبث موسى بن بغا أن مات وكفى ابن طولون أمره ولم يزل هذا الحصن على الجزيرة أخذ النيل شيئًا بعد شيء وقد بقيت منه بقايا متقطعة إلى الآن وقد اختصر القاضي القضاعيّ رحمه الله في ذكر سبب بناء ابن طولون حصن الجزيرة‏.‏

 

 

وقد ذكر جامع سيرة ابن طولون أن صاحب الزنج لما قدم البصرة في سنة أرعب وخمسين ومائتين واستعجل أمره أنفذ إليه أمير المؤمنين المعتمد على الله تعالى أبو العباس أحمد بن أمير المؤمنين المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بن الرشيد رسولًا في حمل أخيه الموفق بالله أبي أحمد طلحة من مكة إليه وكان الخليفة المهتدي بالله محمد بن الواثق بن المعتصم نفاه إليها فلما وصل إليه جعل العهد بالخلافة من بعده لابنه المفوّض وبعد المفوّض تكون الخلافة للموفق طلحة وجعل غرب المالك الإسلامية للمفوّض وشرقها للموفق وكتب بينهما بذلك كتابًا ارتهن فيه أيمانهما بالوفاء بما قد وقعت عليه الشروط وكان الموفق يحسد أخاه المعتمد على الخلافة ولا يراه أهلًا لها فلما جعل المعتمد الخلافة من بعده لابنه ثم للموفق بعده شق ذلك عليه وزاد في حقده وكن المعتمد متشاغلًا بملاذِّ نفسه من الصيد واللعب والتفرّد بجواري فضاعت الأمور وفسد تدبير الأحوال وفاز كلّ من كان متقلدًا عملًا بما تقلده وكان في الشروط التي كتبها المعتمد بن المفوّض والموفق أنها ما حدث في مل كلّ واحد منهما من حدث كانت النفقة عليه من مال خراج قسمه واستخلف على قسم ابنه المفوّض موسى بن بغا فاستكتب موسى بن بغا عبيد الله بن سليمان بن وهب وانفرد الموفق بقسمه من ممالك الشرق وتقدّم إلى كلّ منهما أن لا ينظر في مل الآخر وخلد كتاب الشروط بالكعبة وأفرد الموفق لمحاربة صاحب الزنج وأخرجه إليه وضم معه الجيوش فلما كبر أمره وطالت محاربته أياه وانقطعت موادّ خراج المشرق عن الموفق وتقاعد الناس عن حمل المال الذي كان يُحمل في كلّ عام واحتجوا بأشياء دعت الضرورة الموفق إلى أن كتب إلى أحمد بن طولون وهو يومئذٍ أمير مصر في حمل ما يستعين به في حروب صاحب الزنج وكانت مصر في قسم المفوّض لأنها من الممالك الغربية إلاّ أن الموفق شكا في كتابه إلى ابن طولون شدّة حاجته إلى المال بسبب ما هو بسبيله وأنفذ مع الكتاب تحريرًا خادم المتوكل ليقبض منه المال فما هو إلاّ أن ورد تحرير على ابن طولون بمصر وذا بكتاب المعتمد قد ورد عليه يأمره فيه بحمل المال إليه على رسمه مع ما جرى الرسم بحمله مع المال في كلّ سنة من الطراز والرقيق والخيل والشمع وغير ذلك وكتب أيضًا إلى أحمد بن طولون كتابًا في السرّ أنّ الموفق إنما أنفذ تحريرًا إليك عينًا ومستقصيًا على أخبارك وأنه قد كاتب بعض أصحابك فاحترس منه واحمل المال إلينا وعجل إنفاذه وكان تحرير لما قدم إلى مصر أنزله أحمد بن طولون معه في دار بالميدان ومنعه من الركوب ولم يمكنه من الخروج من الدار التي أنزله بها حتى سار من مصر وتلطف في الكتاب التي أجاب بها الموفق ولم يزل بتحرير حتى أخذ جميع ما كان معه من الكتب التي وردت من العراق إلى مصر وبعث معه إلى الموفق ألف ألف دينار ومائتين ألف دينار وما جرى الرسم بحمله من مصر وأخرج معه العدول وسار بنفسه صحبته حتى بلغ به العريش وأرسل إلى ماخور متولي الشام فقد عليه بالعريش وسلّمه إليه هو والمال وأشهد عليه بتسليم ذلك ورجع إلى مصر ونظر في الكتب التي أخذها من تحرير فذا هي إلى جماعة من قوّاده باستمالتهم إلى الموفق فقبض على أربابها وعاقبهم حتى هلكوا في عقوبته فلما وصل جواب ابن طولون إلى الموفق ومعه المال كتب إليه كتابًا ثانيًا يستقل فيه المال ويقول‏:‏ إن الحساب يوجب أضعاف ما حملت وبسط لسانه بالقول والتمس فيمن معه من يخرج إلى مصر ويتقلدها عوضًا عن ابنولون فلم يجد أحدًا عوضه لما كان من كيس أحمد بن طولون وملاطفته وجوه الدولة‏.‏

 

 

