Site hosted by Angelfire.com: Build your free website today!

 

 

 

 

 

البصائر في الفقه الاسلامي المعاصر

    بسم الله الرحمن الرحيم

 الرئسية

 الفقه الإسلامي

  الصلاة

  الزكاة

  الصوم

  المعاملات

   العلم و التقوى

 الإسلام و الإنسان

    محطات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من شمائل الرسول الكريم عليه افضل الصلاة وأزكى السلام:

أكله و شربه و ضحكه و مزاحه صلى الله عليه و سلم.

الحمد لله رب العالمين. الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك و لم يكن له ولي من الذل و كبره تكبيرا. الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب و لم يجعل له عوجا. الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين. الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير. الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير.

و الصلاة و السلام الأتمان الأكملان على سيد الخلق كلهم سيدنا وحبيبنا و مولانا محمد. اللهم صل و سلم أفضل صلواتك و أزكى سلامك على من اخترته بين الخلائق حبيبا و جعلته للقلوب و الجوارح طبيبا.

و بعد ، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم اعدنا من النار   و ادخلنا الجنة مع الأبرار.

أيها الأحبة، إن خير مثال يتبعه الإنسان إذا أراد أن يسلك سبيل الهدى و طريق الصراط المستقيم هو طريق الحبيب المعظم والمكرم، المثل الأعلى والقدوة الأسمى، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فاتباعه أكبر محبة لله. فقد قال تعالى:" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم و الله غفور رحيم"(آل عمران،31) و قال تعالى:" الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون" ( الأعراف،157).

فقد أثنى الله عليه في كتابه العظيم غير ما مرة، فقال في حقه صلى الله عليه وسلم:" وإنك لعلى خلق عظيم" (سورة القلم،4). وقال عنه:" وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم" ( النمل،6). و قال ايضا:" إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم" ( البقرة،119). و قال عنه كذلك:" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء،107). وقال عنه في موضع آخر:" لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا" ( الأحزاب،21).

اللهم اجعل حبيبك لنا أسوة في كل أمورنا صغيرها و كبيرها و أولها و آخرها سرها و جهرها.

و يروي أحمد في مسنده "عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ سَأَلَتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ أَخْبِرِينِى عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ."

إذن أيها الأحبة، هذا النبي الذي تكرم بكل هذه المكرمات، والذي كان خلقه القرآن هو أحق أن يتبع كي يكون المرء في أحسن صورة يلقى بها الله سبحانه و تعالى و ليكون مع من قال الله فيهم:" الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون"( الأعراف،157).

         و يجب أن نأكد أن ايمان المرئ لا يكون الا بحبه صلى الله عليه و سلم فقد روى البخاري عن ابي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ » . و روى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » .  و روى مسلم عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ - وَفِى حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ الرَّجُلُ - حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ».

اللهم إنا نحب رسولك فاشهد علينا بذلك.

و لكي يكون الإتباع صحيحا ، وجب معرفة كل ما أحاط بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم منذ ولادته الى وفاته صلى الله عليه وسلم والتحاقه بالرفيق الأعلى. رغم أن إحاطة شاملة بكل حياته صلى الله عليه وسلم ليست بالأمر السهل ولا الهين. لكن هذه المعرفة هي بداية الطريق الى محبته صلى الله عليه وسلم: محبته التي تفتح لنا أبواب النعيم الذي وعدنا الله به،مصداقا لقوله جل وعلى: "جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا"(مريم،61). و هذه المعرفة هي التي ستعيننا على امتثال قول الله تعالى:" وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب"( الحشر،7).

و بمَنِّ الله وعونه نريد أن نقف عند بعض شمائل خير البرية صلى الله عليه وسلم حتى ندعو أنفسنا جميعا للاقتداء بها في حياتنا تقربا الى الله بما يحب. وسنتحدث بحول الله و قوته عن بعض مناقبه صلى الله عليه وسلم في حياته العادية. واستفادتنا في هذا المقام ستكون أولا وقبل كل شيء كثرة صلاتنا على حبيب الله صلى الله عليه وسلم امتثالا لقول رب العزة :"إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" (الأحزاب،56). و طمعا في الفضل الذي تعطيه الصلاة عليه كما ورد في صحيح مسلم "عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَنْ صَلَّى عَلَىَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ». و كما روى  النسائي عن  عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ وَصَلُّوا عَلَىَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِىَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِى الْجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِى إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِىَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ ».

