Site hosted by Angelfire.com: Build your free website today!

مظفر النواب في أسرة الأدباء بالبحرين:

يجب على الشاعر مراعاة الحس الجماهيري العام

 

بكل تاريخه النضالي العريض بمركزية حضوره في ظل أوضاع عربية متردية يأتي مظفر النواب الى البحرين.

أسرة الأدباء والكتاب استضافت الشاعر العربي الكبير في لقاء مفتوح.. نسجل هنا أهم ما جاء فيه:

 

أحمد العجمي: نرحب به مناضلاً وشاعراً كبيراً هنا في البحرين.. كتاباته التي غالباً ما كنا نرى غربتنا واحزاننا وآلامنا فيما كتبه دون أن ننسى منافينا وان كنا في أوطاننا.. وهذه الغربة التي كلنا جميعاً نحتك الجدران كأنما الغربة جرب في جلدنا او مثل الطيور التي في حال من التحليق دائماً.

الشاعر مظفر النواب غني عن التعريف وهو هنا سيحيي أمسية شعرية وسنلتقي معه في الامسية.. وذلك فضلنا وهو شرف كبير لنا ان يكون هذا اللقاء قصيراً يمكن اعتبار انه بحاجة الى وقت كي يحضر للأمسية.. فكان الاتفاق على أن يكون اللقاء قصيراً لا يتجاوز الساعة وسيكون دون أدنى شك لقاء حميمياً..

 

مظفر النواب: شكراً لهذا التقديم الجميل ولعل هذه الزيارة تنمي الوشائج الضرورية لا سيما في أيامنا هذه التي تزداد صعوبة يوماً بعد يوم.. من خلال هجمة شرسة، صحيح هناك هجمات عديدة على الوطن العربي، وهي هجمات مهددة للكيان العربي لذا هناك ضرورة لمثل هذه اللقاءات وتبادل الآراء خاصة وان المثقفين هم طليعة لنشر الوعي وتعبئة الشعب ومعي بهذه المناسبة صديقي الدكتور سعدي وهو صديق منذ زمن عشنا معاً في الدراسة والسجون والمنافي وسيشارك في الامسية في بحث عن الفلكلور العراقي وأصول الغناء العراقي.

 

فوزية رشيد: أبدأ أولا بالاعراب عن سعادتنا لمثل هذا اللقاء وأنت من الاصوات القليلة والقديرة في الوطن العربي والتي كانت مرافقة لضميرنا النضالي والوطني وقصائدك جنباً الى جنب اغاني مرسيل خليفة والشيخ امام وبعض أسماء ظلت محركة ومحرضة، ووضعتنا في بؤرة الاحساس الوطني والنضالي، وقد كنت مرافقاً لنا منذ صغرنا، نعرفك ونعرف صوتك جيداً ونتمنى ان ترى في مثقفي هذا البلد ما يتواصل مع مشروعك النضالي الشعري والثقافي والرؤيوي لما يحدث في واقعنا العربي والذي تناولته بألم.

أشعر أننا مصابون بما هو أكبر من امكانياتنا ومن مشاعرنا وقدراتنا العقلية.. التقيت بك قبل اكثر من عشر سنوات وفي ذلك الوقت رغم غربتك كنت أشعر بمشاكستك لتلك الغربة.. ويبرز سؤال أطرحه هنا وضمن منظورك، لكل تاريخك النضالي الوطني الشعري المتواصل مع هذا الوطن.. هل ترى بأن الخطر الذي يحيط بنا ملجم الى هذا الحد بالنسبة للشعراء والكتاب والمثقفين بشكل عام؟

 

مظفر النواب: اذا اخذنا الظرف الحالي قياساً بالفترات السابقة نرى من استقراء الواقع انه بامكاننا مواجهته لأن ما يحد من قدرة الجماهير هي طبيعة الانظمة القائمة في الاقطار العربية وهو ما يحد من قدراتنا، التأجج موجود لدى الناس، تغطي عليه أشياء عديدة، أولاً الاعلام ليس في يدنا، والشيء الآخر القصائد التي قيلت في تلك الفترة والاخرى فيما بعد يراعي فيها المرء الوضع العام، ففي ظل الاوضاع الحالية ومواجهتنا للجمهور بنبرة عالية ومتفائلة تبدو حالة من الغرابة مما يصدم الجماهير.

