الاستطاعة
د. خداويردي
آدم *
تمهيد
البحث :
كون
الإنسان
قادرا على
فعله أو غير
قادر ، وكونه
قادرا بقدرة
أو قادرا
بمعنى انه صحيح
الجسم ، وكون
القدرة
متقدمة على
الفعل أو مقارنة
له ، مؤثرة
فيه أو غير
مؤثرة ، وكون
القدرة
صالحة
للضدين أو
غير صالحة لهما
، كل هذه
الموضوعات
كانت مثار بحث
وجدل بين
الفرق
الإسلامية
المختلفة ،
لصلتها بالقدرة
الإلهية من
ناحية
وبالعدل
الإلهي ، ونظرية
التكليف
واستحقاق
الثواب
والعقاب أو
المدح والذم
من ناحية أخرى
.
وكان
الاختلاف
أساسا بين
اتجاهين : -
أحدهما
: ينادي بقدرة
الإنسان على
فعله أي بقدرة
متقدمة صالحة
للضدين دون أن
يرى في ذلك
نقضا لقدرة
الله أو
تقليلا
لأثرها ، لأنه
هو الذي منح
الإنسان هذه
القدرة ،
ويتزعم
المعتزلة هذا
الاتجاه .
والثاني
: يقول بأن
الإنسان لا
يقدر على فعله
، وإنما هو
مجرد محل
للقدرة
الإلهية ،
ويتزعم هذا
الاتجاه جهم
بن صفوان .
ثم ظهرت
اتجاهات
متوسطة يقترب
من ناحية
المعتزلة
حينا ومن
ناحية الجبر
أحيانا أخرى ،
وكان من أهم
هذه
الاتجاهات
مدرسة الأشعرية
والماتريدية
التي تميل إلى
القول بوجود إرادة
إنسانية تقف
عند حد العزم
على القيام بالفعل
كما يقول
الماتريدي أو
بوجود مقارنة
قدرة العبد
للفعل كما
يقول الأشعري
. وعلى كل تقوم
القدرة
الإلهية بخلق
الفعل وهذا ما
عرف بأيم
نظرية الكسب .
مفهوم
الاستطاعة
الاستطاعة
والقوة
والقدرة
والطاقة والوسع
أسماء
متقاربة
المعنى متحدة
المقاصد عند
أهل اللغة ،
ومترادفة
عند
المتكلمين [1].
وتطلق
الاستطاعة
على معنيين : -
أحدهما
: سلامة
الأسباب
والآلات
والجوارح .
وثانيهما : عرض
يخلقه الله
تعالى في الحيوان
يفعل به
الأفعال
الاختيارية [2]
قد ذهب إلى
هذا المعنى
الثاني بعض
المتكلمين من
المعتزلة أهل
السنة حيث
قالوا أن الاستطاعة
هي صفة وجودية
يتأتى معها
الفعل بدلا من
الترك أو
الترك بدلا من
الفعل[3] ، وذهب
البغداديون
وثمامة وبشر
من المعتزلة
والرازي وابن
حزم إلى أن
الاستطاعة هي
السلامة وصحة
الجوارح
وتخليها من
الآفات ، فتكون
صفة عدمية
ليست أمرا زائدا
على الجسم مثل
العرض أو غيره
[4]
.
كون
الاستطاعة
متقدمة على
الفعل آو
مقارنة له
1 - كون
الاستطاعة
متقدمة على
الفعل أو
مقارنة له عند
المعتزلة
ذهب
المعتزلة
بأسرهم إلى أن
الاستطاعة
تكون قبل
الفعل ، ولا
يجب أن تكون
مقارنة له ،
وإلا لزم
التكليف بما
لا يطاق[5].
واسْتَدَلّوا
على تقدم
الاستطاعة
على الفعل
بأدلة ملخصها
:-
إن
التكليف حاصل
قبل الفعل
ضرورة إن الكافر
مكلف
بالإيمان
وتارك الصلاة
مكلف بها بعد
دخول الوقت ،
فلو لم تكن
الاستطاعة
متحققة حينئذ
لزم تكليف
العاجز وهو
باطل ، وأيضا
إن الحاجة إلى
القدرة لأجل
أن ينتقل
الفعل من
العدم إلى
الوجود ، وحال
حدوث الفعل قد
صار الفعل
موجودا ، فلا
حاجة به إلى
القدرة ،
والذي يدل على
أن الفعل إنما
يحتاج إلى
القدرة
لخروجه عن
العدم إلى
الوجود ، هو
انه لا يخلو
إما أن يكون
محتاجا إليها لهذا
الوجه أو
لغيره ، لا
يجوز أن يكون
محتاجا إليها
لغير هذا
الوجه لان
احتياج الفعل
إلى القدرة
ظاهر ، فلا
يخلو هيئة إما
أن يكون محتاجا
إليها في حالة
الوجود
والحدوث ، أو
في حالة العدم
. لا يجوز أن
يكون محتاجا
إليها في حالة
الوجود ، لان
حالة
الوجود حالة
الاستغناء
عنها ، وان
القدرة لو
وجبت أن تكون
مقارنة
لمقدورها في
الشاهد لوجبت
في الغائب
أيضا ، ذلك
يقتضي إما قدم
العالم أو
يكون القديم
قادرا بقدرة
محدثة ، وهو
فاسد[6].
