د.صالح
سعد
2000
" لدينا
ممثلون .. ولكن
ليس لدينا فن
تمثيل .."
لسنج
من هو
الممثل ..؟
وهل هناك من
لا يعرفه
اليوم .؟ هذا
الإنسان
الكوني،
العلم المعرف
بألف لام الشهرة،
الذي تتغذى
على متابعة
أحواله
المزاجية،
ونزواته
وأخباره
اليومية،
صفحات مخصوصة
من الصحف
والمجلات
والبرامج الفضائية،
بل وصفحات
الويب - على
شبكات الإنترنت
- ؟ هل
يمكن أن يكون
إنسان كهذا
نكرة، أو
مجهولا؟
لكن هل يعرفه
أحد حقا؟ (
سواء إن كان
من نسأل عنه
واحدا من مئات
الممثلين
الموهوبين،
الذين
امتنعوا عن
التحليق في
فضاء
النجومية، أو
منعوا عنه، أو
كان على العكس
واحد من أولئك
الذين هم ملء
السمع والبصر،
ولا يجد واحدهم
الوقت الكافي
لكي يسأل مثل
هذه الأسئلة
التي لا معنى
لها بالنسبة
له..)، بل هل
يعرف هو نفسه
حقيقة ذاته الغائمة
بين كل هاتك
الذوات/الشخوص
التي أعتاد
ارتداء
أزيائها، والنطق
بلسانها، وبكاء
أحزانها، وضحك
ضحكاتها؟
- هل هو كما
يقال مجرد قرد
لعوب، مقلد، يستنسخ
بالصوت
والحركة صورة
ما في
الواقع.؟ أم
أنه إنسان
مبدع يقدم شيئا
من روحه، على
غير مثال
سابق، حتى وإن
تماثل خارجيا
مع شخوص
تاريخية، أو
واقعية تعيش
بيننا؟
- هل هو مجرد
شخص يتظاهر
بأنه شخصية
أخرى/كأي نصاب
محترف أمام
طرف ثالث لا
يملك إلا أن يصدق
هذا ؟ أم هو
بالفعل صاحب
رسالة، يعي
دوره كقدوة
ومثال يتبع
خطاه الكثيرون
من البسطاء
والسذج، كونه
سليل حرفة
مقدسة جعلت
منه وسيط بين عالمين:
عالم الشخصية
الدرامية، القادمة
من عالم الخيال،
وعالم المتفرج
الباحث عن بعض
الراحة
والمتعة هربا
من مشاكل
الحياة
اليومية
الضاغطة؟
- وهل هو – كما
يبدو للبعض –
ذلك العصابي
المريض، الذي
يخفي خلف
براعته في
تقمص الشخوص
المختلفة،
أعراضا
هيسترية كامنة
وجدت تصريفها
الآمن فوق
خشبة المسرح،
وأمام
الجمهور.؟ أم
هو – على العكس –
فنان واع يعزف
بمهارة نوتة
المشاعر
المركبة على
أوتار
أعصابنا
المشدودة،
دون أن يحس "
ولو بظل من
تلك
المشاعر".؟
- من
ناحية أخرى ألا
يجسد هذا
الممثل
العائش في
دائرة السحر ( الملونة
بالأضواء
ومساحيق
التجميل
والمظاهر
المزخرفة
للحياة وقد
أعيد صياغتها
جماليا ) صورة
الآخر التي
تدعونا نحن
الجالسون في
العتمة
والصمت،
لتصديقها،
ومن ثم للتماهي
معها، بل
وللاعتراف –
أحيانا – بأنها
صورتنا أيضا
في مرآة
الخيال؟ فمثل هذا
النوع المحبب
من التواطؤ،
الذي يجعل من
العرض
التمثيلي لعبة
سيكولوجية
مسلية، هو ما
يدفعنا إلى
قبول ما يقدمه
لنا الممثل،
حتى ولو كان
تشخيصا لبعض
الميول
السلبية،
وكأنه تجسيد
لبعض الميول الكامنة
تحت
أعتاب
وعينا، ومن ثم
ترانا نمتثل مطمئنين
لما يجرى لنا
من تطهير Catharsis من
مثل هذه
المشاعر
السلبية، مثل
الخوف
والشفقة، أو
الرغبة في
الانتقام، والتلذذ
برؤية مناظر
الدم
والقتل..الخ،
بل أننا لا
نلبث إلا أن
نصفق له حالما
ينتهي من
أدائه، وقد
امتلأنا
بشحنة
غامضة من
الفرح الُمطمِئن.!؟
- أليس من
الممكن أن
تمثل علاقتنا
به ـ والحال
هكذا ـ وجها
من وجوه
علاقتنا
الأصلية
بخافية شعورنا،
فيكون الممثل بمنزلة
الوسيط بين
الأنا
والذات؟
وبالتالي
يكون تعلقنا
به طبيعيا، وخاصة
بالنسبة لمن
هم دون النضوج
النفسي، الذين
يصبح تعلقهم
بالممثلين
والممثلات هوسا
أسطوريا، إذ
تتحول لعبة
الإيهام
التقليدية
إلى ما يشبه
الإغواء، ويصبح
الممثل هنا هو
المُغوي، أو
المنوم
المغناطيسي
بالمصطلح
المتداول؟
- وبالمثل ألا
يكون تعلقنا
بالممثل - من
جهة ما – إحدى
بقايا تعلقنا
الغريزي
الغامض بالنمط
archetype البطولي،
هذا التعلق
الذي يستمر
طالما بقيت الذات
بحاجة إلى
سند، أو
تقوية، لا
توفرها إلا
تلك الأرواح
الحامية daemons
، التي اخترع
البشر صورها
بدائل رمزية
عن القوى
الخفية
المسيطرة على
الكون؟
ولو رضينا
بالتوصيف
الأولي
للممثل
باعتباره الوسيط
بين طرفين:
النص
والجمهور، أو
كما يقول
بافي: " لاعب
الدور ، أو
مجسد الشخصية
( المشخص )،
مركز القلب في
الحدث
المسرحي .. ـ
فهو الرابط
الحي ما بين
مؤلف النص
والدلالات
الإخراجية
والجمهور
المتلقي ،
فهذه المهمة
الصعبة هي ما
وضعه ـ عبر
تاريخ المسرح
ـ مرة في هيئة
المعبود
والمشعوذ [
الساحر ] "
الممثل
العظيم "، ومرة
أخرى في وضع
المنبوذ
اجتماعيا ، مع
قليل من الخوف
الغريزي
تجاهه.."
فهل كان
ليكتفي هو بشغل
هذا الدور
الملتبس فيظل
مجرد وسيط يقف
في اللا مكان،
عتبة أو
جسرًا، يجتازه
العابرون من
وإلى
العالمين:
الخيالي
والواقعي، المرئي
واللامرئي، غير
منتبه للرمال
المتحركة
التي تغرق
فيها شيئا
فشيئا شخصيته
الذاتية، تلك
الرمال التي
يصنعها تيار
الوهم، الذي
تعيش فيه تلك
الشخصيات
الخيالية،
الزائلة،
الفاتنة
بالطبع،
والتي يتقمص
أدوارها.. فيصبح
بعدها " لا أحد
" - على حد
تعبير سارتر- "
أي ذلك الكائن
الذي لا يتوقف
عن التحليل، والذي
يمثل حياته
نفسها، لا
يتعرف على
ذاته، ولا
يعرف من هو.."[1]،
كما لو كان قد
تحول إلى مجرد
مرآة، أو " ظل
مسكين يتوهج
ساعة ثم ينطفئ "* ؟
وإذا كان من
الممكن القول
إن هذا الشخص المتوحد،
هذا ألـ " لا
أحد " هو
بالذات الشخص
المناسب لشغل
دور الوسيط ما
بين المرئي و
اللا مرئي ،
بين الواقع و
ما وراء
الواقع ( كما
يحدث غالبا في
حالات النوم
والغيبوبة، وكما
كان الحال في
الديانات
والممارسات
السحرية
القديمة، وفي
عمليات
التنويم
المغناطيسي،
والاتصال
بالقوى
الخفية،
وبأرواح الموتى..)
مثله في ذلك
مثل الأطفال
دون سن
البلوغ، أو مثل
كهنة الأديان
الشرقية
القديمة، أو أولئك
البهاليل،
أنصاف
المجانين
الهائمين بلا مستقر،
والمرفوع
عنهم سيف
الرقابة
والحساب
الاجتماعي،
الذين
يُستخدمون
كوسطاء من قبل
العرافين، وقارئ
الحظ، أو
المندل،
وغيرهم.. فإن
هناك من
يرى أن هذا
ألـ لا أحد
يكون غالبا
أفضل الممثلين
موهبة،
وكأنما هناك
قاعدة تقول
إنه كلما
انمحت شخصية
الممثل،
ازدادت قدرته
على مفارقتها
بسهولة إلى
الشخوص
الأخرى
المطلوب تجسيدها..؟
أو – حسب صياغة
ديدرو – " إن
الممثلين لا
يستطيعون
تمثيل كل
الشخصيات إلا
لأنهم بلا
شخصية "[2]..!
وهو
ما يمكن
صياغته بصورة
أكثر تهذيبا
كأن نقول: إنه
كلما اقترب
الممثل أكثر
فأكثر من الشخوص
التي يمثلها
كلما زاد
اغترابه عن
شخصيته ذاتها،
ومن ثم تصبح
الغلبة
للجانب
الموضوعي في
شخصية الممثل
على الجانب
الذاتي، ولعل
سريان مثل هذه
القاعدة هذا
هو الدافع
الذي قاد برخت
– مثلا –
إلى
المطالبة بأن
يكون ممثليه
على درجة
عالية من
الثقافة
والفهم، بحيث
تضعف قدرتهم
على الاندماج
أو التماهي
الساذج في
الشخوص التي
يقدمونها..
فعلى الممثل –
في المفهوم
البرختي - إذا
كان لا يريد
أن يكون مجرد
ببغاء أو قرد [
مقلد ] أن
يمتلك معارف
معاصرة، وأن
يفهم الوجود
الاجتماعي،
وشروطه
القانونية،
أي أن يكون هو
نفسه شخصية
كاملة
الاستدارة
والنضج..!
هكذا نتعرف
على الممثل
الإنسان الواقف
فوق العتبة
الفاصلة ما
بين أزواج متباينة
متناقضة ـ
ظاهريا ـ فمن
الازدواج
بينه والشخصية
التي يمثلها، إلى
ما بين
الشخصية
الممثلة
والأخرى المكتوبة،
وما بينهما (
الممثل
والشخصية) وذات
المتلقي غير
القادر على
الامتناع عن
الاندماج أو
التماهي معهما..
حتى نصل إلى
المفارقة ما
بين ذات
المتفرج المطمئن
إلى ما يحدث
أمامه كونه
لعبة، أو وهم،
وبين نوازعه
الباطنية،
التي قد
توقظها
الحالة
الدرامية من
مرقدها، أو
تغويها - وكأنها
"عفريت موت"[3]-
فتبدأ تلك
النوازع
المستثارة في
التململ، وقد
تصل إلى حد
الهياج، ولا
تجد لها مخرجا
إلا الممثل
موضوعا
للإسقاط (
أليس الممثل هو
من أيقظ
المارد، بل
لعله هو
المارد Amphisbaena * نفسه!؟)..!!
ولنرى – مثلا –
حالة أولئك
السذج،
والأطفال،
الذين يهرعون إلى
تفعيل ما
شاهدوه توا من
أفعال خطرة
قام بها
أبطالهم
المحبوبون
على الشاشة،
حتى ولو كان
هؤلاء
الأبطال مجرد
عرائس أو رسوم
كرتونية، أو
شخوص
جرافيكية،
مثل شخصية
فرافيرو (
الفار السوبر)
بل وشخصية
سوبرمان نفسها،
وقد يرتد
السحر على
الساحر
أحيانا، فيما
نسمع عنه
كثيرا من
حالات التعلق
الهوسي من قبل
بعض الشباب
(من ذوي
النفوس الهشة)
بممثل أو
بممثلة ما،
فيبدءون في
مطاردتهم،
وتنغيص حياتهم،
وقد يصل الأمر
إلى حد التحرش
المؤذي.!
إلا أننا قد
نجد أنفسنا –
هكذا - نبتعد تدريجيا
عن الحدود
التقنية/الحرفية
لعمل الممثل،
حيث نصبح وجها
لوجه أمام
التناقضات الأولية
التي يواجهها
فن العرض
عموما،
والعرض
التمثيلي الدرامي
خاصة ( في حين
يجلس أصحاب
الفنون
الأخرى –
الأدب والفن
التشكيلي
والموسيقى– في
أبراجهم
العاجية
مترفعين عن
تلك المواجهات
المباشرة مع
الجمهور ).. ولا
غرو فهذا الفن
قد ترعرع أصلا
في تلك المساحة
الرمادية الفاصلة
ما بين قدس
أقداس المعبد،
وساحة السوق.! وهي
مساحة
التناقض، أو
الجدل الذي
يؤلف كلية
الوجود ما بين
المقدس والعاهر،
السماوي
والأرضي،
المثالي
والواقعي،
الخيال
والحقيقة، الروح
والجسد،
الشعور واللا
شعور..إلى آخر
قائمة
المفارقات
التي لا
تنتهي، والتي
يحيا المسرح
عليها، ويموت
لو اكتفى
بالحياة علي
أي من ضفافها،
كما تؤكد
مسيرته
التاريخية
دوما.!
ولا
ينتهي
السؤال.. فالممثل
الذي نقدم له -
هاهنا - واقفا
على العتبة
الفاصلة ما
بين عالمين، يفتش
لنفسه عن
هوية، أو
إجابة، تمنحه
بعض الامتلاء
في مواجهة
القدر الغامض الذي
يكابده هذا
الفن ( الذي
يضرب بجنونه
مئات الفتيان
والفتيات كل يوم،
فينطلقون
باحثين عن أول
الخيط الممتد
إلى سماء
النجومية
والشهرة، مثلما
يفعل
بالأغلبية من
الجمهور الذي
قد يصل تعلقه
بممثل، أو
ممثلة ما، حد
الهوس..) يبدو ـ
وكما نتخيله
في قلب تلك الأضواء
الأسطورية
الملونة ـ
ضائعا لا يعرف
موضعا
لقدميه، وكأنه
متماه مع
أوديب في
هذيانه خلف
أسوار طيبة، يتأهب
بعد اقترافه
الخطيئة بغير
وعي، كأنه صار
واحدا من بين
تلك الشخوص
التي يقدمها
هو لنا عادة، والتي
تفتح أمامنا
آفاق التأويل
اللانهائية
عند السؤال عن
ماهيتها
(الأوديبية ، أو
الهاملتية ، أو
الماكبثية* ..الخ )، ومحاولة
فك رموزها
الغامضة .؟
ولعل هذه
الحيرة
الوجودية هي
ما يدفع ببعض
الممثلين
والممثلات في
نهايات
مشوارهم
الفني إلى
اعتزال الفن،
بل والحياة
نفسها،
والدخول في
حالات انفصال
طوعي عن
الوجود، وعن
الماضي..
