Site hosted by Angelfire.com: Build your free website today!

مظفر النواب في برلين

أنشد.. وغنى.. وبكى.. وصفقنا له كثيراً

 

بقلم: عماد عبود - برلين

 

بدعوة من نادي الرافدين الثقافي في مدينة برلين الألمانية، أقام الشاعر مظفر النواب في قاعة "دار ثقافات العالم"، أمسية شعرية بمرافقة الموسيقار الفنان يوسف ديبو، حيث قرأ الشاعر مجموعة من قصائده بالعربية الفصحى بالإضافة الى مجموعة أخرى من قصائده التي نظمها باللهجة الشعبية العراقية.

(الزمان) تنقل فعاليات هذا الحفل الثقافي الذي تُوّج بأنين الغربة مجسداً مظفر النواب أحزانه شعراً وحباً للوطن المكبل بالجراح.

لقد كان النواب في هذا الحفل شاعراً وإنساناً فبكى.. وغنى.. وأنشد.. وصفقنا له كثيراً.

غصت قاعة دار ثقافات العالم في برلين بجمهور كبير من المثقفين المهاجرين من العراقيين والعرب، فقد جاءوا ليستمعوا الى أحزان شاعر داهمته الغربة سنين حياته فرسمت على قصائده ينابيع احتجاجات ثورية نازفة من يقين انسان لم يبع نفسه او قلمه لحاكم، بل جعل من ابياته رصاصات موجهة ضد الدكتاتورية والعسف.

مظفر النواب.. الشاعر.. المهاجر.. الانسان الذي ظل يصرخ ويصرخ في كل مرة بوجه الطغاة معلناً ان الوطن يسع للجميع وان قصائده ستبقى شامخة مثل النخيل، لكنه مع كل هذا الصراخ المدوي عالياَ، تلمح فيه أحزان الغربة المتوغلة في الأعماق، قد يكابر أحياناً دون أن يفصح عما يجيش في نفسه، لكنه في نهاية الأمر هو شاعر وحزن الشاعر تفضحه الكلمات حتى لو حاول ان يكظم او يكبت، وهذا ما حدث في القاعة الكبيرة وأمام جمهوره المحب لشخصه وثقافته وقصائده حسن ألقى أحد الابيات الشعرية من قصيدة مطولة، كانت عيناه تدمعان بعد ان تذكر أهلنا الذين يحاصرهم الظلم والجوع من كل جانب، تذكر هموم الوطن وأوجاعه، فهو يقول: "دمعة حزن هي الماضي.. هي الام"، او يعلن بالقول "ذهب الزمن الطفل.. وأبقانا غرباء" ثم يذكر "قاطرتي كانت تذهب للبصرة.. تحمل حزني".

قصائد النواب تتوالى حتى تغرق القاعة برمتها في بحر من الشعر وتمتزج نفحات الحزن بالنفوس الحاضرة التي جاءت من مدن ألمانية بعيدة عن برلين او من برلين ذاتها، والشاعر يذكرهم بـ (البلاد التي تباع بلا ثمن) او بظلم الحاكم العربي الذي رسم لنفسه هالات من العبقرية والبطش في الناس.. فمتى.. (تستريح من الحاكم العربي المفدى.. واكل الشعير..). في هذا الحفل كشف مظفر النواب أحزان المهاجرين بعد ان تركوا خلفهم مأساة الجوع والقهر التي ما زالت تطوق أهلهم هناك، فقد تغلغلت أشعاره في تلك الدواخل تعلن انه الصوت الجريء الذي ما يزال كما بدأ، صوت لا يتوقف عن اشهار قولة الحق وهو يعرف تماماً ان الشعر انتماء وتاريخ ومبدأ، كما انه لا يريد ان يتخلى عن مسؤوليته كشاعر آثر ان تكون قصائده برنامجاً يعبر من خلاله عن الأمة المشققة، الضائعة، المقهورة، التي نالت من الظلم ما نالت، انه ير يد ان يقول للجميع ان سبب مأساتنا الكبيرة هي السياسات كما انها أسباب كل المحن، انه يفور في خلجات النفس العربية ويمارس حقه كمواطن عربي يحق له ان يشهر آراءه او حين تتجلى قصائده وهو يكشف هول المحنة العربية بمفردات بسيطة يفهمها الجميع، أليس هو الأكثر معصية للحكام والأكثر قدرة في التوصيل، وهذا ضمان أكيد للقيمة الفنية في أشعار مظفر او في تناول موضوعاته واختياره لها.