يجب مراعاة الحس الجماهيري العام بحيث لما يتحدث الشاعر لا تجد الجماهير غربة في هذه القصائد، التفاؤل العالي في هذا الظرف فيه تغريب، مما يشعر الناس بأن ثمة واقعاً آخر غير الموجود والحقيقي، مما يوحي بأن هذا الشاعر غير صادق فيما يقول دون فقدان الأضواء والايماضات من داخل القصيدة مهما تكن حزينة وهي ايماضات على المستقبل.. وبالتأكيد بمرور السنين الحس الفني يتعمق أكثر ومعالجة الصورة تتم بأبعاد أخرى والتطورات التي تحدث في العالم اليوم سواء سياسية أو اعلامية.. لأن الجانب الأمني الآن هو الأخطر.. لأن الشاعر يراعيها في كتابته.

 

جعفر حسن: لدي تساؤل.. مظفر في حركته المكانية منذ عربستان العراق وحتى بيروت وانتقالات اخرى في داخل القصيدة نلمس هناك تطور برمز البحر والاشتغال على مدلولاته داخل القصيدة.. ومظفر لم يكن دائماً قريبا من البحر.. لا اعرف اذا كان الاشتغال واع لمسألة البحر داخل القصيدة.. ما أريد الوصول اليه هو الاشتغال على القضايا الكبرى والتي استحوذت على مساحة كبيرة داخل القصيدة بانتقالها والاشتغال على الذات الانسانية باستبطان حالاتها المتنوعة والمتعددة داخل حركة المكان والزمان بالنسبة للشاعر.. الى أي مدى خلقت جماليات داخل القصيدة.. وتعتقد انت انها قادرة على أن تتواصل؟.. بمعنى ان كل الشعراء العرب سابقا يكتبون عن القضايا الكبرى.. الآن هناك اتجاه جديد داخل الشعرية العربية يشتغل على القضايا الخاصة على الذاتية والتي يرى فيها الانسان ان ذاتيتها العميقة تنعكس على كل الذوات عندما تلمس الشامل والكلي في داخل الانسان.

 

مظفر النواب: الذاتية اتجاهان.. هناك ذاتية مقفلة، الشاعر يرى ان العالم يدور من اجله وهو نوع من التعالي على قضايا الناس.. وذاتية ترى انها متماهية مع هموم الآخرين  وأحزانهم وافراحهم.. التغريب الذي حدث لاسيما في جانب من كتاب القصيدة الحديثة.. حيث لم تعد هناك صلة بينهم وبين الناس فانصرف الناس عنهم.. فحين لا تهتم بهموم الناس من الطبيعي ان لا يهتم الناس بك.. ففي الوقت الذي تنصرف فيه الى قضاياك الذاتية يجب ان تكون محملاً بالهموم عرااايبنتخنأعرسواء بشكل خفي، ثانوي، أو غير واضح تماماً ولكنه يظل موجوداً.

 

جعفر حسن: تجربة مظفر النواب كثيرا ما تثير مسألة الشكل في القصيدة، مظفر كتب القصيدة العمودية والتفعيلة، يا ترى هل هناك توجه لاختراق الشكلين الى آخر جديد؟

 

مظفر النواب: تستطيع ان تكتب عمود الشعر وتذهب عميقاً في الحداثة.. بالاعتماد على الصورة والايقاع الداخلي للشكل، فالقافية لا تحدد انها قصيدة قديمة أم لا، الشاعر يلجأ مثلاً الى شعر القافية دون ان يتعب نفسه ويتعب القافية.

الكتابة.. الحس الذي يساورك والانفعال، بداية الدفق في أول القصيدة هو الذي يحدد طبيعة البناء سواء بعمود الشعر او خلافه.

 

احمد العجمي: تابعنا مظفر النواب منذ "وتريات" و "الريل وحمد" بالعامية ولكننا ظللنا نفتقد الى دواوين مطبوعة، لا أعرف ربما لأننا تعودنا على مظفر "سماعياً" وحتى حين نقرأ شعره نحاول ان نقرأ بطريقته وإلا لن نشعر بالشحنات والدفق الذي يعتري القصيدة، فهل هناك اتكاء على جانب الإلقاء وبالتالي لا توجد طباعة للدواوين أم هي عدم توفر امكانات، على الرغم من ان تجربتك لابد ان تكون حاضرة لأناس كثيرين، من خلال نقلها للأجيال.