ماضيهم الفني
بالذات.!
فالتمثيل
ليس مجرد
الوقوف
والنطق
بكلمات بطرق
معينة،
والحركة فوق
منصة ما
أو أمام
عدسات تصوير
في ديكور
مخصوص، و لا
هو مجرد البكاء
بأصوات
مرتعشة
وتحريك عضلات
الوجه بطريقة
مؤثرة. لكنه
عملية
إبداعية
متكاملة تعنى
بإظهار ما يكمن
وراء النص
الظاهر ـ
المكتوب، وذلك
في سياق
ممارسة ، تكاد
تكون علاجية ،
تهدف إلى
تطهير
المشاهد من
مشاعر معينة. كما
يمكن القول
إنها ممارسة
وجودية (
نفسية ـ اجتماعية)
متميزة،
تتضمن في
جوهرها سلسلة
متصلة من
التناقضات
الظاهرية المعقدة
التي تجعل منه
أكثر موضوعات
الفن المسرحي
صعوبة
بالنسبة إلى
أي وصف
تبسيطي، لا يتجاوز
المستوى
العام في
التجربة
الفنية، وأيضا
بالنسبة لأي
تحليل نظري
متعال على
ميدان
الممارسة
العملية، بل
وحتى بالنسبة للتحليل
التخصصي، ضيق
الأفق، عندما
لا يستطيع
تجاوز حدود
المصطلح
النقدي إلى آفاق
العلوم
الإنسانية
المعنية
بالبحث في السلوك
الإنساني
والنفس
الإنسانية،
وفي العادات
والتقاليد
الاجتماعية،
والتاريخ
الثقافي
والفلكلوري
للشعوب
المختلفة.
ومحاولتنا
اليوم لتناول
هذا الفن
بالعرض والتحليل
لا يمكن لها أن
تبدأ إلا من
هنا، أي مما
ينطوي عليه فن
الممثل من
إشكاليات
ومفاهيم هي ما
جعل منه
موضوعا سهلا
ممتنعا -كما
يقال -، وهي ـ
من ناحية أخرى
ـ الإشكاليات
نفسها التي
تراكمت عبر التراث
النقدي
الغربي، بدءا
من أرسطو في
كتابه " فن
الشعر " وحتى
آخر إصدارات
المطابع الحديثة.
فما بالك بنا
نحن الناقلون
للفن المسرحي برمته،
نصا وعرضا،
عبر وسيط
كثيرا ما يكون
خائنا هو
الترجمة.
وقد يبدو عمل
الممثل شيئا
ذاتيا وشخصيا
إلى أقصى حد،
لكنه أيضا ـ
وعلى الرغم من
ذاتيته
وشخصانيته
تلك ـ إبداع
شرطي، محدود
بالظرفية
المسرحية أو
التقنية الآلية
التي يعمل من
خلالها،
علاوة على
كونه ليس فردا
مطلق اليد،
فهناك نص
الكاتب،
ورؤية المخرج،
وهناك مجموعة الفنانين
والفنيين الآخرين
العاملين معه
في تشكيل خطوط
الشبكة الدرامية
المعقدة، ومن
هنا قد يكون
من الصحيح أن
الكتابة عن فن
الممثل ليست
سوى تأملا
ذهنيا مجردا،
أو تقريرا
انطباعيا عن
حالة مخصوصة
لنوعية
بعينها من
الممثلين لا
نرى مما
يقدمون سوى
النتائج
النهائية. حيث
قد يغيب عنا ـ
والحال هكذا ـ
الجانب
الأكثر غنى من
طبيعة عمل
الممثل، بما يحويه
من مؤشرات
وميول
سيكولوجية
مركبة، ومن موروثات
اجتماعية ـ
تاريخية تشكل
بطابعها
علامات
التميز
الشخصي ما بين
ممثلين مختلفين
في
بيئات
ومجتمعات
متباينة.
فالفعل
التمثيلي ـ
وعلى العكس من
فعل الكتابة
الدرامية ـ لم
يكتب لشواهده
البقاء إلا مع
بدايات القرن
العشرين،
الذي شهد
التطور الهائل
لهذا الفن،
مترافقا مع
ظهور
المنجزات العلمية
التقنية التي
ساهمت سواء في
تطوير أدوات
الفن المسرحي
نفسه، أو في
اختراع وسائط
فنية جديدة لعرض
أداء الممثل
ومن ثم حفظه
وتسجيله. فقبل
هذا ما كان
لأحد أن
يستطيع رصد
وتسجيل أداء
الممثلين
المختلفين
عبر العصور،
ولم يكن ما
يقدمه الممثل
بالتالي سوى
نشاط إبداعي
وقتي، محدود
بحدود العرض
الحي، لا يلبث
أن ينتهي، لكي يبدأ من
جديد،
مختلفًا
بالضرورة في كل
مرة عن
سابقتها.
وعلى
الرغم من هذه
الإمكانية،
التي أصبحت بين
أيدينا، فما
أكثر ما يقوم
الممثل نفسه
بتضليلنا حين
نطالبه
بإظهار حقيقة
دوافعه، والتفكير
في ما يجري
بداخله من
عمليات نفسية
حال أدائه
لشخصية
معينة، إذ قد
يكون هو
بالفعل غير
واع بما يحدث
داخله. فنحن
في النهاية
أمام حرفة
عملية، تشترط
المهارة
التقنية قبل
كل شئ، أو
هكذا يراها
أغلب أصحابها
من الممثلين
المحترفين،
الذين قد لا
يعنيهم كثيرا
فهم ما يدور
فيما وراء
الصورة
الظاهرة
للأداء.
ومن
ثم كان من
الممكن ألا
نجد دوافع
عميقة للاهتمام
بحرفة
الممثل،
ووضعها في
مختبر البحث العلمي
التجريبي لو
لم تكن مقترنة
بالتراث الدرامي،
الذي
صار ديوان
الإنسان المعاصر
( مع الأخذ في
الاعتبار
بالدور الذي
تلعبه
الدراما
التليفزيونية
، والسينما
اليوم في حياة
الناس في كافة
أنحاء
المعمورة ).
فالفن
الدرامي هو
السجل الأقدم للحياة
النفسية ـ
الاجتماعية
للإنسان الغربي،
أو هو ديوان
الغرب بالنظر
إلى التاريخ
الطويل
للمسرح
الأوروبي. ومع
ذلك فإننا نجد
عهوداً
كاملةً، كان
فن الممثل
فيها شيئا
تافها أو
مستهجنا لا
لشيء إلا لأنه
عاش هكذا في
الفراغ في
غياب النص
الدرامي (
مثال كوميديا
الفن ـ
الإيطالية ـ COMEDIA
DEL’ARTE
).
ومن
المعروف أن
الاهتمام
بالبحث
العلمي
المنهجي في فن
الممثل، في
المسرح
الغربي
بالطبع، لم
يكن ليبدأ
بالفعل إلا "..
مع ظهور
المنطق الطبيعي
للأداء في
النصف الثاني
من القرن
التاسع عشر،
وتحت تأثير
روح البحث
العلمي
المزدهرة،
والتي أفرزت
عددا متزايدا
من الأدوات
والوسائل
العلمية
الدقيقة،
وعملت على
تطويرها بهدف
استكشاف
وتحديد أبعاد
العالم
الطبيعي.."[4]
وقد كان من
الضروري أن
يستجيب لهذه
النقلة القادة
الجدد للفن
المسرحي، أي
المخرجين،
الذين غدا أمر
هذا الفن رهنا
بما يضيفونه من
جديد على
خارطة التطور
التي كانت بدا
وكأنها
توقفت، حتى
ذلك الحين،
عند نقطة
معتمة بدت وكأنها
النهاية.
وهكذا
أصبح المسرح (
قلعة التمثيل
العتيدة ) أشبه
بالمعمل الذي
يبحث فيه مخرجون
عظام ( مثل: أ.
انطوان ، ك.
ستانسلافسكي
، مايرخولد ،
ب . برخت
وغيرهم ) عن
حلول عملية
ونظرية لتلك
الإشكاليات
التي تفرزها
الطبيعة
التناقضية للممثل،
كلُُ وفق فلسفته
الجمالية التي
ينتمي إليها
ويدافع عنها
في ذلك المناخ
الهادر هدير
الآلات التي
غيرت وجه
البشرية
القديم !
أما
قبل هذا فلم
يكن هناك إلا
ركام من
الوثائق
والملاحظات
الشخصية التي دونها
بعض الفلاسفة
عرضا أو خصيصا
عن أداء ممثل
ما، أو مسرحية
ما .*
ويبرز ضمن هذا
الخليط بحث
الفيلسوف
الفرنسي ديدرو
Paradox
Sur Le Comedien مفارقة
الممثل*.
فعلى الرغم
مما يبدو من
أن الفيلسوف
قد أنشأ بحثه
هذا إكراما
لموهبة ممثلة
بعينها ( لا
كليرون )*، إلا إنه
يخوض أبعد
قليلاً من
مجرد التنظير
الدوجمائى،
أو إعطاء
النصائح
المبنية على
أحكام الذوق
العام.
فالكتابة
عن الفن
التمثيلي قد تأخذ
في الواقع
أكثر من
اتجاه، فهي
إما أن تكون
كتابة حرفية/تقنية
متخصصة تبحث
في منهجية
الأداء
والكيفية
التي يتوسل
بها الممثل
لإعداد
وتنمية إمكانياته
الإبداعية،
أو لبناء دور
معين ( مثال الأعمال
النظرية
الكاملة
للمخرج
الروسي العظيم
ك.ستانسلافسكي
التي تشكل في مجموعها
الجانب
النظري لما
يعرف بمدرسة
الطريقة أو
المنهج أو
الطريقة METODIAكما هو في الأصل*. ). وإما أن
تكون كتابة
تاريخية ـ
توثيقية تعنى
برصد نشأة
الفن
التمثيلي
ومراحل تطوره
كجزء ضمن
عملية التطور
الفني
والثقافي
التاريخية ( مثال
الدراسات
المختلفة عن
الكوميديا
الفنية
المرتجلة
كمرحلة من
مراحل تطور
الفن المسرحي
وغيرها .. )، أو تكون
كتابة ذاتية
يرصد فيها
ممثل ما أو
غيره ذكرياته
ويقدم نصائحه
للأجيال
التالية من الممثلين
فيما يتعلق
بفنون الحرفة
.
وكما
تشير عناوين
هذا الكتاب،
فإن القضية الأصلية
( التي نطرحها
هنا على بساط البحث،
الذي ينحو أن
يكون أكثر
تعمقا مما
تنحو إليه
المقالة أو
الأبحاث
المنشورة على صفحات
المجلات
المتخصصة، هي
الصورة
المرآوية،
الخيالية،
للفن
التمثيلي،
التي تجد أبسط
تجلياتها في
القول السائر
إن المسرح هو
مرآة الواقع ،
بالنسبة
للمتفرج الذي
قد يدفعه السأم
من الواقع
المعاش إلى
الولع بكل ما
هو صورة، أو
محاكاة لهذه
الحياة.
وكأنما
يستعيض
بالصورة
المصنوعة،
الخيالية، عن
البديل الآخر
القاسي
للحياة ..
الموت. أما
بالنسبة
للممثل
فالقضية هنا
هي تلك الازدواجية
المركبة،
ازدواجية "
الأصل ـ
الصورة "، أو "
الأنـا ـ
الآخر "، التي
تستدعي سلسلة
متعاقبة من
المفارقات التي
يثيرها
إبداعه لدوره
تجسيدا
لشخصية ما، على
منوال: الممثل
ـ الشخصية،
الممثل ـ
المتلقي،
الشخصية ـ
المتلقي،
النص ـ العرض،
الكلمة ـ
الفعل، النفس
ـ الجسد..الخ.
هذه
القضية
الإشكالية،
هي أحد
المداخل، أو الاحتمالات،
التي نزعم
أنها المداخل
الصحيحة إلى
عالم العرض
الدرامي
القائم على المجاز
Metaphor
كتقنية،
والذي يعتمد –
بالتالي – على مبدأ
الحوار أو
التعددية، فالمجاز
التمثيلي هو عقدة
الإبداع المسرحي
المحورية، التي
تمنحه ألق
التطور حين
يتوصل إلى
فهمها فيمتلك
سرها (سر
المهنة) ،
والتي تمنع
عنه هذا الألق
نفسه إذا ما
حاول التغاضي
عن وجودها إما
عن جهل أو
تجاهل.
فالأصل في
مهنة الممثل
ليس هو
التماثل، وهو
ما قد يبدو
ظاهريا، بل هو
الاختلاف، و
"الاختلاف في
الأصل هو
التراتب، أي
العلاقة بين
قوة مُسيطرة،
وقوة مُسيطر
عليها، بين إرادة
مطاعة،
وإرادة مطيعة[6]"،
فهذا
الاختلاف
بالذات هو ما
يمنح فن
الممثل معناه
" فمعنى شيء ما
هو العلاقة
بين هذا
الشيء،
والقوة التي
تستولي عليه[7]".
والازدواجية
هي الصفة التي
نطلقها عادة
على الحالة
التي تجمع
شيئين معا،
الأصل
والصورة، في
زمان ومكان
واحد على
الرغم من
أنهما قد يكونا،
أو يظهرا،
كنقيضين،
وبالطبع فالمثال
الواقعي
الأوضح لهذا
المعنى هو المرآة،
التي تجسد
نموذج
المشابهة عبر
الاختلاف، فهي
ما يعرض لنا
الواقع
بواسطة
القلب، ومن ثم
ما يرتبط بها
من ظواهر مثل
ظاهرة
الانعكاس ، أو
الإسقاط ،
التي لعبت
دورا كبيرا في
الفكر النظري
للفنون
التجسيمية
بصفة عامة،
بداية من
أفلاطون،
وحتى ليونار
دافنشي:" يجب
أن نتعلم من
المرآة.."، بل
وإلى عصرنا
هذا، عصر
الصورة، الذي
يحاصرنا
بكافة ألوان
البث الفضائي
القائمة كلها
على تقنيات
الانعكاس .
