Site hosted by Angelfire.com: Build your free website today!
(تهافت النقاد )

كان من عادة العرب في جاهليتها معاقبة الشاعر الهجّاء بشد لسانه بنسعةٍ، ومن ذلك قول عبديغوث بن الحارث لما أسرته " تَيْمٌ "يوم الكلاب الثاني(1)

أقول وقد شدوا لساني بنسعةٍ

أمعشر تَيْمٍ أطلقوا لي لسانيا

تذكرت هذه العادة عند الجاهليين وأنا أرى أقلام بعض الكتّاب أخذت تحطم ما كان أمامها من إنجازات ، وتنسف ما يعترض طريقها من مكتسبات وذلك كله باسم النقد . وإن المتأمل للنقد الممارس على صفحات الجرائد والمجلات يرى أن كفتي ميزانه تتأرجح بين كفتي البناء والهدم وترجح في أحيانٍ كثيرة كفة الهدم . ذلك أن ثمةَ فرق شاسع بين النقد البناء الهادف المبني على أسسه وأصوله الثابتة والتي لعل من أبرزها العدل في القول ، العدل الذي أُمرنا به حتى مع الأعداء

" ولايجرمنكم شنآن قومٍ على الاتعدلوا اعدلوا هوأقرب للتقوى "(2)

فوجود السلبيات لايعني انعدام الايجابيات ، ووجود الخطأ لايعني بحال عدم وجود الصواب . وقد تقرر سلفاً أنه .

مَنِ الذي ما ساء قط

ومَنْ له الحسنى فقط

والنقد يجب أن يكون أبعد ما يكون عن التجريح ،أو الإسفاف ،او التشهير ،هذا هو النقد الذي نريده بل ونطلب أن يهدى إلينا كما قال عمر "رحم الله امرءاً أهدى إلي عيوبي " . أما النقد الهدام فهو ذلك النوع الذي يسمى نقداً تجوزاً وإلا فهو لايعدو أن يكون نوعاً من التجريح أو إن شئت فقل نوعاً من التشفي الذي تملأ به الجرائد وتسود به الصفحات ، وماحال هؤلاء النقاد والنقد البناء إلاكما قال الشاعر :

ذهبتْ مشرقةً ورحتَ مغربا

شتان بين مشرقٍ ومغربِ

ولعلي لاأستطرد هنا كثيراً ،ولأمثلُ على ما سبق بمثال حي ، وهو ما كتبه أحد هؤلاء النقاد الأفاضل على صفحات مطبوعةٍ تربويةٍ متسائلاً من يعيد للمعلم شخصيته ؟ ثم في ثنايا المقال يقول ما نصه "والحكم بالفشل ليس طبعاً على الكل بل على الغالبية العظمى من المعلمين … !! ثم يستثني الكاتب الأستاذ الجامعي الذي ما زال محافظاً على شخصيته … " فلنناقش أيها الإخوة هذا النوع من النقد بشيءٍ من الموضوعيةِ ،ولعلني لاأقع فيما ذكرتُ في صدر هذا المقال،وألا أخالف ما أنهى عنه من عدم العدل في النقد فنحن الآن بصدد نقد النقد . ختاماً .أقول ماذا لو عادت تلك العادة الجاهلية ؟ فكم هم الذين ستشد ألسنتهم بالنِسَعْ ؟ والذين أشبه ما يكون حالهم مع النقد الهدام بحال الحطيئة مع الهجاء وقوله :

أبت شفتاي اليوم إلا تكلما

بسوٍ فماأدري لمن انا قائله

بل الحطيئة أفضل حالاً من نقادنا اليوم ، ذلك أنه عندما لم يجد من يهجوه نظر إلى نفسه في المرآة وقال :

أرى لي وجهاً قبح الله شكله

وقُبْحِتَ من وجهٍ وقُبِحَ حامله

ولعلنا هنا لا يهمنا ماهي المجلة ؟ ولا من هو الكاتب ؟ بقدر مايهمنا العدل والإنصاف ومنهجية النقد البناء والتي نسعى إليها جميعاً

عبدالله بن محمد السهلي
رئيس قسم تطوير وإعداد الاختبارات
تعليم الرياض
الهوامش : (1) عقوبات العرب على المعاصي للآلوسي (2) سورة المائدة آية (8)