  و حتى لا نكون من البخلاء فقد ورد في مسند أحمد "عن عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ ثُمَّ لَمْ يُصِلِّ عَلَىَّ ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ « فَلَمْ يُصَلِّ عَلَىَّ ».  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسليما كَثِيراً.

و سنخصص حديثنا هنا عن أكل النبي صلى الله عليه و سلم، وعن شربه،و عن ضحكه ومزاحه صلى الله عليه وسلم حتى نتعلم منه كيف نأكل وكيف نشرب وكيف نضحك وكيف نمزح كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل. وغايتنا في ذلك التقرب الى الله سبحانه وتعالى باتباع سنة حبيبه صلى الله عليه و سلم و التي هي توجيه من عند الله لرسوله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، تصديقا لقول الله تبارك وتعالى:"  وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى .مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى .وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى .إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" ( النجم،1-4).

 

النبي في مأكله

1- كان النبي صلى الله عليه وسلم  يسمي الله في كل شيء. و كان صلى الله عليه وسلم يحث المسلمين على التسمية على الطعام قبل بدأ الأكل ونراه صلى الله عليه و سلم يؤدب َ عُمَرَ بْنَ أَبِى سَلَمَةَ الذي يَقُولُ:" كُنْتُ غُلاَمًا فِى حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَتْ يَدِى تَطِيشُ فِى الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ » . فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِى بَعْدُ ". رواه البخاري و مسلم.

و اذا نسي المسلم ذكر الله في أول الطعام فقد سن له رسول الله صلى الله عليه وسلم استدراك ذلك، فقد جاء في سنن أبي داود "عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ نَسِىَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِى أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ».

و الفوائد من التسمية متعددة: فهي تطرد الشيطان، فقد روى مسلم و أحمد و ابن ماجه وأبو داود و البيهقي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ لاَ مَبِيتَ لَكُمْ وَلاَ عَشَاءَ. وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ. وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ ». و روى مسلم و أحمد عَنْ أَبِى حُذَيْفَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَيَضَعَ يَدَهُ وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَامًا فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُدْفَعُ فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِى الطَّعَامِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِيَدِهَا ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لاَ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا فَجَاءَ بِهَذَا الأَعْرَابِىِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ يَدَهُ فِى يَدِى مَعَ يَدِهما ». و جاء في مسند احمد عن "أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِىٍّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- جَالِسًا وَرَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلاَّ لُقْمَةٌ فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ فَضَحِكَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ قَالَ « مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ اسْتَقَاءَ مَا فِى بَطْنِهِ ».

والتسمية أول الأكل تطرح فيه البركة. فقد روى أحمد و ابن ماجه و الدارمي  عَنْ عَائِشَةَ" َ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَأْكُلُ طَعَاماً فِى سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ أَعْرَابِىٌّ فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « أَمَا إِنَّهُ لَوْ كَانَ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ لَكَفَاكُمْ فَإِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَاماً فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ نَسِىَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِى أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ ».

والتسمية من الذكر. فقد وردت في القرآن تسع مرات مرتبطة بالعبادة ( مرة في سورة المائدة، وأربع مرات في كل من سورة الأنعام وسورة الحج) و منها قوله تعالى :" ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير"( الحج، 28).

        2- وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أيضا على الأكل باليد اليمنى كما جاء في الحديث. ويؤكد على ذلك فيما رواه مسلم "عن إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِشِمَالِهِ فَقَالَ « كُلْ بِيَمِينِكَ ». قَالَ لاَ أَسْتَطِيعُ قَالَ « لاَ اسْتَطَعْتَ ». مَا مَنَعَهُ إِلاَّ الْكِبْرُ. قَالَ فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ." و جاء في موطأ مالك عن "عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ ».

3- و من آداب الطعام عنده صلى الله عليه و سلم الأكل مما يلي الآكل، أي أمامه كما يشير الى ذلك حديث عمر بن ابي سلمة. الذي حدث حديثا آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه عنه البخاري فقال:" أَكَلْتُ يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - طَعَامًا فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِى الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « كُلْ مِمَّا يَلِيكَ ».