ومن
هنا نلحظ ما
اختص به
الفنانون
وفلاسفة الجمال
المرآة من
اهتمام في بحث
وتحليل
الصورة الفنية
منذ القدم . بل
أن بعضهم قد
ذهب إلى
اعتبار اختراع
المرآة
الزجاجية
واحد من أهم
خطوات التقدم
البشري نحو
فهم الذات
الإنسانية
بصفة عامة ،
ومن هذا قول
لويس ممفورد :
" إن المرآة كان
لها تأثير
كبير على نمو
الشخصية
وتطورها ، وأيضا
على مفهوم " الذات
" نفسه . ولم
يتحقق ذلك
التأثير بشكل
ظاهر وعلى نحو
جذري إلا في
القرنين السادس عشر
والسابع عشر
.."[8]
وهي الفترة
التي سبقت
التطور
الجذري في
الفن الدرامي
، التمثيلي ،
والتي شهدت
انبثاق ما يمكن
تسميته
بالجذور
الفلسفية
الأولى للنظريات
الغربية
الحديثة في فن
الممثل ، حيث
كان مسرح
الجلوب
الشكسبيري لا
يزال يردد
أصداء جملة
هاملت
الشهيرة: " إن
كل مبالغة في
الأداء تتجاوز
الغاية من
التمثيل ،
الغاية التي
كانت ومازالت
أن نعكس
الحياة في
المرآة .."[9]
ويمكن
القول إنه
ومنذ ذلك
الحين أصبحت
المرآة،
كأداة تقنية
وكمفهوم، من
أخص لوازم
العمل التمثيلي،
وبخاصة فيما
يتعلق بما
يسمى بمدرسة
الحرفية
الخارجية،
التي ينصب
اهتمام الممثل
فيها على رسم
الملامح
الخارجية
للشخصيات
التي يمثلها .
فكما يكتب
واحد من أهم
ممثليها ، وهو
كوكلان
الأكبر ، يصف
عمل ممثل آخر
هو ( ليسوير )
الذي " كان
لديه ما يشبه
الغرفة السرية
حيث يغلق
النوافذ ،
ويسدل
الستائر ،
وينفرد بنفسه
مع ملابسه
وشعوره
المستعارة
وتجهيزاته
كلها . وهناك
كان يجلس
وحيدا أمام
المرآة ليضع
على ضوء
المصباح
القناع على
وجهه . كان يضع
عشرين قناعا،
لا بل عدة
مئات من
الأقنعة حتى
يعثر على
القناع
الحقيقي الذي
يبحث عنه.."[10]،
وإن كان هذا
يشبه ـ في نفس
الوقت ـ ما
كان للمرآة من
دور في المسرح
الشرقي،
وخاصة في
المسرح
الياباني،
الذي يعتمد
بشكل أساسي
على الأسلوب
التزييني
الصرف في
تقديم أنماطه
التمثيلية
الثابتة، حيث
يستخدم
الممثلون ما
يعرف باسم
غرفة
المرايا،
التي يقضون
فيها الساعات
الطوال بغرض
التأمل، أو
المعايشة*.!
ويبدو
أن تلك الخاصية،
المزدوجة
بطبيعتها،
التي لاحظها الإنسان
منذ القدم
كسمة ملازمة للسطوح
الطبيعية في
علاقتها
بلعبة الظل
والنور، كانت
هي المصدر
الأول الذي
تعلم منه لعبة
المحاكاة
المثيرة، بما
فيها من
تضمينات سحرية،
أسطورية، "
فالصورة
المرآوية
يمكن
اعتبارها كما
لو أنها نقطة
التقاء بين
المادي
واللامادي،
أو " عتبة وسط "
تقوم بين
عالمين: عالم
الأجسام وعالم
الأرواح، يتم
عبرها
الانتقال من
أحدهما إلى
الآخر، كما
يمكن من
خلالها تحول
أحدهما إلى
الآخر، ذلك
لأن الصورة
المرآوية تتميز
أساسا بأنها "
خيال عيني " أو
" واقع
لاواقعي"[11].
ومن
هنا يتسع
المعنى
المجازي الذي
تحمله المرآة
بالنسبة للفن
التمثيلي ،
ويتعدد ليشمل
أكثر من مرآة* فمن مرآة
السحر
الأسطورية ،
التي رأى فيها
الإنسان
القديم
أفعاله
تكرارا للفعل
الإلهي ، إلى
المرآة
الكونية ،
التي لم يرى
فيها أفلاطون
العالم إلا
انعكاس للمثل
العقلية ،
ومنها إلى
مرآة الطبيعة
، التي رآها
شكسبير ،
ومعاصروه ،
المعادل
العضوي
للتكوين
البشري
بكل ما فيه
من طبائع وأخلاق
، حتى نصل إلى
مرآة الإنسان
، أو مرآة الواقع
، حيث لم يعد
إنسان النهضة
الحديثة يرى في
الكون سواه هو
نفسه ، مع
ازدياد
النزوع
الفردي
المصاحب
للسيطرة
الشاملة على
الكون
والطبيعة ،
سيطرة العلم ،
أو العقل
البشري .
ولكن
ما الذي نعنيه
بمصطلح
الازدواجية
اليوم.؟ وما
المقصود من
استخدامه في
سياق البحث في
الفن
التمثيلي ،
وليس في مجال
الفلسفة أو الأدب
حيث ينطوي على
دلالات
مباشرة تم
التعارف عليها
منذ القدم .؟
وهل يمكن أن
نعود اليوم لنفس
المقولة
البديهية
التي
استخدمها
الفلاسفة
القدماء في
تحليل طبيعة
عمل الممثل ،
بعد كل ما
تحقق عمليا من
إنجاز علمي في
هذا المجال ،
وفي المجالات
الأخرى التي
تعمل على
دراسة النفس
البشرية
وسلوكياتها
بوجه عام ، أو
في علم نفس
الإبداع بصفة
خاصة .؟
لقد
شئنا أن
نستخدم ، في
الفصول
التالية ، الكلمة
ازدواجية،
بصفة عامة،
كمرادف ، أو
كبديل أحيانا
، للمصطلح
الأكثر
استخداما : PARADOX أو
المفارقة ،
لأسباب عدة
أهمها
الابتعاد قدر
الإمكان عن
مجال الأدب
الذي ينتمي
إليه مصطلح
المفارقة
بصلات قربى
متينة ، وهو
الأمر الذي قد
يجعل من الصعب
التخلص من
الإحالات غير
المقصودة إلى
ما هو أدبي في
الوقت الذي
نحن فيه بصدد
اتجاه معاكس
تماما وهو
مجال العرض الدرامي
، حيث
ينهض هنا
مفهوم المسرحة
THEATRELITE في مقابل
مفهوم
الأدبية
السائد على
ساحة النقد المسرحي
العربي
التقليدي .
والكلمة
PARADOX (
مفارقة ـ أو
تناقض ظاهري )
في أصلها
الإغريقي تتألف
من مقطعين: para أي
ضد وdoxa بمعنى
الرأي ، فيكون
معناها
الدلالة على
ما يخالف أو
يتضاد والرأي
الشائع . وقد
استخدم الفيلسوف
الوجودي ،
المولع
بالمفارقات
اللغوية ، كير
كجارد هذه
الكلمة
للدلالة على
اللامعقول ، وهو
يقول: " إن
المرء كلما
اشتد ميله إلى
الجدل العنيف،
وجد كثيرا من
أمثلة
المفارقة في
الطبيعة."[12]
أيضا
فإنه من
المعروف أن
مصطلح
الازدواجية، أو
المفارقةIRONY
بمعنى آخر،
يستخدم في
مجال الأدب
للإشارة إلى
أسلوب معين في
التعبير يبدو
متناقضا في
ظاهره ، ولكنه
يحمل في الباطن
شيئا من
الحقيقة
التي
تصبح مؤكدة
بفعل هذا
الشكل غير
المألوف ،
واللامتوقع
من أشكال
التعبير .
وليس هذا
ببعيد عن
المعنى
المقصود في
مجال المسرح، فالمسرح
نفسه هو " نوع
من تقليد يحمل
مفارقة IRONY ،
حيث يكون
المشاهد ـ من
مقعد مريح في
عالم الواقع ـ
قادرا على
النظر إلى
عالم من الوهم
( فيرى العالم
من عل).."[13]،
وهي خاصية قد
لا ينفرد بها
المسرح وحده
دون بقية
الفنون
الأخرى،
فالفنون
جميعها تقوم على
المفارقة
الأساسية
التي تميز عالم
الخيال في
مواجهة
الواقع، أو
الحياة، وكما
يقول أندريه
بريتون: "
فلازالت أقدس
مهمة يطمح
إليها الشاعر
هي المقارنة
بين شيئين لا
يوجد ما هو
أكثر منهما
تباعدا،
والمقارنة بينهما
بشكل أو بآخر
هي ما يفاجئنا
ويصدمنا.."
لكن
الممثل ليس
كالأديب أو
الرسام أو
المؤلف الموسيقي
، يعيش في
برجه العاجي ،
صومعته الخاصة
، حيث يُبدع
منفردا مع
أوراقه
وفرشاته أو آلته
، أيا كانت ،
فهو يعمل ، أو
يبدع ، فوريا
أمام أعين
الناس ، وكذلك
الحال في
التمثيل أمام
عين الكاميرا
التي تقوم
بالتسجيل
الفوري للأداء
، ولا يستخدم
في عمله هذا
سوى جسده ،
وصوته ، ونفسه
هو بالذات ،
فهو كما يقال "
البيانو
والعازف معا "
. فأدواته ـ في
النهاية ـ هي
ذاتها
العناصر
الإنسانية
الحية التي
يتماثل جميع
البشر في
امتلاكها
واستخدامها ،
ولعل هذا
التماثل
الظاهر ، ومن
ثم البساطة
الظاهرة في ما
يبذله الفنان
من مجهود ، هو
السبب فيما
يشاع لدينا
عادة من أن
التمثيل ـ ومن
ثم الإخراج ،
والنقد الفني
أيضا ـ هو
مهنة من لا
مهنة له ، أو
أنها مهنة بلا
أسرار تقنية خاصة
، وقد يكون
هذا التبسيط
استنادًا إلى
البديهية القائلة إن
المحاكاة ـ
غريزة
التقليد
والعرض إجمالا
ـ هي غريزة
إنسانية عامة.
هكذا
نجد الناس
جميعهم
يمارسون
ببساطة بالغة
حق التحليل
والنقد
للأعمال
الفنية في حين
أنه يستحيل
عليهم فك
الشفرات
الخاصة بكثير
من المهن الإنسانية
الأخرى، بل
وكثير من فنون
المحاكاة التي
تعتمد على
منطق ومهارة
الإبداع
التقني الخاص
مثل الموسيقى
وفنون
التصوير والنحت،
بل ونظم الشعر
وغيرها .
وفضلا
عن ذلك فإن
كلمة مفارقة paradox قد
تحيلنا إلى
النوع
الكوميدي
بصفة عامة، وبالتالي
إلى قطاع
بعينه من
الممثلين، أي
ممثلي
الكوميديا، في
حين أننا نسعى
للبحث في مجال
التعبير الدرامي
بأشكاله كافة
دون تخصيص، ومن
ناحية أخرى
فإن كلمة
ازدواجية
تقترب بنا
أكثر من
المحيط الاجتماعي،
أو ـ وبمعنى
أدق ـ من عالم
السلوكيات، أو
الظاهرات
النفسية ـ
الاجتماعية،
وهو العالم
الذي ينتمي
إليه العرض
الدرامي بصفة
عامة،
والممثل بصفة
خاصة.
وتتيح
لنا هذه
المداخل
النظرية
المتنوعة لدراسة
النشاط
التمثيلي النظر
إلى
الازدواجية،
أو المفارقة التمثيلية
كمفهوم أكثر
تعقيدا بكثير
من الإحالة
البديهية إلى
الدلالة
المباشرة له ،
والتي يجسدها
وضع الممثل
إزاء الشخصية
التي يؤديها ،
وذلك كنتيجة
طبيعية
للصورة
المركبة التي يعيش
عليها هذا
النشاط
الإنساني
المتميز في
قلب الحياة
الاجتماعية .
وكما يقول
هنري برجسون
فإننا قد " نضل
السبيل عندما
ندرس وظائف
التصور أو التمثيل في حالة
منفردة ، كما
لو كانت هي الغاية
بذاتها ، وكما
لو كنا نحن
عقولا خالصة مجردة
، مشغولة
برؤية مرور
الأفكار
والصور."[14]
على
هذا الأساس
يتخذ هذا
الكتاب لنفسه
منطقا
تركيبيا يبدأ
من نقطة السلب
(بالمفهوم
الهيجلي) ، أي
من السؤال عن
ماهية الممثل
وإنكارها
كخطوة أولى
على درب تأكيد
الخصوصية
التي نراها
لفنه ، في
محاولة
للوصول إلى
أنقى صورة ممكنة لتلك
الظاهرة
الفنية
والاجتماعية
الممتدة
جذورها إلى
أعماق تاريخ
الاجتماع البشري
، والتي أصبحت
تغطي اليوم
جزءا أساسيا
من حاجة
الإنسان
المعاصر إلى
الشعور
بالألفة والمشاركة
الوجدانية،
وإلى الهروب
من ضغوط الحياة
الحديثة التي
لم يعد
فيها مكان للمشاركة
الجماعية
بمعناها
الإنساني
الخالص .
على أن البحث
النظري عن
الطبيعة
الأصلية المؤسسة
لنشوء الفعل
التمثيلي،
بكافة
تجلياته
وأشكاله في
الزمان
والمكان (
انطلاقا من
الميل الغريزي
إلى التحول
ومفارقة
الذات)، لن
يصل إلى هدفه
إلا بعرض واف
للعملية
المرتبطة
جدليا بتلك الطبيعة،
وهي عملية
التجسيد
الإبداعي وما
تتطلبه من
إمكانات
وأدوات
ومهارات خاصة
تمثل في
مجموعها
الوسائل التي
لا غنى عنها
لأي ممثل، في
أي
ثقافة وأي
عصر.
أما سمات
الاختلاف
فإنها تتعلق
عادة بـ الأسلوب
STYLE في
ارتباطه
بالعناصر
الثقافية
المكونة لطرائق
الحياة
والتعبير في
كل مجتمع، وهي
نفسها السمات
التي سنمضي في
تتبع مفارقاتها
عبر مرايا
العصور والمجتمعات
الإنسانية
المختلفة
شرقا وغربا،
وفق الاعتبار
ذاته القائل
إنها ما يشكل
صورة الممثل
حيثما كان
موجودا،
بداية من صورة
البهلول ( أو
المهرج CLOWN
بالمصطلح
الحديث )، إلى
الصورة
النقيض: صورة
الشامان،
الساحر -
العراف، في
مجتمعات ما قبل
المدنية
الإغريقية ، والممثل
- الكاهن في
مصر القديمة ..
حتى قناع
الشاعر -
الممثل -
الشامل في
الدراما
الإغريقية ،
والقناع
الإيمائي
الروماني ، ثم
أقنعة الكوميديا
ديللارتي ...
وهكذا حتى نصل
إلى الصورة
الموحدة ظاهريا
للممثل
المعاصر ،
وقبل أن نتوقف
عند صورة
الممثل
الشرقي ، وبخاصة
الممثل
العربي .