فلما ورد كتاب الموفق على ابن طولون قال‏:‏ وأيّ حساب بيني وبينه أو حالٍ توجب مكاتبتي بهذا أو غيره وكتب إليه بعد البسملة‏:‏ وصل كتاب الأمير أيده الله تعالى وفهمته وكان أسعده الله حقيقًا بحسن التخير لمثلي وتصييره إياي عمدته التي يعتمد عليها وسيفه الذي يصووسنانه الذي يتقي الأعداء بحدّه لأني دائب في ذلك وجعلته وكدي واحتملت الكلف العظام المؤمن الثقال باستجذاب كل موصوف بشجاعة واستدعاء كلّ منعوت بغنى وكفاية بالتوسعة عليهم وتواصل الصلات والمعادون لهم صيانة لهذه الدولة وذبًا عنها وحسمًا لأطماع المتشوّقين لها والمنحرفين عنها ومن كانت هذه سبيله في الموالاة ومنهجه في المناصحة فهو حريّ أنْ يُعرف له حقه ويوفر من الأعظام قدره ومن كلّ حال جليلة حظه ومنزلته فعوملت بضدّ ذلك من المطالبة بحمل ما أمر به والجفاء في المخاطبة بغير حال توجب ذلك ثم أكلف على الطاعة جعلًا وأُلزم في المناصحة ثمنًا وعهدي بمن أستدعي ما استدعاه الأمير من طاعته أن يستعديه بالبذل والإعطاء والإرغاب والإرضاء والإكرام لا أن يُكلّف ويحمل من الطاعة مؤنة وثقلًا وإني لا أعرف السبب الذي يوجب الوحشة ويوقعها بيني وبين الأمير أيده الله تعالى ولا ثم معاملة تقتضي معاملة أو تحدث منافرة لأن العمل الذي أنا بسبيله لغيره والمكاتبة في أموره إلى من سواه ولا أنا من قبله فإنه والأمير جعفر المفوّض أيده اللهتعالى قد اقتسما الأعمال وصار لكلّ واحد منهما قسم قد انفرد به دون صاحبه وأُخذت عليه البيعة فيه أنه من نقض عهده أو أخفر ذمّته ولم يف لصاحبه بما أكد على نفسه فالأمّة بريئة منه ومن بيعته وفي حلذ وسعة من خلفه والذي عاملني به الأمير من محاولة صرفي مرّة وإسقاط رسمي أخرى وما يأتيه ويسومنيه ناقض لشرطه مفسد لعهده وقد التمس أوليائي وأكثروا الطلب في إسقاط اسمه وإزالة رسمه فآثرت الإبقاء وإن لم يؤثره واستعملت الأناة إذ لم تستعمل معي ورأيت الاحمال والكظم أشبه بذوي المعرفة والفهم وفصبرت نفسي على أحرّ من الجمر وأمرّ من الصبر وعلى ما لا يتسع به الصدر‏.‏

 

 

والأمير أيده الله تعالى أولى من أعانني على ما أوثره من لزوم عهده وأتوخاه من تأكيد عقده بحسن العشرة والإنصاف وكف الأذى والمضرّة وأن لا يضطرّني إلى ما يعلم الله عزّ وجلّ كرهي له أن أجعل ما قد أعددته لحياطة الدولة من الجيوش المتكاثفة والعساكر المتضاعفة التي قد ضرّست رجالها من الحروب وجرت عليهم محن الخطوب مصروفًا إلى نقضها فعندنا وفي حيزنا من يرى أنه أحق بهذا الأمر وأولى من الأمير ولو أمنوني على أنفسهم فضلًا عن أن يعثروا مني على ميل أو قيام بنصرتهم لاشتدّت شوكتهم ولصعب على السلطان معاركتهم والأمير يعلم أن بإزائه منهم واحدًا قد كبر عليه وفض كلّ جيش أنهضه إليه على أنه لا نار له إلاّ لفيف البصرة وأوباش عامّتها فكيف من يجدر كنًا منيعًا وناصرًا مطيعًا وما مثل الأمير في أطالة رأيه يصرف مائة ألف عنان عدّة له فيجعلها عليه بغير ما سبب يوجب ذلك فإن يكن من الأمير أعتاب أو رجوع إلى ما هو أشبه به وأولى وإلاّ رجوت من الله عز وجلّ كفاية أمره وحسم مادّة وشرّه وأجراءنا في الحياطة على أجمل عادته عندنا والسلام‏.‏

 

 

فلما وصل الكتاب إلى الموفق أقلقه وبلغ منه مبلغًا عظيمًا وأغاظه غيظًا شديدًا وأحضر موسى بن بغا وكان عون الدولة وأشدّ أهلها بأسًا وإقدامًا فتقدّم إليه في صرف أحمد بن طولون عن مصر وتقليدها ماخور فامتثل ذلك وكتب إلى ماخور كتاب التقليد وأنفذه إليه فلما وصل إليه الكتاب توقف عن إرساله إلى أحمد بن طولون لعجزه ن مناهضته وكتب إلى ماخور أمير الشام وإلى أحمد بن طولون أمير مصر لما بلغه من توقف ما خور عن مناهضته يأمرهما بحمل الأموال وعزم على قصد مصر والإيقاع بابن ولون واستخلاف ماخور عليها فسار إلى الرقة وبلغ ذلك ابن طولون فأقلقه وغمه لا لأنه يقصر عن موسى بن بغا لكن لتحمله هتك الدولة وأن يأتي سبيل من قاوم السلطان وحاربه وكسر جيوشه إلاّ أنه لم يجد بدًّا من المحاربة ليدفع عن نفسه وتأمّل مدينة فسطاط مصر فوجدها لا تؤخذ إلاّ من جهة النيل فأراد لكبر همته وكثر فكره في عواقب الأمور أن يبني حصنًا على الجزيرة التي بين الفسطاط والجيزة ليكون معقولًا لحرمه ذخائره‏.‏