 والفوائد في ذلك كثيرة أيضا، و منها حصول البركة: فقد روى الترمذي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ فَكُلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ وَلاَ تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ ».

و روى أبو داود في سننه عن "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ قَالَ كَانَ لِلنَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَصْعَةٌ يُقَالُ لَهَا الْغَرَّاءُ يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ فَلَمَّا أَضْحَوْا وَسَجَدُوا الضُّحَى أُتِىَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ - يَعْنِى وَقَدْ ثُرِدَ فِيهَا - فَالْتَفُّوا عَلَيْهَا فَلَمَّا كَثُرُوا جَثَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ أَعْرَابِىٌّ مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِى عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا عَنِيدًا ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِيهَا ».

و روى أحمد في مسنده عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ الْمَازِنِىُّ قَالَ بَعَثَنِى أَبِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَدْعُوهُ إِلَى الطَّعَامِ فَجَاءَ مَعِى فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنَ الْمَنْزِلِ أَسْرَعْتُ فَأَعْلَمْتُ أَبَوَىَّ فَخَرَجَا فَتَلَقَّيَا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَرَحَّبَا بِهِ وَوَضَعْنَا لَهُ قَطِيفَةً كَانَتْ عِنْدَ زَبِيرَتِهِ فَقَعَدَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ أَبِى لأُمِّى هَاتِ طَعَامَكِ. فَجَاءَتْ بِقَصْعَةٍ فِيهَا دَقِيقٌ قَدْ عَصَدَتْهُ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ فَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ « خُذُوا بِسْمِ اللَّهِ مِنْ حَوَالَيْهَا وَذَرُوا ذُرْوَتَهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ فِيهَا ». فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَكَلْنَا مَعَهُ وَفَضَلَ مِنْهَا فَضْلَةٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِمْ وَوَسِّعْ عَلَيْهِمْ فِى أَرْزَاقِهِمْ ».

و منها تعلم قَََبول النصيب و عدم الرؤية الى ما فضل الله بعضا عن بعضا.

و منها احترام الآكلين لمن معهم فهناك من الناس من لا يغرب في أن يمس غيره طعامه .

و منها ترك الفرصة للآخرين لأخذ نصيبهم من الطعام فلا يتعدى أحدهم على حق أحد و لا يغضب أحد من أحد.

        4-  وقد ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه لم يعب طعاما قط. "فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- طَعَامًا قَطُّ كَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ." رواه مسلم، ورواه أحمد و البيهقي و الترمذي و أبو داود و ابن ماجه بالفاظ أخرى.

و فائدته مزدوجة: ففيها عدم تحقير لمن طهى أو طهت الطعام فلا يدرى كيف كان الحال عند اعداد الطعام. و فيها عدم احتقار الإمكانيات المادية لمن هيأ أو دعى للطعام فيدفع اما الى التكلف اذا أراد دعوة أحد، أو يحبس نفسه عن دعوة أحد.

        5- و كان صلى الله عليه و سلم لا يأكل متئكا. فقد روى البخاري ٌ عَنْ عَلِىِّ بْنِ الأَقْمَرِ قال " سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ آكُلُ مُتَّكِئًا ».  وجاء في سنن أبي داود "عَنْ شُعَيْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَا رُئِىَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَأْكُلُ مُتَّكِئًا قَطُّ وَلاَ يَطَأُ عَقِبَهُ رَجُلاَنِ." و في صحيح مسلم عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا." و المقعي هو الذي يجلس على إليتيه.

        و قد أبرز الطب الحديث أهمية الأكل في و ضعية مستقيمة وفائدته على المعدة بالخصوص.

        6- و كان صلى الله عليه و سلم يأكل بثلاثة أصابع. فقد روى الدارمي في سننه عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- يَأْكُلُ بِثَلاَثِ أَصَابِعَ ، وَلاَ يَمْسَحُ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا." و كان صلى الله عليه يلعق يده و يدعو أصحابه لفعل ذلك فقد روى مسلم "عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ وَقَالَ « إِنَّكُمْ لاَ تَدْرُونَ فِى أَيِّهِ الْبَرَكَةُ ». وفي رواية أحمد: « لاَ يَدْرِى أَحَدُكُمْ فِى أَىِّ ذَلِكَ الْبَرَكَةَ ».