من هنا كان من
الضروري أن
نلجأ إلى
العون الذي
تتيحه
المناهج أو
المدارس
التمثيلية
المختلفة ،
التي تقدم لنا
العديد من
التحليلات
الفنية
القادرة على
مساعدتنا في
فهم
المفارقات التقنية
لفن الممثل ،
من خلال الطرق
والأساليب
المختلفة
للأداء
التمثيلي ،
والتي تنوعت
في تطورها
بصورة مذهلة
منذ بدايات
القرن
العشرين وحتى
اليوم . وهو ما
يعني بالتالي
أننا سنلجأ ،
في بعض
الأحيان ، إلى
الدخول حتى
العمق اللازم
في العالم
التخصصي الضيق
الذي قد يبدو
غريبا على
القارئ غير
المتخصص ، وإن
كنا سنحاول
دائما
التقريب
بينهما دون
تبسيط مُخل
بالقيمة التي
نسعى إلى
التأكيد
عليها فيما
يتعلق بفن
الممثل على
الساحة
الثقافية
العربية ،
والذي سنفرد له
الجزء الأخير
من البحث .
==========================================================================
1-
المحاكـاة
ازدواجية
التقليد –
المخالفة
الميل
إلى الفعل:
إذا كنا
قد رأينا
الممثل، في
الصفحات
السابقة، مثل ساحر
يلعب دور
المغوي في
حياتنا،
فلماذا لا
يصبح الممثل نفسه
ضحية الغواية،
وهو المفتون
بهذه اللعبة، أو
المضروب بها!؟
خاصة إذا
قبلنا وجهة
النظر التي
تقول: إن عنصر
الهذيان في
المسرح هو سر
فتنته التي لا
تقاوم، على
الأقل
بالنسبة
للممثلين
الذين هم في
أواخر مراهقتهم
ـ فعلا أو
مجازا ـ"[15].؟
وهاهو الممثل
" كين* " يصرخ هاذيا
في وجوهنا
بالإجابة/السؤال
– وقد بات غير مدرك
سر تعلقه
الشديد بهذه
الحرفة التي
تضعه في
أحايين كثيرة
على حد الجنون
-: "..نمثل؟
لأننا إذا لم
نمثل سنصير
مجانين..
التمثيل!؟ وهل
أعلم أنا متى
أمثل؟ وهل
هناك لحظة
أتوقف فيها
عن
التمثيل ؟[16]"،
وإنها لإجابة
جديرة بواحد
من أولئك
العصابيين
المعتادين
الاسترخاء
والبوح على
أريكة
التحليل
النفسي.!
وقد يغري
مثل هذا
الممثل المحلل
النفسي كحالة
بينة من حالات
الهستيريا*، التي
يمكن أن يميز
فيها بوضوح ملامح
العرض
الدرامي
الانفعالي، الذي
تلجأ إليه
الشخصية
الهستيرية، من
أجل انتزاع
القبول
والاستحسان
من الجمهور.."
ففي هذا
الإعجاب
الجمعي إشباع
لشخص لم يلاق الفهم
والتقدير من
أسرته، وبالتالي
ليس لديه
اقتناع داخلي
بأنه مقبول ومرغوب
لـشخصه[17]"،
ومن ثم فهو
يلجأ، في حال
المراهقة
هذه، إلى
ارتداء كل
أنواع
الأقنعة
والأدوار
التي يأمل في
أن يحصل بها
على رضى الأخر
– وهو ما يتماس
تقريبا مع الطابع
المزدوج
لشخصية
الممثل مع
الفارق –؟
لكن الشخصية
الهستيرية هي
ـ في التحليل
النهائي ـ ذات
مزدوجة
انقسمت على
نفسها
دفاعا ضد
العزلة، والاكتئاب،
والشعور
بالهزيمة
أمام الآخر، ومن
ثم فإنها تلجأ
إلى تفعيل * acting out،
أو “ mais-en-acte كما يسميه
فرويد " ،
هواجسها
وظنونها، أو
منولوجها
الداخلي، بواسطة
العرض
المباشر،
المرتجل،
أمام جمهورها
الخاص، كما
تفعل – أيضا –
الشخصية
الفصامية*،
الشاردة، في
استخدامها
للحلم بديلا
عن الواقع..! ومن
ثم فإنه من
غير المجدي
التوقف طويلا
عند تلك
المقاربة
المزعجة. فما
تقوم به
الشخصية الهستيرية
من أفعال هو
في النهاية
نشاط واقعي لا
إرادي – وإن
كان غير سوي –
وليس تظاهر
خيالي،
مقصود، بغرض
الفرجة مثل عمل
الممثل على
المنصة، أو
أمام الكاميرا
mais-en-scene ،
فالمريض
العصبي لا
يعكس في
أعماله سوى
عقده الشخصية،
بينما يكون
الفنان
مسئولا عن عرض
أفكار
المؤلف،
والمخرج، وما
تتضمنه من
اتجاهات
إنسانية
عامة، وعقد
جمعية[18]..
ومن هنا يمكن
القول إن التحليل
النفسي قد لا
يكون بوسعه إعطاءنا
إجابة جمالية
خالصة، لوجه
الفن.
مثل هذه
الأحاجي
السيكولوجية قد
لا تزيد
السؤال عن
ماهية الممثل
إلا تعقيدا، وكأننا
معه بين يدي
أبي الهول، في
أسطورة أوديب الإغريقية،
يُلقى علينا
بأحجية
جديدة، عن سر
الكائن
المتحول، المتجسد
في أكثر من
صورة، والذي
نكتشف في
النهاية أنه
ليس سوى نحن
في المرآة.
وهكذا فإن هذا
الممثل/الإنسان
الباحث عن
هوية، بواسطة
الفعل
التمثيلي، هو
من نحاول
تفسير اللغز
(النبوءة ـ
اللعنة) الذي يتوارى
خلف تعلقه
الغامض بفكرة
العرض، هذا
التعلق الذي قد
يبث قلقا
مؤرقا يفسد
عليه وعيه
بحقيقة موهبته
قد تبدو له، في
حال اليقين
الساذج، مجرد
صورة خارجية
فاتنة، مغرية،
وصوت آسر
جميل، يجعلان
منه عارضا
متمركزا حول
ذاته لا يشغله
شئ سوى عشق الظهور
أمام تلك
المرآة
الكاذبة -
مرآة
النجومية - التي
تمنحه لذة
الغرور
العابرة.
بينما
قد تظهر
موهبته تلك
نفسها عند
البحث عارية
إلا من
حقيقتها، تدعوه
ليرتفع بها
محلقا بين
السابقين من
الفنانين العظام
الذين أشعلوا
بمواهبهم
الفذة مصابيح
الخلود،
فيكون عندئذ
مثله مثل
الشاعر الذي "
يتحدث على
عتبة الوجود " -
بتعبير بشلار -
من يمنحنا
خلاصة
الحكمة،
ويعلمنا كيف
نعيش وجودنا
الحق، ويكون
الفعل
التمثيلي
عندئذ - بحق - طقسا
مقدسا من طقوس
العبور من حال
إلى حال، من حال
الجهالة إلى
المعرفة، من
الظلمة إلى
النور، من
الطفولة إلى
البلوغ
والنضج.
كما
يؤكد ستانسلافسكي
فإن الشيء
الرئيسي في فن
الممثل لا
يكمن في الفعل
ذاته، بل في
نشأة الميل
إلى الفعل
نشأة طبيعية[19].
فهذا الميل هو
بالضبط نصف
الموهبة، أما
النصف الآخر
فيمثله ما تعارفنا
على تسميته
بالحضور: أي
قدرة الشخص
على أن يكون
مؤثرا و
محسوسا بين
الآخرين عند
كلامه أو
حركته أو حتى
مجرد ظهوره
بينهم و لو
صامتا*.! لكن
هذه العملية
المعقدة قد لا
تخطر بالمرة على
بال الممثل
المندفع إلى
الممارسة
العملية
التلقائية
لفنه، تدفعه
القوة الطاغية
والمسيطرة
لذلك الميل
الغامض إلى
المحاكاة، أو
ذلك الميل
الطبيعي إلى
الفعل ACTION الذي هو
جوهر الفن
التمثيلي.
وكما هو
معروف في مجال
الدراسات
النفسية فإن الميلPROPENSITY
هو
"..استعداد
انتقائي
للفرد تجاه
نشاط معين،
يدفعه إلى
المشاركة فيه
ويرتكز على
حاجة عميقة
وثابتة للفرد
إليه، وعلى
رغبته في تحسين
المهارات
والعادات
الموجودة
لديه."[20]،
وهذا النشاط هو
ما يسمى بالتوحد
IDENTIFICATION ،
التعيين، أو
التقمص
الوجداني عبر
المحاكاة،
بمصطلحات علم
الاجتماع،
حيث يرتقى
التوحد إلى
مصاف
العمليات
المعرفية،
الانفعالية،
التي يتعرف
بها المرء على
ذاته من خلال
المشابهة أو
التماثل،
كونه العملية
التي ".. يتوحد
بها الشخص، لا
شعوريا، مع
شخص آخر، أو
مجموعة أخرى،
أو نموذج آخر.
[وهو أيضا]
آلية يضع فيها
المرء نفسه
موضع شخص آخر،
وهو ما يظهر
على شكل
استغراق، أي
نقل " أنا " شخص
ما إلى مكان
وزمان شخص
آخر، وينتج
عنه استيعاب
المعاني ذات الصبغة
الشخصية لذلك
الآخر [ حيث
يتقاطع المجال
الدرامي
الإبداعي مع
علم النفس..]."[21]
غير أنه يبدو
أن الممثل
يكون غالبا -
وبسبب تلك
التقاطعات
بالذات - هو
الأقرب بين
أهل الفن إلى شبهة
الخلل العقلي،
أو الجنون، إذ
يرى البعض في
الرغبة أو
الحساسية
التمثيلية
لوثة، أو ضربة،
ما تصيب بعض
الناس
وتدفعهم إلى التعري،
أو العرض، أي الرغبة
في عرض الذات
أمام الآخرين،
وقد ارتبطت
حرفة الممثل
تاريخيا ومنذ
نشأتها بتصور
مماثل، ومن
هنا كانت نظرة
القدماء إلى
الممثل بوصفه
شخصا ممسوسا
لا يجب
الاقتراب
منه، أوا ليس
الممثل هو ذلك
الشخص المتحول
بصورة فجائية
صوتيا وحركيا
والمفارق
لطبيعته
الذاتية
مجسدا صورة،
بل صورا أخرى
متعددة لأناس
قد يكونوا من
الأموات
الراحلين، أو
قد لا يكونوا
موجودين
إطلاقا ..!!
إن مثل هذه
التصورات ظلت
تلاحق غالبية
المشتغلين
بالخلق
الفني، فالإنسان
هو الكائن
الحي الوحيد
الذي استطاع أن
يصنع من الوهم
أو الخيال أو
الكذب ـ إذا
شئنا ـ فنا،
أو ميراثا بهذا
العمق وعلى تلك
الضخامة التي
تشهد عليها
المكتبات
والمتاحف
ودور العرض
التي نذهب
إليها جميعا،
لإشباع حاجة
لا تراود أبدا
بقية الكائنات،
حاجتنا إلى
الامتلاء
الروحي، إلى
التوحد مع
الذات في
مواجهة
الزمن، وضد
الموت، الحاجة
إلى الخلود .
صحيح
أن البشر
اليوم قد لا
يشتركون
جميعا في هذا
الأمر، إلا أن
هذا كان يوما
ما
حاجة جماعية،
وحتى في وقتنا
الحاضر فإننا
نعرف جيدا أنه
تعيش بيننا
طائـفة قديمة
يدين أفرادها
بالولاء
التام لآيات
الإبداع
الفني
والثقافي
الإنساني
المحض ( فلو
كنا لا نعرف
هذا ما كان
لنا أن ننفق
كل هذا الجهد
في صناعة هذا
البحث مثلا.)
ويقول مالرو :
".. وفي حين أن
الفن ليس
دينا، تخضع [
تلك ] الطائفة
ـ خضوع
المبدعين
أنفسهم ـ لنفس
تعريف الإيمان:
الانخراط
الكامل
بالقلب
والعقل"[22]
إن هذا
الخضوع، أو
الانخراط
الكامل، أو
الاندماج
بتعبير أكثر
مسرحية، هو ما
يجعل الممثل –
كما رأيناه - شخصا
مفتونا بسحر
اللعبة،
مستسلما لها
بكامل كيانه،
كاالعاشق
المضروب
بجنون هوى* PASSION لا شفاء
منه.. إذ لا
يسقط في نيران
الهوى، أو العشق،
إلا الوجدان
الشاعر وحشة
الوجود، والميال
بطبعه إلى
التوحد مع
كلية الكون،
ومن ثم مع من
يمثل – من وجهة
نظره – صورة من
صور تجلي
الجمال في
الطبيعة. وكما
يقول أفلاطون:
"ما من إنسان
يصبح شاعرا،
إلا ويكون
الحب قد مسه
بيده.." فمما
لا شك فيه أن
هناك لذة ما
في لعبة
التمثيل ( لذة
المحاكاة كما
يراها أرسطو)،
وهي اللذة
التي تصاحب
عادة إدراكنا
لوجود الجميل.
فالإحساس
بالجمال هو ما
يؤكد ارتباط
الإنسان
الوجداني
بالفن، بصرف
النظر عن
الجانب
العقلي في
الموضوع.
والواقع
أن الفارق ما
بين الحالين،
محاكاة أو تعرية
الواقع
الحياتي
اليومي
والتعري
الروحي، أو
المحاكاة
الفنية
الخالصة، لا
يزيد عن مقدار
ضئيل في
الواقع. وما
تاريخ الفن
التمثيلي
عموما إلا سجل
محاولات
تعزيز هذا
الفارق دراميا،
عبر فصول
الصراع
الدائم بين الواقع
و نقيضه، أو
قرينه،
الخيال، بل إن
هذه المحاولة
بالذات هي ما
يشد انتباهنا
إلى الممثل
فوق المنصة،
وكأنه لاعب
السيرك يسير
فوق سلك رفيع
على ارتفاع
مخيف، فنحن
نرى الظاهر
الذي لن
يخدعنا ثباته
وهدوئه، ولو
كان حقيقيا
لانصرفنا عنه
لخلوه من
الحياة، أو –
وبمعنى أدق - من
الطاقة
الحيوية .
من
ناحية أخرى
فإن هذه
المفارقة ما بين
الفن والحياة
تطرح نفسها
بعمق في حدود
ما يزال هنا
مجرد ميل أو
نزوع أولي، إذ
لابد أولا
للإنسان
الميال إلى
مفارقة ذاته
وتعريتها، أو
نزع قناعها
المألوف، من
الدخول في
إهاب ما يحاكيه،
أي ارتداء قناع
الآخر الغائب
أيا كان. وهو
ما يمكن أن
يجعله، لو فكر
في الأمر على
نحو شخصي،
واقعي، يتردد
كثيرا قبل
دخوله إلى
دائرة العرض.