واستدلوا
أيضا بقوله
تعالى {
ولله على
الناس حج
البيت من
استطاع إليه
سبيلا } ،
وقالوا في وجه
الدلالة : انه
لو لم تتقدم
الاستطاعة
على الفعل
لكان الحج لا
يلزم أحدا قبل
أن يحج[7].
ثم إن حالة
القدرة في
تقدمها على
مقدوراتها
يختلف
باختلاف
أنواع
المقدورات
نفسها ،
والمقدورات
على ما نعلم
نوعان :
1 -
مبتدأة ،
كالإرادة .
والقدرة هنا
متقدمة بوقت
واحد ، أما في
الوقت الثاني
، فان الفعل
قد وقع .
2 -
متولدة ،
كالصوت ، وهي
نوعان :
أولا : ما
لايتراحى عن
سببه
كالمجاورة مع
التأليف ،
وحاله كحال
المبتدئة في
التقدم بوقت
واحد .
وثانيا
: وما يتراحى
عن سببه ، فلا
يمتنع أن تتقدمه
القدرة
بأوقات ، وان
كان يجب أن
يتقدم السبب
بوقت واحد فقط
، كالإصابة مع
الرمي وهكذا .
تختلف القدرة
في هذا الوجه
عن سائر
المعاني الأخرى
، كالشهوة
مثلا تقارن مع
الفعل ، لان حكمها
الالتذاذ وهو
لا يكون إلا
مقارنا ، والعلم
يجب مقارنته
للفعل مع
تقدمه ، لأنه
يؤثر في وجود
الفعل على وجه
دون وجه ، إذ
لابد من
مخصص ، كذلك
الإرادة
لأنها من قبيل
القصد والعزم
، فإنها تتقدم
وقد تقارن أول
الفعل . أما
القدرة فإنها
لما كانت مؤثرة
في حدوث الفعل
فإنها لابد من
تقدمها ليصح
حصوله بها [8].
وذكر
العلاف أن
القدرة على
الفعل تكون
قبل الفعل ،
فإذا وجد
الفعل لم يكن
للإنسان حاجة
بوجه من
الوجوه [9].
ومثل ذلك ،
قال النظام
حين اثبت
للإنسان قدرة
على الفعل على
أن لا تصحب
الفعل بل تكون
قبل وقته .
فإذا أراده
الإنسان فعلا
من الأفعال
سبقت قدرته
عليه وقوعه
بالفعل ،
فتوجد قدرته
في الوقت الذي
يسبق وقوع
الفعل مباشرة
، ويسمى الوقت
الذي تتقدم
فيه القدرة
على الفعل الوقت
الأول ، بينما
يسمى الوقت
الذي يقع فيه
الفعل الوقت
الثاني . وقد
عبر النظام في
ذلك بان الفعل ( يوصف
بفعل قبل وجود
وقته ، ثم يوصف
بفعل بعد
وجود
وقته ) [10].
ويتضح من
هذا أن الفعل
عند المعتزلة
إنما يوجد من
جهة القادر
على وجه الصحة
والاختيار ،
أي أن القدرة
يمكن أن تؤثر
أو لا تؤثر ولا
يجب إذا ما
اتضح هذا أن
تكون مؤثرة لا
محالة ، لان
القدرة صالحة
للضدين عندهم
كما سيأتي بيانه
.
وقد استدل
القاضي عبد
الجبار على
القدرة غير
موجبة
لمقدورها بما
يلي : -
1- لو
أنها كانت
كذلك لكان
مقدور
الإنسان أو فعله
من الله ، ولا
يجوز
الاعتلال بان
الفعل مقدور
لقادرين ،
لأنه لا يصح
على أصول
القاضي وكثير
من المعتزلة .
2 - ثم
لو كانت كذلك
لأدى هذا
القول إلى
إبطال الأمر
والنهي
والمدح والذم
على أفعال
العقلاء ، لان
الفعل من الله
لا منها ، وما
أدى إلى إبطال
المعلوم
ضرورة فهو
باطل . ولا يصح
ذلك على أصول
المعتزلة
لأنه حينذاك
يثبت أن العبد
غير مختار ،
وهو بمنزلة
أمر مرمي من
شاهق بان لا ينزل
.