 

 

ثم يشتغل بعد ذلك بحرب من يأتي من البر وقد زاد فذكره فيمن يقدم من النيل فأمر ببناء الحصن على الجزيرة واتخذ مائة مركب حربية سوى ما ينضاف إليها من العلابيات والحمائم والعشاريات والسنابيك وقوارب الخدمة وعمد إلى سدّ وجه البحر الكبير وأن يمنع ما يجيء إليه من مراكب طرسوس وغيرها من البحر الملح إلى النيل بن توقف هذه المراكب الحربية فيوجه البحر الكبير خوفًا مما سيجيء من مراكب طرسوس ما فعل محمد بن سليمان من بعده بأولاده كأنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق وجعل فيها من يذوب عن هذه الجزيرة وأنفذ إلى الصعيد وإلى أسفل الأرض بمنع من يحمل الغلال إلى البلاد ليمنع من يأتي من البرّ الميرة وأقام موسى بن بغا بالرقة عشرة أشهل وقد اضطربت عليه الأتراك وطالبوه بأرزاقهم مطالبة شديدة بحيث استتر منهم كاتبه عبيد الله بن سليمان لتعذر المال وطالبوه بأرزاقهم مطالبة شديدة بحيث استتر منهم كاتبه عبيد الله بن سليمان لتعذر المال عليه وخوفه على نفسه منهم فخاف موسى بن بغا عند ذلك ودعته ضرورة الحال إلى الرجوع فعاد إلى الحرة ولم يقم بها سوى شهرين ومات من علة في صفر سنة أربع وستين ومائتين هذا وأحمد بن طولون يجدّ في بناء الحصن على الجزيرة وقد ألزم قوّاده وثقاته أمر الحصن وفرّقه عليهم قطعًا وهو في غفلة وفرّقه عليهم قطعًا قام كلّ واحد بما لزمه من ذلك وكدّ نفسه فيه وكان يتعاهدهم بنفسه في كل يوم وهو في غفلة عما صنعه الله تعالى له من الكفاية والغنى عما يعانيه ومن كثرة ما بذلك في هذا العمل قدّر أنّ كلّ طوبة منه وقفت عليه بدرهم صحيح ولما تواترت الأخبار بموت موسى بن بغا كف عن العمل وتصدّق بمال كثير شكرًا الله تعالى على ما منّ به عليه من صيانته عما يقبح فيه عند إلاّ حدوثه وما رأى الناس شيئًا كان أعظم من عظيم الجدّ في بناء هذا الحصين ومباكرة الصناع له في الأسحار حتى فرغوا منه فإنهم كان يخرجون إليه من منازلهم في كلّ بكرة من تلقاء أنفسهم من غير استحثاث لكثرة ما سخا به من بذل المال فلما انقطع الماء لم يرد أحد من الصناع التي كانت فيه مع كثرتها كأنما هي نار صُبَّ عليها ماء فطفئت لوقتها ووهب للصناع مالًا جزيلًا وترك وكان مما حمل أحمد بن طولون على بناء الحصن أن الموفق أراد أن يشغل قلبه فسُرقت نعله من بيت حظيه لا يدخل إلاّ ثقاته وبعث الموفق إليه‏.‏

 

 

فقال له الرسول‏:‏ من قدر على أخذ هذه النعل من الموضع الذي تعرفه أليس هو بقادر على أخذ روحك فوالله أيها الأمير لقد قام عليه أخذ هذه النعل بخمسين ألف دينار فعند ذلك أمر ببناء الحصن‏

 

 

وقال أبو عمر الكنديذ في كتاب أمراء مصر‏:‏ وتقدّم أبو أحمد الموفق إلى موسى بن بغا في صرف أحمد بن طولون عن مصر وتقليدها ماخور التركيّ فكتب موسى بن بغا بذلك إلى ماخور وهو والي دمشق يومئذٍ فتوقف لعجزه عن مقاومة أحمد بن طولون فخرج موسى بن بغا فنزل الرقة وبلغ ن طولون أنه سائر إليه ولم يجد بدًّا من محاربته فأخذ أحمد بن طولون في الحذر منه وابتدأ في ابتناء الحصن الذي بالجزيرة التي بين الجسرين ورأى أن يجعله معقلًا لماله وحرمه وذلك في سنة ثلاث وستين ومائتين واجتهد أحمد بن طولون في بناء المراكب الحربية وأطافها بالجزيرة وأظهر الامتناع من موسى بن بغا بكل ما قدر عليه وأقام موسى بن بغا بالرقة عشرة أشهر وأحمد بن طولون في إحكام أموره واضطربت أصحاب موسى بن بغا عليه وضاق بم منزلهم وطالبوا موسى بالمسير أو الرجوع إلى العراق فبينا هو كذلك توفي موسى بن بغا في سنة أربع وستين ومائتين‏.‏

 