        فالأكل بثلاثة أصابع تظهر انسانية الإنسان و تروِّيه في الأكل و عدم شراهته. و يسهل على الآكل لعقها طلبا للبركة و عكس ما يقول لبعض بانها مدعاة للأشمئزاز.  

        7- و حث النبي صلى الله عليه و سلم على رفع اللقمة إذا سقطت و مسحها وأكلها. ففي صحيح مسلم "عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى وَلْيَأْكُلْهَا وَلاَ يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ وَلاَ يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِى فِى أَىِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ ». و روى أيضا عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَىْءٍ مِنْ شَأْنِهِ حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى ثُمَّ لْيَأْكُلْهَا وَلاَ يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِى فِى أَىِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ ».

        وهذا ينافي ما يرد في أقوال العامة بعدم أكل ما سقط على الأرض بحجة أن الشيطان يأكله.

 8        - و قد حبب الرسول صلى الله عليه و سلم في الأكل جماعة في طبق واحد وبين ما في ذلك من بركة. فقد روى البخارى و مسلم عن "مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « طَعَامُ الاِثْنَيْنِ كَافِى الثَّلاَثَةِ ، وَطَعَامُ الثَّلاَثَةِ كَافِى الأَرْبَعَةِ ». و روى مسلم و الترمذي عن أَبي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِى الاِثْنَيْنِ وَطَعَامُ الاِثْنَيْنِ يَكْفِى الأَرْبَعَةَ وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِى الثَّمَانِيَةَ ». و روى ابوداود وابن ماجه في سننيهما عن "وَحْشِىُّ بْنُ حَرْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَأْكُلُ وَلاَ نَشْبَعُ. قَالَ « فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ ». قَالُوا نَعَمْ. قَالَ « فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ إِذَا كُنْتَ فِى وَلِيمَةٍ فَوُضِعَ الْعَشَاءُ فَلاَ تَأْكُلْ حَتَّى يَأْذَنَ لَكَ صَاحِبُ الدَّارِ.

        و الأكل جماعة زيادة على أنه يحضر البركة، فإنه يقوي الروابط بين الناس أهلا كانوا أو جيرانا أو أصحابا. حيث ينتبه بعضهم لبعض و يدعو بعضهم بعضا و يذكِّر بعضهم بعضا.

        9- و كان صلى الله عليه و سلم ينهي طعامه بالحمد. فقد روى ابن ماجه عَنْ أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِىِّ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا رُفِعَ طَعَامُهُ أَوْ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ « الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا غَيْرَ مَكْفِىٍّ وَلاَ مُوَدَّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا ». و روى أبو داود في سننه "عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَنْ أَكَلَ طَعَامًا ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَطْعَمَنِى هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّى وَلاَ قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى كَسَانِى هَذَا الثَّوْبَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّى وَلاَ قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ».

فالحمد يزيد في النعمة كما قال تعالى:" وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد" (ابراهيم،7). و الحمد من اعظم العبادات لأن فيها اعترافا من العبد بنعمة الله عليه

 

النبي في مشربه

1- أوصى النبي صلى الله عليه و سلم بالتسمية على الشرب أيضا، كما هو الحال في كل أحواله و نهى عن الشرب دفعة واحدة. فقد روى الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلاَثَ وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ ». و روى مسلم "عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَتَنَفَّسُ فِى الشَّرَابِ ثَلاَثًا وَيَقُولُ « إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ ». قَالَ أَنَسٌ فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِى الشَّرَابِ ثَلاَثًا."

و ثابت الآن أن الشرب المتقطع يروي الظمأ و يجعل الجسم يأخذ من الماء حاجته فقط. و التجربة بادية عند الرياضيين حيث أن قنيناتهم مزودة بغلاقات لا تسمح بشرب الماء أو غيره الا بجرعات.

        2- وكان صلى الله عليه و سلم قد نهى عن النفخ في الإناء. روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسْ فِى الإِنَاءِ ، وَإِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَمْسَحْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ ، وَإِذَا تَمَسَّحَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ ». و روى ابو داود "عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يُتَنَفَّسَ فِى الإِنَاءِ أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ."