فالعرض معناه
الظهور، ومن
ثم التعري،
أمام الآخر،
وانتظار حكمه
أو تقييمه لما
نفعل، وهذا
وحده كفيل بأن
يلقي في
قلوبنا الرعب
. ففي ظل
ما عمل الإنسان
على ترسيخه من
قواعد وأعراف
وتقاليد تنظم
سلوكه اليومي
تشكلت تلك
القوة
الغامضة للآخر
الرقيب،
والتي لا تكف
عن النمو
بصورة رهيبة
في الحياة
الإنسانية
فيما نعرفه
اليوم باسم
قوة الرأي
العام،
ولعلنا نجد في
هذا ما يفسر
حالة الخوف
المعتادة لدى
الممثلين ـ
مهما بلغت
درجة خبرتهم
الاحترافية ـ
والتي تنشأ
عادة قبل كل
ليلة عرض
جديدة.
إذ
تبدو حالة
العرض وكأنها
خروج من الشيء
الملموس، أي
الوجود
المادي
الحاضر للشخص
الممثل، وفي
نفس الوقت
دخولا قصديا إلى
الصورة
الخيالية
لشخصية أخرى.
وكأنها ـ أيضا
ـ عملية
انقطاع عن
الذات فيما
يشبه
الغيبوبة
المؤقتة، أو
غشيه trance، وهو ما
يجعلنا نقيم،
أحيانا،
رابطا ما بين
حال التمثيل
والهذيان. فهنا
يميل الميزان
لصالح الأنا
الخالقة المعنية
غالبا بصورة
الأشياء وليس
بالشيء نفسه،
الأنا
الواعية
لحريتها
مقابل أنا
اليقظة، أو
الأنا
الواعية
بظروفها الشرطية
التي تحدد
وجودها
الفردي
المقيد عمليا
بسلسلة معقدة
من التحديات
البيولوجية
والاجتماعية
والتاريخية.
وكما يقرر جان
دوفينيو فإن
عالم الحواس [
عالم الممثل ] ما
هو إلا تكرار.!
ومن ثم فإن
التمرد على
الوقائع
الاعتيادية،
وعدم الخضوع
للمنطق
التقليدي
للأشياء، يكون
هو المنبع
الفياض الذي
تتفجر منه تلك
اللحظات
الاستثنائية
التي يتألق
فيها نور
الإبداع.
ومن
هنا فقد يرى
البعض في
الفعل
التمثيلي محاولة،
أو حيلة سيكولوجية
سلبية للهروب من
الواقع
المعاش،
وخاصة في حال
المقاربة بينه
وأحوال
الهذيان، أو
الهلوسة، أو
التداعي النفسي،
على اعتبار أن
" الدخول إلى
المسرح [رمزيا]
هو طريقة
شائعة في
التهرب من دور
فاعل في دوامة
الحياة "[23]،
لكن الأمر
يبدو لدينا
على العكس
تماما من هذا
التصور. فإذا
كان الممثل
يخرج عن
شخصيته الذاتية
لبعض الوقت ،
فهو يفعل هذا
ابتغاء الوصول
إلى فهم أعمق
لطبيعة النفس
البشرية
بمعناها
الكلي، فنحن
في الأغلب نقف
أمام المرآة
لا من أجل
الهروب من
أنفسنا، بل من
أجل مواجهتها
..! فالفعل هنا
هو وحده
القادر على شحننا
بطاقة وجودية
جديدة، طاقة
التغيير، وليس
فقط تطهيرنا
من مشاعرنا
السلبية. ففي
هذه المساحة
المفتوحة
للجدل،
وللحوار
الفعال، يمكن
أن يناقش كل
شيء، كما يمكن
أن يولد هنا
الجديد من رحم
القديم، الذي
يتم نفيه إلى
غير رجعة مع
ستار، أو
كلمة،
النهاية.
وحتى لو
افترضنا وجود
نوعا من
التماس بين
حال الإبداع
التمثيلي
وأحوال
الهذيان،
والهلوسة،
والتعلق
بفكرة معينة.. فهذه
نفسها قد تكون
وقائع
إيجابية – كما
يرى برجسون –
من حيث " إنها
تقوم على
الحضور لا على
غياب شيء ما..
إنها تبدو
وكأنها تُدخل
في الفكر بعض
الأساليب الجديدة
في الإحساس
وفي التفكير..
ويجب التوقف عند
ما تقدم، بدلا
من الوقوف عند
سلبياتها وعند
ما تأخذ."[24]،
وكما أِشرنا
فان الفارق الأساسي
بين الفعل
التمثيلي
الإيجابي
الذي نشاهده
على المنصة،
وبين ظواهر
الانفصام المرضي
التي قد تحدث
في الواقع هو
هذا الوعي بـالمفارقة
التمثيلية،
أو الإرادة
الساعية لتحقيق
أهداف معينة
من خلالها، أي
تلك الممارسة
التحولية
الواعية
بذاتها.
إن هذا الفعل
المركب ،
المتضمن ،
والمبنى على
رغبة التحول
الكامنة في
أعماق كل منا،
هو مالا نجرؤ
على ممارسته
إلا في سياق
خفي لا شعوري
ـ في ثنايا
أحلامنا الخاصة
بأن نصبح كذا
وكذا ـ محققين
بذلك ما استحال
علينا في
الواقع، وهو
الفعل الذي قد
يعجز البعض عن
ممارسته كلية
إلا في أحوال
مخصوصة من
الانفصال عن
الواقع مثل
الهذيان، أو
الاستحواذ،
نتيجة لما
يشترطه من
الوصول إلى
درجة عليا،
مخصوصة، من
التجلي.
المحاكاة..
والفعل.. ووهم
التشابه.!
يقول
ميوكاروفسكي: " إن
الشروط
الضرورية
للتواصل
المكثف والفهم
التام بين
المسرح
والمجتمع هي
وحدة عضوية تصدر
عن نظرية في
الوجود وعن
شعور ديني
وخلقي. إن
اليونان
القديمة
والعصور
الوسطى
وغيرها هي
أمثلة على
ذلك.." تلك هي
المفارقة
المأسوية التي
يعيشها الفن
المسرحي
اليوم، في ظل
القطيعة التي
يعيشها إنسان
ثقافة
الحداثة
الأوروبية،
ومن ثم
الثقافات
التابعة التي
اتخذت من
النموذج
الأوروبي
مثالا للوجود
والإبداع. وهو
ما سعت إلى
تجاوزه كافة
النزعات
التجديدية في
المسرح
الحديث بداية
من صرخة
أنتونان أرتو
للتخلص من
سطوة المفهوم
الأدبي
للمسرح، وانتهاء
بتجارب
جروتوفسكي
وبيتر بروك من
أجل العودة
إلى الينابيع
الأولى للفن
المسرحي، أو إلى
مسرحة
المسرح، وهو
ما يمكن
إيجازه في
الدعوة من أجل
إعادة الممثل
إلى عرش
الظاهرة المسرحية.
وفي كل
الأحوال فإن
المساحة التي
نسميها المسرح
ـ منصة أو
إطار التمثيل
ـ تبدو بهذه
الصورة ليست
فقط مساحة لهو
أو لعب تقني،
باللفظ والحركة،
بل تبدو لنا
وكأنها تلك
العتبة التي
تعبر من
خلالها
الحياة،
مظهرا أو جوهرا،
لتصبح فنا، والعكس
بالعكس. “ فالفضاء
الجمالي هو
فضاء مزدوج [ بعكس
الفضاء
الواقعي الأحادي
] ويخلق
ازدواجا، وكل
من يدخلون
إليه يصبحون مزدوجين
بدورهم"[25]. في هذه
المساحة
الموازية
للوجود المعيش
يظهر الممثل،
في قناعه المزدوج،
كشخص PERSON
وكشخصية *CHARECTER معا.
ليس مجرد حاوي
يحمل جرابه
الزاخر
بالشخوص
الغريبة،
والمدهشة،
ولكن فاعلا
للفعل )
سواء كان هو
الفعل الدرامي
Act، أو الفعل
action بالمعنى
السيكولوجي، كوحدة
نوعية للنشاط
الإنساني، والذي
هو وسيط قصدي
إرادي موجه
نحو هدف مدرك.."[26]).
ولقد أصبح من
غير الممكن
اليوم الحديث
عن الفن المسرحي
إلا من هنا
بالذات ، أي
من جهة فن
العرض ، وليس
من تلك الوجهة
الأدبية التي
استأثرت طويلا
بالسيادة على
عرش النقد
المسرحي. وفي
هذا المقام قد
يصبح من
الضروري
إعادة النظر
في الكثير من
المفاهيم
النقدية
المرتبطة
بالمسرح على
هذا الأساس،
أي بوصفها
مفاهيم تخص
الممثل
والمخرج أولا
وقبل كل شيء ،
وعلى رأس هذه
المفاهيم
تأتي
المحاكاة. فهي
الصيغة، أو
المفهوم الذي
جرت العادة
على البدء منه
عند الحديث عن
الفن المسرحي
عموما، أو عن
أي من عناصره
تخصيصا.
ففي البدء
كانت
المحاكاة.. التخييل
الفني..
المشابهة..
الاستشباه..
النقطة
السحرية
للعبور، نقطة
التحول التي
لابد منها
للدراما. "
فككل شيء لابد
للدراما من
بداية، لكن
الدراما
الأولى هي
أيضا الدراما
الأخيرة، وهي
الدراما
المعاصرة
بمعنى من
المعاني[27].."
والبداية هي
المحاكاة فهي الأصل
الثابت، والمتجدد
بغير انقطاع.
لأنها هي
الغريزة
الأساسية
نفسها، غريزة
التقليد Mimeses. والمحاكاة
هي ذلك الميل
إلى التحول،
والرغبة
السحرية
الغامضة في
إعادة
التجسيد.
التعبير
المباشر عن
نزعة مفارقة
الذات، أو
العبور، إلى
الآخر
المختلف. محاولة
التواصل من خلال
المماثلة
والمخالفة
معا. وهي رغبة
أساسية عميقة
ومتأصلة فينا
ـ كما يقرر
أرسطو منذ
القدم ـ فهي تولد مع
الإنسان منذ
الطفولة
وتميزه مع
سمات أخرى عن
الحيوان.
وهي ـ
كما يراها
علماء النفس ـ
تعبير عن وحدة
الكائن وخضوع
لمقتضياتها:" فمن
الواضح أنها
تستند إلى مستويات
في الجهاز
العصبي تحت
لحائية.. مما يهيئ
الفرد
المحاكي
للارتباط
الوجداني
العميق بأفراد
جماعته ، كما
يهيئه
لامتصاص
أنماط
تعبيراتهم ، بحيث
يقدم نفسه إلى
الآخرين من
خلالها فيسهل عليهم
الاستجابة له
استجابة
ملائمة."[28]
فالمحاكاة
تتضمن في جوهرها
لا مجرد
الرغبة في عرض
الذات، وإنما أيضا
الرغبة في
تحويل هذا الميل
الفردي
المنولوجي،
إلى حوار
متبادل، ديالوج،
عن طريق
استثارة
الآخر كي يعبر
إلينا، ومن ثم
استمالته لكي
يفسح لنا
موضعا لديه.
فإذا
كانت
المحاكاة، أو
الحساسية
التمثيلية، مجرد
صورة غريزية بدائية
للتمثيل، باعتبارها
" فضيلة
أساسية، أو
أولية، أو
بدائية للعقل
البشرى .. لا
يمكن أن تنمو
أو تزدهر إلا بالممارسة
[فهي] وكمال
الفعل.. الوعي
البدائي المباشر"[29] فإنها
قد لا تكون
كذلك في
صورتها
الأرقى، أي حين
تصبح عملية
واعية بهدفها
النهائي
وبذاتها
كعملية
تركيبية،
جدلية، يتحول
أثناءها
المونولوج
الداخلي إلى
حوار مع الآخر.
فتصبح تجسيدا
للمثال، أو
استبطانا
للواقع،
لتكون بذلك
الخاصية، أو
الموهبة الدرامية
التي أصبح
منفردا بها
النوع البشرى
ـ أو أفراد
مخصوصين منه ـ
فوق جميع
الكائنات الحية،
حيث انفتح
المجال للفن
بكافة أنواعه،
وغدا الخلود
قدرا محققا
للإبداع
الإنساني،
وليس وهما لا يطال.
هكذا وكما
يقع الممثل في
مركز القلب من
الحدث المسرحي،
تقع المحاكاة
من التاريخ
الاجتماعي ـ
الدرامي
للإنسان،
وإلا فهل لنا
أن نستخلص، في
ظل الهيمنة
الضاغطة لنظم
التربية
والتنشئة الاجتماعية،
فعلا ما
يمارسه الإنسان
في الحياة
اليومية
يتمتع
بالنقاء
الخالص، أي لا
يكون تكرار،
أو محاكاة،
لفعل آخر سابق
قام به آخرون
..؟ ونحن لا
ننفي بهذا
الجدة، أو الإبداع
عن الفعل
البشري،
وبالذات
أفعال الخلق
الإبداعي،
بقدر ما نقرر
حقيقة وجودية
قديمة قدم
الاجتماع
البشري.
إذ
يبدو وجودنا الاجتماعي
الواعي في حد
ذاته
وجودا مرآويا
طالما كنا
ماضين في سياق
الزمن المتضمن
بالضرورة
وجودا سابقا
علينا ، وما
دمنا نعيش مع
الآخر ،
فالوجود في
الزمن ، بما
هو ماض مستمر
، ومع الآخرين
، كأطراف
علاقة مشتركة
، هو معنى
وجودنا
الاجتماعي ،
الذي قد يكون
هو ما يستلب
حقيقة وجودنا
الذاتي ،
الغائم كجنة
الفردوس
البعيدة، فلا
نملك سوى
الحلم
بتحقيقه ، يحول
بيننا وبينه
جحيم الآخرين
.
وإذا كان
المراقب
الحديث يرى في
ما نقول شيء من
التناقض ( حيث
لا يعترف الإنسان
بنفسه ـ وفق
هذا الافتراض ـ
إلا في مرآة
الآخر ..! ) ، فإن
هذا المفهوم
كان ، بصورة
طقوسية ما ،
هو محور حياة
الإنسان
"البدائي" ،
فيما قبل
الفلسفة
الإغريقية ،
وهو ما يقرره
مرسيا الياد
بقوله : " إن الشيء
، أو
الفعل [ في
المفهوم
الانطولوجي
البدائي ] لا
يصير حقيقيا
إلا أن يحاكي
، أو يكرر ،
نموذجا أصليا
، أي أن
"الحقيقة" لا تكتسب
إلا بالتكرار
أو الاقتسام ،
وكل ما ليس له
نموذج مثالي
فهو "عار من
المعنى" [30]..
