Site hosted by Angelfire.com: Build your free website today!

ما لم يذكر عن محاكمة صدام

 

 منقول من اسلام ميمو

 

مفكرة الإسلام: فرغم كل ما كتب في الصحافة ، والمواقع ، والمنتديات عن محاكمة صدام حسين من مديح ، أو قديح ، إلا أن الجميع قد كتبوا عن هذه المحاكمة كحدث قائم بذاته ، مقتطع من التاريخ ، محجوراً عن المستقبل .

ومهما كان متابع المحاكمة متفاعلاً في عباراته ، وحماسيًا في تعبيراته ، أو عقلانياً في تحليلاته ... فإنه يعيش بفكره وقلمه في قوقعة المحكمة ، ويكبل في أغلالها ... مالم يخرج فكره إلى الأبعاد الحقيقية لهذا المحاكمة ! إلى البعد التاريخي لهذه المحاكمة ، إلى البعد العقدي الذي قامت عليه هذه المحاكمة ، إلى البعد التحليلي ..

إن تناول الحدث بهذا الاجتزاء المخزي جريمة لا تقل عن جريمة قتل صدام حسين لو أنهم قتلوه ، وإن هذه النظرة لوحدها كافية لوأد ثمار هذه المحاكمة في مهدها ، وعزلها عن تفاعلاتها ، بل عزل حاضر الأمة عن تاريخها ، وإسلام مستقبلها لعدوها ..!

لعل الكثيرين مروا مرور الكرام على ما انفردت ' مفكرة الإسلام ' بنشره عن صدام بعد سقوط بغداد في بحث موثق بعنوان ' العقد الأخير من حياة صدام في ميزان الإسلام ' ولكأن ما كتب آنذاك كتب لهذا اليوم وكل مافيه من حقائق ظهرت لجميع الناس بل ظهر ماهو أكبر مما ذكر ، وسيظهر عند الرجوع إليه جلياً أن محاكمة صدام إنما هي الحلقة الأخيرة التي ظهرت للناس ، بينما اختفت جميع الحلقات الأولى ... بل أُخفيت .

إن الرجل حين تحدى اليهود كان يدرك خطورة هذا التحدي ، وأنه ربما شرب بذات الكأس الذي شرب منه من وقف في وجه اليهود طوال التاريخ القديم والمعاصر ..!

وأخيراً فسوف يعرف القارئ جواب السؤال الأكبر الذي يقول : مـن يحـاكم من ؟!
إنها اليهودية ممثلة في الحكومة العراقية ، تحاكم الأمة العربية ، والإسلامية ممثلة في صدام حسين ... هكذا هي المحاكمة في حقيقتها ، في نظرة اليهود لها ، وبشاهد مثيلاتها ، وبحكم التاريخ عليها ، وانزلوا إلى الشارع العربي والإسلامي، واسألوا العجوز والكهل، والطفل، والشاب، والفتاة، وسيتفق الجميع على هذا الموقف والذي صاح منه قادة الشيعة في العراق بقولهم : إنا لنحزن أشد الحزن أن الشارع العربي كله معه لأنهم مغيبون عن حقيقة هذا المجرم صدام حسين [ حسب زعمهم ] .

 فأنا لا أنطلق في بحثي هذا من موقف شاذ، أو رأي غريب ، وإنما هو رأي الغالبية من جماهير العرب والمسلمين، ومن وقف غير هذا الموقف هو الموقف الشاذ والغريب .

وهاهو اليوم جاء الذي خطط له اليهود طويلاً .. اليوم الذي يقعد ذلك الرجل في القفص علانية ، ذاك الوحيد الذي أظهر معارضة اليهود علانية ! وجعل شعاره الثابت [ عاشت فلسطين حرة أبية من النهر إلى البحر ] ..! وفعل كل ما فعل من صراعات خفية مع اليهود ، وصراعات ظاهرة أحياناً ... فعل ذلك ولم يتردد لحظة ، ولم ينثن حتى والقوات تحيط ببلاده إحاطة السوار بالمعصم ، حتى والنار فوق رأسه ، والعدو داخل قصره ... حتى وهو يخاطب الأمة معزياً إياها في أولاده ، حتى وهو يعيش لحظات الكر والفر من مكان إلى آخر ..!

اقعد هنا يا صدام ! اقعد ولينظر العالم كله إلى مصير من يتحدى اليهود ! اقعد واستمع إلى أطنان  التهم ! اقعد وانظر إلى شهود اليهود من بني قومك وجيرانك ، فاليهود لا يقاتلونك إلا من ورائهم ! اقعد واشرب مكرهاً ، فقد شرب آخرون من يد اليهود كؤوس فضيحة مخزية ، وآخرون شربوا رصاصة في ليلة مظلمة ، وآخرون يتجرعون وهم على كراسيهم الآن كؤوس الهوان ! اقعد ولن تقوم إلا إلى قبرك المنفي .

 

لم يتمكن اليهود من الدخول إليه ، لا بمنفذ المال ، ولا النساء ، ولا العبودية ولا غيرها .. فكان لا بد من الحرب الشاملة ، ولا بد من المحاكمة المهينة ، وقد كان لهم ما أرادوا ..

لقد أصبحت أصابع اليهودية ظاهرة فيها تمام الظهور ..

الأصابع اليهودية في المحاكمة

الإصبع اليهودي الأول : المحكمة محكمة يهودية:

استغرب الكثيرون من الاستعجال في تعيين المحكمة بعد القبض على صدام ، وتساءل آخرون عن تعيين سالم الجلبي ـ ابن أخت أحمد الجلبي ـ رئيساً للمحكمة التي ستحاكم صداماً منذ أول اعتقاله ، لكن حين عرف الناس من هو أحمد الجلبي ومن هو ابن أخته ، ذهب العجب .. فمن هم ابنا الجلبي  ..؟!

 

أما سالم فهو شريك مكتب محاماة في أمريكا صاحبه يهودي متطرف من حزب الليكود ، أما أحمد الجلبي فهو اليهودي بالرضاعة والولاء ، وما عاد الأمر خافياً ، فسالم الجلبي[41] عامًا وهو ابن اخت زعيم ' المؤتمر الوطني العراقي ' أحمد الجلبي , وشريك مهم للإسرائيلي مارك زيل أحد أعضاء حركة ' غوش أمونيم ' الاستيطانية المتطرفة , والذي له شركة 'العراق القانونية الدولية '  التي تصف نفسها بأنها 'بوابتك المتخصصة إلى العراق الجديد' في بغداد أسست غداة سقـوط النظام العراقي وكان زيل شريكاً لأحد صقور الإدارة  الأميركية المعروفين بـ'المحافظين الجدد' دوجلاس فيث مساعد وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد , في شركة محاماة أميركية إسرائيلية تعمل في واشنطن وتل أبيب. وجاء تأسيس هذه الشركة [فانتز] بعد قرار فيث ترك عمله الحكومي ليكون ' عميلاً أجنبيًا ' يمثل مصالح إسرائيلية وتركية في الولايات المتحدة. ومعلوم أن فيث من مؤيدي حزب 'ليكود الإسرائيلي, وكان ممن عملوا لإقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتانياهو [وزير المال الحالي] بالتخلص من اتفاق أوسلو الذي وقعه الجانبان الإسرائيلي والفلسطيني عام 1993,
وبعد افتتاح شركة قانونية للإسرائيلي مع الجلبي في بغداد, سارع زيل إلى تأسيس فرع لشركة 'غولدبرغ إند كو' الإسرائيلية في الولايات المتحدة, والتي تعمل لمساعدة شركات أميركية في علاقاتها مع الحكومة الأميركية لجهة مشاريع إعادة الإعمار في العراق'. وبالفعل, نجحت الشركة في تسليم شركات أميركية عقوداً بمئات الملايين من الدولارات ، يذكر أن هذه الشركة لا تزال تستخدم موقعاً لشركة 'فانتز التابعة لفيث الذي واجه انتقادات بعد فضيحة تعذيب السجناء في معتقل 'أبو غريب وكان تراجع نفوذ فيث في الإدارة الأميركية أثر في علاقات أحمد الجلبي مع واشنطن في هذا الإطار , كما تردد أخيراً أن سالماً الجلبي يملك استثمارات واسعة في أسبانيا . وأفيد أنه مساهم في مشروع 'كسانادو ميجامول' في مدريد , وهو أحد أكبر المراكز التجارية في البلاد '