        و كثيرا ما نرى الناس ينفخون على المشروبات الساخنة من أجل الإسراع في تناولها. و قد يتأذى البعض من ذلك. و يمكن أن يكون النفخ في الإناء سبب لنقل بعض الأمراض المعدية كداء السل أعاذنا الله منه.

        3- و كان صلى الله عليه و سلم يحب أن يشرب جالسا أكثر من شربه واقفا. روى مسلم "عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا. قَالَ قَتَادَةُ فَقُلْنَا فَالأَكْلُ فَقَالَ ذَاكَ أَشَرُّ أَوْ أَخْبَثُ." ويمكن الشرب واقفا كما روى الترمذي "عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا." و روى البخاري عن عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ قَعَدَ فِى حَوَائِجِ النَّاسِ فِى رَحَبَةِ الْكُوفَةِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ ، ثُمَّ أُتِىَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ ، ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهْوَ قَائِمٌ ثُمَّ قَالَ إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا وَإِنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ." إلاأن الجلوس للشرب أحسن.

        4- و نهى صلى الله عليه و سلم عن الشرب من فم الإناء أو القربة . روى البخاري و مسلم "عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ . يَعْنِى أَنْ تُكْسَرَ أَفْوَاهُهَا فَيُشْرَبَ مِنْهَا." و الإختناث هو ثني فم السقاء الى الخارج و الشرب منه مما ينتنه. و روى البخاري عن" أَيُّوبُ قَالَ لَنَا عِكْرِمَةُ أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَشْيَاءَ قِصَارٍ حَدَّثَنَا بِهَا أَبُو هُرَيْرَةَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ أَوِ السِّقَاءِ ، وَأَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِى دَارِهِ."

        و الفائدة من ذلك اتقاء عودة الريق في الماء مما يضايق الآخرين أو يمكنه أن يكون سببا في نقل الأمراض.

        5- و من آداب الشرب التي دعى الرسول صلى الله عليه و سلم أن يكون ساقي القوم آخرهم شربا. فقد روى الترمذي و الدارمي "عَنْ أَبِى قَتَادَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « سَاقِى الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا ». و رواه ابو داود "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى أَوْفَى أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « سَاقِىَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا ».

و في ذلك تعليم للإيثار والصبر على خدمة الآخرين مما يزيد في روابط المحبة و الإخاء.

النبي في ضحكه

1- النبي الإنسان، ما أعظمه صلى الله عليه و سلم. كان عليه أفضل الصلوات و أزكى السلام إذا رأى شيئا جميلا أو فعلا طيبا استحسنه تشجيعا لأصحابه وكان صلى الله عليه و سلم يفرح لكل خير يصيب أمته بمَنِّ الله عليها من فضله. ففي سنن ابي داود "عَنْ عَلِىِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ شَهِدْتُ عَلِيًّا - رضى الله عنه - وَأُتِىَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِى الرِّكَابِ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ قَالَ (سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَكَ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِى فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ. ثُمَّ ضَحِكَ فَقِيلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَىِّ شَىْءٍ ضَحِكْتَ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَىِّ شَىْءٍ ضَحِكْتَ قَالَ « إِنَّ رَبَّكَ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ اغْفِرْ لِى ذُنُوبِى يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِى ».

و في صحيح البخاري - عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « إِنِّى لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا ، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ كَبْوًا ، فَيَقُولُ اللَّهُ اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ . فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى ، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى ، فَيَقُولُ اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ . فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى . فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى ، فَيَقُولُ اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا . أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشَرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا . فَيَقُولُ تَسْخَرُ مِنِّى ، أَوْ تَضْحَكُ مِنِّى وَأَنْتَ الْمَلِكُ » . فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، وَكَانَ يُقَالُ ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً." و في نفس السياق روى أحمد في مسنده "عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثاً وَذِرَاعَيْهِ ثَلاَثاً ثَلاَثاً وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَطَهَّرَ قَدَمَيْهِ ثُمَّ ضَحِكَ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ أَلاَ تَسْأَلُونِى عَمَّا أَضْحَكَنِى فَقَالُوا مِمَّ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- دَعَا بِمَاءٍ قَرِيباً مِنْ هَذِهِ الْبُقْعَةِ فَتَوَضَّأَ كَمَا تَوَضَّأْتُ ثُمَّ ضَحِكَ فَقَالَ « أَلاَ تَسْأَلُونِى مَا أَضْحَكَنِى » فَقَالُوا مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ « إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا دَعَا بِوَضُوءٍ فَغَسَلَ وَجْهَهُ حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ خَطِيئَةٍ أَصَابَهَا بِوَجْهِهِ فَإِذَا غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ كَانَ كَذَلِكَ وَإِنْ مَسَحَ بِرَأْسِهِ كَانَ كَذَلِكَ وَإِذَا طَهَّرَ قَدَمَيْهِ كَانَ كَذَلِكَ. " فضحكه صلى الله عليه وسلم إذن هو تعبير منه عن فرحه لما يصيب أمته من الخير.