وموضوع
المحاكاة هنا
هو العالم
الأسطوري، عالم
الآلهة
والأبطال
الخارقين،
وكما يقول براهما:
" كما فعل
الآلهة ، كذلك
يفعل الناس "،
ولا يعني هذا
أن المجال
الوحيد
للمحاكاة هو
مجال الطقوس
والممارسات
الدينية ، بل
على العكس فإن
الحقيقة
الأهم هنا هي "
أن الطقوس
ليست وحدها
التي لها مثال
ميثولوجي
وحسب، وإنما
كل فعل بشري
فإنما
يكتسب
فاعليته
بمقدار ما "
يكرر " فعلا
قام به، في
مبدأ الزمان،
إله أو بطل أو
سلف" [31].
هذا اللون من
المحاكاة
الطقسية
يختلف
بالضرورة عن
المحاكاة
الفنية الأرسطية
[في حين أنه
يقترب كثيرا
من المفهوم
الأفلاطوني
لها، وهو ما
جعل مرسيا
الياد يصف أفلاطون
بأنه " فيلسوف
" العقلية
البدائية "
بامتياز، أي
المفكر الذي
حالفه
التوفيق في
تقويم طراز
الوجود
والسلوك عند
البشرية
القديمة تقويما
فلسفيا "[32]..
وهو ما سنعود
إليه بعد
قليل.] فهي
تعبير عن رغبة
تستهدف تحقيق
نتائج معينة في
الواقع، بصرف
النظر عن
المتعة
الجمالية التي
تقترن
بالنشاط
الفني عموما،
بالإضافة إلى
أنها " تنطوي
على نمط معين
من التفكير"[33].
ولعل في هذه
الفرضية ما قد
يسهم في البحث
حول حقيقة
الأسباب
القائمة وراء
غياب الفن
المسرحي ،
بالمعنى الذي
أعطاه له الإغريق
، عن
المجتمعات
القديمة ،
مثال المجتمع الفرعوني
، حيث تختلف
بالضرورة هنا
صورة الكاهن ـ
المحاكي في
التمثيليات
الدينية
المعروفة
باسم مسرحيات
الأسرار (
ميستريا )
المحجبة عن
صورة الممثل
في المسرح
الإغريقي
اختلاف
المعنى بين
المحاكاة في
كلا
الحضارتين ،
أو باختلاف المسافة
القائمة بين
الواقع
والخيال ، أو
بمصطلحات
معاصرة بين
الفن والحياة
.
فقد ولد المسرح
ـ في نشأته
الإغريقية
الأولى
المعترف بها
ميلادا
حقيقيا
للدراما،
والتي حرر لها
أرسطو شهادة
الميلاد ـ
وكأنه طريقة،
أو آلية، للضبط
والعلاج
الاجتماعي،
تعتمد على
تحقيق
الاندماج في
نسق القيم الأرستقراطية
العليا، من
خلال محاكاة
أفعال أفاضل
الناس. وهي
التقنية، أو
الطريقة التي تم
اعتمادها
بديلا
للآليات الجمعية
الأخرى مثل
الطقوس
الدينية
والمراسيم والاحتفالات،
أو المشاركات
الجماعية،
التي كانت
تكتفي
باستخدام
أنماط معينة من
المحاكاة تعمل
على إحداث
الإيحاء - عن
طريق محاكاة
الأفكار - أو
استثارة المشاركة
الوجدانية -
بواسطة
محاكاة
العواطف - حيث
لا يخرج الأمر
في مثل هذه
التجمعات
الكرنفالية،
الصاخبة، الخشنة،
أو لا يجب أن
يخرج، عن حدود
التجريد حتى
في الحالات
التي تعتمد
على فكرة
الحلول،
والتي يصل فيها
المريد إلى
وضع المفارق Transcendent
بالمعنى
الروحاني، أو
التسامي،
متخليا عن كيانه
المادي،
مستسلما
لقياد الروح،
أو الفكرة المقدسة
(التي يعتقد
أنها قد حلت
محل النفس
الناطقة )
ينطق بلسانها
ويتحرك
بأنفاسها، إذ
أن هذا كله لم يكن يحدث
إلا على مستوى
الرمز ـ أولا
وأخيرا ـ ففي
حضرة ما هو
مقدس لا
نستطيع
سوى اللجوء
للرمز، فنحن
لا نقدر على تسميته
باسمه ( فما
بالك بتشخيص
أفعاله )، ومن
ثم فإن الطقس
يشارك في
أدائه الجميع
دون تخصيص أو
تفرقة ما بين
ممثل ومتفرج،
استنادا إلى الخبرة
الدينية
الانفعالية
العامة التي
تعمل على دمج
الكل في جسد
واحد.
إذا
كانت
الإحيائية
والميتافيزيقا
ليستا - كما
يرى كاسير -
"سوى
محاولتين
مختلفتين
للإحاطة
بحقيقة
الموت، أي
تفسيره في
صورة عقلية مفهومة.."[34]
فقد ظل الموت
هو الموضوع،
أو البطل/الضد
ANTIGONIST ،
للتراجيديا
على الدوام. فنحن
عندما نبعثُ
على المسرح
شخصية من
الماضي نبدو
وكأننا بصدد
ممارسة حية
للحقيقة
النفسية
القائلة
بإمكانية
مواجهة
العوائق
والمصائب
الواقعية عن
طريق إلغاء
وجودها في
العقل، أي
بواسطة الخيال.
ومن ثم يكون
التماس قائما
بين حالة
التقمص التمثيلي
لشخصيات
تاريخية
وُجدت بالفعل،
أو أخرى خيالية
لم يكن لها
وجود على
الإطلاق،
وبين أحوال
البعث أو
استدعاء
أرواح السلف
ممن تركوا العالم
المادي
راحلين إلى ما
وراء الطبيعة
الحية.
لكن المسرح
الدرامي لم
يولد إلا مع
تطور النزعة
الإنسانية،
أو المدينية،
أي حين "تحول
مسرح الإله
إلى معبد
الإنسان" - كما
يقول جون
جاسنر[35]-،
أو كتعبير عن
القطيعة
الوجودية
التي فصلت ما
بين
العالمين،
السماوي
والأرضي،
القديم والجديد،
الأسطوري
والواقعي ..
وكما يلاحظ
دوفينيو فإن "
ديونسيوس إله
الفلاحين
القدماء،
يجسد الحنين
إلى وحدة بدائية
ممزقة، وحلم
مشاركة،
وتعاطف كامل
انتهى للأبد [36]".. ومن ثم
فهو يخلص إلى
أن " صورة
الضمير الممزق
[ تلك ] هي التي
أنشأت
الدراما، وأن
شموله، أو
سلامته، هي
التي تجعلها
بلا جدوى[37]
" ..
فالمسرح
الدرامي هو -
في التحليل
النهائي - نوع
من التعبير
الشعري عن
الصراع
الجديد ما بين
عالم
المشاركات
القروية القديمة،
العالم
الأمومي،
المدور،
الناعم.. عالم الخدم
والعبيد،
الذي لا يناسب
أبطالا من نوع
أخيل، أو
أوديب، أو
أوريست، بقدر
ما يناسب حاكم
مطلق نصف إله،
أو كاهن،
أونبي.. وبين
عالم المدينة
الطبقي، عالم
الرجال،
بأسواره المنيعة،
وبأبطاله
الذين قد يكون
واحدهم شاعرا،
أو ملكا، أو
كاتبا[38]..
إن المسرح قد
جاء تعبيرا عن
تحول الوعي،
وعن قدرة
الإنسان على
رؤية نفسه،
والعالم، في
مرآة الخيال
المركبة
متعددة
الأوجه. فالإنسان
لا يقف هذا
الموقف الدرامي،
الجدلي، من
الذات إلا بعد
امتلاكه
ناصية الوعي
الفردي،
الوعي بالذات
خارج
الموضوع،
الآخر. وإن
هذا هو ما
يعزز ضرورة
الفصل بين
المعاني
التاريخية
والتقنية، المختلفة
لمصطلح
المحاكاة، ما
بين مجال المسرح
والدراما،
وبين مجالات
العلوم
الاجتماعية،
والإنسانية
الأخرى.
ولقد كانت النقلة
جد هائلة في
الفن المسرحي
بالذات، حين
تحولت تلك
الفصول
الأولية أو
المُحاكيات mimesis
القديمة إلى
عنصر نشط من
عناصر
الإبداع الدرامي
المتجسد في
أزهى أشكاله ،
في المعجزة
الإغريقية
الفريدة..
التراجيديا ،
التي لم يكن
لها أن تتناسخ
من جديد إلا
مع انبعاث
المفهوم
الخاص عن
المحاكاة الذي
استولدها ، أي
مع الدراما
الشكسبيرية،
على الرغم من
أن الإغريق قد
عثروا على
"..أخيل ، وعلى
سلالة أجا
ممنون
ومنيلاوس ، و
أوديب في
استيهاماتهم
[الأسطورية
والملحمية] لا
في تاريخهم.."[39]
بينما أعاد
شكسبير
محاكاة أو نسخ
تاريخ
هولنشيد،
والتاريخ
الروماني .
الظل
أم الصورة :
الكلمة
اليونانية
الأصل ( MIMESIS)
محاكاة ، لا
يمكن أن يكون
معناها فقط
النسخ من
الطبيعة ، كما
يحاول
تلقيننا شراح
أرسطو ـ
الأرسطيون
أكثر من أرسطو
ـ وإلا فكيف
تفعل
الموسيقى ذلك
مثلا وهي من
فنون
المحاكاة
طبقا لأرسطو
؟. المسألة
تتعلق إذن
بشيء آخر،
لعله المحرك
الكامن وراء
ما نراه على
السطح.! وإلا فما
هو ذلك الشيء
القادر على
نشر حالة
الإيهام بين
صفوف
المتفرجين
ودفعهم إلى
التوحد الكامل
، بالعقل
والوجدان بل
وعصبيا أيضا،
مع شخص ما
اقترف ـ مثلا
ـ فعلة أوديب
المحرمة (قتل
الأب والزواج
بالأم ) .؟ وكما
يقول أوجست بوال
بوضوح لا لبس
فيه: "..إن
الكلمة
اليونانية (MIMESIS) لا
علاقة لها
عنده [ يقصد
أرسطو بالطبع
] بمفهوم نسخ
مثال خارجي بل
هي تعني : (
إعادة
الإبداع أو
الخلق من جديد
).. وأما
الطبيعة فليس
المقصود منها عنده
مجموعة الأشياء
المخلوقة بل
مبدأ الإبداع
في حد ذاته."[40]
لكن أفلاطون
يرى، في قصة
الكهف
الرمزية، أن
أصحاب فن
المحاكاة لا
يحاكون
الواقع (
الكائن فقط
بفضل المثال أو
من خلال
الفكرة ، أي
فكرتنا عنه)
وإنما تقف حدود
المحاكاة
لديهم عند
الظل الأسفل
منه، أي عند
مستوى التخيل،
وهو المستوى
الرابع
للواقع يسبقه:
المعرفة/الصور
أو المثل،
والتفكير/الموضوعات
الرياضية،
والرأي/الموضوعات
المرئية. من هنا
كانت دعوته
إلى نبذ
الشعراء
المحاكين IMITATORS
،
من جمهوريته
المثالية،
فهم لا يقدمون
لنا فحسب
الوهم مجسدا
في تراجيديا
تهم بل وهم
الوهم، أو
تماثل
التماثل.
وهو يقدم لنا
تصوره الخاص
لمفارقة
الممثل ـ المُحاكي
على النحو
التالي: ".. لو
أن إنسانا ما كان
قادرا بالفعل
على إتيان
الأشياء التي
يمثلها وكذلك
على تقديم
صورتها فهل
تعتقد أنه سيكرس
نفسه جادا
لتقديم هذه
الصور…لو أنه
تملك ناصية
فهم حقيقي للأعمال
التي يمثلها
لسارع إلى
تكريس نفسه
لاجتراحها في
الواقع..
ولسوف يتحرق
شوقا إلى أن
يكون البطل
الذي يتغنى
بمدائحه أكثر
من شوقه إلى
أن يكون
الشاعر الذي
يتغنى بها .." [
وإنها لمفارقة
عبثية بالفعل
كما يرى
و.كاوفمان ] .[41]
الممثل
إذن لا
يُحاكي،
بأفعاله،
صفات الشخصية
كما يفترض أن
تكون في
الحياة
الطبيعية،
حتى وإن بدا
مقلدا فهو لا
يحاكي
الواقع، بل يحاكى
أفعالها،
التي تنتمي
بدورها إلى
المتخيل..
متخيل الواقع.
فـ ماكبث ليس
مجرد صورة منسوخة
عن نبيل
اسكتلندي عاش
بلحمه ودمه (
على الرغم من
القول بوجود
أحداث مرجعية
حقيقية
للمأساة
الشكسبيرية
فيما عرفه
معاصرو شكسبير
باسم مؤامرة
البارود) لكنه
ظل الصورة
المتحولة
الذي يلوح على
جدران الخيال
التمثيلي ، أو
الكهف الذي
يسكنه أهل
الفن بعيدا عن
الواقع ، هكذا
يصبح لدينا
أكثر من ماكبث
واحد لا يشبه
أحدهم الآخر ،
بقدر ما لا
يشبه خيال
الممثلين
المختلفين
بعضه البعض ،
وبقدر ما
تختلف اللوحات
والدراسات
الموضوعة عنه
، الشيء الوحيد
الثابت هنا هو
النص ، كلمة
الشاعر صانع الأخيلة
الأصلي فيما
تتنوع
التأويلات .
وإن
كان أفلاطون
قد قصد
الزراية
بالفن التراجيدي
، حرصا على
عقول النشء من
أن تغدو أسيرة
الوهم أو
الكذب ، الذي
لا يليق
بالعامة ـ
كونه فضيلة
أساسية يختص
بها أهل الحكم
والسياسة
الذين ينبغي
أن: "يسمح لهم [
فقط ] بالكذب
تحقيقا للصالح
العام"[42].!
إلا أنه فيما
يبدو قد أفسح
المجال
برؤيته هذه (
بعد إخضاعها
لمفارقة
ظاهرية ) لتلك
النظرة الرومانتيكية
التي وضعت
الفن فوق
الواقع وليس
في الدرك
الأسفل منه . ولا
بأس فقد كان
هو نفسه
في بداية
حياته العملية
شاعرا مجيدا ،
كما أنه كان
يتحدث عن شئ
عاصره ويعرفه
تماما!
أما
تلميذه أرسطو
فقد جاء على
النقيض منه
ومن أطروحته
أيضا، ليصبح
المعلم الأول
والمرجع الأساس
للفن الدرامي
برمته، على
الرغم من
انقطاعه
ذاتيا
وموضوعيا عن
الممارسة
الفعلية، إلى
الدرجة التي
يذهب معها ج.