أما خاله أحمد الجلبي: فقد ولد أحمد الجلبي عام[1945] لأسرة شيعية ثرية تعمل في القطاع المصرفي، وغادر العراق عام [1956] وعمره 11 عامًا، وعاش معظم حياته بعد ذلك في الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث درس الرياضيات في جامعة شيكاغو ومعهد ماساشوستش للتكنولوجيا، عاد بعد ذلك إلى لبنان حيث عمل بالجامعة الأمريكية في بيروت فترة قصيرة، وفي هذه الفترة وطد علاقاته مع المسؤولين الأردنيين وخاصة مع ولي عهد الأردن وقتها الأمير الحسن بن طلال فانتقل إلى الإقامة في عمان عام 1975.

 

في عام 1977 أنشأ الجلبي بنك البتراء في الأردن، والذي نما خلال السنتين التاليتين ليصبح ثاني أكبر بنك من بين الـ 17 بنكاً في الأردن، إلا أنه في عام 1988 انهار البنك في فضيحة من فضائح الفساد الاقتصادي، وفي الوقت ذاته خضع بنك أسرة آل الجلبي في سويسرا 'ميبكو جنيفا' إلى المراقبة من قبل المراقبين السويسريين، وفي أبريل عام 1989 ألغى السويسريون رخصة ذلك البنك، وفي 2 أغسطس عام 1989 تم إغلاق بنك بتراء الأردن، ونصحه المقربون بالهرب فاختبأ في صندوق سيارة وهرب متوجها إلى سوريا، وبعد ذلك انهارت شركات آل الجلبي الواحدة بعد أخرى، فاتجه الجلبي إلى لندن لتبدأ قصته مع عالم السياسة والمعارضة العراقية خاصة بعد أن حكمت عليه محكمة أردنية بالسجن 22 عاما.

الطريق إلى واشنطن عبر تل أبيب: علاقة أحمد الجلبي وأسرته بإسرائيل أقدم من علاقته بأمريكا، بل إن إحدى شركات آل الجلبي وهي شركة 'ميبكو بيروت' لعبت دورًا في تمويل ميليشيات حركة أمل الشيعية عندما كانت تشن حرباً على الفصائل الفلسطينية في الثمانينات.

إلا أن العلاقة المباشرة بين الجلبي وتل أبيب كشفتها صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في مقال لها بعدد 2/5/2003 حمل عنوان 'خليفة صدام زار إسرائيل سراً'، وكشف كاتب المقال عدة حقائق تتمثل في الآتي:

1- تم تقديم أحمد الجلبي إلى الأمريكيين بواسطة المخابرات الإسرائيلية، ويشرح الكاتب هذه الحقيقة فيقول: '.. ترجع العلاقة بين الجلبي وإسرائيل إلى 13 عامًا مضت وقد أفصح مسئول وزارة الدفاع هذا الأسبوع عن تفاصيل اللقاء الأول مع الجلبي في لندن أظهر الجلبي على الفور الدفء الشرق أوسطي إنه شخص ذكي وقد فاجأني بمعرفته الواسعة بنا إنه يعرف كل فرد في نظامنا السياسي فهو يعرف الوزراء وأعضاء الكنيست المؤثرين ورؤساء مخابرات قوات الدفاع الإسرائيلية والموساد كما يعرف علاقات إسرائيل المعروفة والسرية في العالم العربي وقد تطرق حديثنا بسرعة إلى العلاقات المستقبلية بين العراق والقدس بعد سقوط صدام وأصر حينها على رسم خريطة سياسية جديدة للشرق الأوسط وأعلن أن العراق سيرفع شعار الديمقراطية'.

ويضيف الكاتب الإسرائيلي :' أخبر الجلبي مسئول وزارة الدفاع أنه التحق في بغداد بمدرسة 'مدام عادل' الخاصة المتميزة وهي سيدة يهودية كما أنه تعرف عن قرب على المجتمع اليهودي 'لقد كان على علم بعاداتنا وعندما قام بأول زيارة له إلى إسرائيل، أخذناه في جولة داخل مركز بابل للتراث ولاجتماعات مع اليهود العراقيين وعندما رأى أنهم يحتفظون بعاداتهم التي اكتسبوها من العراق رأيت أنه كان من الصعب عليه إخفاء مشاعره'

2- علاقة الجلبي بالمخابرات الإسرائيلية تعود إلى عام 1990؛ فيقول كاتب المقال:

تلقى الجنرال [احتياط] داني روثشيلد، الذي ترأس فرع الأبحاث في مخابرات قوات الدفاع الإسرائيلية أرقام هواتف الجلبي في لندن عام 1990 وذهب لمقابلته سراً لقد كان من النادر جداً أن تستطيع مخابرات قوات الدفاع الإسرائيلية عقد صلات مع منفي عراقي كبير والذي أظهر قدراً كبيراً من حسن النية كما ناقشا جهود إسرائيل في الحصول على معلومات حول مصير الجنود الأسرى والمفقودين التابعين لقوات الدفاع الإسرائيلية، وقال روثشيلد: 'لقد وعدنا الجلبي بأنه يستطيع استخدام صلاته في طهران لبحث موضوع رون آراد ...

التقى روثشيلد والجلبي في مكتب المنفي العراقي الفخم في غربي لندن وتحدثا لساعات طويلة حول مستقبل المنطقة، ويتذكر روثشيلد أنه كتب تقريراً سرياً عن هذا اللقاء ..

3- الجلبي يقوم بسلسلة من الزيارات السرية إلى إسرائيل؛ تقول الصحيفة: '.. قادت لقاءات الجلبي السرية في لندن إلى سلسلة من الزيارات السرية الأخرى إلى تل أبيب، ويقول المسؤول الإسرائيلي 'لقد حضر أساساً لاكتساب انطباع عن قرب عن ماهية الإسرائيليين وعن صورة دولة إسرائيل'.

 

المخابرات الأمريكية تنشئ المؤتمر الوطني العراقي المعارض:

بعد هذه السلسلة من اللقاءات بين أحمد الجلبي والمسؤولين الإسرائيليين، قرر مسئولو الأمن الإسرائيليين اقتراح اسم الجلبي على الإدارة الأمريكية وإيصاله بكبار المستشارين في البيت الأبيض والبنتاجون ووكالة المخابرات المركزية، ونتيجة لهذه التوصيات منحه جيمس وولسلي مدير المخابرات المركزية الأمريكية السابق رعايته.