وقال محمد بن داود لأحمد بن طولون وفين تحامل‏:‏ بنى الجزيرة حصنًا يتسجنُ بهِ بالعسفِ والضربِ والصناعِ في تعبِ وراقب الجيزة القصوى فخندقها وكاد يًصعقُ من خوفٍ ومن رُعبِ له مراكبُ فوقَ النيِلِ راكدةٌ فما سوى القارِ للنظارِ والخشبِ ترى عليها لباس الذلِ مذ بُتْ بالشطِّ ممنوعة من عزَّةِ الطلبِ فما بناها لغزوِ الرومش محتسبًا لكنْ بناها غداةَ الروعِ والعطبِ وقال سعيد بن القاضي من أبيات‏:‏ ون جئتّ رأس الجسرِ فانظر تَأملًا إلى الحصنِ أو فاعبر إليه على الجسرِ ترى أثرًا لم يبق من يتسطيعُهُ من الناس في بدو البلادِ و حَضَرِ مآثر لا تُبلى وإن بادَ أهلُها ومجدٌ يؤدّي وارثيه إلى الفخرِ وما زال حصن الجزيرة هذا عامرًا أيام بني طولون وعملت فيه صناعة مصر التي تنشأ فيها المراكب الحربية فاستمرّ صناعة إلى أن تقلد الأمير محمد بن طفج الإخشيد إمارة مصر من قبل أمير المؤمنين الراضي بالله وسير مراكب من الشأم عليها صاعد بن الكلكم فدخل تنيس وسارت مقدّمته في البر ودخل صاعد دمياط وسار فهزم جيش مصر الذي جهزه أحمد بن كيغلغ إليه بتدبير محمد بن عليّ الماردانيذ على بحيرة نوسا وأقبل في مراكب إلى الفسطاط فكان بالجزيرة وقدم محمد بن طفج وتسلم البلد لست بقين من رمضان سنة ثلاثة وعشرين وثلاثمائة وفرّ منه جماعة إلى الفيوم فخرج إليهم صاعد بن الكلكم في مراكبه وواقعهم بالفيوم فقتل في عدّة من أصحابه وقدمت الجماعة في مراكب ابن كلكم فأرسوا بجزيرة الصناعة وحرّقوها ثم مضوا إلى الإسكندرية وساروا إلى برقة فقال محمد بن طفج الصناعة هنا خطأ وأمر بعمل صناعة في برّ مصر‏.‏

 

 

وحكى ابن زولاق في سيرة محمد بن طفج أنه قال‏:‏ اذكر أني كنت آكل مع أبي منصور تكين أمير مصر وجرى ذكر الصناعة فقال تكين‏:‏ صناعة يكون بيننا وبينها بحر خطأ فأشارت الجماعة بنقلها فقال‏:‏ إلى أيّ موضع فأردت أن أشير عليه بدار خديجة بنت الفتح بن خاقان ثم سكتُ أدعُ هذا الرأي لنفي إذا ملكتُ مصر فبلغت ذلك والحمد لله وحده‏.‏

 

 

ولما أخذ محمد بن طفج دار خديجة كان يتردّد إليها حتى عملت فلما ابتدؤا بإنشاء المراكب فيها صاحت به امرأة فقال‏:‏ خذوها فساروا بها إلى داره فأحضرها مسار واستخبرها عن أمرها فقالت‏:‏ ابعث معي من يحمل المال فأرسل معها جماعة إلى دار خديجة هذه فدلتهم على مكان رجوا منه عينًا وورقًا وحليًا وثيابًا وعدّة ذخائر لم ير مثلها وصاروا بها إلى محمد بن طفج فطلب المرأة ليكافئها على ما كان منها فلم توجد فكان هذا أوّل مال وصل إلى محمد بن طفج بمصر‏.‏

 

 

قال‏:‏ واستدعى محمد بن طفج الإخشيد صالح بن نافع وقال له‏:‏ كان في نفسي إذا ملكت مصر أن أجعل صناعة العمارة في دار ابنة الفتح وأجعل موضع الصناعة من الجزيرة بستانًا أسميه المختار فاركب وخط لي بستانًا ودارًا وقدّر لي النفقة عليهما فركب صالح بجماعة وخطوا بسا فيه دار للغلمان ودار للنوبة وخزائن للكسوة وخزائن للطعام وصوّروه وأتوا به فاستحسنه وقال‏:‏ كم قدّرتم النفقة قالوا ثلاثين ألف دينار‏

 

 

فاستكثرها فلم يزالوا يضعون من التقدير حتى صار خمسة آلاف دينار فأذن في عمله‏.‏

 

 

ولما شرعوا فيه ألزمهم المال من عندهم فقُسِّطَ على جماعة وفرغ من بنائه فاتخذه الإخشيد منتزهًا له وصار يفاخر به أهل العراق وكان نقل الصناعة من الجزيرة إلى ساحل النيل بمصر في شعبان خمس وعشرين وثلاثمائة فلم يزل البستان المختار منتزهًا إلى أن زالت الدولة الإخشيدية والكافورية وقدمت الدولة الفاطمية من بلاد المغرب إلى مصر فكان يتنزه فيه المعز لدين الله معدّ وابنه العزيزي بالله نزار وصارت الجزيرة مدينة عامرة بالناس لها والٍ وقاضٍ وكان يقال القاهرة ومصر والجزيرة فلما كانت أيام استيلاء الأفضل شاهنساه بن أمير الجيوش بدرًا الجمالي وحجره على الخلفاء أنشأ في بحريّ الجزيرة مكانًا نزهًا سماه الروضة وتردّد إليها تردّدًا كثيرًا فكان يسير في العشاريات الموكبيات من دار الملك التي كانت سكنه بمصر إلى الروضة‏.‏

 

 

ومن حينئذ صارت الجزيرة كلها تعرف بالروضة فلما قُتل الأفضل بن أمير الجيوش واستبدّ الخليفة الآمر بأحكام الله أبو عليّ منصور بن المستعلي بالله أشأ بجوار البستان المختار من جزيرة الروضة مكانًا لمحبوبته العلية البدوية سماه الهودج‏.‏