دوفينيو إلى
القول: إن " ما
يقوله [أرسطو]
عن المسرح لا
يمكن أن يؤول
إلا على أنه أيديولوجية
جمالية لا
مجال لأن تكون
علاقتها
بالواقع
والحقيقة إلا
علاقة
افتراضية.. فقد
وصل إلى أتينا
عام 367 ق.م، وبعد
موت يوربيدس
بحوالي 70 سنة.."[43].
إلا أن هذا لم
يمنعه من أن
يؤسس، ومن
خلال شذرات
محاضراته في "
فن الشعر"، ما
يسميه أ.
بوال النظام
الأرسطي
الحديدي
للدراما، المعتبر
في الأوساط
النقدية
الأكاديمية
المرجع
الأساس في
الإيهام،
الذي هو غرض
المحاكاة
النهائي.
إن هذا
التفسير
للمحاكاة
يرفعها ولاشك
إلى مصاف
المعرفة،
التي أختص
أفلاطون
الفلاسفة وحدهم
بها. ولذا كان
أرسطو حريصا
على التأكيد على
جلال وعظمة
الحدث
المحاكي
وأيضا على
رفعة وسمو
الشخصيات. فما
دمنا قد
ارتفعنا إلى
عالم المثل،
فلابد وأن
تكون كل
الأشياء هنا
أسمى وأنبل
مما هو عليه
وجودها (
المواقف
والظروف
والأحداث
التي تعيشها )
في الواقع،
كما أنها لابد
وأن تكون على طبيعتها
الحقة ـ حسب
المثال
الأفلاطوني.
ولعل
حرصه هذا هو
ما يغرينا أن
نقول إن
الدافع الذي
قاد الأستاذ
وتلميذه إلى
النتيجتين
المتعارضتين
هو واحد في
النهاية.
فكلاهما يعظم
من شأن الصور،
أو المثل
الاجتماعية
العليا،
وكلاهما حرص على
بقائها
وسيطرتها في
ظل وبحماية
النخبة الراعية
للأصول، في
مواجهة
الحريات التي
يتيحها
التمثيل، أو
التمسرح بصفة
عامة،
فالمسرح الحق
ليس يكرس لما
هو قائم بمحاكاته،
أو إعادة
إنتاجه، بل
على العكس فإن
التمثيل يتيح
" حرية إعادة
إنتاج معايير
الطبيعة
والنظام
الاجتماعي،
وتقليدها
ومحاكاتها
وتشويهها
وانتهاكها.. "[44]
فقد كان كل من
المعلمين
يدافع عن
النظام الاجتماعي
القائم ضد عبث
المتهورين من
الفنانين القادرين
على استثارة
الأغلبية
السائرة في
معية تلك
المثل ورعاتها،
من خلال
المحاكاة
القادرة على
تجسيد الحدث
الحي بما له
من كهربة
خطيرة،
تدركها الحكومات
بغريزتها،
كما يرى
ب.بروك..[45].
إلا أن ما فرق
بينهما هو
المنهج الذي
اتخذته ذهنية
الرقابة لدى
كل منهما على
حدة، فالأول عمل
بمبدأ
الوقاية خير من
العلاج ( أي سد
الباب بوجه
الريح ) بينما
أخذ الثاني بمبدأ
العلاج ( ولو
على طريقة :
داوني بالتي
كانت هي
الداء).!
وقد
يبدو أن
الفيلسوف
أرسطو هو من
أعاد الاعتبار
للشعراء
والفنانين
الذين تحامل
عليهم أستاذه
من قبل، إلا
أنه يبدو أن
الخلط
المتراكم في
تفسير
أقواله،
بداية من
مقولة
المحاكاة ذاتها
، هو الذي فتح
الباب لنشوء
النظرة الحرفية
الضيقة
لعلاقة
الفنان
بالواقع
وبالطبيعة
والتي أوقفت
الكثيرين عند
السطح
الخارجي للأشياء
والظواهر،
ومن ثم
ابتدعوا
الأنماط المحفوظة
(الأكليشيهات)
التي قولبت
المشاعر
والأحاسيس
الإنسانية
المعقدة، واختصرتها
في سلسلة من
الأقنعة المميتة
لا تزال تشكل
حتى الآن مادة
جاهزة للتعليم
الأكاديمي
للفنون ،
وبخاصة في
تدريس الكلاسيكيات.
يؤكد أرسطو
ضرورة أن
تحاكي
التراجيديا
الأفاضل من
البشر، بل وأن
تعمل على
تقديمهم
بصورة أفضل
مما هم عليه (كما
يجب أن يكونوا
هم وأي مواطن
حر، جدير
بالاحترام )
فإن سقط أحدهم
فذلك لعيب فيه
"HAMARTIA " وليس عن
سوء طبع character، أي
فساد طبيعة أو
خلق . وهذا
العيب هو عيبه
الوحيد
تقريبا، والذي
يجب بالتالي
الاعتراف به
وإنزال
العقاب بصاحبه
أو التطهر منه
علنا
وباختياره الحر،
لأنه
"الاتجاه
الوحيد الذي
لا ينسجم مع المجتمع
أو بالأحرى مع
ما يريده
المجتمع"[46]،
عملا بالمبدأ
الديمقراطي
الذي يتنافس
تحت رايته
المواطنون
الأحرار
جميعهم.! ومن
ثم فإن التطهير CATHARSIS المطلوب
يمتد ليشمل
بنيران الخوف
كل من شهد على
هذا السقوط،
وسمح لنفسه
بالتعاطف معه
أو الشفقة
عليه ( أي كل من
الممثل
والمتفرج معا
).!
وتنطوي الكلمة
كثارسيس Catharsis في الأصل
اليوناني على
"معنى ديني وطبي..
المعنى
الديني وارد
عند
الفيثاغورثيين
ويراد به أن
تكون النفس
منسجمة مع
ذاتها،
والموسيقى هي
الوسيلة
لتحقيق هذا
الانسجام.. وهي
واردة عند
أفلاطون، في
الجمهورية،
إذ يقرر أن
الموسيقى
أساس فضيلة
العفة. ولكن
في " السفسطائي
" يقول سقراط
عن فنه إنه
تطهيري بمعنى
أن " التطهير
هو إزالة شيء
من النفس.."[47]،
وهي أيضا
كاصطلاح
مستخدم في
التحليل
النفسي تشير
إلى "..إجراء
علاجي خاص
يتمثل في
تفريغ التوتر
(رد الفعل)
لانفعال كُبت
في ما قبل الشعور
وأدى إلى
الصراع
العصابي."[48]،
ولأن التطهير
هو الهدف
النهائي
للمحاكاة وليس
مجرد الإيهام
لذاته، فقد
كان الفعل
المرئي
والمسموع ـ
وليس المروي ـ
هو جسد
الدراما، صورتها
الناطقة (
بينما تبقى
الحكاية هي
روحها ).
من ناحية
أخرى فإن لا
سبيل لتحقيق
الإيهام -
ومن ثم
التطهير - إلا
من خلال الفعل
التمثيلي، أي
من خلال
الممثل، فهو
مسبب أو فاعل
الانفعال PASSION"..
فإن كل منفعل
فعن فاعل..
وبهذا المعنى
يقابل الانفعال
الفعل،
فالحدث من
جانب مُحدثه
فعل ومن جانب
مُتقبله
انفعال.."[49] فكما
أن الفعل يولد
انفعالا، فإن
الفعل هو أيضا
وليد
الانفعال.
والانفعال، أو
الهوى، هو تلك
العاطفة التي
تشتعل حادة
وثابتة
وشاملة،
والتي تسيطر
على كافة
الدوافع
الأخرى لتجعل
الفرد يركز
كافة تطلعاته
وجهوده على
موضوع هذا
الانفعال. وهي
العاطفة التي
قد تنجم – في أحوال
أخرى - نتيجة
عوارض مرضية
مثل الهذيان،
أو نتيجة لميل
وراثي أو
مكتسب لدى
الشخص الواقع
تحت تأثيرها.
والفعل
ACT هنا
كل ما له
علاقة منطقية
بتلك الظرفية
الخيالية الخاصة،
التي يمكن
القول إنها
ترمز مجازا
إلى حال من
أحوال
الطبيعة
الإنسانية.
ومن ثم فنحن
لسنا بحاجة
إلى أن نرى أي
شئ لا يكون
مرتبطا بمسار الفعل
الدرامي
المتطور من
حال الجهل، أو
الرخاء
السلبي ( كونه
كالرماد يخفي
تحته النار )،
الذي تعيش فيه
قبيل التعرف
وكشف
المستور، إلى
حال التعقيد،
ثم الانفراج،
أو الحل
الفاجع،
المأسوي (من
خلال الصراع
الدرامي ). أي أن
الفعل
المقصود هنا
ليس فعلة
البطل، أو
جريمته، ولكن
فعل اكتشافه لذاته،
ومعاناته الشعور
بالذنب، ذنب
الوجود.
وهناك
فرقا ملحوظا
بين كل من الفعل
الاجتماعي ACTION ،
والفعل
الدرامي act ، فالأول يتميز بماله
من غايات
عملية يراد
تحقيقها في
الواقع. وأيضا
".. من حيث
بنيته،
وخلافا
للتصرفات
الاعتيادية
أو السلوكية
المندفعة (
والتي تتحدد
على نحو مباشر
من خلال الظرف
الموضوعي )،
بأنه وسيط على
الدوام،.. فمن
خلال استخدام
وسائل مختلفة
(العلامات ،
الأدوار ،
القيم ،
الأعراف.. الخ)
يسيطر الشخص
على فعل ما،
ليكتسبه
بوصفه فعله الشخصي."[50] أما
الفعل
الدرامي ACT فهو
غاية في ذاته،
وهذا
بالتحديد هو
ما يمنح الشخصية
المسرحية CHARACTER معناها
الخاص.
فأفعال
الشخصيات -
كينونتهم - هي
موضوع الدراما،
بما هم شخوص
مفترضة،
بينما تكون سيرة
حياة
الأشخاص،
كموجودات
كائنة فعلا،
موضوعا
للتأريخ.
إنها جدلية
الروح
الدرامية،
التي يمكن أن
تسمى هنا بالروح
المأساوية "روح
الخلاص عن
طريق الفعل"
التي تشمل
بنيرانها
المشاركين
جميعهم في
تظاهرة العرض
بداية من
المؤلف ،
فالشخصية
الدرامية ،
فالممثل ، فالمتفرج،
ولعل ما يدعى
بالتطهير هنا
هو السر
الكامن وراء
تلك المكانة
أو السطوة
التي يتمتع
بها الممثل ،
هذا الذي يتخذ
وضع الطبيب
المعالج
لأهواء Passions
النفس أو
انفعالاتها
المكبوتة. وإن
كان هو في
الواقع مجرد
وسيط يستخدمه
الكاتب ـ
المعالج الأصلي
ـ في الاتصال
بمرضاه. فهذه
هي الصفة الأقرب
إلى دوره
المزدوج
كمُنوم
ومنوَم في آن،
إذ أن الشخصية
التي تأخذ
المتفرج
بسحرها لابد آخذة،
في الوقت
نفسه، بزمام
الممثل الذي
يرتدي قميصها
الممزق تحت
ضربات القدر
المكابد. فإذا
كان المسرح
علاجا ـ على
نحو ما ـ فإن
الممثل هو أول
شخص يسري في
روحه الدواء،
فهو على الأقل
الوحيد الذي
يمس جسده مبضع
الجراح .!
وخلاصة
القول أن
التطهير لا
يكون إلا من
جرم بين، شديد
الخطورة، لا
يخص الشخصية
الممثلة وحدها،
بل يمتد
بآثاره ليقوض
الأسس التي
يقوم عليها
المجتمع
بأسره. ولما
كان من
الطبيعي أن تدرك
النفس
الخاطئة أن
جميع آثامها
تتجسد بصورة
حية ، ملموسة،
في نزوات
الجسد الحسية،
فإنها تحاول
التخلص من
معاناتها
بإيذائه أو
إلغائه
نهائيا،
ولكن على نحو
مجازى،
بالطبع. وقد
لا يسعفها في
تحقيق هذا شئ
أكثر من
الموسيقى (
دواء الروح ).
سواء كانت
موسيقى الكلام
، أو الحركة
التي تخلق
إيقاعا
مستمرا،
دوارا، من
الذوبان، أو
الهذيان،
تغيب فيه الحواس
الظاهرة عن
الإدراك
وكأنه الفناء
أو التلاشي.
ويبدو
أن هذه الروح
التطهرية هي
نتاج وعي ذاتي،
مغرق في
ذاتيته،
بحقيقة
الاضطراب
والقلق الذي يعانيه
الإنسان
نتيجة
انفصاله عن
لحمة الجسد
الجماعي
القديم، ومن
ثم نتيجة نكوصه
وارتداده إلى
الصور
القديمة
للحياة المشتركة
التي أصبحت
عائقا في طريق
التطور الفردي،
والاستقلال
بالذات.
فالخلل هنا ،
أو المرض ،
عام يشمل
الجماعة
البشرية في
حقبة معينة من
حقب التطور
الاجتماعي
التاريخي. أو
كما يقول بارت
ـ أيضا ـ : "..إن
المسرح
القديم
المنحدر عن
طقوس عبادة
ديونيسيوس
كان يشكل تجربة
جماعية شاملة
تتداخل فيها
حالات وسيطة
ومتناقضة
غايتها طرد
القوى
الشريرة
المستحوذة ،
أو بمصطلح أقل
دقة ولكن أكثر
عصرية ،
تغريبها."[51]
، وبالرغم من
هذا الطابع
الميتافيزيقي
الذي نراه
يحيط بظلاله
الفعل
التمثيلي
الدرامي ، فإننا
لا نستطيع إلا
التسليم
بغلبة الطابع
المديني،
العقلاني،
الليبرالي،
للفن المسرحي
الذي دفع به
بعيدا عن
المعبد، إلى
ساحة السوق،
فالمأساة لا
تكون ممكنة
إلا " لذهن ذي
طبيعة
علمانية
ومانوية في آن
معا، وإن أقل
لمسة من أي
لاهوت يقدم
ثواب جنة
للبطل
المأسـوي هي لمسة
قاتلة.." ـ كما
يرى ا .
ريجاردز ـ
وما
دمنا بصدد فعل
المحاكاة
المأساوي
الإيهامي ما
نزال ، فلابد
من التعرض
للعنصر
المحرك ، أو
الباعث ،
للممثل
التراجيدي
وما يحيط به من
قيم جمالية
يأتي على
رأسها الجليل
ومن ثم النبيل
والعاطفي
والجميل (
وغيرها من
قائمة علم الجمال
المثالي
ذائعة الصيت ).