وفي عام 1992 أسس الجلبي تنظيم المؤتمر الوطني العراقي عام 1992 بمساعدة جيمس وولسي، وأضحى الجلبي الفتى المدلل لوولسي كما أصبح المؤتمر الوطني العراقي الجهة المفضلة لدعم وكالة المخابرات المركزية الموجهة للإطاحة بالنظام العراقي.

ولم تنته علاقة الجلبي بإسرائيل، بل توطدت علاقاته مع المسؤولين الإسرائيليين وتقول 'يديعوت أحرونوت' في المقال السابق: '.. وفي إحدى زياراته إلى إسرائيل، تم استضافة الجلبي في مكتب وزير الدفاع في ذلك الوقت إسحاق مورداخاي وطالب الجلبي بدوره بمساعدة إسرائيلية في الكونجرس في واشنطن، وذلك لإقناع إدارة الرئيس كلينتون بتمويل نشاط المؤتمر الوطني وتدريب مئات المتطوعين في قواعد الجيش، قبل ضربة الإطاحة بنظام صدام وفي نهاية هذه الجهود، وبمساعدة أصدقائه الإسرائيليين واللوبي اليهودي في واشنطن، استطاع الجلبي الحصول على أربعة ملايين دولار أمريكي وقد قابل في واشنطن الوزير ناتان شارانسكي ورئيس الوزراء السابق بينيامين ناتنياهو وقد استهواهم جداً بخططه لتحويل العراق إلى بلد ديموقراطي..'.

وفي عام 1995م استطاع الجلبي أن يقنع إدارة الرئيس كلينتون بأنه يستطيع الإطاحة بنظام صدام حسين من خلال المعارضة الكردية، وبدون تدخل أمريكي كبير وهو ما كانت تحبذه الإدارة الأمريكية، فعاد الجلبي إلى العراق لقيادة انتفاضة للأكراد في شمال العراق ، ولكن الانقلاب فشل، وانتهى بمقتل المئات من الأكراد وتدمير مقر المؤتمر الوطني العراقي في مدينة أربيل على يد القوات العراقية؛ وهو ما دفع الإدارة الأمريكية وقتها إلى تجنب خطط الجلبي.

إلا أن الجلبي استطاع أن يوطد علاقاته مع تيار المحافظين الجدد حيث كان الجلبي يردد ما يود تيار المحافظين سماعه عن العراق، وتوطدت علاقاته بالأخص مع 'أمير الظلام' ريتشارد بيرل ، وقدم التيار المحافظ إلى إدارة كلينتون في عام 1998 مذكرة لإصدار قانون تحرير العراق ونجح الجلبي وتيار المحافظين الجدد في حشد التأييد في الكونجرس الأمريكي لتمرير القانون والذي أقر خطة تقديم نحو 100 مليون دولار لمساعدة قوى المعارضة العراقية، وعلى رأسها  المؤتمر الوطني العراقي الذي يرأسه الجلبي؛ وذلك من أجل الإطاحة بحكم صدام، وطرح اسمه وقتها كأول المرشحين لتولي الحكم من بعد صدام.

علاقات الجلبي مع المحافظين الجدد كثيرة ومتشعبة، فمن بينهم معارفه من جامعة شيكاغو وهم بول وولفويتز زيتس وزالماي خليل زاده وشميت و ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي، كما يوجد له مناصرون آخرون في مكاتب الشرق الأوسط في البنتاجون ووزارة الخارجية، من بينهم بيتر رودمان، ودوجلاس فيث، وديفيد ورمسر، ومايكل روبن.

وكان من بين المعاهد الرائدة لسياسة المحافظين الجدد ولجان الخبراء البحثية التي وقفت خلف الجلبي منذ التسعينيات معهد المشروعات الأمريكي ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إضافة للمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي .

 

الإصبع اليهودي الثاني : الصحافة اليهودية:

لقد عرف اليهود جيداً أن صدام هذا ؛ بهذه العلامات التي أمامهم ، بهذا الحاجب الناشز إلى أعلى ، وهذه الملامح والقسمات التي يقرأونها في كتبهم ـ كما يزعمون لا كما نعتقد نحن ـ أنه من يدوسهم في أزقة فلسطين .... فاشتعل الرعب في قلوبهم ثانية بعدما كاد ينطفئ باعتقاله إلى حين ، وخرجت الصحافة اليهودية صبيحة اليوم الثاني بشعارات شبه موحدة تحكي الذعر في قلوبهم تقول [ صدام ... لا زال قوياً ! ] .

الإصبع اليهودي الثالث : الثنائي الظلامي : أسودان في عمائمها ، أسودان في قلوبهما ، أسودان في تاريخهما ، أسودان في صحائفهما ، أسودان في صحيفة الأعراض وفي صحيفة الأموال وفي العلاقات ...

إن الثنائية المتشابكة الثابتة ما بين القبضتين الحوزة الشيعية واليهودية لضرب الإسلام على رأسه في وقت ضعفه طوال التاريخ قد ابتدأ من خلافة علي رضي الله عنه ، وعشش في فارس في آخرها ، وتمكن أيام العباسيين من كسر رأس الخلافة وإسقاط بغداد بتلك القبضة الثنائية على رأس الخلافة الإسلامية عندما دمرها التتار ..

 

ثم علت هذه الضربة لتضرب الخلافة العثمانية في عهد سليم الأول حيث الحروب مع الصفويين ، حتى تم القضاء على الخلافة في عهد الخليفة السلطان عبد الحميد ..

فمن يفصل هذه المرحلة عن سابقاتها إنما يعيش في وهم كوهم المغفل الذي كان يعيش في تلك المراحل ، وكان يحسن الظن بتلك العمائم السود ... حتى دخلوا بيته وأدخلوا التتار داره ، وكان الثمن هو ما حكاه التاريخ من قبل من مآس للإسلام والمسلمين ..

إنها قبضة جاهزة لضرب الإسلام متى علا رأسه في أي بقعة من بقاع الأرض، وفي أي مرحلة من المراحل الزمنية .

كيف لا تعلو هذه القضية اليوم على رأس صدام ... كيف وقد أذاقهم صدام مرارة الهزيمة حين دمر الأحلام الخمينية ، وحال بذلك بين تشابك القبضتين ما بين الأم وربيبتها ، وحرم الحوزة الشيعية حلمها بهلالها الشيعي من إيران ومروراً بالعراق وسوريا حتى فلسطين لكي يحصل الأمان والاطمئنان لبني عقيدتهم من اليهود  ، والضحايا في ذلك أهل السنة والشرفاء من الشيعة الذين رفضوا الانسياق لجرائم الحوزة ، وأكبر شاهد على هؤلاء الشرفاء شيعة الأهواز العرب في إيران وعلى رأسهم الأستاذ الفاضل صباح الموسوي والخالصية في العراق والشيخ الشيعي الكبير حسين فضل الله وأتباعه في لبنان [ ولا أقصد حزب الله وجلاوزته ] ، ومن المثقفين الأستاذ الفاضل محمد الكاتب ، وغالبية عوام الشيعة والذين لو سلموا من شر هذه الحوزة لكانوا في محبة وأخوة مع إخوانهم من أهل السنة .

إن هذا التشابك لا بد أن يتحقق يوماً من الأيام القادمة كما أخبر النبي rحين يخرج الدجال من إيران وتحديداً من أصفهان الإيرانية ليصل إلى غايته فلسطين ، حيث جنده وبني ملته اليهود بانتظاره هناك ، لكن الله يمنعه من دخول المسجد الأقصى أما فلسطين فنعم ..