 

 

الهودج‏:‏ قال ابن سعيد في كتاب المحلّى بالأشعار عن تاريخ القرطبيّ‏:‏ قد أكثر الناس في حديث البدوية وأبن مياح من بني عمها وما يتعلق بذلك من ذكر الخليفة الآمر بأحكام الله حتى صارت رواياتهم في هذا الشأن كأحاديث البطال وألف ليلة وليلة وما أشبه ذلك والإختصاه أن يقال أنّ الخليفة الآمر كان قد ابتلى بعشق الجواري العربيات وصارت له عيون في البوادي فبلغه أن بالصعيد جارية من أكمل العرب وأظرف نسائهم شاعرة جميلة فيقال أنه تزيا بزيّ بداة الأعراب وصار يجول في الأحياء إلى أن انتهى إلى حيها وبات هناك في ضائفة وتحيل حتى عايناه فما ملك صبره ورجعإلى مقرّ مُلكه وسرير خلافته فأرسل إلى أهلها يخطبها فأجابوه إلى ذلك وزوّجوها منه فلما صارت إلى القصور صعب عليها مفارقة ما اعتادت وأحبت أن تسرّج طرفها في الفضاء ولا تقبض نفسها تحت حيطان المدينة فبنى لها البناء المشهور في جزيرة الفسطاط المعروف بالهودج وكان على شاطيء النيل في شكل غريب وكان بالإسكندرية القاضي مكين الدولة أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسن بن حديد قد استولى على أمورها وصار قاضيها وناظرها ولم يبق لأحد معه كلام وضمن أموالها بحملة يحملها وكان ذا مروءة عظيمة يحتذي أفعال البرامكة وللشعراء فيه مدائح كثيرة وممن مدحه ظافر الحدّاد وأمية بن أبي الصلت وجماعة وكان الأفضل بن أمير الجيوش إذا أراد الاعتناء بأحد كتب معه كتابًا إلى بن حديد هذا فيغنيه بكثرة عطائه وكان له بستان يتفرّج فيه به جرن كبير من رخام قطعة واحدة ينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من سعته وكان يجد في نفسه برؤية هذا الجرن زيادة على أهل النعم ويباهي به أهل عصره فوشي به للبدوية محبوبة الخليفة فطلبته من الخليفة فأنفذ في الحل بإحضاره فلم يسع ابن حديد إلاّ أن قلعه من مكانه وبعث به وفي نفسه حزازة من أخذه منه وخدم البدوية وخدم جميع من يلوذ بها حتى قالت‏:‏ هذا الرجل أخجلنا بكثرة هداياه وتحفه ولم يكلفنا قط أمرًا نقدر عليه عند الخليفة مولانا فلما بلغه ذلك عنها قال‏:‏ ما لي حاجة بعد الدعاء لله تعالى بحفظ مكانها وطول حياتها غير ردّ الجرن الذي أُخذ من داري التي بنيتها في أيامهمنعمهم إلى مكانه فلما سمعت هذا عنه تعجبت منه وأمرت بردّ الجرن إليه فقيل له قد وصلت إلى حدّ أن خيرتك البدوية في جميع المطالب فنزلت همتك إلى قطعة حجر‏.‏

 

 

فقال‏:‏ أنا أعَرف بنفسي ما كان لها أمل سوى أن لا تُغلب في أخذ ذلك الجرن من مكانه وقد بلغها الله أملها وبقيت البدوية متعلقة يا ابن ميّاح إليكَ المشتكى مالِكُ من بعدكم قد ملك كنتُ في حيى مرأ مطلقًا نائلًا ما شئتُ منكم مدركًا فأنا الآن بقصرِ مؤصدِ لا أرى إل حبيسًا ممسكا وتلاعبنا برملاتِ الحمى حيثما شاءَ طليقٌ سلكا فأجابها‏:‏ بنتُ عمي والتي غذيتها بالهوى حتّى علا واحتنكا بُحتِ بالشكوى وعندي ضعفها لو غدا ينفع منها المشتكى ما لك الأمر إليه يُشتكى هالكٌ وهو الذي قد هلكا شأن داود غدا في عصرنا مبديًا بالتيه ما قملكا فبلغت الآمر فقال‏:‏ لولا أنه أساء الأدب في البيت الرابع لرددتها إلى حيه وزوّجتها به‏

 

 

قال القرطبيّ وللناس في طلب ابن ميّاح واختفائه أخبار تطور وكان من عرب طيء في عصر الخليفة الآمر طراد بن مهلهل فلما بلغه قضية الآمر مع العالية البدوية قال‏:‏ ألا أبلغوا الآمر المصطفى مقالَ طرادٍ ونِعمَ المقال فلما بلغ الآمر شعره قال‏:‏ جواب السؤال قطع لسالى فضوله وأمر بطلبه في أحياء العرب ففرّ ولم يقدر علي فقالت العرب‏:‏ ما أخسر صفقة طراد باع أبيات الحيّ بثلاثة أبيات ولم يزل الآمر يتردّد إلى الهودج بالروضة للنزهة فيه إلى أن ركب من القصر بالقاهرة يريد الهودج في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين مسمائة فلما كان برأس الجسر وثب عليه قوم من النزارية قد كمنوا له في فرن تجاه رأس الجسر بالروضة وضربوه بالسكاكين حتى أثخنوه وجرحوا جماعة من خدّمه فحمل إلى منظرة اللؤلؤة بشاطيء الخليج وقد مات‏.‏