لم يكن هناك بين جمهور الحضور والشاعر سوى الاندماج الفكري والروحي، فقد أحب الشاعر التعبير الحقيقي عما يجول في خواطر الجمهور، كما أحب الجمهور شاعرهم لأنه استطاع ان يقول ما يعجزون الافصاح عنه، فهذا ما حصل بالفعل خلال الأمسية.

ان جمهور النواب يعرفون ان شاعرهم لا ينحني لحاكم وليس بينه وبين الحكام الا شرخاً متجدداً على مدى تاريخه الأدبي الذي شهدت له الساحة الثقافية العربية أينما حل أو ذهب لينشد المحظور من الشعر، هذا الشعر الذي يعد وثيقة لمجتمع محاصر قتلته الهموم وملاحقة السجان وممارسات الجلاد اللا إنسانية بحق أبناءه، وهذه المرة يصرخ الشاعر أمام جمهور الحاضرين معلناً من خلال احدى قصائده انه يأبى الذل، ويرضى بنصيبه في هذه الدنيا وانه طير جريح في هذا الوطن، فلنستمع الى ما يقول في صرخته:

.. املأها علناً مولاي..

فما أخرج من حانتك

الكبرى إلا منطفئا.. سكران..

أصغر شيء يسكرني

فكيف الإنسان..

سبحانك كل الأشياء رضيت

سوى الذل..

وأن يوضع قلبي في قفص

في بيت السلطان

ورضيت يكون نصيبي في الدنيا

كنصيب الطير

لكن سبحانك حتى الطير لها أوطان

وتعود إليها..

وأنا مازلت أطير..

فهذا الوطن الممتد من البحر الى البحر

سجون متلاصقة..

سجان يمسك سجان...

انه يرى ان تلك الأفراح التي عاشها العراقيون في الماضي والتي تحولت الى فواجع، لابد ان تعود يوماً حتى لو طال بها الزمن .

كما انه يؤمن ان الشاعر المبدع هو الذي يخرج شعره من خلف معاناة تلازمه، لا من خلف أجواء الترف والأموال التي يغرقون بها من قبل الحكام.

ومظفر النواب، الإنسان والشاعر عاش الإغتراب لكنه تحداه فالوطن عشق لا ينفصل عنه حتى لو أخذه قطار العمر، ولهذا فهو يقول "ما زلت كما بالأمس، ألوّح بالقلب لهم.."، أو يقول أيضاً:

.. خاطرة خلف زجاج الماضي

استهوتني..

غادرت اليوم..

وبعد العمر يتم وصولي

يتم وصولي..

وبعد كل هذه الأشجان الحزينة جعل من الإمام الحسين (عليه السلام) مثلاً أعلى له ولكل أصحاب الثبات الرافضين الركوع للطغاة.. فقد أنشد في قصيدته "في الوقوف بين السماوات ورأس الإمام الحسين" قائلاً:

.. قد تعلمت منك الثبات

ولم يك أشمخ منك

وأنت تدوس عليك الخيول..

الى أن يقول:

.. أم ترى جنة الله

كانت تريد إليك الوصول..

واقف وشجوني ببابك..

والى آخر القصيدة التي راح يصفق لها الحاضرون طويلاً والتي تناول فيها ان الامام الحسين (عليه السلام) يأبى بكاء الرجال.. مستعرضاً مآسينا في فلسطين والعراق:

.. أنت لابد يا رب

تغفر للكفر ان كان حراً أبيا

وهيهات تغفر للمؤمنين العبيد

وذلك فهمي

وأنت ضماني على ما أقول

هاهو شعب العراق

وقد رجلته سيوف الحصار وحيدا..

ويطول يزيد به..