ومن كان يعلم كيف سيكون حال الأمة اليوم لو عبرت القوات الخمينية العراق وطرقت أبواب الكويت والدمام وما ورائها ؟

ولم تكن هذه الحلقة هي الحلقة الوحيدة في صراع الرجل مع اليهود ، وسيتبين لنا الأمر تفصيلياً عند الرجوع بعد قليل لذاك البحث المحكم المنشور في ' مفكرة الإسلام ' إن شاء الله تعالى .

الإصبع اليهودي الرابع : بصمات اليهود الظاهرة في المحاكمة:

وهذه تحتاج إلى دراسة كل الحيثيات وملابسات المحاكمة ابتداءً بالقضاة، ومروراً بلباس صدام في الجلسة ، وكذا تاريخ المحاكمة ويومها ، وانتهاءً بما ظهر منها ، وتحقيق ذلك متروك للباحثين وللوقت مع الربط والتحليل ، والوقت يضيق عندنا الآن على هذا .

 أما ما اختار اليهود إظهاره للناس من هذه المحاكمة ، فلقد أظهروه لسببين :

أما الأول فلأنه كما يظنون أنها أضعف أجوبة صدام ، ومع هذا فقد كان فيها إبهاتهم ، وأما الثاني ففيه البصمة اليهودية بإثارة الخلافات القديمة بين صدام وجيرانه وهي طريقة اليهود المعروفة .. 

فمتى ما خرجنا بهذه المحاكمة من قوقعة تلك القاعة إلى رحابة التاريخ ورباط العقائد ، فقد وصلنا إلى التحليل الصحيح وعندها تتكشف الحقائق ويغتاظ العدو ، ونعرف أن المسألة خطيرة وخطيرة جداً ، وأغوارها بعيدة ...

وقد جاء في مقدمة ' العقد الأخير ' قول المؤلفين :

 ' إننا نود أن نسابق الوقت لنكتب كإسلاميين ... قبل أن يصبح القلم الإسلامي يخط التاريخ الإسلامي بمداد يهودي وفهم يهودي لهدف يهودي ... ليتلقاه القارئ الإسلامي  معتقداً ، ومستسلماً ، ومتبيناً ، وداعياً .... ! وهذا هو ما نراه اليوم بعد رحيل صدام ، فالجميع يعزف ذات السمفونية اليهودية من غير نشاز يذكر ، سواء في ذلك الشارع العراقي أم الشارع الأمريكي ، المذيع الخليجي أم المذيع العربي أم الأجنبي ، الصحفي العربي أم الصحفي الأجنبي ... وكأن الملهم للجميع أصبح واحداً  مع منح الأبواق الحرية في الإخراج والصياغة لتحقيق ذات الهدف .

ولذا فقد رأينا من الإثم العظيم أن يُترك التاريخ يكتب بأذواق يهودية معجونة بنكهة صليبية بخُمرة علمانية عربية ، مكوِّنة كعكة صهيونية مغولية جديدة باللغة العربية المجيدة  ..!

فمن شهد الحقيقة الغائبة بعينه ثم رأى الحكم فيها قد صدر بناءً على شهود الزور ، لم يكن له وهو الشاهد للواقعة أن يسكت ... مؤثراً السلامة لنفسه ، تاركاً السيف يأخذ مجراه على عنق المحكوم عليه ...!

 

وإننا إذ نكتب هذه الكلمات إنما نكتبها في وقت سقط فيه صدام حسين من على كرسيه إلى الأرض .. أو سقط رأسه من الأرض إلى باطنها ... فالله وحده أعلم بالحقيقة  .

وعليه فلا تهمة هنا من خوف أو طمع ، إنما هي الحماية للأمة قبل الحماية لصدام ، والحماية للتاريخ الإسلامي من العبث اليهودي والصليبي ، وتذكيراً لجموح المتهافتين أن : توقفوا قليلاً عن هذا الاندفاع المحموم ... ' انتهى

لكن ليست هذه الأدلة المذكورة هي الأدلة الكبرى على يهودية المحكمة وحكامها ، إنما الأدلة هي المقدمات الكبرى التي أفضت إلى هذه المحكمة الصغرى في حجم قاعتها الكبرى بأبعادها التاريخية والعقدية والتحليلية ..

وسوف نتناول عينات من عداء صدام لليهود وعليك أن تقارنها بالمواقف الأخرى لأمثاله  ننقلها من ذلك البحث المذكور لأغني القارئ عن قراءتها هنا ، وربطها جيداً بالحلقة الأخيرة والمحاكمة القصيرة ... جاء في الكتاب :

الموقف الأول ـ الصراع النووي:

الحقيقة أن هذه حلقة واحدة من الصراع، لكنها حلقة مظلمة وطويلة ومريرة ومستمرة إلى لحظة سقوط بغداد .. وبعدها انفتح الطريق أمام اليهود ..

صراع متواصل بين المخابرات الإسرائيلية والمخابرات العراقية ... وملاحقات حول صفقات أرادها العراق، وأراد منها الحصول على السلاح النووي، وعلماء عراقيون كثر أرسلهم صدام كي يتمكنوا من هذا العلم ليأتوا بسره إلى العراق من أمريكا وفرنسا وبريطانيا وغيرها من الدول ... وعلماء عرب استقطبهم صدام ومنحهم كل ما يريدون حتى يحققوا حلمه باقتناء السلاح الذري، ومصانع حاول شراءها وخصوصًا من أوروبا الشرقية ومن الجمهوريات الروسية المنحلة، ومحاولات ... ومحاولات .....

وقصص تكفي لعرض مسلسلات بوليسية تلفزيونية تستمر لسنوات ..!

وعلى سبيل المثال: نذكر من تلك القصص ما ظهر للناس من طرد وقتل بعض العاملين من إحدى الدول العربية في العراق وترحيلهم إلى بلادهم ... ذلك أن العراق حين فتح الباب أمام هذه الجالية للعمل في العراق في الزراعة والصناعة والتجارة المحلية وغيرها، حتى بلغت أعدادهم أكثر من ثلاثة ملايين ... عندها تمكن الموساد من خلال رجاله المتغلغلين في هؤلاء من دخول العراق حتى استطاعوا أن ينفذوا إلى أضخم معامل التصنيع العسكري العراقية، حتى يتمكنوا جيدًا من تلك المصانع إلى اللحظة الحاسمة التي استطاعوا تفجير عدد منها في وقت واحد، وقد كان منها مصانع صواريخ ضخمة ... وبعد التحقيق تبين أن الموساد هو صاحب اليد الخفية فيها ... فتتبعوا بقايا رجاله وعملائه في العراق فأخذوا جزاءهم .. ورحل من رحل منهم إلى بلدهم ... وبقي أكثر هؤلاء في العراق وهم يشهدون إلى هذا اليوم بأنهم عوملوا معاملة الضيف طوال إقامتهم الطويلة، إلا بعض حالات فردية لا يمكن إنكارها ...

أما صدام نفسه فقد كان يأمر مرارًا بوجوب مساواة هؤلاء بالعراقي في كل شيء ...

لقد كانت ضربة أليمة وموجعة للتصنيع العراقي في ذلك الوقت العصيب !