2 - كون
الاستطاعة
متقدمة على
الفعل أو
مقارنة له عند
الأشعرية
يرى
الأشعري أن
هذه القدرة أو
الاستطاعة لا
يمكن أن توجد
في الإنسان
سابقة على فعله
، بل وجودها
في الإنسان
مقارن لوجود
الفعل ، فهما
يوجدان في
الواقع معا ،
لان الفعل إذا
وجد في الخارج
بعد وجود
الاستطاعة ،
فمعنى ذلك
وجود الفعل في
الخارج في حال
انعدام القدرة
وهو
محال[11]،
لأنه لو جاز
ذلك لجاز حدوث
الفعل بعد
انعدام
القدرة بزمن
طويل ، وهذا
بين الفساد ،
فان الإحراق
لا يمكن أن
يقع بحرارة قد
عدمت منذ مائة
سنة مثلا .
وكون
القدرة مع
الفعل في مذهب
الأشعري مبني
على القدرة
عرض ، والعرض
عنده لا يبقى زمانين
. إذ لو بقى
فإما أن يبقى
لذاته أو لوجود
صفة البقاء به
، فتكون باقية
ببقاء تلك
الصفة ، ولا
يمكن أن يبقى
لنفسه وإلا
وجب أن تكون
نفسه بقاء له
وان لا توجد
إلا باقية ،
وفي هذا ما
يوجب أن تكون
باقية في حال
حدوثها وهو
باطل ، كما لا
يمكن أن تبقى
لبقاء يقوم
بها لان
البقاء صفة ،
والصفة لا
تقوم بالصفة
وإلا لجاز أن
تقوم بالقدرة
قدرة
وبالحياة
حياة ، وهذا
بين الفساد
والاستحالة [12]
. وإذن فمن
الواجب عنده
أن قدرة
الإنسان أو الاستطاعة
لا يمكن أن
تتقدم الفعل
أو أن تبقى بعده
، بل هي تقوم
في الإنسان في
حال الفعل ومن
اجل الفعل من
غير أن تتقدم
وجوده أو تبقى
بعد حصول
الفعل[13].
وأما ما
قيل بجواز
تجدد أمثالها
، فلا يلزم
وقوع الفعل
بدون القدرة
حين سبقها على
الفعل . فهذا
غير ممتنع عند
الاشعري ،
وإنما الممتنع
عنده فيما إذا
القدرة التي
بها الفعل هي
القدرة
السابقة
فيلزم وقوع
الفعل بدونها ،
وأما جعل
القدرة المثل
المتجددة
المقارنة لفعل
فهو اعتراف
بان القدرة
التي بها
الفعل لا تكون
إلا مقارنة
للفعل ،
والأشعري لا
يدعي انه لا
قدرة أصلا قبل
الفعل ، غاية
ما في الأمر انه
لا دليل على
ثبوت القدرة
التي بها
الفعل قبله ،
وإنما الثابت
أنها تحدث مع
الفعل ، لان الأصل
العدم قبل .
وحاصل هذا
انه ليس نفي
وجود المثل
السابق داخلا
في دعوى
الأشعري[14]،
ولهذا حاول
المتأخرون من
الأشعرية
تأويل قول
الأشعري بما
لا يتعارض مع
هذا المبدأ ،
فذكر الشيخ
الكوثري في
تعليقه على
العقيدة النظامية
للجويني : إن
الناس
اختلفوا في
فهم كلام الأشعري
في قدرة العبد
، وقرر أن
الأشعري لا ينكر
أن للعبد قدرة
موجودة قبل
الفعل ، وهي
القوة
المنبثة في
أعضاءه والتي
يعبر عنها
سلامة الأسباب
والآلات[15]
إلا أن هذا
لا يمنع في
الحقيقة أن
القدرة
المُسْتَجْمِعَة
لشرائط
التأثير في
الفعل والتي
أثبتها
الأشعري لا
تتحقق إلا عند
تعلق قدرته
بالفعل .
وحاول
الرازي أن
ينقد الفكرة
على نحو آخر ،
فجعل للقدرة
معنيين :
أحدهما
: مجرد القوة
التي هي مبدأ
الأفعال المختلفة
وهي سلامة
الأعضاء
وثانيهما
: القوة
المستجمعة
لشرائط
التأثير . فالقدرة
بالمعنى
الأول تكون
قبل الفعل
وتتعلق
بالضدين ،
وأما القدرة
بالمعنى
الثاني فلا
تكون إلا مع
الفعل ولا يصح
أن تتعلق
بالضدين [16]
.