فقد ساهمت هذه
الروح ـ من
ناحية ـ وتلك
القيم ـ من
ناحية أخرى ـ
في صناعة صورة
معينة لمن
يؤدون هذه الأدوار،
وكيف يؤدونها،
وذلك على نحو
شبه ثابت عبر
مراحل
تاريخية مختلفة،
وفي أماكن
متفرقة من العالم.
وكما
أشرنا فإن
أرسطو هو أول
من قرر سمة
المُحاكي
تبعا لمكانة
الشخصية
موضوع
المحاكاة.
فالنفس
الفاضلة تسعى
لمحاكاة
الأفاضل،
فيما تتجه
النفس
الدنيئة إلى
محاكاة
الأدنياء، إذ
يكون الجليل
قرين التراجيدي،
بينما تقترن
الكوميديا
والهجاء SATIRE بالدنيء،
ومن ثم
بالقبيح
والفظ
والمبتذل ( حيث
يصبح من
الواجب كسر
الإيهام أو
تعديل اتجاهه!).
وعلى الرغم من
أن أرسطو قد
بنى
افتراضاته النظرية
تلك من وحي
فلسفته
الخاصة ـ أي
استنباطا لما
يجب أن تكون
عليه
التراجيديا
وليس استقراء
لما كانت عليه
بالفعل ـ فإن
هذه النظرة ما
تزال سارية
المفعول حتى
اليوم ، ولكن
ليس في المسرح
فقط ، بل في
السينما
الأمريكية والدراما
التليفزيونية،
والتي تعتمد
جميعها
المغالاة في
إحداث
الإيهام
التطهيري
فيما تقدمه من
أعمال تذهب
إلى أقصى مدى
في تخويفنا،
في الوقت الذي
تحرص فيه على
تقديم سلالة
من
الأبطال
يجسدون قيم
العصر الحديث
الواجب
الامتثال
لها.!
وإذا
كان ما سبق
يعبر عن
الجانب النزوعي
الأولي لفعل
التمثيل
الإيهامي
(الذي رأينا
تعبيره
الأمثل في
التراجيديا
اليونانية،
وما يشابهها
من مآسي
وميلودرامات
عبر العصور)
ونعني به
الرغبة
التدميرية
التي تصيب النفس
داعية إياها
إلى رفض
الصورة
الآنية، الواقعية،
أو
المجتمعية،
لوجودها، والهروب
إلى عوالم
ماضية، بعيدة
الغور فيما
وراء الشعور
حيث رأينا
الروح
المأساوية
وكأنها روح
مازوخية،
تسعد بتعذيب
ذاتها، وتنشد
طريق الآلام
وتسير فيه حتى
النهاية،
بفعل إرادة
مُسيرة تعبر
عن مفارقة
وجودها من
خلال صراعها
الدائم مع القدر
المكابد،
بينما تعلم
تماما أنه
القوة الأعظم
والقانون
الأشمل
للوجود
الإنساني،
ولا تجد
عزاءها إلا في
معرفتها أنها
تفعل هذا نيابة
عن المجموع،
الذين تقلص
دورهم في
المشاركة
التطهيرية
إلى مجرد
الفرجة
ومعاناة الآم
الأبطال
داخليا
بالتوحد أو
الاندماج
فيما يفعل،
وذلك عبر وسيط
فعال هو
الممثل أو
المشخص.
ولكن
للتمثيل،
الذي يحتوى
الازدواج سمة
جوهرية
تميزه، جانبا
أخرا يبدو
مختلفا تماما
تعبر فيه
الروح
الإنسانية عن
تفاؤلها في
مواجهة العوائق
والمصاعب
التي تواجه
الإنسان،
وأيضا عن
رفضها للظلم
بكافة أشكاله.
إنه الجانب الذي
يتدخل فيه
العقل البشرى
ليعلن عن
مقاومته للضعف
الإنساني
وسخريته منه،
ومن الوجود
ذاته، بل ومن
نفسه أحيانا.
وهو ما اصطلح
النقاد على تسميته
بالكوميديا،
أو كما تسميه
الترجمة
العربية
الاصطلاحية الملهاة.
فعلى هذا
الجانب يظهر
النزوع
العكسي،
المخالف
للسابق ،
النزوع
للحياة
والتشبث بها،
ولو كان على
حساب تدمير
الآخر
وإلغائه عوضا
عن تدمير
الذات، التي تظهر
هنا متعالية،
متأملة، تنحو
إلى التسامي عن
طريق
المحاكاة
والإيهام
والفعل أيضا،
ولكن بشكل
مختلف هذه
المرة يبدعه
اختلاف الهدف الذي يمكن
اختصاره في
كلمة واحدة هي
السخرية.
=========================================================================
" إنها
لعبة لا
تحولوها
مأساة،
بالأخص لا
تتناولوها
من وجهة نظر
أخلاقية ." ،
وهو نفسه
المفهوم
الذي يكرره
أفلاطون
بقوله : " في
نفسك يكمن
دافع للعب
دور
المُهرج،
وهو دافع
كبحته في
دخيلتك،
لخشيتك
المعقولة من
أن تصبح
مُهرجا، ولكنك
الآن أرخيت
له العنان.
فبتشجيعك
وقاحته على
المسرح، قد
تنجرف إلى
لعب دور
المُضحك في
حياتك الخاصة.!
" هيراقليطس
الفعل
المُضحك، أو
الكوميدي، هو
الوجه الآخر،
الحسي، الذي
تكتمل به
المعادلة
الدرامية،
تلك المُعبر
عنها عادة
بالصورة التي
تجمع بين
قناعي
المسرح،
الباكي
والضاحك،
التي تزاوج
بين الجد
والهزل،
التوكيد
والنفي،
مزاوجتها بين
العمل واللعب.
وقد تبدو
المحاكاة،
التي قدمناها
كنشاط إبداعي
إنساني، عند
الحديث عن
الكوميدي
نوعا من الترف
الفائض عن الحاجة
أو اللهو الذي
لا يصلح إلا
لتزجية أوقات الفراغ.
فهي على الأقل
لا تسعى إلى
إشباع أي من
الغرائز
الأساسية
التي يلتزم
الإنسان بالسعي
إلى العمل
والكد من
أجلها ، وكيف
وهي نفسها
لا تهدف سوى
إلى إشباع
ذاتها كغريزة
.؟ وقد تكون
بذلك مجرد
طريقة من طرق
تصريف الطاقة الزائدة
لدى الإنسان !
محض لعبة، أو
لهو ، على الأقل
في نظر من
يحاولون
إقناعنا
بصرامتهم وجديتهم
المطلقة في
النظر إلى
الوجود
واستكناه
معناه، أولئك
القائمين
بالفعل وراء
وجهة النظر
التي عملت على
الحط من شأن
العرض مقابل
النص الأدبي،
من ناحية، ثم
على الإعلاء
من قدر
المأساوي
مقارنة
بالكوميدي،
من ناحية أخرى.
وفي
كلتا
الحالين فإن
موضوع النقد والاتهام
هو الممثل ـ
الكوميديان
بالدرجة الأولى
.!
لكن
المحاكاة
ليست لعبا، بل
هي معكوس اللعب
أو نقيضه،
وهي
أيضا مكملة
له وفقا
لنظرية
بياجيه.
والتمثيل ،
حين يكون لعبا
play لا
يكون إلا لعبا
مفارقا
لذاته، لعب
يتظاهر أنه
ليس لعبا ،
فهو ـ أيضا ـ
فعل ACTION أي عمل أو
شغل لذاته* ، فالعمل
البشري في
جوهره هو "..
تجسيد وتحقيق لفكرة
ما في الطبيعة
الموضوعية .
تلعب فيه
الصورة
الذهنية دور
الوسيط كنتاج
لعملية
التعرف ." [52]
ومن ثم فهو
يصبح في
التحليل
النهائي نوعا
متميزا من
المحاكاة
الهادفة إلى
إحداث أثر ما
في الواقع
الملموس، لا
يلبث أن ينفصل
بذاته عن الأصل
المُحاكى
ليعيش حياته
هو، ربما
كموضوع للمحاكاة
من جديد. فهو
نشاط تحويلي
يسعى الإنسان
من خلاله إلى
خلق أو
ابتكار، أو
تجسيد، شكل
جديد للمادة
لأغراض نفعية
صرف. وهكذا
فإن المقاربة
تبدو ميسورة،
أو منطقية،
بين معنى
العمل
والتظاهر، أو الفعل
التمثيلي،
فكلاهما يسعى
بالضرورة إلى
الخلق، أو
إعادة الخلق،
أي إلى إعطاء
شكل ما جديد
للمادة. لكن
المادة
بالنسبة إلى
الفعل التمثيلي
هي الإنسان
الممثل نفسه،
وبالتالي فهو
لا يذهب إلى
حد التحويل
المادي
الفعلي، وإن
كان يتظاهر
بذلك.
ويمكن
القول إن
المحاكاة
التمثيلية
تقع في المنطقة
الوسطى بين
اللعب والعمل.
فهي نشاط
عملي يسعى إلى
تحقيق آثار
موضوعية في
الواقع، وإن
كانت
آثارا
معنوية في
النهاية.
بينما هي أيضا تشارك
" اللعب " في
الأرضية التي
يستند إليها
وجودهما، وفي
الفضاء الذي يحلقان
فيه، أي
الحرية
والخيال على
التوالي. "..
ففي الفن
يختلط اللهو
والهوى
والتصوير
الذي يستخدم
التخيلات
تارة ليخرج من
الواقع،
وتارة ليدخل
ثانية إلى
الواقع دخولا
أكثر عمقا." ـ
كما يقول هنري
لوفافر[53]ـ
فعلى
الرغم من
الفرق الواضح
بين اللعب
والفن التمثيلي،
فإنهما
يجتمعان حول
مبدأ واحد هو التظاهر،
كنشاط حر
خيالي. بينما
يبدو الفارق بينهما
في الهدف، أو
الأثر الملموس،
الذي تسعى
المحاكاة إلى
تحقيقه من
خلال التظاهر.
فنحن عندما
نلعب لا نسعى
إلى شيء أكثر من
اللعب، ولا
نفعل أكثر من
محاكاة أو "..
إعادة إنتاج
ظواهر الواقع
والنشاط
العملي الإنساني،
مستثمرين
بذلك الطبيعة
السيكو ـ
فيزيائية
للمشاركين.. (
الجهد،
الذكاء، سرعة
البديهة،..)."[54]
واللعب ـ في
أحد معانيه ـ
هو ألا تطلب،
ولو للحظة
واحدة، أن
تكون الحياة
غير ما هي
عليه، بل تكون
كما هي. كما لا
تطلب أن يكون
لك غرض آخر خلاف
الحياة ذاتها.
فهو نشاط حر
بطبيعته،
ينتمي إلى ذلك
الفضاء
المريح
الواقع فيما
وراء الضرورات
العملية
الملزمة، أو
خارج حدود
العمل
الإجبارية.
وكما يقول
ارنست فيشر
فإن : "
الإنسان لا
يعمل فحسب [
حين يعمل ] ، بل
يحلم أيضا،
يحلم
بالسيطرة على
الطبيعة بوسائل
خارقة. يحلم
بأن يتمكن من
تغيير
الأشياء وتشكيلها
في صورة
جديدة
وبوسائل سحرية،
فالحلم في
الخيال يقابل
العمل في
الواقع ."[55]
وفي كل
الأحوال فقد
بدا واضحا منذ
اللحظة الأولى
الدور
التربوي،
والتعليمي،
الذي يمكن للمحاكاة
أن تلعبه في
الحياة
البشرية، وهو
الدور الذي
يرتفع بها فوق
تلك النظرة
التي لا ترى
فيها سوى
اللعب واللهو
الفارغ. وكما
رأينا في
الصفحات
السابقة فإنه
لم يكن للفن التمثيلي
الدرامي أن
يصعد إلى آفاق
الخلود ( رسميا
ـ أي في عرف
النقاد
والمؤرخين
والفلاسفة) لو
أنه اكتفي
باللعب، أو
بالتقليد،
فقط، تماما
مثلما كان
عليه ألا
يكتفي
بمحاكاة
الماضي حتى
يصبح دراميا
بالأساس.
وغاية ما وصل
إليه في
هذا المضمار
القصير بطبعه
ـ نتيجة طابعه
الحسي
المباشر ـ هو
ما عرفته
الجماعات البشرية
المختلفة من
فصول
إيمائية هزلية
قصيرة، لم
يُكتب لها أن
تعمر طويلا،
فهي لا
تصلح في
الواقع إلا كـ
" نمـر" أو فواصل
بين الفصول ACTS
الدرامية.
على هذا
الأساس يمكن
قبول ما يعرضه
لنا غالبية مؤرخي
المسرح من
تصورات حول
البدايات
المسرحية
الأولى،
وبالذات تلك
الصورة
الرومانسية
التي نرى فيها
الإنسان
البدائي في
الأمسيات
الباردة، وقد
جلس إلى النار
بين أفراد
الجماعة،
يحكى لهم كيف
تم له اصطياد
الفريسة،
موضوع العشاء
المنتظر، ويتراءى
له فجأة أن
ينهض ليعيد
عليهم،
بالصوت والحركة،
وقائع عملية
الصيد من بحث
عن الفريسة،
ثم اكتشافها،
إلى لحظات
الاقتراب
الحذر، والانتظار،
حتى الانقضاض
والإجهاز
عليها. هكذا
تتحول عملية
العمل
الناجحة إلى
لعبة هازلة
تشغل فائض
الوقت عن طريق
الاسترجاع،
أو المحاكاة،
فما كان في
الماضي
القريب حدثا
مهما خطيرا، يصبح
الآن لهوا
حاضرا، يبعث
على المرح، ويشيع
الثقة في
النفس.
فالبشرية
لابد وأن
تفارق ماضيها
" بفرح ".
ويبدو أنه قد أصبح من السهل بالنسبة لهذه اللعبة، أو مثيلاتها، أن تستكمل سيرة حياتها فيما بعد إما عن طريق تحولها إلى مادة تختزنها ذاكرة أطفال الجماعة، لكي تستعيدها نهارا أمام عيون الأمهات، أو عن طريق تجريدها، بعد تهذيبها من عناصر المبالغة الشخصية، لتصبح موضوع رقصة شعائرية جماعية يؤديها الصيادون قبيل خروجهم للصيد استجماعا لشجاعتهم وشحنا لطاقاتهم في مواجهة الخطر المحتمل. فبهذه الوسيلة، أو الحيلة، السيكو ـ فيزيائية يبدو الخطر المحتمل ضئيلا، وفي متناول اليد، بواسطة التمكن منه رمزيا أولا ، وكما تقرر غالبية المصادر التاريخية فلقد مهدت بعض تلك الألعاب والطقوس الطريق للفن المسرحي خلال عملية ظهوره وتطوره التاريخيين "..فإلى مثل هذه الألعاب