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

   

 

  

 

 

 

 قلعة الروضة

 

 

 

اعلم أنه ما برحت جزيرة الروضة منتزهًا ملوكيًا ومسكنًا للناس كما تقدّم ذكره إلى أن ولي الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب سلطنة مصر فأنشأ القلعة بالروضة فعرفت بقلعة المقياس وبقلعة الروضة وبقلعة الجزيرة وبالقلعة الصالحية وشرع في حفر أساسها يوم الأربعاء خامس شعبان وابتدأ بنيانها في آخر الساعة الثالثة من يوم الجمعة سادس عشرة وفي عاشر ذي القعدة وقع الهدم في الدور والقصور والمساجد التي كانت بجزيرة الروضة وتحوّل الناسمن مساكنهم التي كانوا بها وهدم كنيسة كانت لليعاقبة بجانب المقياس وأدخلها في القلعة وأنفق في عمارتها أموالًا جمة وبنى فيها الدور والقصور وعمل لها ستين برجًا وبنى بها جامعًا وغرس بها جميع الأشجار ونقل إليها عمد الصوّان من البرابي وعمد الرخام وشحنها بالأسلحة وآلات الحرب وما يحتاج إليه من الغلال والأزواد والأقوات خشية من محاصرة الفرنج فإنهم كانوا حينئذ على عزم قصد بلاد مصر وبالغ في إتقانها مبالغة عظيمة حتى قيل أنه استقام كل حجر فيها بدينار وكل طوبة بدرهم وكان الملك الصالح يقف بنفسه ويرتب ما يُعمل فصارت تدهش من كثرة زخرفتها وتحير ويقال أنه قطع من الموضع الذي أنشأ فيه هذه القلعة ألف نخلة مثمرة كان رطبها يهدى إلى ملوك مصر لحسن منظره وطيب طعمه وخرب الهودج والبستان المختار وهدّم ثلاثة وثلاثين مسجدًا عمرها خلفاء مصر وسراة المصريين لذكر الله تعالى وإقامة الصلوات واتفق له في عدم بعض هذه المسجد خبر غريب قال الحافظ جمال الدين يوسف بن أ مد بن محمود بن أحمد الأسدي الشهير باليغموري‏:‏ سمعتُ الأمير الكبير الجواد جمال الدين أبا الفتح موسى بن الأمير شرف الدين يغمور بن جلدك بن عبد الله قال‏:‏ ومن عجيب ما شاهدته من الملك الصالح أبي الفتح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل رحمه اللهلى أنه أمرني أن أهدم مسجدًا كان في جوار داره بجزيرةمصر فاخرت ذلك وكرهت أن يكون هدمه على يديّ فأعاد الأمر وأنا أكاسر عنه وكأنه فهم مني ذلك فاستدعى بعض خدمه من نوّابي وأنا غائب وأمره أن يهدم ذلك المسجد وأنيبني في مكانه قاعة وقدّر له صفاتها فهدم ذلك المسجد وعمر تلك القاعة مكانه وكملت وقدمت الفرنج إلى الديار المصريى وخرج الملك الصالح مع عساكره إليهم ولم يدخل تلك القاعة التي بنيت في المكان الذي كان مسجدًا فتوفي السلطان في المنصورة وجعل في مركز وأتى به إلى الجزيرة فجعل في تلك القاعة التي بنيت مكان المسجد مدّة إلى أن بنيت له التربة التي في جنب مدارسه بالقاهرة في جانب القصر عفا الله عنه وكان النيل عندما عزم الملك الصالح على عمارة قلعة الروضة من الجانب الغربيّ فيما بين الروضة وبرّ الجيزة وقد انطرد عن برّ مصر ولا يحيط بالروضة إلا في أيام الزيادة فلم يزل يغرق السفن في البرّ الغربيّ ويحفر فيما بين الروضة ومصر ما كان هناك من الرمال حتى عاد ماء النيل إلى برّ مصر واستمرّ هناك فأنشأ جسرًا عظيمًا ممتدًّا من برّ مصر إلى الروضة وجعل عرضه ثلاث قصبات وكان الأمراء إذا ركبوا من منازلهم يريدون الخدمة السلطانية بقلعة الروضة يترجلون عن خيولهم عند البرّ ويمشون في طول هذا الجسر إلى القلعة ولا يمكن أحد من العبور عليه راكبًا سوى السلطان فقط ولما كملت تحوّل إليها بأهله وحرمه واتخذها دار مُلك وأسكن فيها معه مماليكه البحرية وكانت عدّتهم نحو الألف مملوك‏.‏

 

 

قال العلامة عليّ بن سعيد في كتاب المغرب‏:‏ وقد ذكر الروضة هي أمام الفسطاط فيما بينها وبين مناظر الجيزة وبها مقياس النيل وكانت منتزهًا لأهل مصل فاختارها الصالح بن الكامل سرير السلطنة وبنى بها قلعة مسوّرة بسور ساطع اللون محكم البناء عالي السمك لم ترعيني أح منه وفي هذه الجزيرة كان الهودج الذي بناه الآمر خليفة مصر لزوجته البدوية التي هام في حبها والمختار بستان الإخشيد‏.‏

 

 