ولهذا
يقول الرازي (
فنقول ، قول
من يقول :
الاستطاعة
قبل الفعل
صحيح من حيث
أن المزاج
المعتدل سابق
. وقول من يقول
الاستطاعة مع الفعل
صحيح من حيث
انه عند حصول
مجموع القدرة والداعي
الذي هو
المؤثر التام
الذي يجب حصول
الفعل معه )[17]
3- كون الاستطاعة
متقدمة على
الفعل أو
مقارنة له عند
الماتريدية :
ذهب مشايخ
الماتريدية
إلى ما ذهب
إليه
الأشعرية وهو
أن القدرة أو
الاستطاعة لا
تكون قبل
الفعل ، فيقول
الماتريدية
في إيضاح رأي
أهل السنة أن القدرة
تطلق على
معنيين :
الأول
: سلامة
الأسباب وصحة
الآلات ،
والثاني :
حقيقة القدرة
التي يقع بها
الفعل .
فالقدرة
بمعنى سلامة
الأسباب تكون
قبل الفعل ،
وهي لا توجب
وجود الفعل
وان كانت الأفعال
لا تقوم إلا بها .
ولا يصح التكليف
بدون هذه
القدرة
لاستحالة
الأمر
باستعمال سبب
ليس بموجود ،
كما يقال لمن
ليس به بصر ( ابصر ) ،
وكما يقال لمن
ليس له يد ( مد
يدك ) . وهذا هو تأويل
قوله
تعالى { لا
يكلف الله
نفسا إلا
وسعها }[18]،
والى هذا
النوع من
القدرة
الإشارة في
قوله تعالى {
ولله على
الناس حج
البيت من
استطاع إليه سبيلا }[19]،
فان الله
تعالى إنما
يكلف بالحج من
توافرت له سبل
الحج . وهذا لا
يكون إلا إذا
كانت هذه السبل
متحققة قبل
التكليف ،
وهذه هي
القدرة بمعنى
سلامة
الأسباب ،
وتكون قبل
الفعل .
أما النوع
الثاني من
القدرة فلا
نعلم من
حقيقتها إلا أن
هذه القدرة
توجب وجود
الفعل عند
وجودها ، وإذا
فهي مقارنة
للفعل لا
تسبقه ولا
تتأخر عنه وصحة
التكليف لا
تعتمد على
هذه
القدرة ، بل
التكليف ثابت
قبلها ، لأن
العبد لو لم يكن
مكلفا بأداء
فريضة الحج
والصلاة
وغيرهما من
الفرائض قبل
وجود حقيقة
القدرة التي
يقع بها الفعل
وهي لا توجد
إلا عند
القيام بهذه
الأعمال ،
لكان له
التخلف عنها ،
إذ هي غير
واجبة عليه
قبل الشروع
فيها ، وهذا
باطل لان
الأمر الشرعي
ثابت من قبل ...
فثبت بهذا أن
مدار التكليف
هو سلامة
الأسباب
والآلات لا
حقيقة القدرة [20]
.
واستدل
الماتريدية
على أن حقيقة
القدرة
مقارنة للفعل
لا قبله بكثير
من الأدلة ،
منها :
1 - أن
القدرة ليست
من أجزاء
الجسم ، فهي
إذا عرض في
الحقيقة ،
والأعراض لا
تبقى ، لأنها
تحتمل الفناء
، وما يحتمل
الفناء لا
يجوز البقاء
بنفسه ،
فيحتاج في
بقاءه إلى
بقاء آخر ،
وهو أيضا عرض
، لا قيام له
بذاته ، فمحال
قيام البقاء ببقاء
آخر ، فبطل
بقاء القدرة
بنفسها ، ولزم
القول بكون
القدرة
مقارنة للفعل
لا قبله ، وإلا
لزم وقوع
الفعل بدون
قدرة [21]
.
فان قيل
انه لا يلزم
من استحالة
بقاء الأعراض
وقوع الفعل
بلا قدرة ، لا
مكان تجدد الأمثال
عقيب الزوال .
أجاب
الماتريدي في
هذا بما حاصله
: أن القول
بوقوع الفعل
بالقدرة
المتجددة ،
يلزم
الاعتراف بان
القدرة
مقارنة للفعل
لا قبله . ثم أن
وجود القدرة
السابقة ، إذا
كان لا ينفع
في وقوع الفعل
وهي موجودة ،
فوجودها وقت
وجود الفعل وعدمها
سواء[22].
2 - إن
القدرة لو
كانت موجودة
قبل الفعل
لصار العبد
مستغنيا عن
الله في جميع
أفعاله قبل وجودها
. وقد جعل الله
الخلق جميعا
فقراء إليه
فلا يجوز أن
يكون هم غنى
عنه بأي حال من
الأحوال كما
قال الله
تعالى { والله
الغني وانتم
الفقراء }[23]