الموقف الثاني ـ ضرب المفاعل النووي العراقي :

لقد كانت إسرائيل أكثر حذرًا وأبعد نظرًا من هؤلاء العرب الذين أساؤوا الظن كثيرًا حين علمت أن العراق قد أوشك على الانتهاء من استكمال المصنع الذري العراقي، وما بقي بينه وبين صناعة القنبلة الذرية إلا أشهر ...

لقد كانت إسرائيل أكثر وعيًا من هؤلاء الذين ظنوا أن العراق إنما صنع هذه الصناعة العظيمة للهجوم عليهم، في وقت لم يكن صدام قد هاجم فيه الكويت بعد ..!

هذا وهم يعلمون أن هذه الدول أهون من أن يستخدم صدام معها السلاح الذري ...

والدليل ظاهر ... أليست إيران أقوى دول المنطقة ... لقد ذاقت إيران أقسى هزيمة ... وتجرع الخميني عندها السم باعترافه هو ... هذا ولم يستخدم معها صدام سلاحًا ذريًا ... فكيف يطلق ذلك السلاح على الكويت وهي لم تقف من أولها إلى آخرها أمام جيوشه ساعة واحدة ؟!!

إذًا فدعوى أن العراق إنما أراد امتلاك السلاح الذري لتهديد دول الجوار، إنما أراد به الأمريكان والإسرائيليون إعانة دول الجوار عليه إذا ضربوه، وقد كان لهم ذلك ..

وإن الخطأ الذي يبقى معذبًا لصدام ـ بغير شك ـ حتى يموت، هو وقوفه تلك الليلة وبيده قطعة بحدود النصف ذراع، وقد ظهر منتشيًا يتساءل .. أتعرفون هذا ..؟ هذا هو القاذف الذي صنعه أبناء العراق .... والذي به سوف أحرق نصف إسرائيل !

نعم؛ لقد أراد صدام بهذا الخبر المفاجئ أن يضع إسرائيل أمام الأمر الواقع فلا تستطيع عمل أي شيء إذا علمت بأنه تم للعراق استكمال صناعة القنبلة الذرية كي تمضي الأشهر المتبقية فيتم له ما يريد فعليًا ... ومن يدري فلعل ذلك كان نتيجة شك منه أن لدى إسرائيل علم بعدم انتهاء صناعته، فأراد أن يقطع المسألة عندهم ... فأعطاهم هذه المعلومة كي يسقط في أيديهم ... ولعل إسرائيل كانت على علم مسبق بما وصل إليه البرنامج الذري العراقي من خلال خيوط أخطبوطها المهيمن على عموم مصادر السلاح الذري في العالم، أو لعلها تفحصت المفاعل الذري العراقي من خلال الأقمار الصناعية الأمريكية التي ما وجدت الرنين الذري أو الوميض الذري في المفاعل فاستعجلت الهجوم . فكانت تلك الضربة القاضية بالمعونات العربية المعروفة !

لقد كان صدام والإسرائيليون يعرفون جيدًا النص الوارد في بعض الأسفار[سيكون ملك بابلي يحرق نصف إسرائيل] ...!

أما هؤلاء العرب فما كانوا يعرفون أكثر مما يقال لهم، ولا يثقون إلا بعدوهم ..!

وبعدما دمرت إسرائيل المفاعل الذري العراقي قام صدام وقال: سوف نرد على إسرائيل في اللحظة المناسبة ...ومنذ ذلك الحين وهو يسعى لتحقيق وعده ذاك ... وجاء دور المدفع العملاق ... والذي ظنناه في وقته وهمًا مصطنعًا أراد العدو من خلاله أن يقدم مبررًا لضرب العراق، ولكنه كان فعلًا حقيقة ... وقد شرع العراقيون يبنون موقعًا للمدفع تحت الأرض بأربعة عشر طابقًا، وأما وصف طبقة الخرسانة وضخامتها فهذا شيء مذهل، وأما قصة المدفع الأساسية فإن الذي أبدع فكرته كان عالمًا كنديًا ... فذهب إلى أمريكا وعرض عليهم الفكرة .. فرفضوها لسببين:

الأول: استغناؤهم عنها بالصواريخ ...

والثاني: تكلفته الباهظة ...

علمًا بأنه لا يوجد في أمريكا ولا في غيرها مدفع عملاق، وحين علم صدام حسين به أرسل له مباشرة ووقع معه اتفاقًا سريًا، وشرعوا في العمل ... وجيء بقطعة عملاقة، وعندها اكتشفت للمخابرات البريطانية الخبر وأمسكت السفينة ...

وكان مدى هذا المدفع أكثر من ألفي كيلو متر ... أي أبعد من إسرائيل ويغني عن الصواريخ في الوصول إلى الهدف المطلوب ..

ومع هذا استمرت محاولاته المستميتة لتحقيق وعده ...

ولقد بدأ الرئيس العراقي بمفردة عربية غريبة ، حين فكر بإنشاء جيل من العلماء العراقيين الكبار، فكان يسمى [أبو العلماء]، فلقد جعل جلّ وزرائه من أساتذة الجامعات وحاملي شهادات الدكتوراه، ومنهم علماء كبار في علوم الذرة كالدكتور [عامر رشيد] وزير النفط العراقي وزوجته العالمة الجرثومية المسماة في أمريكا بـ [الجرثومة]، وعالم الذرة الدكتور [همام عبد الخالق] وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو مطلوب لأمريكا وإسرائيل قبل الحرب، وقد أشاعوا أنه سلم نفسه ... والله أعلم بالحقيقة .

ثم أنشأ جيلاً كبيرًا من العلماء، وأغدق على إبداعاتهم، وأنفق على دراستهم في الخارج وأتى بهم إلى العراق ووفر لهم ما يريدون، وأنشأ لهم وزارة أسماها: وزارة التصنيع العسكري، وهيئة كبرى اسمها: هيئة الطاقة الذرية ... وأتى لهم بعلماء ذرة من روسيا المتفككة وغيرها ... وما يأتي بعالم إلا ويجعل العراقيين يصحبونه، حتى يأخذوا عنه علمه .

وللحقيقة التاريخية المتيقن منها نقلاً عمن سمع صدام نفسه، أن العلماء العراقيين بلغوا أكثر من سبعين ألف عالم متخصص، وهاهم اليوم في أرض العراق كل واحد منهم ثروة سائبة لا يساوي شيئًا، مع أن الحقيقة أن بئر النفط لا يساوي عالمًا واحدًا منهم، لكنهم أصبحوا بعد صدام ثروة بلا حام، وصغارًا كالأيتام، وأصفارًا بلا أرقام ... كيف وقد كان الأهل والأرحام من كثير من الدول العربية يتشفعون عند صدام كي يسلمهم إلى عدوهم من أجل أن يحققوا معهم ... لكنه أَنِفَ من هذا الخلق ولم يفعل كما فعل الرئيس الليبي معمر القذافي بأصحاب ' لوكربي '، حتى قامت الحرب فعلًا وهو ثابت، ولا أحد من الأهل والأرحام اليوم يجرؤ أن يأوي واحدًا منهم في بلده ... لتدخل إسرائيل فرقًا خاصة للبحث عنهم في جنبات العراق .. هذا إن بقي أحد منهم حتى اللحظة في العراق، ومنهم من لجأ إلى إيران حتى ينجو بنفسه وقد كانت الفرحة الإيرانية كبيرة بهم، فهم من سيرفعون من مستواها النووي، ويا حسرتا على مثل هذه الكنوز العراقية والتي ستجعلها بلا شك إيران أدوات في توسيع نفوذها و إرهابها في منطقة الخليج بالذات .