الى ان يقول عن هذا الشعب الصابر الصامد:

".. ولم ألق مثل العراق.. كريماً خجول"

ومن قصائده الأخرى التي ألقاها في الأمسية قصيدة بعنوان "يوم من حياة بغي عجوز" وقصيدة أخرى بعنوان "فراشة" وفي هاتين القصيدتين رسم فيهما الشاعر حالات أخرى من أوضاعنا العربية الراهنة وبأسلوب شفاف وواقعي ورمزي أحيانا، فهو في قصيدته الأولى "نخبك سيدتي ما بعت سوى لحمك" يرى بأن هناك مم باع ما هو أغلى مما باعت هذه السيدة، هناك من ساوم على مصير وطن، او باع الوطن نفسه بما فيه من أجل ان يبقى هو والحاشية التي تحميه فـ (العالم ينقلب جرب).

ومن قصائده التي ألقاها في الأمسية قصيدة بعنوان "أوجاع حاتم آدم"، هذه القصيدة التي بكى فيها الشاعر بكاء الكبرياء، وأوجعنا وآلمنا، فهو القائل:

.. بدالة بغداد بها خرس..

ليس تردد وما من سبل..

او يقول:

.. سيدتي اني الميت جداً..

آدم..

كان هناك من يسأل عن آدم..

أو يقول:

.. او لعن الله الغربة..

آدم لا يملك شيئاً للرشوة..

او يقول:

يطعم جسده للدود

ولا يطعمه للأمن..

دمعة حزن هي الماضي..

هي الأم..

بعد ذلك قدم مظفر النواب قصائد رائعة من أشعاره الشعبية العراقية من بينها قصيدة "يا نهران أهلنا" وقصائد أخرى كقصيدة "جرس مدرسة بنات" وغيرها، وبصوته الرائع قدم "بوذيات" عراقية:

صاحبك يا صاحبك

لكن الف يا حيف

ما تعرف كدر صاحبك..

وكان قد قدم الشاعر مظفر النواب للجمهور الشاعر حمبد الخاقاني بكلمة ترحيبية جاء فيها:

ليس يسيراً ان تقدم شاعراً معروفاً مثل مظفر النواب لجمهور يعرفه ويغني شعره، لكن غبطة تولتني ساعتها إذ ان لي شأناً كبيراً مع شعره وما عليّ إلا ان أروي حكايتي مع هذا الشاعر:

تتلمذت بمعنيين مباشر وغير مباشر، كنت في مدرسة متوسطة الفجر للبنين في ضاحية محلة النواب بالكاظمية، وكان لنا حظ ان يكون هناك مظفر النواب وسعدي الحديثي وتلك نعمة، كان الإثنان الشاعر ومغني قصائده معروفين على الجانب الشعبي شاعرية النواب وشعره، كان الكثير من العراقيين يحفظون شعر النواب ويرددونه حتى في الشجن، فقد أعاد مظفر للقصيدة العراقية رونقها وزهوها، وقد مضى بالقصيدة الشعبية العراقية بأسلوب جديد غير مألوف نفث فيها من روحه حياة أخرى بعد سبات طويل، مع النواب لا مع غيره ارتقت القصيدة الدارجة الى الفصحى، فهي وليس كل ما كتب بالفصحى فصيحاً، وسرعان ما أصبح مدرسة في العراق، ولا أظن ان القصائد التي تكتب عندنا حتى اليوم على تنوعها قد خرجت من اسار مظفر وروحه، وكان "للريل وحمد" وهي القصيدة التي تغنى بها الناس، ولسعدي يوسف قولة تجسد "للريل وحمد.. ومظفر"، يقول بأنه يضع جبين شعره على أهداب "للريل وحمد"، ومن يعرف سعدي يدرك ما تنطوي له قصائد مظفر النواب.

وكان لنا نحن تلاميذ مظفر إلا ان نتتلمذ على يده وكانت تلمذتنا على ما أخذنا عليه، كان إيقاع قصائده غير إيقاع الشعر المألوف.

أنا لم أقرأ لشاعر لديه مثل ذلك الإحساس بجرس الكلمة ورنين الحرف مثلما هو الحال لدى مظفر، وهذا ما نجده في "وتريات ليلية" او "قراءة في دفتر المطر" وكثير غيرهما.

ويختتم الشاعر والناقد حميد الخاقاني كلمته بالقول:

لاشك اننا من دون مظفر وشعره أكثر فقراً، فدعونا نزدد  فخراً بمظفر وشعره.

 

.المصدر:

جريدة الزمان - لندن

العدد 435

يوم الثلاثاء - 23/09/1999