 

مظفر النواب: ربما يكون التقصير من جانبي ولكن لأسباب، دائماً كنت أفكر في هذه المسألة، بالمناسبة انا خطي صغير جداً ومن الصعب قراءته من قبل الآخرين، ولكي أحضر شيئاً للطباعة لابد من اعادة كتابة القصائد بخط واضح وتوزيع المفردات، وكلما أقرر وأنوي انجاز ذلك يساورني شعور بكتابة نص جديد فأقول في نفسي هذه كتابة جديدة داهمتني إذا لم أسجلها وأكتبها ستضيع، أما الآخر فهو منجز وجاهز ويمكن طباعته في أي يوم من الأيام، هذا عامل من العوامل. العامل الثاني: دور النشر، فأكثر من دار نشر عرضت عليّ طباعة مجموعة وأكثر، مثلاً.. المجموعة العامية، والتي تواجه صعوبات في الفهم في عدد من اقطار الوطن العربي تم الاتفاق على طباعة عشرة آلاف نسخة منها وأفاجأ بصديق يخبرني ان المطبعة تجاوزت العدد المتفق عليه بزيادة ستة آلاف نسخة، وخلال الحرب الأهلية اللبنانية وكنت أسير في سوق الكتب، فوجئت بصديق ينادي عليّ مستفسراً عن عدد النسخ التي طبعت للمجموعة العامية فأخبرته 16000 نسخة، فاخبرني ان الشخص الذي اتفقت معه طبع مئة ألف نسخة ولا يزال يطبع، لأنه لا توجد تشريعات وقوانين، الآن بدأت بعض الدول العربية تهتم لهذه المسألة ولكن دون وجود آلية للرقابة.

دار نشر أخرى وهمية اسمها "قنبر" طبعت لي الاعمال الكاملة، وبها أخطاء لغوية ونحوية ،وقصائد متداخلة، كما بدت له في الاشرطة وبطريقته الخاصة نقلها.

الشيء الآخر انها مطبوعة بأسعار خيالية على حساب الناس، وهذا خطأ، لذا يجب عليّ أنا طباعتها وبكميات كبيرة ويتم توزيعها بأسعار في متناول الجميع.

 

فوزية رشيد: نحن عرفنا الحزن والوجع كمرافقين أزليين لك في كل تجربتك الشعرية ولازلت وفي ظل هذه المتغيرات التي تحدث ربما سنسمع غداً قصائد.. كيف ترى ما يحدث وتحديداً أين موقع حزنك وألمك الحالي كشاعر ومناضل ووطني.

 

مظفر النواب: أنا أؤمن بأن الشاعر او الكاتب او الفنان من جهة في الكتابة ومن جهة مساهمته في الحياة اليومية الالتقاء بالقوى السياسية.. لتعبئة الناس.. اختيار الأساليب الممكنة للصراع، للنضال حسب أوضاع كل قطر عربي.. أنا موجود في كل ذلك خصوصاً المنطقة التي أنا على التصاق بها، سوريا، لبنان، فلسطين.. مركز الصراع ومركز الاحتكاك اليومي والاستفزازات اليومية والصور التي ينقلها التلفاز ليست قليلة، للمآسي التي تدور سواء في فلسطين او حتى في افغانستان هناك لقاءات مستمرة وأمسيات شعرية في الاماكن الممكنة في الوطن العربي وفي أوروبا، وبرفقتي الدكتور سعدي الحديثي في لندن واستراليا وألمانيا.

 

فوزية رشيد: كيف ترى المخاطر القادمة على الوطن العربي ثقافيا وسياسيا؟

 

مظفر النواب: نحن جميعا نتلمس المخاطر ولست انا وحدي، وفي احدى قصائدي أقول بالعامية العراقية:

يا حزن ياريت اعرفك

كنت اسويلك حديقة

وممشى من كاشي الفرح

جدّام بيتك

يا حزن يا ريت اعرفك

وين تسكن

كنت اقل لك لا تجيني

وتمشي كل هاي المسافة

وحدي كان اجيتك

يا حزن وحياة حزنك ما عرفتك

كنّك مغير مشيتك

حاط ريحة رخيصة كلِّش

يا رخيص وش قد بكيتك

فرغم الحزن الذي تحدثت عنه وكأنني لم أفهمه بعد.

 

جعفر حسن: برغم الدفق الشعري الهائل واستطالة القصيدة لدى مظفر بالفصحى، ألا يخشى على هذه العامية من تغيرها مع سيادة التعليم وبداية مغادرة اللهجات التي بدأت في الوطن العربي تخف حدتها، في الوقت الذي يفهم فيه الشعر العامي في البحرين والمنطقة الشرقية في حين هو غير مفهوم في الجزائر والمغرب وغيرها.. بينما القصيدة الفصحى تخترق كل الحدود.. فلماذا اللجوء الى القصيدة العامية من جهة واللعب على الوترين؟

 

مظفر النواب: طبيعة العامية غير الفصحى دون شك لديك مادة هائلة امامك، وهي، أي العامية، محرك لكم هائل من الجماهير العراقية وأكثر تأثيراًُ بالتأكيد من الفصحى، وذلك بسبب العزلة التي عاشتها الفصحى لسنوات طويلة وكانت ملكاً للخاصة في تاريخ الأدب العربي، والآن بدأت الفصحى تقترب من الناس أكثر عبر وسائل الاعلام دون أن تهدد العاميات على الاطلاق، لديها عالمها الذي تقوله، عالم يمكن ان تخلق منه جماليات معينة.