والواقع أن ما وجدته أمريكا من الوثائق السرية العسكرية في الملفات العراقية يساوي عندها احتلال العراق كله، فبها طوقت أعناق بلدان، وبها كشفت أسرار شركات، وبها عرفت علمًا وعلماء ... وبها قفزت على الجراح بالحراب .

ولم يكن هؤلاء العلماء صورًا ولا أسماء بلا حقائق .. بل شهدت السوح لهؤلاء العلماء بإنتاج عجيب، وليس إنزال أو إسقاط طائرة الاستطلاع الأمريكية أمرا سهلا، ولا إنشاء مئات المنشآت العسكرية شيئا قليلا ولا صناعة طائرة استطلاع أمرا تافها .. ويبقى الاكتفاء الذاتي من قطع الغيار للمصانع العراقية والآليات إنجازًا لم تستطع الدولة المطلقة السراح الوصول إليه فكيف بالعراق المكبل من أكثر من عقد من الزمن ...

لكن كل ذلك ... وغيره أصبح اليوم تاريخًا سيئًا..!

الموقف الثالث ـ الانتفاضة الفلسطينية:

وجدت الانتفاضة الفلسطينية من نظام صدام ما لم تجده من كثير من الدول التي تنادي بحب فلسطين ... هذا إن وجدت منها أكثر من مواد إغاثية أو إعانات لصندوق المنظمة تصرف في كل شيء إلا فيما يقوي الانتفاضة ...

وقد كانت المعونات العراقية مركزة بالدرجة الأولى على ما يسعر الانتفاضة ... وكان منها السرية ومنها العلنية، وأعلم الناس بهذا هم الإسرائيليون والمجاهدون الفلسطينيون واسألوا قادة حركة حماس سؤالًا خاصًا لا أمام تلفاز أو جهاز تسجيل فالخبر عندهم يقين ... نعم إن إسرائيل تعرف ذلك جيدًا ... وإلا كيف تضع وزيرًا خاصًا بالعراق اسمه وزير الدولة للشؤون العراقية ...

وفي آخر زيارة شارون لأمريكا قال بوش لشارون: لعل الانتفاضة أتعبتكم وآذتكم ..؟! فقال شارون: 'إن الانتفاضة مثل الزكام .. أما العراق فهو الصداع النصفي ..!'.

وقد قال بوش وطاقمه مرارًا وتكرارًا: 'بأن السلام بين إسرائيل والعرب لن يتحقق مادام صدام في السلطة، وسنتمكن من تحقيق السلام بعد زوال هذا النظام ؟!'

وقال أيضًا 'ولن نتمكن من تحقيق مشاريع السلام ومشروع خارطة الطريق إلا بذهاب صدام ! وسيكون العالم أكثر أمنًا بذهاب صدام ...' أي أمنًا لهم ولليهود .

وآخر ما سمعنا ما نقلته إذاعة سوا الأمريكية الناطقة باللغة العربية عن وزير الخارجية كولن باول وذلك في 3-7 2003 م في تمام التاسعة وسبع عشرة دقيقة مساءً عندما صرح بقوله: ' لقد آن للعراقيين وغيرهم من دول الشرق الأوسط أن يمدوا يد السلام للإسرائيليين بعد ذهاب دكتاتور العراق' ويقصد به صدام حسين .

وقد صرح شارون تلفزيونيًا قائلًا: لم تستعد دولة مثل استعداد إسرائيل لهذه الحرب. ولذا فقد كانت فرحة اليهود الإسرائيليين بسقوط بغداد أعظم من فرحة الأمريكان أنفسهم، حتى قال بعض مسئوليهم: 'الآن يعيش الإسرائيليون بأمان'. وهذا التصريح في الإذاعة الإسرائيلية، ولو رصدت ردة فعل اليهود بسقوط بغداد، لأظهرت أنها كانت في نظرهم أكبر من احتلال بلد ... إنما كانت تعني سقوط نبوءة النهاية لدولة إسرائيل على يد هذا الآشوري ...

ومع هذا، وحتى تلك اللحظة وبعض الذين يعيشون على أوهام الأوهام يقولون إنه عميل لليهود ... حتى جاءت الضربة للعراق ... فقالوا: استنفذ دوره وجاؤوا بغيره !

ولو عاد غدًا لقالوا: ظهرت اللعبة ... ! ... وهكذا .. سلسلة لا تنتهي أبدًا .

وكأن أمريكا ما ابتدأت بالضربة الأولى التي سمتها [ قطع رأس الأفعى ]، وكأنها ما تقصّدته مرارًا، وكأنها ... وكأنها ...

وإلى متى ...؟

ولماذا يطبق صدام حسين كل هذه التطبيقات العملية الشرعية ـ التي ذكرنا بعضها ـ لمدة عشر سنوات ؟

لماذا يبني جيلًا ..؟

لماذا لم يجعله مجرد كلام ....؟

لماذا ...؟ ...... ولماذا .......؟ ........ ولماذا ..........؟

ثم لماذا لم يتبع سياسة اليهود في إفساد الأخلاق، ونشر الأفيون في شعبه .. لماذا ..؟

ولماذا ظهر رأس اليهود بمجرد سقوط رأسه ... وجاء الحاخامات لينشئوا فجأة في بغداد خمس معابد يهودية، كما نشرتها الصحف بتاريخ 23 / 4 / 2003 .

وهاهم يرون اليوم الحقيقة، وكيف أصبح الباب الإسلامي مفتوحًا على مصراعيه أمام الإسرائيليين لا يستطيع أن يمتنع من مال ولا أمر، حتى أن الإنسان أصبح يشفق ـ والله ـ على بعض المسؤولين العرب وعلى المسؤولين السوريين خصوصًا الذين كانوا يرددون أقوى العبارات والمصطلحات، ويشنون أقسى الهجمات الخطابية على أمريكا، أما اليوم فيراهم الرائي وقد تغيرت نبرتهم تمامًا، أما رئيسهم فما عاد يصرح تصريحًا علنيًا، وأما الشرع فقد كانت حالته صعبة في مؤتمره الصحفي مع وزير الخارجية المصري، واضطرب مندوبهم الدائم في الأمم المتحدة وهو يتصل بالهاتف مع الجزيرة.

فليسأل هذا المتوهم نفسه: على من كان يستند أمثال هؤلاء يوم أن كانوا شجعانًا ؟

أليسوا مازالوا جميعًا موجودين على كراسيهم وفوق عروشهم ؟

فماذا تغير، ومن الذي غاب عن الساحة ...؟!

عندها يعرف الجواب: إن الغائب هو صدام !

أترى إسرائيل اليوم لو طلبت من إحدى دول الشرق الأوسط رفع العلم الإسرائيلي على أضخم مبنى فيها لجعله سفارة إسرائيلية فهل ستمتنع هذه الدولة عن تنفيذ هذا الطلب، بل هذا الأمر ....! بينما وقف صدام بمسدسه أمام جميع القادة المجتمعين في آخر مؤتمر لهم في بغداد قائلًا:' والله ... من يعمل أي علاقة مع إسرائيل أقتله بهذا المسدس ... ولو كان على فراشه '.

ويخبرنا أحد الوزراء الذين حضروا ذلك المؤتمر أن الرئيس الليبي معمر القذافي اقترح قبل تهديد صدام لهم مقترحًا [ غريبًا كعادته ] يطالب فيه بكسر الحاجز النفسي مع إسرائيل، يقول هذا الوزير: فقاطعه صدام وقد بلغ به الغضب منتهاه، وصاح عليه بأعلى صوته باللهجة العراقية: 'إنجب' بمعنى: اخرس . فسكت القذافي ولم ينبس ببنت شفة ...! ثم هددهم بما ذكرنا آنفًا.