2- وكان صلى الله عليه و سلم ينبسط من بعض أصحابه و لا غرو في ذلك وهو القائل -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الترمذي عَنْ أَبِى ذَرٍّ :« تَبَسُّمُكَ فِى وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِى أَرْضِ الضَّلاَلِ لَكَ صَدَقَةٌ وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِىءِ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِى دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ ». فقد روى الشيخان " عَنْ بَيَانٍ قَالَ سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِى حَازِمٍ يَقُولُ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَا حَجَبَنِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلاَ رَآنِى إِلاَّ ضَحِكَ."

        3- و كان ضحك الرسول صلى الله عليه و سلم ضحكا مِؤدبا و لم يكن قط بقهقهة. فلقد روى البخاري "عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ مَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ ." و جاء في سنن الترمذي " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ مَا كَانَ ضَحِكُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلاَّ تَبَسُّمًا."

النبي في مزاحه

كان صلى الله عليه و سلم  منفتحا على أصحابه و أهله و كل محيطه. و كانت علاقته مطبوعة بالمودة و المحبة مع الصغير و الكبير و مع القوي و الضعيف. و كان في غير ما مرة يمازح أصحابه ليعلمهم أن البشاشة و المرح لا يتعارضان مع العبادة والطاعة. كيف لا و قد قال له ربه:" فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين"( آل عمران،159).

        و قد جاءت كتب الحديث مرصعة بمجموعة من حركاته صلى الله عليه و سلم و هو يمازح- دون تجاوز الحدود- أهله و أصحابه.

1- فمع أهله ، فقد روي أنه كان يسابق عائشة رضي الله عنها فمرة سبقته و مرة سبقها. و روى أبو داود "عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَسَمِعَ صَوْتَ عَائِشَةَ عَالِيًا فَلَمَّا دَخَلَ تَنَاوَلَهَا لِيَلْطِمَهَا وَقَالَ لاَ أَرَاكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَجَعَلَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- يَحْجُزُهُ وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُغْضَبًا فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ « كَيْفَ رَأَيْتِنِى أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرَّجُلِ ». قَالَ فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَوَجَدَهُمَا قَدِ اصْطَلَحَا فَقَالَ لَهُمَا أَدْخِلاَنِى فِى سِلْمِكُمَا كَمَا أَدْخَلْتُمَانِى فِى حَرْبِكُمَا. فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « قَدْ فَعَلْنَا قَدْ فَعَلْنَا ».

2- و مع الأطفال  فقد روى ابن ماجه "عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِى صَغِيرٍ « يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ». قَالَ وَكِيعٌ يَعْنِى طَيْرًا كَانَ يَلْعَبُ بِهِ.

        3- و مع المسنين فقد صحح محمد ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد السادس  حديثا عن الحسن ( البصري ) قال : أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله: ادع الله أن يدخلني الجنة . فقال : يا أم فلان ! إن الجنة لا تدخلها عجوز . قال : فولت تبكي . فقال : أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز ، ، إن الله تعالى يقول : { إنا أنشأناهن إنشاء . فجعلناهن ابكارا ، عربا أترابا } .

         4- و مع الناس العاديين، روى البيهقي "عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَجُلاً اسْتَحْمَلَ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ ». فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ نَاقَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلَ إِلاَّ النُّوقُ ».