وأنا دائماً أقول ان الفرق بين العامية والفصحى ان الفصحى أنت أمام ثقافة تكونت، أمام بناء صخري راسخ وقوي، فالتغيير فيه صعوبات بسبب الهيمنة الكبيرة للتراث، اما العامية فتشبه العمل بالطين، مرنة.. يومية، يمكن اقامة تشكيلات عديدة منها.

 

يوسف حسن: انا لا اعتبر عامية مظفر عامية بقدر ما هي عامية مفصحة قريبة من اللغة العربية العادية المتداولة بين المثقفين، كالنموذج الذي قرأته، لا توجد سوى كلمة "منين".. لو وضعنا مكانها "كيف" لن يتأثر المعنى.

 

جعفر حسن: عرفنا مظفر وتداولناه ضمن "تابو"، ضمن محرمات في المجتمع كانت القصيدة تعطى من تحت الطاولة وبخوف ولو امسك احدهم ومعه قصيدة لمظفر يمكن ان يحبس لستة أشهر في الوضع العربي الذي كان متأزماً، حيث كان الشريط يستنسخ في البيوت مثله مثل أي منشور سري، الآن يبدو ان هناك حالة من التغيير.. الآن أنت في البحرين، ويمكن لك ان تكون في أماكن اخرى، لديك موقع على الانترنت بصوتك وبمصاحبة موسيقى تصويرية، وبدأت الاشتغالات الفنية تتداول بشكل أكبر، ما الذي حدث؟ ما الذي تغير؟ هل الواقع العربي هو الذي تغير ام مظفر هو الذي تغير؟

 

مظفر النواب: نحن تغيرنا معا وهي سنة الحياة لكن دون ان اعمل على ايجاد حالة من التثبيط، ما نراه الآن من امكانات محدودة قد تنعدم ثانية، ليست لدينا ضمانات حتى الآن كافية لبناء مستقبلنا، ما يرى من انقشاعات الغيوم في مناطق معينة من الوطن العربي لا تزال بحاجة الى زمن. لا بد من بناء مؤسسات، واذا حدث تغيير في مناطق ما في الوطن العربي فيما بعض المناطق تعيش ظلاماً دامساً فلاشك الظلام الدامس سيؤثر على هذا التغيير.

 

ايمان أسيري: لديّ فضول أكثر منه بسؤال من بعد هروبه من العراق الى الآن ليست لدي فكرة واضحة عن مظفر، أعني به الجانب الحياتي، ما نعرفه عنه مجرد أشياء صغيرة.

 

مظفر النواب: هي تجربة لا بأس من سردها ولكن نظراً لظروف صحية اضافة الى ارتباط بأمسية شعرية غداً فنرى ان نحدد وقتاً لها بعد الأمسية وأنا لست ميالاً لرواية تجربة حياتي، ولكن فيها قضايا تهم الناس، الأجيال الجديدة تحديداً، كي تتبين كيف انك تصارع أشياء تبدو وكأنها أقدار، وهي ليست أقدارا.. فالوضع المهيمن علينا هو قدري وهو ليس كذلك، هو ممكن تغييره، فالتجارب التي مررت بها لاسيما تجربة الهرب من سجن الحلة عبر النفق الذي حفرناه علمتني الشيء الكثير، بحيث أجد من واجبي ان أسردها للآخرين، والذين قد يتعرضوا ليس بالضرورة لسجون  ربما لأشكال أخرى هي موضع تحد ومقاومة واستمرارية، فدون استمرارية تكون الحياة صعبة، فتجربة النفق، في السجن يتم تفتيشه مرتين في اليوم، اخفاء التربة، اخفاء العملية عن السجناء لأنهم كانوا منهارين، الجهة التي سنخرج من خلالها بعد السجن من أي مكانـ فالذي يحفر في الأرض لا يعرف الى أين سيؤدي به الحفر، كيف نقوم بعملية التغطية بعد خروجنا بحيث ان الادارة لا تشعر لمدة ساعتين على الأقل نكون حينها وصلنا الى مناطق نوعاً ما نائية، الكثير الكثير من القضايا أرى من الضرورة روايتها.

 

·                المصدر: جريدة الأيام - البحرين - العدد 4642 – الأحد 18 نوفمبر 2001.

 

 

صفحة قصائد للشاعر مظفر النواب

http://www.angelfire.com/mn/modaffar