وقصره وله ذكر في شعر تميم بن المعز وغيره ولشعراء مصر في هذه الجزيرة أشعار منها قول أبي الفتح بن قادوس الدمياطيّ‏:‏ كانَّ مجرّةَ الجوز أحاطتْ وأثبتَتِ المنازلُ في المنازلُ وكنت أشق في بعض الليالي بالفسطاط على ساحلها فزجهيني ضحك البدر في وجه النيل أمام سورذه الجزيرة الدريّ اللون ولم أنفصل عن مصر حتى كمل سور هذه القلعة وفي داخله من الدور السلطانية ما ارتفعت إليه همة بانيها وهو من أعظم السلاطين همة في البناء وأبصرت في هذه الجزيرة إيوانًا لجلوسه لم ترعيني مثاله ولا أقدّر ما أنفق عليه وفيه من صفائح الذهب والرخام الأبنوسيّ والكافوريّ والمجزع ما يذهل الأفكار ويستوقف الأبصار ويفضل عما أحاط به السور أرض طويلة وفي بعضها حاظر حظر به على أصناف الوحوش التي يتفرّج عليها السلطان وبعدها مروج ينقطع فيها مياه النيل فينظر بها أحسن منظر وقد تفرّجت كثيرًا في طرف هذه الجزيرة مما يلي برّ القاهرة فقطعت فهي عشيات مذهبات لم تزل لأحزان الغربة مذهبات وإذا زاد النيل فصل ما بينها وبين الفسطاط بالكلية وفي أيام احتراق النيل يتصل برّها ببرّ الفسطاط من جهة خليج القاهرة ويبقى موضع الجسر فيه مراكب وركبت مرّة هذه النيل أيام الزيادة مع الصاحب المحسن محيي الدين بن ندا وزير الجزيرة وصعدنا إلى جهة الصعيد ثم انحدرنا واستقبلنا هذه الجزيرة وأبراجها تتلالأ والنيل قد انقسم عنها فقلت‏:‏ تأمّل لحسن الصالحيةِ إذْ بدتْ وأبراجها مثلُ النجومِ تلالا ووافى إليها النيلُ من بعد غايةٍ كما زارَ مشغوفٌ يرومُ وصالا انقها من فرطِ شوقٍ لحسنها فمدّ يمينًا نحوها وشمالا جرى قادمًا بالسعدِ فاختط حولها من السعدِ أعلامًا فزاد دلالا ولم تزل هذه القلعة عامرة حتى زالت دولت بني أيوب فلما ملك السلطان الملك المعز عز الدين أيبك التركماني أوّل ملوك الترك بمصر أمر بهدمها وعمر منها مدرسته المعروفة بالمعزية في رحبة الحناء بمدينة مصر ومع في القلعة من له جاه فأخذ جماعة منها عدّة سقوف وشبابيك كثيرة وغير ذلك وبيع من أخشابها ورخامها أشياء جليلة فلما صارت مملكة مصر إلى السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري اهتم بعمارة قلعة الروضة ورسم للأمير جمال الدين موسى بن يغمور أن يتولى إعادتها كما كانت فأصلح بعض ما تهدّم فيها ورتب فيها الجاندارية وأعادها إلى ما كانت عليه من الحرمة وأمر بأبراجها ففرّقت على الأمراء وأعطى برج الزاوية للأمير سيف الدين قلاون الألفيّ والبرج يليه للأمير ز الدين الحليّ والبرج الثالث من بروج الزاوية للأمير عز الدين أرغان وأعطى برج الزاوية الغربيّ للأمير بدر الدين الشمسي وفرّقت بقية الأبراج على سائر الأمراء ورسم أ تكن بيتوتات جميع الأمراء واصطبلاتهم فيها وسلم المفاتيح لهم‏.‏

 

 

فلما تسلطن الملك المنصور قلاون الألفي وشرع في بناء المارستان والقبلة والمدرسة المنصورية نقل من قلعة الروضة هذه ما يحتاج إليه من عمد الصوّان وعمد الرخام التي كانت قبل عمارة القلعة في البرابي وأخذ منها رخامًا كثيرًا وأعتابًا جليلة مما كان فيه البرابي وغير ذلك ثم أخذ منها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون ما احتاج إليه من عمد الصوّان في بناء الإيوان المعروف بدار العدل من قلعة الجبل والجامع الجديد الناصري ظاهر مدينة مصر وأخذ غاير ذلك حتى ذهبت كأن لم تكن وتأخر منها عقد جليل تسميه العامّة القوس كان مما يلي جانبها الغربيّ أدركناه باقيًا إلى نحو سنة عشرين وثمانمائة وبقي من أبراجها عدّة قد انقلب أكثرها وبنى الناس فوقها دورهم المطلة على النيل‏.‏

 

 