5- و مع أصحابه فقد كان مزاحه صلى الله عليه و سلم تعبيرا لحبه لهم كما وقع مع رجل اسمه زاهر. فقد روى أحمد في مسنده "عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانَ اسْمُهُ زَاهِراً وَكَانَ يُهْدِى لِلنَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- الْهَدِيَّةَ مِنَ الْبَادِيَةِ فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ زَاهِراً بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ ». وَكَانَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- يُحِبُّهُ وَكَانَ رَجُلاً دَمِيماً فَأَتَاهُ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- يَوْماً وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَلاَ يُبْصِرُهُ فَقَالَ الرَّجُلُ أَرْسِلْنِى مَنْ هَذَا فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَجَعَلَ لاَ يَأْلُو مَا أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ عَرَفَهُ وَجَعَلَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « مَنْ يَشْتَرِى الْعَبْدَ ». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذاً وَاللَّهِ تَجِدَنِى كَاسِداً. فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ ». أَوْ قَالَ « لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ ».

6- و كان صلى الله عليه و سلم يقبل مزاح أصحابه معه كما وقع مع عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ، حيث يروي ابو داود في مسنده  عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىِّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ وَقَالَ « ادْخُلْ ». فَقُلْتُ أَكُلِّى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « كُلُّكَ ». فَدَخَلْتُ." فقد كانت القبة صغيرة والرجل ضخما.

        7- وكان صلى الله عليه و سلم إذا بدأ شخصا بالبسط قبل ردة فعله. فقد روى ابو داود "عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ - رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ - قَالَ بَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ وَكَانَ فِيهِ مِزَاحٌ بَيْنَا يُضْحِكُهُمْ فَطَعَنَهُ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- فِى خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ فَقَالَ أَصْبِرْنِى. فَقَالَ"اصْطَبِرْ".  قَالَ إِنَّ عَلَيْكَ قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَىَّ قَمِيصٌ. فَرَفَعَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ قَمِيصِهِ فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ قَالَ إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ." فنرى في هذا الحديث قبوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منه ما أخد من الآخرين، و نرى أيضا مدى حب أصحابه له و التبرك به و هو الجسد الطاهر الصافي صلى الله عليه و سلم. و قد كان أصحابه صلى الله عليه و سلم رضي الله عنهم يدركون أنه كان منفتحا معهم في اطار الحق الذي رباه ربه عليه. فيروي الترمذي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا. قَالَ « إِنِّى لاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقًّا ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. مَعْنَى قَوْلِهِ ِنَّكَ تُدَاعِبُنَا إِنَّمَا يَعْنُونَ إِنَّكَ تُمَازِحُنَا." و روى أحمد "عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ « إِنِّى لاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقًّا ». قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَإِنَّكَ تُدَاعِبُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ « إِنِّى لاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقًّا ».

        8- و مع مزاحه صلى الله عليه و سلم، إلا أنه حث على أن يكون هذا المزاح داخل الحدود الشرعية حتى لا يتحول إلى ما لا تحمد عقباه. و لذلك فقد نهى صلى الله عليه و سلم على أن يكون في المزاح إزعاج للناس. فقد روى ابو داود "عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ فَفَزِعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ».

و روى ابو داود أيضا "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « لاَ يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لاَعِبًا وَلاَ جَادًّا ». وَقَالَ سُلَيْمَانُ « لَعِبًا وَلاَ جِدًّا ». « وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا ». لَمْ يَقُلِ ابْنُ بَشَّارٍ ابْنِ يَزِيدَ وَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-."

9- و إن هذا المزاح الذي لا ينسلخ بالمرئ عن الجادة هو الذي يجعل الإنسان انسانا مع أهله و مع أصحابه و يعينه على العودة الى العبادة بجدية و ثبات. روى مسلم "عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِىِّ قَالَ - وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ - لَقِيَنِى أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْىَ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « وَمَا ذَاكَ ». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْىَ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِى وَفِى الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِى طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ». ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.

 

 

 

 

         bkhalifa5@caramail.com               kababama@khayma.com               kababama@yahoo.fr      :للإتصـــال       


 الرئسية  الفقه الإسلامي   الصلاة   الزكاة   الصوم   المعاملات    العلم و التقوى  الإسلام و الإنسان     محطات

Questions