وستمر الأيام ... وسيرى الناس التهافت على التشرف بخدمة إسرائيل ... بعد التغيرات الأخيرة حيث كان الكل يخشى أن يمد اليد للحبيبة إسرائيل للسلام بينما يبقى صدام منفردًا عن ذلك، وبالتالي يحصل له التفرد في الموقف، ولكن الوضع الآن اختلف!

وقد كان أول قرارات الحكومة العراقية بعد صدام في اجتماع من تسموا بالضباط العراقيين الأحرار في مركز العلوية عمل جيش عراقي صغير لا يهدد جيرانه !

والأمر عند صدام أكبر من ذلك فلقد طلب العراق أكثر من مرة السماح له بقتال إسرائيل من خلال فتح الحدود أو نحو ذلك، فامتنعت دول الطوق من تلبية طلبه، كما امتنع المؤتمر العربي في بيروت والمؤتمر الإسلامي في قطر مناقشة ذلك، واكتفى بالاستماع وهو يرتعد الفرائص ....

ومن يستمع إلى أحاديث صدام في خطاباته أو لقاءاته الرسمية أو الشعبية، وكيف يتحدث عن اليهود، والألفاظ التي يذكر عنهم مما يستحقونها ... يعجب حقيقة من أمرين:

الأول: هو البغض والكره الذي يعتلج في صدره عليهم بحيث لا يترك مناسبة إلا ويذمهم فيها .. في الوقت الذي نرى جميع رؤساء العالم ووزرائهم يتجنبون الاقتراب من هذا الحمى المخيف ... ومن جازف فسرعان ما ينال عقابه علانية ...

الثاني: ترك صدام الهجوم عليهم بالألفاظ التي يستخدمها العلمانيون والقوميون والوطنيون العرب إلى الألفاظ الشرعية كـ [ لفظ اليهود وأبناء القردة والخنازير .. ونحو ذلك من الألفاظ الشرعية ]

ثم جاء مؤتمر بيروت، وقد ألقى عزت الدوري في خطاب نيابة عن صدام حسين وأعلن فيه خطة عسكرية جاهزة لقتال اليهود موزعة الأدوار، فما تكلم أحد بكلمة واحدة، بينما شكل المجتمعون لجنة لبحث المطلب المقدم من معمر القذافي بإدخال إسرائيل في الجامعة العربية، ومناقشة فكرة هدم المسجد الأقصى وبناء مسجد آخر بدلًا عنه في فلسطين .

 

ولقد اقترح صدام على العرب منذ زمن بعيد وكرر مقترحه مرارًا بإنشاء صندوق دائم للجهاد في فلسطين ولأهالي فلسطين بحيث يقتطع من الدول النفطية عن كل قيمة برميل دولار أو أكثر أو أقل لفلسطين ؟ وأكد عزت الدوري هذا المقترح في المؤتمر الإسلامي الذي انعقد أخيرًا في بيروت .

وله إعانات كثيرة جدًا للشعب الفلسطيني فمن إعانته للانتفاضة الفلسطينية: كفالته عائلة كل شهيد فلسطيني وذلك بمنح عائلته منحه قدرها خمسة وعشرون ألف دولار واسألوا قادة حماس لماذا قمتم معه في موقفه من حرب الكويت ولماذا ناصرتموه؟ والجواب ماكان يعطيه لشهدائهم وأيتامهم وأراملهم ....

وبعد السؤال والتحري الميداني ممن نعرف وممن لا نعرف، تبين أن هذه المنحة تصل حقيقة للعائلة وفي أسرع وقت ممكن حتى قال رامسفيلد بعد إحدى العمليات الفلسطينية الكبرى ناسبًا إياها لمعونة صدام: [حتى تعرفوا أي عدو لنا هذا الرجل ... إنه يغري الصغار بالمال كي يقتلوا أنفسهم].

كما يعطي لكل من يهدم بيته خمسة وعشرين ألف دولار بشرط ألا يخرج من فلسطين ..

ولقد صرح الشيخ الشاعر محمد صيام بعد مؤتمر إسلامي انعقد في بغداد سنة 2002 بأن الرئيس العراقي المخلوع أمر بتسجيل كل عائلة فلسطينية في البطاقة التموينية العراقية كي يتكفل بها كما يتكفل بكل عائلة عراقية ... على أن تذهب الشاحنات إلى الحدود الأردنية ويتم استلامها هناك وإيصالها لأهل فلسطين ولكن فعلت الحكومة الأردنية كل المعوقات دون وصول هذه المساعدات في وقتها المناسب.

ومن المعلوم أن كل دارس فلسطيني له الحق أن يدرس في الجامعات العراقية مجانًا مع السكن الداخلي، وانظروا ماذا حصل للعائلات الفلسطينية بعد سقوط نظام صدام . أصبحت فريسة لكل غادٍ ورائح، شردهم رجل الحوزة الشيعية في العراق من بيوتهم رغم أن أصحاب هذه الطائفة يتشدقون بفلسطين ليل نهار وفلسطين عنهم بعيدة، فصارت الشوارع مأواهم، والمزابل طعامهم، افترشوا الأرض، وتلحفوا السماء، هربوا من اليهود، وسقطوا في أيدي يهود المسلمين من شيعة الخميني .

الموقف الرابع ـ الحرب الاقتصادية:

يكفي شاهدًا لكل أحد على حقيقة الحرب ما بين صدام وإسرائيل هو مطالبة إسرائيل فور سقوط بغداد بإعادة إصلاح الأنبوب النفطي الواصل ما بين كركوك وبين حيفا، ولو أوصله صدام لما علم بذلك أحد، وما استطاع أن ينتقده أحد، ولَمَا دخل ذلك في ممنوعات الحصار .! بل سيكون من أهم أسباب رفع الحصار .

لكنه العداء الحقيقي العميق لبني صهيون !

 

هذا بالإضافة لمقاطعة العراق كل الشركات اليهودية في العالم ولو لم تكن في إسرائيل، ولقد اشترط العراق من بين دول العالم جميعًا على أي شركة تريد أن تعمل في العراق أن لا تعمل في إسرائيل وتوقع على تعهد صريح بذلك ..!

فماذا ترى لو عملت بهذا العقد بقية دول العالم العربي والإسلامي ... أما يعني مقاطعة، بل قطع إسرائيل .. ولكن ...!

ومن يدخل بعض السفارات العراقية .. ولا ندري لعلها كلها ... يجد لوحة مكتوب عليها: 'لا تمنح فيزة دخول العراق للأجنبي' ونعتقد أن هذا في الفيزا الشخصية، أما الشركات فهؤلاء يدخلون كشركات، ولذلك فإن العراقي الذي يخرج من العراق إلى البلاد العربية ويرى الأجانب في الأسواق الإسلامية يتقلبون في البلاد يستغرب أشد الاستغراب، فهذا منظر غير مألوف في العراق !