قال ابن المتوّج‏:‏ ثم اشترى الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب جزيرة مصر المعروفة اليوم بالروضة في شعبان سنة ست وستين وخمسمائة وإنما سميت بالروضة لأنه لم يكن بالديار المصرية مثلها وبحر النيل حائز لها ودائر عليها وكانت حصينة وفيها من البساتين وعمائر والثمار ما لم يكن في غيرها ولما فتح عمرو بن العاص مصر تحصن الروب بها مدّة فلما طال حصارها وهرب الروم منها خرّب عمرو بن العاص بعض أبراجها وأسوارها وكانت مستديرة عليها واستمرّت إلى أن عمر حصنها أحمد بن طولون في سنة ثلاث وستين ومائتين ولم يزل هذا الحصن حتى خرّبه النيل ثم اشتراها الملك المظفر تقيّ الدين عمر المذكور وبقيت على ملكه إلى أن سيّر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ولده الملك العزيز عثمان إلى مصر ومعه عمه الملك العادل وكتب إلى الملك المظفر بأن يسلم لهما البلاد ويقدم عليه إلى الشأم فلما ورد عليه الكتاب ووصل ابن عمه الملك العزيز وعمه الملك العادل شق عليه خروجه من الديار المصرية وتحقق أنه لا عود له إليها أبدًا فوقف هذه المدرسة التي تعرف اليوم في مصر بالمدرسة التقوية التي كانت تعرف بمنازل العزو وقف عليها الجزيرة بكاملها وسافر إلى عمه فملْكه حماه ولم يزل الحال كذلك إلى أن ولى الملك الصالح نجم الدين أيوب فاستأجر الجزيرة من القاضي فخر الدين أبي محمد عبد العزيز بن قاضي القضاة عماد الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد العليّ بن عبد القادر السكريّ مدرّس المدرسة المذكورة لمدّة ستين سنة في دفعتين كل دفعة قطعة فالقطعة الأولى من جامع غين إلى المناظر طولًا وعرضً من البحر إلى البحر واستأجر القطعة الثانية وهي باقي أرض الجزيرة بما فيها من النخل والجميز والغروس فإنه لما عمر الملك الصالح مناظر قلعة الجزيرة قطعت النخيل ودخلت في العمائر وأمّا الجميز فإنه كان بشاطىء بحر النيل صف جميز يزيد على أربعين شجرة وكان أهل مصر فرجهم تحتها في زمن النيل والربيع قُطعت جميعها في الدولة الظاهرية وعمر بها شواني عوض الشواني التي كان قد سيرها إلى جزيرة قبرس ثم سلم المدرّس التقوية القطعة المستأجرة من الجزيرة أوّلًا في سنة ثمان وتسعين وستمائة وبقي بيد السلطان القطعة الثانية وقد خربت قلعة الروضة ولم يبق منها سوى أبراج قد بنى الناس عليها وبقي أيضًا عقد باب من جهة الغرب يقال له باب الإصطبل وعادت الروضة بعد هم القلعة منها منتزهًا يشتمل على دور كثيرة وبساتين عدّة وجوامع تقام بها الجماعات والأعياد ومساجد وقد خُرب أكثر مساكن الروضة وبقي فيها إلى اليوم بقايا‏.‏

 

 

وبطرف الروضة المقياس الذي يقاس فيه ماء النيل اليوم ويقال له المقياس الهاشميّ وهو آخر مقياس بني بديار مصر‏.‏

 

 

قال أبو عمر الكنديّ‏:‏ وورد كتاب المتوكل على الله بابتناء المقياس الهاشميّ للنيل وبعزل النصارى عن قياسه فجعل يزيد بن عبد الله بن دينار أمير مصر أبا الردّاد المعلم وأجرى عليه سليمان بن وهب صاحب الخراج في كل شهر سبعة دنانير وذلك في سنة سبع وأربعين ومائتين لامة وفاء النيل ستة عشر ذراعًا أن يسبل أبو الردّاد قاضي البحر الستر الأسود الخليفيّ على شباك المقياس فإذا شاهد الناس هذا الستر قد اسبل تباشروا بالوفاء واجتمعوا على العادة للفرجة من كل صوب وما أحسن قول شهاب الدين بن العطار في تهتك الناس يوم تخليق المقياس‏ ستر الإله علينا لا يزالُ فما أحلى تهتكنا والسترُ مسبولُ جزيرة الصابوني‏:‏ هذه الجزيرة تجاه رباط الآثار والرباط من جملتها وقفها أبو الملوك نجم الدين أيوب بن شادي وقطعة من بركة الحبش فجعل نصف ذلك على الشيخ الصابوني وأولاده والنصف الآخر على صوفية بمكان بجو قبة الإمام الشافعيّ رضي الله تعالى عنه يعرف اليوم بالصابوني‏.‏

 

 

جزيرة الفيل‏:‏ هذه الجزيرة هي الآن بلد كبير خارج باب البجر من القاهرة وتتصل بمنية الشريج من بحريها ويمرّ النيل من غربيها وبها جامع تقام به الجمعة وسوق كبير وعدّة بساتين جليلة وموضعها كله مما كان غامرًا بالماء في الدولة الفاطمية‏

 

 

فلما كان بعد ذلك انكسر مركب كبير كان يُعرف بالفيل وترك في مكانه فربا عليه الرمل وانطرد عنه الماء فصارت جزيرة فيما بين المنية وأرض الطبالة سماها الناس جزيرة الفيل وصار الماء يمرّ من جوانبها فغربيها تجاه برّ مصر الغربيّ وشرقيها تجاه البعل والماء في بينها وبين البعل الذي هو الآن قبالة قناطر الأوز فإنْ الماء كان يمرّ بالمقس من تحت زريبة جامع المقس الموجود الان على الخليج الناصريّ ومن جامع المقس على أرض الطبالة إلى غربي المصلى حتى ينتهي من تجاه التاج إلى المنية وصارت هذه الجزيرة في وسط النيل وما برحت تتسع إلى أن زرعت في أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب فوقفها على المدرسة التي أنشأها بالقرافة بجوار قبر الشافعيّ رضي الله عنه وكثرت أطيانها بانحسار النيل عنها في كل سنة‏.‏

 

 

فلما كان في أيام