ولقد نادى صدام مرارًا بوجوب قطع النفط والغاز عن إسرائيل وما التفت إليه أحد ولقد باشر بقطع النفط فعليًا عن أمريكا ـ إبان الانتفاضة ـ وأذاع الخبر في خطاب بنفسه على العالم، وجعله مبررًا بمساعدة أمريكا لليهود، وجعله شهرًا كاملًا وظن البعض أنه أوقع بني جلدته جميعًا في حرج بالغ ... وما علم أن بني جلدته قد عوضوا نقص النفط العراقي، ومع هذا، فقد قال البعض وقتها: إنها اتفاقية بينهما من أجل تحسين صورة صدام !

لكن يبقى السؤال يقول: ماذا ولو أن دولة واحدة من دول أوبك كإيران وافقت صدام جدلًا على إيقاف النفط؟ لكانت أوقعت العالم في ارتباك عظيم .... ولكن إيران كعادتها تخلفت بعدما تحدثت عن ذلك، وأفسد العالم كله عمل صدام وأبطلوا مفعوله .... مع أنه شهر ليس إلا ...!

ويخبر بعض الأخوة المثقفين من الخليج من الذين لا يعرفون الكثير عن صدام وليسوا من المحبين له ... بحقيقة عدائه لليهود، ونعرفهم جيدًا ولانريد ذكر أسمائهم ... أنهم يعرفون صديقًا تونسيًا يخبرهم بأنه التقى صدام في القاهرة سنة 1970 أو 1971 .. فقال له صدام: أنا أعرف أن لليهود قوة ونشاطا في الأرجنتين، وأنا أريد منكم أن تشكلوا جبهة لمقاومة اليهود هناك، وأنا أتكفل بالتمويل، يقول وكان يعطينا شهريًا مائة ألف دولار .

 

أما الميزان الشرعي لهذا الموقف من اليهود ...

أولاً: فنحن نؤكد أن الإسلام يجعل من معاداة اليهود المحاربين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه وللمؤمنين مبدءًا أصيلًا في دين الله تعالى، وأننا نتمنى هزيمتهم في كل ميدان من ميادين الحياة، والأمر لا يحتاج هنا إلى تفصيل ولا يفتقر إلى تعليل، حتى لو أن كوريا مثلًا حاربت أمريكا لتمنينا أن تنتصر كوريا على أمريكا، ليس ذلك حبًا في كوريا، وإنما بغضًا في أمريكا لموالاتها ورعايتها لليهود .... فكيف إذا حمل راية العداء لليهود رجل يحكم بلدًا مسلمًا وصار يرفع شعار الإسلام في آخر خمس أو ست سنوات بوضوح على غبش يخالطه، وينادي لا إله إلا الله صباح مساء و.... و..... ويحاربهم كما يصرح لأنهم يهود قتلة الأنبياء، ولأنهم سموا النبي صلى الله عليه وسلم، ويحاربهم غيرة على أعراض المسلمين والمسلمات في فلسطين وانتصارًا للمظلومين في فلسطين ؟!

ثانيًا: فإن الموقف الذي يقفه صدام من اليهود في عالم اليوم لم يقفه أي حاكم على وجه الكرة الأرضية طولًا وعرضًا ولا يجرؤ حتى رئيس أمريكا ولا أي عضو في الكونغرس الأمريكي على الوقوف ببعض من موقف صدام، فلقد جعلوا عضو الكونغرس جيمس موران الأمريكي عبرة لغيره، لأنه قال عن حرب العراق:' هذه الحرب لمصلحة اليهود '. كما جعلوا رئيس وزراء النمسا يوركن هايدر عبرة لغيره أيضًا لأنه شكك في مذابح هتلر لليهود، وهكذا صنعوا بوزيرة المالية الفرنسية وبكل مسؤول أيًا كان وأنى كان وأيًا كان بلده ... وأذلوا بوتين وهو رئيس روسيا حين حاول المساس بتاجر يهودي روسي من أفراد شعبه ...!

أما صدام فإنه لا يفتأ أبدًا من ذكر حقده على اليهود، ومحبة الانتقام منهم، ولقائهم عسكريًا فضلاً عن إطلاق الصواريخ عليهم .

إذًا فلم يكن موقف صدام موقفًا خطابيًا مجردًا، إنما موقف صدقته آلاف المواقف والأعمال لو استطعنا إحصاءها ...

حتى إن كلمة صدام التي ألقاها عنه وزير الخارجية العراقي ناجي صبري في مجلس الأمن الدولي والعالم يعد للحرب على العراق قال صدام: 'إن بوش يتهمنا بأننا نعين الفلسطينيين على الانتفاضة أما في هذه فقد صدق بوش ونحن فخورون بهذا لكن الذي يؤسفنا كثيرًا أن أيدينا تقصر عن الوصول إليهم ' أي بالقوة العسكرية '.

 

وبينما نجد أن أعظم دول العالم في مجلس الأمن لا تجرؤ على ذكر المفاعل النووي الإسرائيلي بكلمة ... لم يترك المندوب العراقي جلسة إلا وتكلم فيها على إسرائيل ..!

بل إن الإنسان والله ليعجب من هذا الرجل وهو يعلم بأنه يستطيع أن يصرف الحرب عن نفسه بأن يجعل لإسرائيل سفارة في العراق ويفتح أنبوب كركوك فورًا إلى إسرائيل ليقيم علاقات تجارية معها ويخفض جيشه، ومع هذا لم يفعل بل استمر على مهاجمتها، بل إن الإنسان ليستغرب من ثباته حتى آخر لحظة قبل ابتداء الحرب والعروض تنهال عليه إلى حين يصل الأمر إلى تضحيته بملكه، وهذا خطابه بعد سقوط بغداد فيما يبدو بتاريخ 9/4/2003 والذي بثه تلفزيون أبو ظبي فقط وهو ينطق بآخر كلمة في خطابه ـ عاشت فلسطين حرة أبية من النهر إلى البحر !!

والعجيب حقًا ما نشرته جريدة البيان الإماراتية في عددها 8335 صورة لكرسي شخصي لصدام حسين لم نره ولا مرة واحدة في التلفزيون أو الصحافة العراقية، أي أنه ليس للإعلان والدعاية والمزايدة مكتوب في أعلاه ' نصر من الله وفتح قريب ' وأسفل منها فوق رأس صدام مباشرة صورة لقبة الصخرة ومكتوب على يمين الكرسي وعن يساره ' القدس لنا ' .

وكنا نتابع التلفاز العراقي بدقة في آخر سنة من أجل تكوين صورة صحيحة عن بعض الأحداث استعدادًا لاحتمالات الحرب ولم نجد خلال هذه الفترة أي صورة لمدخل كركوك، وبعد سقوط العراق وجاء الإعلام العربي والغربي يصور لنا كركوك وإذا مدخلها الرئيس ليس عليه سوى صورة المسجد الأقصى مع العلم أن كركوك هي محافظته الأولى فمسقط رأسه فيها .' انتهى 

هكذا يصبح الربط ما بين الحلقات الخفية السابقة للسلسلة الطويلة مع حلقاتها الأخيرة الظاهرة في صورة المحاكمة الأخيرة ربطاً ضرورياً لا يمكن فهم الموضوع بغيره ..

إن القضية بهذا العمق وبهذا الاتساع تأخذ وضعها الصحيح في الصراع، ذلك أن اليهود يحاربوننا من منطق ديني عقدي قديم متجدد، كما أن القضية بهذه المنهجية تتميز بمعتقدها الشرعي، وبعدها المنهجي عن كل الواقفين ضد إسرائيل من رسميين ومنظمات لأسباب وقناعات معروفة .                                                                                                                                                         

 

بقلم: طالب العلم العراقي